النص المفهرس
صفحات 141-160
قالَ الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ أو تَرَكْتُموهَا قائمةً على أُصولِها فبإِذْنِ الله ولِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥](١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البيهقي في ((الدلائل)) ٣٥٧/٣ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ١٢٣/٢ و١٤٠، والبخاري (٤٠٣١) و(٤٨٨٤)، ومسلم (١٧٤٦)، وأبو داود (٢٦١٥)، والترمذي (١٥٥٢) و(٣٣٠٢)، وابن ماجه (٢٨٤٤)، والبيهقي ٨٣/٩ من طرق عن الليث بن سعد، به. وقال الترمذي : حسن صحيح . قلت: وبنو النضير: طائفة من اليهود، قال عروة - فيما رواه عنه عبد الرزاق (٩٧٣٢): غزاهم رسول الله وَّر على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية من المدينة، فحاصرهم رسولُ اللهِ وَّله حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنّ لهم ما أقلَّت الإِبل من الأمتعة والأموال إلّ الحَلْقَةَ - يعني السلاح - فأنزل الله فيهم: ﴿سبِّحَ اللهِ مَا فِي السَّماواتِ ومَا فِي الأَرضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيم ◌ُو الَّذي أَخْرَجَ الَّذين كَفَرُوا من أهل الكتاب مِنْ ديارِهم لأول الحشر﴾ فقاتلهم النبي ◌َّ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سِبْطٍ لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء. وقوله: ((سَراة بني لؤي)) هو بفتح السين وتخفيف الراء جمع سري: وهو الرئيس، وبنو لؤي: هم قريش. والبويرة: مصغر بؤرة، وهي الحفرة، وهي هنا: مكان معروف بين المدينة وبين تيماء، وهي من جهة قبلة مسجد قباء إلى جهة الغرب، ومستطير: مشتعل. وإنما قال حسان ذلك تعبيراً لقريش، لأنَّهم كانوا أغروهم بنقض العهد، وأمروهم به، ووعدوهم أن ينصروهم إن قصدهم النبي ◌َّر. وقوله تعالى: ﴿مِن لِينةٍ﴾ قال أبو عبيدة: أي من نخلة، وهي من ألوان النخل كلها إلّ العجوة والبُرْنِيّة، قاله الزهري وأبو عبيدة وابن قتيبة. وقال الزجاج: أهل المدينة يسمون جميع النخيل: الألوان ما خلا البرني والعجوة وأصل لينة: لِوْنَة، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. ١٤١ ١١١٠ - حدثنا يزيدُ بنُ سنانٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ حمَّادٍ، قال: حدثنا جُوَيْرِيَةُ بنُ أسماء، عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، أن النبيَّ لَّ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّصِيرِ، ولها يقولُ حَسَّانُ بنُ ثابتٍ :- وهَانَ عَلَى سَرَاةٍ بَنِي لُؤَيِّ حَرِيقُ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ فأجابَ أبو سفيانَ بُ الحارثِ: أَدَامَ الله ذلكَ مِنْ صَنِيعٍِ وحَرَّقَ في نَواحِيَها السَّعِيرُ(١) قال أبو جعفرٍ: فقالَ قائلٌ: في حديثٍ يونسَ الذِي رويتَهُ من هذه الأحاديثِ ما قَدْ دَلَّ أنَّ نُزولَ قولِهِ عز وجل: ﴿ما قَطَّعْتُم مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية إنَّما كانَ ذلكَ بعدَ أنْ كانَ منهم مِنَ القَطْعِ والتحرْيقِ ما كانَ، وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الحديثَ محالٌ (٢)، لأنَّ الله عز وجل لا يُنَزَّلُ على رسولِهِ نَّه شيئاً إلَّ ما يُفِيدُ بِهِ أُمَتَهُ، يعنِي لَيَستعملوهُ في فَرائِضِهِ (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البيهقي في ((السنن)) ٨٣/٩، وفي ((الدلائل)) ٣٥٧/٣ من طريق رجاء بن الجارود، عن يحيى بن حماد، بهذا الإِسناد. ورواه الطيالسي (١٨٣٣)، والبخاري (٢٣٢٦) و(٤٠٣٢)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٣٥٦/٣ من طرق عن جويرية بن أسماء، به. ورواه الدارمي ٢٢٢/٢، ومسلم (١٧٤٦) (٣١)، وابن ماجه (٢٨٤٥)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٣٥٨٣٥٧/٣ من طريق عبيد الله بن عمر، والبيهقي ٨٣/٩ من طريق إسماعيل بن إبراهيم كلاهما عن نافع، به. قلت: وأبو سفيان بن الحارث هو ابن عبد المطلب، وهو ابن عم النبي ◌َ﴾ وكان حينئذٍ لم يسلم وقد أسلم بعد الفتح، وثبت مع النبي #1 بحنين. (٢) في الأصل: محالاً، وهو خطأ. ١٤٢ عليهم، وفي تعبُّدِهِ إِيَّهُم. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونِهِ أنَّ هذا الحديثَ لم يستوعب السبَّبَ الذي كان فيه نزولُ هذه الآيةِ، وأَنَّه قد كانَ من المسلمينَ قبلَ نزولِهَا مَا كانَ من نزولِهَا فيه عليهم أكبرُ الفائدةِ، ولم نَجِدْهُ إلَّ في حديثٍ يُروى عن عبدِ الله بنِ عباسٍ . ١١١١ - كما حدثنا أحمدُ بنُ شعيب بن عليٍّ، قال: حدثنا الحسنُ بنُ محمدٍ الزعفرانيُّ، عن عفانَ، قال: حدثنا حفصُ بنُ غياثٍ، قال: حدثنا حبيبُ بنُ أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ عن ابن عباسٍ في قولِ الله جل وعز: ﴿ما قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ أو تَرَكْتُموهَا قَائمةُ على أُصولِها﴾ قال: اللِّينَةُ: النخلُ، ﴿وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ قال: استَنْزَلُوهُمْ مِنْ حُصُونِهِم وأُمِرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ، فَحَكَّ في صُدورِهمْ، فقالَ المسلمونَ: قد قَطَعْنَا بعضاً وتركنا بعضاً، فَلَنَسأَلَنَّ رسولَ اللهِ وَّ: هل لنا فيما قطعْنَا مِنْ أجرٍ ومَا عَلَيْنا فِيما تركنا مِنْ وزْرٍ؟ فأنزل الله جل وعز: ﴿ما قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ أو تَرَكْتُموهَا قائمةً على أصولها) الآية. قالَ الحسنُ بنُ محمدٍ : كان عفانُ يُحدثنا بهذا الحديثِ عن عبد الواحدِ، عن حبيبٍ، ثمَّ رجعَ فَحَدَّثنا بهِ عن حفصٍ (١). (١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير الحسن بن محمد الزعفراني، فمن رجال البخاري . ورواه الترمذي (٣٣٠٣)، والنسائي في ((الكبرى) كما في ((التحفة)) ٤٠٨/٤ عن الحسن بن محمد الزعفراني، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: حسن غريب. وزاد نسبته السيوطي في ((الدر المنثور)) ٩١/٨ إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه. ورواه الترمذي بإثر حديث ابن عباس، عن عبد الله بن عبدالرحمن، عن = ١٤٣ قال أبو جعفر: فعقَلنا بذلكَ أنَّ هذه الآيةَ أنزلَهَا الله عز وجل على رسولِ اللهِ وَ﴿، لِيَعْلَمَ بها المسلمون أنَّ الذي كانَ من قطعِهم لِمَا قَطَعُوا مِنْ نخل بَنِي النَّضير وتحريقِها مباحٌ لهم لَا إِثْمَ عَلَيهم فِيه، وأنَّ الذي تركُوهِ مِنها، فلم يقطعُوه ولم يُحَرَّقُوهُ مباحٌ لهم لَ إِثْمَ عَلَيهم فِيه، فَبَانَ بذلك موضعُ الفائدةِ في نزول هذه الآيةِ. وقال قائلٌ آخر: قد رُوي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيما كَانَ تقدَّمَ بِهِ إلى أمراءِ الأجنادِ لَمَّ وَجَّهَهُمْ إِلى الشَّامِ، ما يدلُّ على خلافِ ما في هذه الأحاديثِ، عن ابنِ عمر، وابنِ عباسٍ . وذَكَرَ ما حدثنا يونسُ، قالَ: حدثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدثني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، قال: حدثني سعيدُ بنُ المسيب أن أبا بكرِ الصديقَ رضي الله عنهُ لما بَعَثَ أمراءَ الجنودِ نحوَ الشام: يزيدَ بنَ أبي سفيانَ، وعَمْرَوبنَ العاص ، وشُرَحْبِيلَ بنَ حَسَنَةً، قال: أُوصِيكُمْ بتَقْوى الله عز وجل، اغْزُوا في سبيل الله، قاتِلُوا من كَفَرَ باللهِ، فإنَّ الله ناصرٌ دينَهُ، ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تَجْبُنُوا، ولا تُفْسِدوا في الأرض ، ولا تُغْرقُنَّ نَخْلًا، ولا تَحرقُنّها، ولا تَعْقِروا بَهِيمةً، ولا شَجَرةُ تُثْمِرُ، ولا تَهْدِموا بِيعَةً(١). = مروان بن معاوية، عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جُبير، عن النبيِّ مَلّر، مرسلاً. وفي الباب عن جابر عند أبي يعلى (٢١٨٩) قال: رُخُص لهم في قطع النخل، ثم شدد عليهم، فأتوا النبي ◌َّجه، فقالوا: يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا أو علينا وزر فيما تركنا؟ فأنزل الله: ﴿ما قطعتم من لِينةٍ أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ وفي سنده سفيان بن وكيع، وهو ضعيف. (١) رجاله ثقات رجال الشيخين، إلاّ أنه منقطع، سعيد بن المسيب لم يدرك = ١٤٤ = أبا بكر. ورواه بأطول مما هنا البيهقي ٨٥/٩ من طريق عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، بهذا الإِسناد. وروى البيهقي بإسناده بإثر هذا الحديث إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: هذا حديث منكر، ما أظن من هذا شيء، هذا كلام أهل الشام أنكره أبي على يونس من حديث الزهري، كأنه عنده من حديث يونس عن غير الزهري . ثم روى عن الشافعي أنه قال: ولعلّ أمر أبي بكر رضي الله عنه بأن يكفوا عن أن يقطعوا شجراً مثمراً إنما هو لأنه سمع النبي و * يخبر أن بلاد الشام تفتح على المسلمين، فلما كان مباحاً له أن يقطع ويترك، اختار التَّرك نظراً للمسلمين، لا لأنه رآه محرَّماً، لأنه قد حضر مع النبي ◌َّ تحريقه بالنضير وخيبر والطائف. قلت: وحمل الإمام الطبري نهي أبي بكر على القصد لذلك بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال، كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو ما أجاب في النهي عن قتل النساء والصبيان. وروى نحو هذا مالك في ((الموطأ)) ٤٤٧/٢-٤٤٨، ومن طريقه البيهقي ٨٩/٩، ورواه عبد الرزاق (٩٣٧٥) عن ابن جريج، كلاهما عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر ... فذكره، وهذا إسناد رجاله ثقات إلّ أنه منقطع. يحيى بن سعيد - وهو الأنصاري - لم يدرك زمن أبي بكر. ورواه بنحوه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٣٨٣) عن عبد الله بن وهب، عن عمروبن الحارث أن سعيد بن أبي هلال، حدَّثه عن عبد الله بن عبيدة أنَّ أبا بكر الصديق ... وهذا منقطع إن كان عبد الله بن عبيدة هو الرَّبذي. ورواه البيهقي ٩٠/٩ من طريق ابن إسحاق، حدثني صالح بن كيسان، قال: لما بعث أبو بكر يزيد بن أبي سفيان - وهو منقطع أيضاً -. ورواه بأطول مما هنا أبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (٢١) من طريق کوثر بن حکیم - وهو ضعيف۔، عن نافع، عن ابن عمر. ١٤٥ قال هذا القائلُ: فأبو بكرٍ - رضي الله عنه - قد قَرَأَ هذه الآيةَ، وقد قرأْهَا أمراءُ الأجنادِ الَّذِين تقدَّمَ إليهم بما تقدَّمَ إليهم بِهِ في هذا الحديثِ، وكانَ ما تقدَّمَ إليهم بِهِ مِنْ ذلكَ بحضرةِ سِواهُمْ من أصحاب رسولِ الله ◌َّ الّذين قَرَؤوا هذه الآيةَ أيضاً، وكانَ في ذلك ما قد دلَّ على أنَّ هذه الآيةَ لم تكن نزلتْ في المعنى المذكورِ في حديثيْ ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ أنَّ نزولَها كانَ فِيهِ. فكان جوابُنا له في ذلكَ بتوفيقِ الله وعونِهِ أنَّ الذي فِي ذَيْنِكَ الحديثين من السبب الذي كان فيه نزولُ هذه الآيةِ كما فيهما، وأنَّ [ما] في حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه هذا غير مُخالفٍ لذلكَ؛ لأنَّه قد كانَ على علمٍ مِنْ عَوْدِ الشَّامِ إلى أيدِيهِم، ومِنْ فَتْحِهِم لَهَا، ومِنْ غَلَبَتِهِمُ الرُّومَ عليها بما كانَ رسولُ اللهِ نَّهِ أَعْلَمَهُم إِيَّاهُ مِنْ ذلكَ. ١١١٢ - حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وهب، أن مالكاً حدثهُ عن هشام بن عروةَ، عن أبيهِ، عن عبدِ الله بن الزبيرِ عن سفيانَ بن أبي زهيرِ، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َّهِ يقولُ: ((تُفْتَحُ اليَمنُ، فيأتي قومٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحمَّلونَ بِأَهلِيهم ومَنْ أَطَاعَهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لَوْ كانُوا يعلمونَ، وتُفتحُ العِراقُ، فيأْتِي قومٌ يَبْسُّونَ، فَيَتَحمُّلُونَ بأهليهم ومَنْ أَطاعَهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لوْ كانُّوا يعلمونَ، وتُفتحُ الشامُ، فيأْتِي قومٌ يَبْسُّونَ، فَيَتحَمَّلونَ بأَهْلِيهِم ومَنْ أَطَاعَهم، والمدينةُ خيرُ لهم لو كانُوا يعلمونَ))(١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو في ((الموطأ)) ٨٨٧/٢ ٨٨٨، ومن طريق مالك رواه ابن حبان (٦٦٧٣). وانظر تمام تخريجه فيه. وقوله: ((يُبُسُّون)) بفتح الياء وضم الباء ويكسرها من: بس يبس معناه: يسوقون = ١٤٦ ١١١٣ - وكما حدثنا أبو أميةَ، حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ قال: حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيهِ، عن عبدِ الله بن الزبير، عن سفيانَ بن أبي زهير(١)، ثم ذَكَرَ هذا الحديثَ، غير أنه قال: ثم تُفْتَحُ العِراقُ، وزادَ قال عبدُ الله بنُ الزبير: ثم بَلَغَنِي أن سفيانَ بالموسمِ ، فأتيتُه، فسألتُهُ عن هذا الحديثِ، فَقالَ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ مِنْ رسولِ اللهِ وَلَ، ثم أَعادَهُ عنْهُ كما حدَّثَنِي(٢). ١١١٤ - وكما حدثنا محمدُ بنُ سنانٍ الشَّيزَرِيُّ، قال: حدثنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ حمزةَ، قال: حدثنا نصرُ (٣) بنُ عَلْقَمَة، عن جُبَيْرِ بن نُفَيْرِ عن عبدِ الله بن حَوَالَةَ، قال: كنا عندَ النبيِّ وَلَه، فشكونَا إليه الفَقْرَ والعُريَّ، وقلَّةَ الشَّيْءِ، فقال: ((أَبْشِروا، فوالله لََّنَا وكثرةُ الشيءٍ أَخْوَفُ عليكمْ مِنْ قِلَّتِهِ، والله لا يزالُ هذا الأمرُ فيكم حتى تُفتح لكم أرضُ فارس والرومِ وأرضُ حميرَ، وحتى تكونوا أجْنَاداً ثلاثةً: جندٌ بالشامِ، وجندٌ بالعراقِ، وجندٌ باليمن، وحتى يُعطى الرجلُ المئةَ الدِّينار، فيسخَطها)) قال ابنُ حَوَالَة: فقلتُ: يا رسولَ الله مَنْ يَستطيعُ الشامَ وبها الرومُ ذواتُ القُرونِ؟ قال رسول الله وَّهِ: ((والله لَيَستَخْلِفَنْكُم الله فيها حتى تظلُّ العِصَابةُ منهم، البيضُ قُمُصُهمْ، المُحَلَّقَةُ أَقْفاؤهم، = دوابهم، والبسُ: سوق الإِبل، تقول: بَسْ. بَسْ عند السوق وإرادة السرعة. (١) في الأصل: وهب، وهو تحريف. (٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه أحمد ٢٢٠/٥ عن يونس - وهو ابن محمد المؤدب - عن حماد بن زيد، بهذا الإِسناد. وانظر ما قبله. (٣) تحرف في الأصل إلى: نصرة. ١٤٧ قياماً(١) على الرجل الأسودِ منكم المَحْلُوقِ، وإنَّ بها اليومَ رجالاً لَّأَنْتُم أحقَرُ في أعيُنِهِمْ من القِرْدَانِ فِي أَعْجَازِ الإِبلِ)). قال ابنُ حوالَةَ : فقلتُ: يا رسولَ الله، خِرْ لِي إِنْ أَدْرَكَني ذُلكَ، قال: ((أَخْتَارُ لكَ الشامَ، فإنَّها صَفْوَةُ الله من بلادِهِ، والله يَجْتَبِي صفوتَهُ مِنْ عبادِهِ بأهلِ الإِسلام، فعلَيْكُمْ بالشام ، فإنَّ صفوةَ الله من الأرضِ الشامُ، فَمَنْ أَبَى فَيَسْقِيَ بِغُدُرِ اليمن، فإنَّ الله قد تكفَّلَ لِي بالشامِ وأهلِه))، فسمعتُ عبدَالرحمْنِ بنَ جبيرٍ، يقول: فعرفَ أصحابُ النبيِّينَ﴿ نعتَ هذا الحديثِ فيَ جَزءٍ بن سهيلٍ السُّلميِّ، وكانَ ولِيَّ الأعاجِمِ ، وكان أُوَيْدِماً قصيراً، فكانُوا يمرُّون وتلكَ الأعاجِمُ قيامٌ لا يأمُرُهم بالشَّيْءِ إلَّ فعلُوه، يتعجَّبُون مِنْ هذا الحديثِ(٢). (١) في الأصل ((قيام)) وهو خطأ. (٢) حديث صحيح، هشام بن عمار قد توبع، ومن فوقه ثقات، وقول الحافظ في ((التقريب)) عن نصربن علقمة: مقبول، غير مقبول، فقد روى عنه جمع، ووثقه دحيم، وابن حبان، قلت: وحديث نصربن علقمة عن جُبير بن نُغير مرسل، قاله أبو حاتم، لكنه قد صرح هنا بالواسطة بينهما وهو عبدالرحمن بن جبيربن نفير كما في آخر الحديث. ورواه مختصراً إلى قوله ((فيسخطها)): أبو نعيم في ((الحلية)) ٣/٢-٤ من طريق الحسن بن سفيان، عن هشام بن عمار، بهذا الإِسناد. ورواه بطوله الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ٢٨٨/٢-٢٨٩، ومن طريقه البيهقي في ((الدلائل)) ٣٢٧/٦ عن عبد الله بن يوسف، عن يحيى بن حمزة، به. ورواه ابن حبان (٧٣٠٦)، والحاكم ٥١٠/٤، وأحمد ٣٣/٥-٣٤، ويعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) ٣٠٢/٤ من طرق عن مكحول، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبد الله بن حوالة، قال: قال رسول الله وَله: ((إنكم ستجندون أجناداً جنداً بالشام، وجنداً بالعراق، وجنداً باليمن)) قال: قلت: يارسول الله خِرْ لي؟ قال: ((عليك بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليسق من غُدَرِهِ، فإن الله تكفَّلَ لي بالشام وأهله)) . = ١٤٨ قال أبو جعفرٍ: فكانَ أَمْرُ أبي بكرٍ رضي الله عنه أمراءَ الأجنادِ بِمَا أُمَرَهُمْ به في حديثِهِ الذي روينَاهُ لهذا المعنى الذي في هذه الأحاديثِ، ولما قد حَضَّهم عليه من الصلاةِ بِإِيلِياءَ، ومِنْ شدِّ المَطايا إليها مِمَّا تقدَّم ذكرُنَا لَهُ في كتابِنَا هُذا، ولِمَا قَدْ رُوِيَ عنْهُ وََّ من قولِهِ: ((وَمَنَعَتِ الشامُ مُدْيَها ودينارَها)) أي: أنَّها ستَمنعُ مُدَيَها ودينارَها الواجِبَين في أرضِهَا، وذلكَ لا يكونُ إلا بعدَ افِتَاحِهِمْ إِيَّها، وغَلَبَتِهِم عليها، وسنذكرُ هُذا الحديثَ فيما بعدُ مِنْ كتابِنَا هُذا إنْ شاءَ الله. والله نسألُهُ التوفيقَ . = ورواه أحمد ٢٨٨/٥ من طريق حريز، عن سليمان بن شهر، عن عبد الله بن حوالة. وقوله: ((وليسق من غُدَرِه)) جمع غدير، أي: حياضه. ١٤٩ : ١٧٣ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ الله وَله في قيامِ الرجالِ بعضِهم إلى بعضٍ ١١١٥ - حدثنا أبو القاسم هِشامُ بنُ محمدٍ بن قرَّةَ بن أبي خليفةَ، قال: حدثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمد بنُ سلامة بنُ سَلمة الأزديِّ، قال: حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وهبِ، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ، قال: قال ابنُ شهابٍ: وأخبرني عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ كعبٍ، أن عبدَ الله بنّ كعبٍ، قال: سَمِعْتُ كعبَ بنَ مالكِ يحدِّثُ بحديثٍ تَوْيَتِهِ، قال: فانطلقتُ أتأمَّمُ(١) رسولَ الله ◌َّهِ، فَتَلَقَّانِ الناسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنِّئُونَنِي بالتوبةِ، ويقولون: لِتَهْنَكَ توبةُ الله عز وجل عليكَ حتى دخلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ اللهِ وَّ جالسٌ في المسجدِ حولَهُ الناسُ، فَقَامَ إلي طلحةُ بنُ عبيدِ الله يُؤَرْوِلُ حتى صَافَحَني وهَنَّأْنِي، والله ما قامَ رجلٌ من المهاجِرِينَ غيرُه. قال: فكانَ كعبٌ لا يَنْساها لطلحةَ (٢). (١) أي: أَقْصِدُ، وقد تحرفت في الأصل إلى: ((أنا مع)). (٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه ابن جرير الطبري في ((جامع البيان)) (١٧٤٤٧) عن يونس - وهو ابن عبد الأعلى - بهذا الإِسناد. ورواه مسلم (٢٧٦٩) (٥٣) عن أبي الطاهر بن السَّرْح، والطبراني ١٩ /(٩٧) من طريق أحمد بن صالح، كلاهما عن ابن وهب، به. وانظر تخريجه مفصلاً فيما علقناه على ابن حبان برقم (٣٣٧٠). ١٥٠ ١١١٦ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حدثنا الليثُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني عُقَيلُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شهابٍ، ثم ذَكَرَ بإسنادِهِ مثلَه(١). ١١١٧ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدثنا أبو داودَ الطيالسيُّ، قال: حدثنا صالحُ بنُ أبي الأخضرِ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمن بن عبدِ الله بنِ كعبٍ - وكان قائدَ أبيهِ حينَ عَمِيَ - قال: سألتُ كعباً عن حديثِهِ حين تَخَلَّف عن رسولِ الله ◌َ ﴿ في غزوة تبوك(٢)، ثمَّ ذكرَ هذا الحديثَ (٣). ١١١٨ - حدثنا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: حدثنا يوسفُ بنُ بُهْلُولٍ الكوفيُّ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ الأَوْدِيُّ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ قال: حدثني الزهريُّ، عن عبد الرحمن بنِ عبدِ الله بنِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن أبيهِ (١) حديث صحيح، عبد الله بن صالح - وإن كان سيء الحفظ - قد توبع، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. ورواه البخاري (٤٤١٨)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢٧٣/٥-٢٧٩ من طريق يحيى بن بكير، ومسلم (٢٧٦٩) من طريق حجين بن المثنى، كلاهما عن الليث بن سعد، بهذا الإِسناد. (٢) لفظة: ((تبوك)) سقطت من الأصل. (٣) حديث صحيح، صالح بن بي الأخضر - وإن كان ضعيفاً - يُعتبر به، وقد تُوبع، وباقي السند ثقات من رجال الصحيح. ورواه الطبراني ١٩/ (٩٨) من طريق عبد الغفار بن عبيد الله الكريزي، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عبدالرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن عمه عبيد الله بن كعب - وكان قائد كعب حين عمي -، عن كعب بن مالك. ١٥١ عن جدِّهِ كَعْبٍ، قال: أتيتُ النبيِّ ◌َ﴿ لما نزلتْ تَوْيَتِي، فتلقَّاني طلحةُ بنُ عبيدِ الله يُهَرْوِلُ، ثم ذَكَرَ بقيةَ الحديثِ(١). ١١١٩ - وحدثنا عبيدُ بنُ رجالٍ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالكٍ، عن أبيهِ، فَذَكَرَ مثلَه(٢). ١١٢٠ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدثنا أُسَدُ بنُ موسى، قال: حدثنا يحيى بنُ زكريًّا بن أبي زائدةَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ عمرو بن علقمةَ، عن أبيهِ، عَنَ جدِّهِ، قال: قال أبو سعيد الخُدْرِيُّ: لما طَلَعَ سعدُ بنُ معاذٍ على رسولِ الله وَ﴿ بَعدَما نَزَلَتْ بنو قريظةً على حُكْمِهِ، قال رسولُ اللهِلَّهِ: ((قُوموا إلى سَيِّدِكُمْ، أو إلى خَيْرِكُمْ))(٣). (١) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الصحيح، غير محمد بن إسحاق، فقد روى له البخاري تعليقاً، ومسلم متابعة، وهو صدوق، وقد صرح بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه. وهو في ((السيرة ١٧٥/٤-١٨١، ومن طريق محمد بن إسحاق رواه الطبراني ١٩/(٩١) و(٩٢). (٢) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أحمد بن صالح - وهو المصري - فمن رجال البخاري . وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٩٧٤٤)، ومن طريقه رواه أحمد ٣٨٧/٥، والترمذي (٣١٠٢)، وابن حبان (٣٣٧٠). (٣) حديث صحيح، محمد بن عمرو بن علقمة حسن الحديث، وأبوه ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وصحح حديثه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وباقي رجاله ثقات. ورواه أحمد ١٤١/٦-١٤٢، وابن أبي شيبة ٤٠٨/١٤-٤١١، وابن سعد= ١٥٢ ١١٢١ - حدثنا أبو أُميَّةَ، قال: حدثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ بن عيسى الزهريُّ، قال: حدثنا صالحُ بنُ محمدِ بنِ [صالح بن] دينارِ التَّمَّارُ، ومَعْنُ بنُ عيسى، وعبدُ العزيزِ بنُ عِمرانَ، عن محمدِ بنِ صالحٍ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن عامرِ بنِ سعدٍ عن أبيه، أنَّ سعدَ بنَ معاذٍ دخلَ المسجدَ بعدَ أنْ حَكَمَ في بَنِي قُرَيْظَةَ بما حَكَمَ بِهِ فيهم، فقالَ رسولُ اللهِوََّ: ((قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ))(١). ١١٢٢ - حدثنا يونسُ، قال: حدثنا مَعْنُ بنُ عيسى المَدِينِيُّ، عن محمدِ بنِ هلالٍ، عن أبيهِ عن أبي هريرةَ، قال: كانَ رسولُ اللهِ وَ﴿ إذا أرادَ أنْ يدخلَ بيتَه قُمْنَا (٢). = ٤٢١/٣-٤٢٣ عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمروبن علقمة، عن أبيه، عن جده، عن عائشة . وفي أثناء حديث عائشة قال علقمة: قال أبو سعيد ... فذكره. وليس فيه عندهم ((أو إلى خيركم)) وقد تحرف ((أبو سعيد)) في ((طبقات ابن سعد)) إلى: ابن سعد. ورواه ابن حبان (٧٠٢٦) من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبي سعيد الخدري. وانظر تمام تخريجه فيه. (١) إسناده ضعيف، يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري، قال أبو زرعة: ليس بشيء يُقارب الواقدي، وقال حجاج بن الشاعر: غير ثقة، وقال أبو حاتم: هو على يدي عدل (أي: هالك) أدركتُه ولم أكتب عنه، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال مرة: لا يساوي حديثه شيئاً، وقال الساجي: منكر الحديث. (٢) هلال بن أبي هلال المدني والد محمد، روى عن أبيه وأبي هريرة وميمونة بنت سعد خادمة النبي ێ#، وروى عنه ابنه محمد، وخالد بن سعید بن أبي مريم، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو حاتم: ليس بالمشهور، وقال الذهبي: لا = ١٥٣ ١١٢٣ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمانَ الجِيزِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ هلالٍ، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(١). ١١٢٤ - حدثنا أبو أميةً، قال: حدثنا خالدُ بنُ مَخْلَدِ القَطَوانِيُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ هلالٍ، عن أبيه عن أبي هريرةَ، قال: كنَّا نَقعدُ مَعَ رسولِ اللهِفَ اءِ بالغَدَواتِ، فإذا قامَ إلى بيتِهِ لم نَزَلْ قياماً حتى يدخلَ بيته(٢). فقال قائلٌ: كيفَ تقبلونَ هذه الأحاديثَ، وأنتم تَرْوُونَ عن رسولٍ الله الّ ما يُخَالِفُها؟ ١١٢٥ - فذكر مَا حدثَنا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حدثنا شَبَابَةُ بنُ سَوَّار، قال: حدثني المغيرةُ بنُ مُسْلِمٍ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ بُرَيدةَ، قال : سمعتُ مُعاويةَ بنَ أبي سفيانَ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ وَ﴾: (( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَستجِم لَهُ الرِّجَالُ قِيَامَاً، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ))(٣). = يعرف، قلت: وباقي رجاله ثقات، ومع هذا فقد صحح إسناده الإِمام النووي في كتابه ((ترخيص القيام)) ص٤٦. ورواه بنحوه أبو داود (٤٧٧٥) عن هارون بن عبد الله، عن أبي عامر - وهو عبد الملك بن عمرو العقدي - عن محمد بن هلال، بهذا الإِسناد. (١) إسناده كسابقه. ورواه النسائي ٣٣/٨-٣٤ عن محمد بن علي بن ميمون، عن القعنبي، بهذا الإِسناد. (٢) إسناده كسابقه . (٣) إسناده قوي. ورواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١٩٣/١٣ من طريق العباس بن محمد الدوري، عن شبابة بن سوار، بهذا الإسناد. وانظر (١١٢٧) . = ١٥٤ قال أبو جعفرٍ: والمُغِيرَةُ هذا هو القَسْمَلِي، ويُقالُ له: السَّرَّاجُ، وهو أحدُ الأثباتِ، وعبدُ العزيزِبنُ مسلمِ القَسْمَلِيُّ هو أخوهُ، والمغيرةُ فوقَهُ. فكان جوابُنَا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ هذا الحديثَ عندَنا غيرُ مخالفٍ للأحاديثِ الأولَى التي روينَاها في هذا الباب، لأنَّ الأحاديثَ الأَوَلَ التي روينَاها في هذا البابِ فيها إطلاقُ رسولِ اللهَ﴿ قيامَ الرجالِ بعضِهم إلى بعضٍ باختيارِ القائمينَ لذلكَ، لا بذِكْر محبةِ الذينَ قاموا لهم إيَّاهُ منهم، وفي هذا الحديثِ الذي ذكرتُهُ المحبةُ من الذي يُقامُ لهُ لذلك مِمِّنْ يقومُهُ له، فتصحيحُ هذين المعنيين أن تكونَ الأحاديثُ الأَوَلُ على ما لا مَحَبَّةَ فيه لِمَنْ يُقَامُ لَهُ، وهذا الحديثُ على المحبةِ لِمَنْ يُقامُ لهُ بذلكَ القيامِ. فبانَ بما ذَكَرْنَا أنَّ كلِّ جنسٍ من هذيْنِ(١) الجِنْسَينِ مُحتملٌ لما حملنَاهُ عليه مِمَّا ذكرنَا، فَلَمْ يَيِنْ بِحَمْدِ الله ونعمتِهِ تَضَادَّ لِجنسٍ من هذين الجنسينِ للجنسِ الآخرِ منهما. ١١٢٦ - وحدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدثنا حَبَّنُ بنُ هلالٍ، قال: حدثنا حمَّدُ بنُ سَلَمَةَ، عن حُميدٍ عن أنسٍ، قال: لم يكنْ شخصٌ أحبَّ إليهم مِنْ رَسولِ اللهِوَّه فكانوا إذا رَأَوْهُ لم يقُومُوا لَهُ لِمَا يَعْلَمُوا مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذُلِكَ(٢). وقوله: ((يستجم له الرجال)) أي: يجتمعون له في القيام عنده، ويحبسون = أنفسهم عليه، ((نهاية)). (١) في الأصل: هذه، وهو تحريف. (٢) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير حماد بن سلمة، فمن رجال مسلم. = ١٥٥ قال أبو جعفر: فكانَ ما في هذا الحديثِ قد دلَّ أنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﴿ إِنَّما كانُّوا يتركونَ القيامَ لَهُ بَيِّ لِعِلْمِهِمْ بكراهَتِهِ لذلك منهم، وفي ذلك ما قد دلَّ على أنهم لَوْلاَ كَرَاهتُه لذلك منهم، لقامُوا له، وقد تكونُ كراهتُه لذلكَ منهم على وجهِ التَّواضُعِ مِنْهُ وَِّ لذلكَ، لا لأنَّهُ حَرامٌ عليهم أن يَفْعَلُوا ذَلكَ له، وكيفَ يُظَنُّ أنَّ ذلكَ حرامٌ عليهم وقد أُمَرَهُمْ بالقيامِ إلى سعدِ بنِ معاذٍ، وقامَ بمحضِرِهِ طَلْحَةُ بنُ عُبيد الله إلى كعب بن مالكٍ عندَ نزولٍ تويَتِهِ مهنَّاً لهُ بذلك، فلم يَنْهَهُ عنْهُ. ١١٢٧ - وحدثنا بكارُ بنُ قتيبةَ، قال: حدثنا رَوْحُ بنُ عبادةَ، قال: حدثنا حبيبُ بنُ الشَّهِيدِ، عن أبي مِجْلَزِ، قال: دخلَ معاويةُ بيتاً فيه عبدُ الله بنُ الزبير وعبدُ الله بنُ عامٍ، فقامَ ابنُ عامرٍ، وثَبَتَ ابنُ الزبير، وكان أوزَنَهما، فقال معاويةُ: اجلسْ يا ابنَ عامٍ، فإِنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ نَّهِ يقولُ: ((من أحبَّ أن يَمْثُلَ لهُ الرِّجَالُ قياماً، فَلَيَتَبَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّار))(١). = ورواه أحمد ١٣٢/٣ و٢٥٠-٢٥١، وابن أبي شيبة ٥٨٦/٨، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٤٦)، والترمذي في ((السنن)) (٢٧٥٤)، وفي ((الشمائل)) (٣٢٨)، وأبو يعلى (١٠٢٩)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) ص٦٣، والبغوي (٣٣٢٩) من طرق عن حماد بن سلمة، بهذا الإِسناد. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد سقط من الموضع الأول في ((المسند)) من سنده ((عن حميد)) فيستدرك من هنا. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو مجلز: هو لاحق بن حميد. ورواه أحمد ٩١/٤ ٩٣، وابن أبي شيبة ٥٨٦/٨، والبخاري في ((الأدب المفرد)» (٩٧٧)، وأبو داود (٥٢٢٩)، وأبو القاسم البغوي في ((الجعديات)) (١٥٣٢)، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٢١٩/١، وأبو محمد البغوي في ((شرح السنة)) (٣٣٣٠) من طرق عن حبيب بن الشهيد، بهذا الإِسناد. = ١٥٦ فدلَّ ذلك أنَّ المكروهَ مِمَّا ذكرناه هو المحبةُ من بعض الرجالِ ١ لذلكَ من بعضٍ ، وقد تكونُ تِلكَ المحبَّةُ من القيامِ إليهم، وقد تكونُ بلا قِيامٍ إليهم. فدلَّ ذلك على أن الكراهَةَ في ذلك إنما هي للمحبّةِ التي ذكرنا للقيامِ الذي لا محبّةَ معَهُ. وقد كان بعضُ من يَنْتَحِلُ اللغةَ يزْعُمُ أنَّ حديثَ معاويةَ الذي رواهُ عنه ابنُ بُرِيدَةَ إنَّما هو: ((مَنْ أحبَّ أن يَسْتَخِمَّ له الرجالُ قياماً)) وإنْ كانَ ذلكَ على القيامِ الذي تفعلُهُ الأعاجِمُ بِعُظَمائِهِم مِنْ قيامِهِم على رُؤُوسِهِم، ومِنْ إِطالَتِهِم لذلك حتى يَسْتَخِمُّوا مَعَهُ، أي: حَتى تتغيرَ لهُ روائِحُهُم لإِطَالَتِهِم لذلك القيامِ(١). قال أبو جعفرٍ: وهذا عندنا مستحيلٌ، لأنَّ الحديثَ المروي في ذلك إنما دارَ على معاويةَ لا مخرِجَ له سِواه، وقد كانَ فيه ما خاطَبَ عبدَ الله بنَ عامرٍ ما كانَ بغيرِ إطالةٍ من ابن عامرٍ لَهُ في ذلك قياماً، فدلَّ ذلكَ على انتفاءِ هُذا التأويلِ وفي انتفائه(٢) ثبوتُ التأويلِ الأول. = ورواه أحمد ١٠٠/٤ عن مروان بن معاوية الفزاري، والدولابي في ((الكنى والأسماء)) ٩٥/١ من طريق إسماعيل بن إبراهيم صاحب الكرابيسي، كلاهما عن حبيب بن الشهيد، به. وقال مروان في حديثه: ((خرج معاوية فقاموا له)) فلم يذكر أسماءً، وأما إسماعيل فلم يذكر قصة القيام لمعاوية . ورواه الترمذي (٢٧٥٥) من طريق سفيان - وهو الثوري -، ومن طريق أبي أسامة، كلاهما عن حبيب بن الشهيد، به. إلّ أنهما قالا فيه: ((خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه، فقال: اجلسا ... ))! وقال: هذا حديث حسن . (١) في ((النهاية)) ٨١/٢: قال الطحاوي: هو بالخاء المعجمة يريد أن تتغير روائحهم من طول قيامهم عنده، يقال: خم الشيء وأخمَّ: إذا تغيرت رائحته. (٢) في الأصل: ((انتفاء)). ١٥٧ ١٧٤ - بابُ بيانِ مشكلٍ مُرادِ رسولِ اللهِ وَ﴾ بِلَعْنِهِ الوَاصِلَة والمُستَوْصِلَةَ ١١٢٨ - حدثنا فهدُ بنُ سليمانُ، قال: حدثنا أبو نُعيمٍ ، قال: حدثنا سفيانُ، عن أبي قيسٍ، عن الهُزَيلِ بن شُرَحْبِيلَ عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: لعنَ رسولُ اللهِ وَ* الواصِلَةَ والمَوْصُولَةَ(١). ١١٢٩ - حدثنا محمدُ بنُ عُزَيْزِ الْأَيْلِيُّ، قال: حدثنا سَلامَةُ بنُ روحٍ، عن عُقيلٍ، قال: حدثني أبانُ بنُ صالحٍ، أن الحسنَ بنّ مُسلمٍ حدَّثَهُ أن صفيةً ابنةَ شيبةً بن عثمانَ حدثتْهُ أنَّ امرأةٌ سألتْ عائشةَ زوجَ النبيِّ وَّ عن وَصْلِ المرأةِ رأسَها بالشَّعَرِ، فقالتْ عائشةُ: رحمةُ الله على نساءِ المهاجراتِ والأنصارِ، ما (١) إسناده صحيح على شرط البخاري. أبو نعيم: هو الفضل بن دكين، وسفيان: هو الثوري، وأبو قيس: هو عبدالرحمن بن ثروان الأودي. ورواه أحمد ٤٤٨/١، وابن أبي شيبة ٤٨٨/٨، والنسائي ١٤٩/٦، والطبراني (٩٨٧٨)، والبيهقي ٢٠٨/٧ من طرق عن أبي نعيم، بهذا الإسناد. ورواه أحمد ٤٤٨/١ عن أسود بن عامر، وأحمد ٤٦٢/١، والبيهقي ٢٠٨/٧ من طريق محمد بن عبد الله أبي أحمد الزبيري، كلاهما عن سفيان، به. ورواه الطبراني (١٠٣٠٩) من طريق الفضل بن دلهم، عن ابن سيرين، عن مسروق بن الأجدع، عن ابن مسعود، والفضل بن دلهم ليِّن. ١٥٨ كانَ أشدَّ تَفَقُّهَهُنَّ فِي دِينِهِنَّ، وأحْرَصَهُنَّ على آخِرَتِهِنُّ لمَّا نَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرُهُنَّ على جُيوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] عَمَدْنَ إلى أكنَفِ مُروطِهِنَّ، فَشَقَقْنَ منها خُمُراً، ثَم أَبَتْ عائشةُ أن تُحَدِّثَها عمَّا سألَتْها عنه، ثم قالت عائشةُ رضي الله عنها: أتَتِ امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ وَِّ، فقالتْ: يا رسولَ الله إني أنكحتُ ابنتِي رَجُلًا، وإنها اشْتَكَتْ، فَتَمرَّقَ شَعْرُها، وقد أرادَ زوجُها أن يجمَعَها إليه، أَفَاضَعُ على رأسِها شيئاً أُجمِّلُها به، فقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((لَعَن الله الواصِلَةَ والمُستوصِلَةَ))(١). (١) إسناده قوي . ورواه المحاملي في ((أماليه))، ومن طريقه الحافظ ابن حجر في ((تغليق التعليق)) ٧٧/٥ عن عبيد الله بن سعد، عن عمه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق قال: وحدثني أبان بن صالح، بهذا الإِسناد. وروى القسم الأول منه البخاري (٤٧٥٩) عن إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم بهذا الإسناد، ولفظه: عن عائشة كانت تقول: لمّا نزلت هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بخُمُرُهنَّ على جُيوبِهِنَّ﴾ أُخَذْنَ أزرهن، فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها. وقولها: ((أخذن أزرهن)) قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٤٧/٨-٣٤٨: هكذا وقع عند البخاري الفاعل ضميراً، وأخرجه النسائي من رواية ابن المبارك، عن إبراهيم بن نافع بلفظ: ((أخذ النساء)) وأخرجه الحاكم من طريق زيد بن الحباب، عن إبراهيم بن نافع بلفظ: ((أخذ نساء الأنصار)) ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية ما يوضح ذلك، ولفظه: ((ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن، فقالت: إن نساء قريش لفضلاء - ولكني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار: أشدّ تصديقاً بكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: ﴿وَلْيَضرِبْنَ بِخُمُرُهُنَّ على جُيوبِهِنَّ﴾ فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلاّ قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان)) ويمكن الجمع بين الروايتين بأن نساء الأنصار بادرن إلى ذلك. ورواه النسائي في ((التفسير)) (٣٨٣)، والحاكم ١٩٤/٤، والبيهقي ٨٨/٧ = ١٥٩ ١١٣٠ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدثنا وهبُ بنُ جريرِ، قال: حدثنا شعبةُ، عن هشام بن عروةَ، عن فاطمةَ ابنةِ المنذرِ عن أسماءَ ابنةِ أبي بكرٍ، أنَّ النبيَّ مَ لعنَ الواصِلَة والمستوصِلَةَ(١). = من طريق إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، به. ورواه ابن جرير ١٢٠/١٨، والحاكم ٣٩٧/٢، والبيهقي ٢٣٤/٢ من طريق زيد بن الحباب، عن إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم به، بلفظ: ((أخذ نساء الأنصار أزرهن، فشققنه من نحو الحواشي، فاختمرن به)). ورواه البخاري (٤٧٥٨)، وأبو داود (٤١٠٢)، وابن جرير ١٢٠/١٨، والبيهقي ٢٣٤/٢ من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضرِبْنَ بِخُمُرُهنَّ على جُيوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن، فاختمرن بها. وروى القسم الثاني منه وهو قوله: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة)) ابن حبان في (صحيحه)) (٥٥١٤) و(٥٥١٦) من طريق شعبة، عن عمروبن مرة، عن الحسن بن مسلم، به. وانظر تمام تخريجه فيه. وقوله: ((إلى أكنف مروطهن)) أي: أسترها وأصفقها، ويروى: ((أكثف)) بالثاء المثلثة، والمروط واحدها مرط: وهو كساء يؤتزر به . وقوله: ((فتمرق شعرُها)) أي: انتثر وتساقط من مرض أو غيره. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه النسائي ١٤٥/٨ عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي النضر، وأبو القاسم البغوي في ((الجعديات)) (١٦٥٩) عن علي بن الجعد كلاهما عن شعبة، بهذا الإسناد. ورواه بنحوه البخاري (٥٩٣٦) عن آدم، والطبراني ٢٤ / (٣٠٧) من طريق عاصم بن علي، كلاهما عن شعبة، به. = ١٦٠