النص المفهرس

صفحات 101-120

فكانَ هذا الحديثُ منقطعاً، وكان ما رويناهُ قبلَه أَوْلَى منه لاَتُّصَالِه
عَلانهـ
برسول الله
.
وكما حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى بن جابرِ الرَّشِيدِيُّ أبو عبدِ الله، قال:
حدثنا عبدُ الله بنُ يحيى البُرُلَّسِي، قَال: حدثنا حيوةُ وابنُ لَهيعة، قالا:
أخبرنا عَمْرو بنُ زيادٍ الحضرميُّ، أنَّ أبا فِراسٍ أخبره
أنه سَمِعَ عبدَ الله بن عمروبن العاص يَقُولُ: النومُ ثلاثةٌ: فنومٌ
خُرْقٌ، ونومٌ خُلُقٌ، ونومٌ حُمْقٌ، فأما نومةُ الخُرقِ: فنومةُ الضُّحَى،
يَقضي الناسُ حوائِجَهُم وهو نائمٌ، وأما نومَةُ خُلُقٍ: فنومةُ القَائِلَةِ نصفَ
النهارِ، وأما نومةُ حُمقٍ: فنومةٌ حين تَحْضرُ الصَّلَواتُ(١).
قال أبو جعفر: غيرَ أنَّ قوماً قد خرَّجُوا ما في حديثٍ أسماءَ وما
في حديثٍ عُقَيلٍ وإن كان مُنقطِعاً، إذْ كان مِنْ شأنِهِم احتمالُ المُنقِطِعِ
(١) عمرو بن زياد الحضرمي ذكره البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٣٣٢/٦، وابن
أبي حاتم ٢٣٣/٦ ولم يأثرا عنه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابنُ حبان في ((الثقات))
١٧٥/٥ وكناه أبا فراس، وهو خطأ، فأبو فراس هو شيخه، ومحمد بن عيسى بن جابر
الرّشيدي شيخ المؤلف، ذكره السمعاني في ((الأنساب)) ١٢٤/٦ فقال: محمد بن
عيسى بن جابربن يحيى بن مالك الرشيدي أبو عبد الله مولى قريش، كان قاضي
رشيد، حدث عن أبي عبدالرحمن المُقرىء وهانىء بن المتوكل، روى عنه محمد بن
المسيب الأرغياني. قلت: وباقي رجال السند ثقات رجال الصحيح، وأبو فراس هو:
يزيد بن رباح مولى عبد الله بن عمروبن العاص، وابن لهيعة وإن كان ضعيف
الحديث قد تابعة حيوة - وهو ابن شريح المصري - وهو ثقة، روى له الشيخان.
وأشار إلى حديث عبد الله بن عمرو هذا - البيهقي في ((الآداب)) ص٤٤٤.
وفي الباب عن خوات بن جبير وسيأتي عند المؤلف قريباً.
وقوله: ((فنوم خُرْق)) الخُرق بالضم: الجهل والحمق، وقد خَرَقَ يَخْرَقُ خَرَقاً فهو
أخرق، والاسم الخُرق بالضم.
١٠١

على التصحيحٍ لَهُمَا، وعلى أنَّ لكلِّ واحدٍ منهما معنىٍّ غيرَ معنى
الحديثِ الآخر، فجعلوا حديثَ أسماءَ على أن ما كانَ من رسولِ الله
* فلم يَكُنْ باختيارِهِ، وإنما كان مما احْتَبَسَهُ الله عز وجل له، ليوجبَهُ
إليه، وليسَ ذلك من النومِ في شيءٍ، وجعلوا حديثَ عُقيلٍ، عن ابن
شهابٍ، عنه بَِّ على نفسِ النومِ، فَكَرِهُوا به النومَ بعدَ العصرِ.
وشَدَّ ذلك عندهم ما قد رويناهُ فيه، عن عبدِ الله بن عمرو، وما
رُوِي فیه، عن خوات بن جبير:
كما حدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا أبو نُعَيْمِ ، قال: حدثنا
مِسْعَرُ، عن ثابت بن عُبيد، عن ابن أبي ليلى
عن خَوَّاتِ بنُ جُبيٍ، قال: نومُ أولِ النهارِ خُرْقُ، وَوَسَطَهِ خُلُقٌ،
وآخِرَه حُمْقٌ(١).
وما حدثنا فهدٌ قال: حدثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدثنا
یحیی بنُ حمزة، قال:
حدثنا النعمانُ بنُ مُنذرٍ، قال: كنتُ نائماً بعدَ العصر بدابق، فأتاني
مكحولٌ، فركَسَنِي بِرِجْلِهِ رَكْسَةٌ، ثم قال: قُمْ، فقدْ عوقبَتَ، قلتُ: وما
(١) رجاله ثقات رجال الصحيح غير صحابيه خوَّات بن جبير، فقد روى له
البخاري في ((الأدب المفرد)). أبو نعيم: هو الفضل بن دكين، وهو موقوف.
ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٤٢) من طريق عبد الله - وهو ابن
المبارك -، والحاكم ٢٩٣/٤ من طريق يزيد بن هارون، كلاهما عن مسعر، بهذا
الإِسناد. وقال الحافظ: أخرجه سفيان بن عيينة في ((جامعه)) وسنده صحيح.
وفي الباب عن علي بن أبي طالب قال: النوم أول النهار خرق، والنوم في وسط
النهار خلق، والنوم بعد المغرب يقطع الرزق. رواه الديلمي في ((مسند الفردوس))
(٦٩٠٨).
١٠٢

ذاكَ يا أبا عبدِ الله؟ قال: إنَّ هذه الساعةَ فيها خروجُ القومِ ، وفيها
انتشارُهم - يعني الجنَّ - وفي هذه الرِّقْدَةِ تكونُ الخَبَلَةُ(١).
فإن قالَ قائلٌ: فقد رُوِيَ في النومِ في النهارِ شيءٌ يوجبُ الكراهةَ
سِوی ما ذكرتَ.
قيلَ له: "قد رُوِيَ ذُلك عن عثمانَ بن عفانَ.
١٠٧٤ - ما حدثنا عليُّ بنُ مَعْبَدٍ، قال: حدثنا مُعَلَّى بنُ منصورٍ،
قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن إسماعيلَ بن أميةَ، عن موسى بن
عِمران بنِ مَنَّحٍ (٢)، عن أبان بنِ عثمانَ
عن عثمانَ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ مَ: ((إنَّ الصُّبْحَةَ
تَمْنَعُ بعضَ الرِّزْقِ))(٣).
(١) رجاله ثقات. مكحول هو أبو عبد الله الشامي فقيه أهل الشام لم يكن في
زمانه أبصر منه بالفتيا، وهو ثقة احتج به مسلم وأصحابُ السنن.
(٢) في الأصل: مياح، بالياء المثناة من تحت، وهو خطأ، والتصويب من
((الإكمال)) ٣٠٧/٧، و((تبصير المنتبه)) ١٣٣٢/٤.
(٣) إسناده ضعيف، رواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين فيها ضعف
وتخليط، وهذا منها فإن إسماعيل بن أمية مكي، وموسى بن عمران بن مناح أورده
ابن حبان في ((الثقات)) ٤٥٠/٧ وذكر أنه روى عن أبان بن عثمان، وروى عنه
إسماعيل بن أمية، وقال الحسيني في ((الإِكمال)) الترجمة رقم (٨٩٧): ليس
بمشهور. قلت: وذكره البخاري في ((التاريخ)» ٢٩٦/٧ وابن أبي حاتم ١٥٩/٨،
وابن حبان أيضاً ٧/ ٤٥٠ وسمِّوْه موسى بن منّاحَ، وقالوا: روى عن القاسم بن
محمد، روى عنه عبد الواحد بن أبي عون، ولم يأثر فيه البخاري ولا ابن أبي حاتم
جرحاً ولا تعديلاً.
ورواه عبد الله بن أحمد ٧٣/١، وابن عدي في ((الكامل)) ٣٢١/١، والقضاعي
فى ((مسند الشهاب)) (٦٥)، وابن الجوزي فى ((الموضوعات)) ٦٨/٣ من طرق عن =
١٠٣

قال أبو جعفر: غيرَ أنَّ أهلَ الإِسنادِ يُضعِّفُون هذا الإِسنادَ، لأنه
عن إسماعيلَ بن عيَّشٍ، عن غيرِ أهلِ بلدِهِ، وإن كانوا لا يتحامَوْنَ
روايته .
فإن قالَ: فهل في ذلك شيءٌ عن بعضِ أصحاب رسولِ الله وَل ◌ّ؟
قِيلَ له: قد رُوِيَ في ذلك عن عبدِ الله بنِ الزُّبِيرِ:
ما حدَّثنا يونسُ، قال: حدثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني سفيانُ
الثوريُّ، عن الأعمش، عن أبي سفيانَ
عن عُبيدٍ بن عُميرٍ، أن عبدَ الله بن الزبير، قال: يا عُبَيْد بن عميرِ،
أما علمتَ أنَّ الأرضَ عَجَّتْ إلى ربِّها عز وجل من نَّوْمِةِ العلماءِ
بالضُّحَى مَخافَةَ الغَفْلَةِ عليهم (١).
وفيما ذَكَرْنا ما يوجبُ اجتنابَ ما فيه هذا الحرفُ الذي قد ذَكَرْناهُ
وما سِواه فيما قد ذكرناهُ فيه، والله نسألُهُ التوفيقَ.
= إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن محمد بن يوسف،
عن عمروبن عثمان بن عفان، عن أبيه. وهذا إسناد ضعيف جداً، إسحاق بن عبد
الله بن أبي فروة متروك، وقد اتهم بالكذب. وقد تحرفت ((الصبحة)) في ((المطبوع))
من ((الكامل)) إلى: الصحبة!
ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٥١/٩ من طريق سليمان بن أرقم، عن الزهري،
عن سعيد بن المسيب، عن عثمان بن عفان. سليمان بن أرقم متروك.
والصُّبحة: بضم الصاد وفتحها: نوم الغداة، والتصبح: النوم بالغداة، وفلان ينام
الصُّبحة، أي: ينام حين يصبح، تقول منه: تصبح الرجل.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
أبو سفيان: هو طلحة بن نافع.
ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٥٥٤/٨ عن حفص بن غياث، عن
الأعمش، بهذا الإِسناد.
١٠٤

١٦٦ - بابُ المستَخْرَجِ من حديثِ عبدِ الله بن
عباسٍ الذي يرفعُه بعضُ رواتِهِ إلى النبيِّ ◌ِ﴿
ويوقِفُهُ بعضُهم على ابنِ عباسٍ في المرادِ
بقولِ الله عز وجل: ﴿وَأَتَّبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ
بإيمانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ﴾(١)
حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدثنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، قال:
حدثنا شعبةُ، قال: حدثنا عمروبنُ مرةً، قال:
سألتُ سعيدَ بنَ جبير، عن هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ آمنوا وأَتْبَعْناهُم
ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمانٍ﴾ [الطور: ٢١] قال: قالَ ابنُ عباسٍ : المؤمنُ تُرْفَعُ له
ذريته، ليُقِرَّ الله عز وجل عينَهُ، وإن كانوا دُونَه في العملِ (٢).
(١) قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي: (واتْبَعَتْهُم) بالتشديد (ذُرِّيْتُهم) على
واحدة وارتفعت الذرية بفعلها (ألحقنا بهم ذريتهم) على التوحيد أيضاً، وهي مفعوله.
وقرأ نافع (واتََّعَتْهُمْ ذَرِّيْتُهم) واحدة ورفع التاء (بهم ذُرِّيَّتِهم) جمعاً.
وقرأ أبو عمرو (وأتبعناهم ذُرِّيَّاتهم) (بهم ذُرِّيَّتِهم) جمعاً في الموضعين.
وقرأ ابن عامر (واتََّعَتْهُمْ) بالتشديد (ذَرِّيَّاتُهم) بالألف ورفع التاء (ألحقنا بهم
ذُرِّيَّاتِهم) جماعة وكسر التاء. انظر ((زاد المسير)) ٥٠/٨، و((حجة القراءات)) ص٦٨٢.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه هناد بن السري في ((الزهد)) (١٧٩) عن وكيع، والطبري ٢٤/٢٧ من
طريق عبدالرحمن بن مهدي، و٢٥/٢٧ من طريق محمد بن جعفر ثلاثتهم عن
١٠٥

قال أبو جعفر: هكذا يحدثُ شعبةُ بهذا الحديثِ، عن عمروبنِ
مرة، لا يتجاوزُ به ابنَ عباسٍ ، وأما الثوريُّ: فكان يُحَدِّثُ به عن شیخِ
لَهُ يُقالُ له: سَماعة، عن عمروبن مرةً، فيروي محمدُ بنُ بشر العبديُّ
عنه أنه رَفَعَهُ إلى النبيِّ ◌َِّهَ. ويروي محمد بنُ يوسفَ الفِريابيُّ عنه أنه
أوقَفَهُ على ابنِ عباسٍ .
١٠٧٥ - كما حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ
شكيب الكُوفيُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن سفيانَ، عن سَماعةَ،
عن عَمرو بن مُرَّةً، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ
عن ابنِ عباسٍ ، أن رسولَ الله ◌َّهِ، قال: ((إنَّ الله عز وجل ليَرفَعُ
ذُرِيَّ المؤمِن مَعَهُ في درجتِهِ، وإن كان لم يبلغْهَا في العملِ لِيُقِرَّ بهم
عَيْنَهُ، ثم قرأ: ﴿والذين آمَنوا وأَتَّبَعْناهُم ذُريَّتِهم .. ) الآية(١).
= شعبة، بهذا الإِسناد.
ورواه الطبري ٢٤/٢٧ من طريق مُؤَمَّل بن إسماعيل ومهران، والحاكم ٤٦٨/٢
من طريق عبد الرزاق، ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن عمروبن مرة، به.
وزاد السيوطي نسبته في ((الدر المنثور)) ٦٣٢/٧ إلى سعيد بن منصور، وابن
المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه»!
(١) سماعة لم يرو عنه غير سفيان الثوري، وذكره ابن حبان في ((الثقات))
٤٣٦/٦ وقال: شيخ كوفي، وقال ابن أبي حاتم ٣٢٤/٤: سألت أبي عنه، فقال:
شيخ كوفي أرى حديثه مستقيماً، وذكره البخاري في ((التاريخ الكبير» ٢١٤/٤ وقال:
سمع عمروبن مرة، روى عنه الثوري، منقطع. قلت: وباقي رجال السند ثقات
رجال الصحيح. أحمد بن شكيب: هو أحمد بن إشكاب الحضرمي، وهو ثقة حافظ
من رجال ((التهذيب)).
ورواه الطبري ٢٥/٢٧ عن موسى بن عبدالرحمن المسروقي، عن محمد بن
بشر، بهذا الإسناد. إلَّ أنه لم يرفعه.
١٠٦

وكما حدثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ بن سعيدٍ بن أبي مريم، قال:
حدثنا الفريابيُّ، قال: حدثنا سفيانُ، قال: حدثني سَمَاعةُ، قال:
حدثني عَمرو بنُ مرةً، عن سعيدِ بنِ جُبِيرٍ
عن ابنِ عباسٍ - ولم يرفعْهُ - قال: إنَّ الله عز وجل ليَرْفَعُ ذُرِّيَّةً
المؤمنِ في درجاتِه لِيُفرَّ بهِمْ عَيْنَهُ، وإنْ كانوا دونَه في العملِ (١).
قال أبو جعفر: وقد رَوى هذا الحديثَ أيضاً عن عَمرو بنِ مُرةَ،
قيسُ بنُ الربيعِ الأسديُّ، فلمْ يتجاوزْ بِهِ ابنَ عباسٍ
كما حدثنا ابنُ أبي مريم، قال: حدثنا الفريابيُّ، قال: حدثنا
قيسُ بنُ الربيعِ ، عن عمروبن مرةً، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن
عباسٍ ، ثم ذَكَرَ مثلَ حديثِهِ عنِ الفِريابيِّ، عن سفيانَ، عن سماعةً،
وزادَ ثم قرأ: ﴿والذين آمنوا واتْبَعْنَاهُم ذُرِيَّاتِهِم بإِيمانٍ﴾ الآية(٢).
قال أبو جعفر: وهذا الحديثُ فنحنُ نُحيطُ علماً لو لم نَجدْ أحداً
من رواتِه رفعَهُ إلى النبي ◌ٍّ أن ابنَ عباسٍ لم يأخذْهُ إلّ عن النبيِّ
وَ﴿، إذْ كانَ الذي فيه إِخْبارٌ عن الله عز وجل بمرادِه في الآية المذكورةِ
فيه، وذلك ممَّا لا يُؤْخَذُ من غيرِ النبيِّ ◌َِلَ.
ثم تأملنا نحنُ ما في هذا الحديثِ، فوجدنا فيه رَفْعَ الله عز وجل
(١) عبد الله بن محمد بن سعيد شيخ المؤلف حدث عن الفريابي - وهو
محمد بن يوسف - بالبواطيل، قاله ابن عدي في ((الكامل)) ١٥٦٨/٤.
(٢) ابن أبي مريم حدث عن الفريابي بالبواطيل كما تقدم في الحديث السابق.
ورواه البزار (٢٢٦٠) عن سهل بن بحر، عن الحسن بن حماد الورّاق، عن
قيس بن الربيع، بهذا الإِسناد. إلا أنه رفعه إلى النبي ◌َّل .
وزاد السيوطي نسبته في ((الدر)) ٦٣٢/٧ إلى ابن مردويه.
١٠٧

ذُرِيَّةَ المؤمن الذين اتََّعُوهُ بإيمانٍ، بالمؤمنِ الذينَ هُمْ ذريتُه لِيُقِرَّ بهم
عينَه وإلحاقَّهُ إِياهُم بِهِ. وَوَجَدْنا غيرَ النبيِّ وَّهَ من المؤمنينَ قد دَخَل
في ذلك، فعقَلْنا بذلك أنَّ النبيَّ مَ﴿ أدخلُ في ذلك منهم، وأنَّه في
إلحاقِ الله عز وجل به ذُرِيتَه المُتَّبعَةَ له بالإِيمانِ به ليُقِرَّ عينَه بذلك
أَوْلَى مِنْ سائرِ المؤمنينَ سِواهُ، وإنما كانَ ذلك لسائر المؤمنينَ سِواهُ ليُقِرَّ
به أُعْيُنَهُمْ، كان له في ذريتِهِ المُتَّبِعَةِ له بالإِيمانِ أوْلى وكانوا بذلك منه
أَحْرَى، والله نسألُهُ التوفيقَ(١).
(١) قال ابن كثير في تفسير الآية ٢٠٧/٧-٢٠٨ طبعة الشعب: يخبر تعالى عن
فضله وكرمه وامتنانه ولُطفه بخلقه وإحسانِهِ: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذريْتُهُمْ في
الإِيمان يُلْحِقُهُم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملَهم لتقرَّ أعين الآباء بالأبناء
عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل
العمل لا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك، ولهذا قال: ﴿أَلْحَقْنَا
بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وما أَلْنَاهُمْ مِنْ عَمِلِهِمْ مِنْ شيءٍ﴾.
١٠٨

١٦٧ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوي عن رسول الله له
في أَخْتَعِ الأَسماءِ ما هو مِنْها
١٠٧٦ - حدثنا عبدُالغنيِّ بنُ أبي عقيلِ اللَّخْمِيُّ، قال: حدثنا
سُفيان بن عيينةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرجِ
عن أبي هريرةَ يَبْلُغُ بهِ النبيَّ مَ، قال: ((أَخْنَعُ الأسماءِ عِنْدَ الله
رَجُلٌ تَسَمَّى باسمِ مَلِكِ الأَمْلاكِ))(١).
قال أبو جعفر: فتأمِّلْنا هذا الحديثَ لِنَقِفَ على ما المرادُ به مَاهُو؟
فوجدنا الخَنْعَ إنما يُراد به الذُّلُّ والخُضُوعُ، يقالُ منه: خَنَعَ الرجلُ
خُنوعاً: إذا خَضَعَ فَذَلَّ، فكان الخضوعُ والذُّلّةُ إنما وقعتْ في هذا على
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو الزناد: هو عبد الله بن ذكوان،
والأعرج: هو عبدالرحمن بن هرمز.
ورواه أحمد ٢٤٤/٢، والبخاري (٦٢٠٦)، ومسلم (٢١٤٣) (٢٠)، وأبو داود
(٤٩٦١)، والترمذي (٢٨٣٧)، وابن حبان (٥٨٣٥)، والبيهقي ٣٠٧/٩ من طرق
عن سفيان، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري في ((صحيحه)) (٦٢٠٥)، وفي ((الأدب المفرد)) (٨١٧)، والبغوي
(٣٣٦٩) من طريق شعيب بن حمزة، عن أبي الزناد، به.
.
ورواه مسلم (٢١٤٣) (٢١)، والبغوي (٣٣٧٠) من طريق عبد الرزاق، عن
معمر، عن همام، عن أبي هريرة.
ورواه أحمد ٣٩٢/٢، والبغوي (٣٣٧١) من طريق خلاس بن عمرو، عن أبي
هريرة.
١٠٩

-
ذِي الاسمِ لا الاسمِ نَفْسِهِ، لأنَّ الاسمَ لا يلحقُهُ ذَمِّ، ولا مَدْحٌ. وكان
ذلك كقولهِ عز وجل: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] في
معنى سبِّحَ اسمَ ربِّك الأعلى باسمِه، فكقوله عز وجل في قصة نبيِّه
لوطِ رَله: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ القريةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ [الأنبياء:
٧٤]، ليسَ يريدُ بذلك القريةَ نفسَها، وإنما يُريدُ أهلَها الذين كانوا
يعملونَ الخبائثَ، وكقوله عز وجل: ﴿وَضَرَبَ الله مثلاً قَرِيَةً كَانَتْ آمنةً
مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغْداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بأنْعُمِ الله فَأَذَاقَها الله
لِبَاسَ الجُوعِ والخَوفِ بِما كَانوا يَصْنَعونَ﴾ [النحل: ١١٢] يريدُ أهلَها
لا هِيَ نفسَها، ثم بين عز وجل مُرادَهُ ذلك فيها بقوله: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُم
رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ [النحل: ١١٣]، وكانَ المُرادُ بمَلِكِ الأملاكِ الله عز
وجل، فكان المُسَمَّى باسمٍ من أسمائِهِ عز وجل مُتَكِّراً، فردّهُ الله عز
وجل بذلك إلى الخضوع والذِّلةِ، إذ كانَ أكبرُ أسمائِهِ عز وجل إنما
هي صفاتُه التي يَبِينُ بها عز وجل عن خلقِهِ من الرحمةِ، ومن العِزَّةِ،
ومن العظمةِ، ومن الجلالِ ، ومن مَا سِوى ذلك عز وجل، فكانَ بما
سِوَى ذلك من أسمائِهِ عز وجل كاسمِه الأعظمِ ممَّا قد قالَ جَلَّ وعز:
﴿هَلْ تَعْلَمُ له سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥]، فقصر بالخلق عن ذلك، وتفرَّد
به تباركَ وتعالَى، وأضافَ أسماءَهُ إليه، فقال عز وجل: ﴿وَللهِ الأسماءُ
الحُسْنِى فَادْعُوهُ بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وبالله التوفيقُ.
:
١١٠

١٦٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوي عن رسول الله وَ لؤ من قوله:
((إِنَّ الشيطانَ يَسْتَحِلُّ طعامَ القومِ إذا لم يذكُرُوا
اسمَ الله عليهِ)) ما المرادُ بذلك الاستحلال
-
١٠٧٧ - حدثنا عبدُ الغنيِّ بنُ أبي عقيلٍ، قال: حدثنا عبدُ
المجيدِ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ أبي رَوَّادٍ، عن معمرٍ، قال: حدثني سليمانٌ
الأعمشُ، عن زيدِ بنِ وهبِ الجُهَنيِّ
عن حُذيفة بن اليمانِ، قال: بينما نحنُ عندَ رسولِ الله وَّ إِذْ
أتِيَ بِجَقْنَةٍ، فكفَّ عنها رسولُ اللهِ وََّ، وكنّا لا نَضَعُ أيديَنَا حتى يَضَعَ
يَدَهُ، فجاءَ أعرابيٌّ كأَنَّه يُطْرَدُ حتى يهوي إلى الجَفنةِ، فأكلَ منها، فأخذ
رسولُ اللهِ وَّ بِيدِه فأجلسَه، ثم جاءَتْ جاريةٌ، فَأَهْوَتْ بيدِها تأكلُ،
فأخذَ بيدِها، فأجلَسها، ثم قال: ((إن الشَّيطانَ يستحلَّ طعامَ القومِ إذا
لم يذكروا اسمَ الله عليه، وإنَّه لما رآكُم كَفَفْتُم، جاءَ بالأعرابِيِّ لِيَستَّحِلَّ
بِهِ، ثم جاء بالجَاريةِ ليستحلّ بها، فواللهِ الذي لا إله غيرُهُ إنَّ يدَه في
يَدِي مع أيديهمًا))(١).
قال أبو جعفرٍ: وأهلُ العلمِ جميعاً بالحديث يقولون: إن معمراً
غَلِطَ في إسنادِ هذا الحديثِ، عن الأعمشِ ، وإنْ الصحيح في إسنادِهِ:
(١) رجاله رجال الصحيح، إلَّ أنَّ معمراً أخطأ في إسناده كما سيبينه المؤلف
بعد قليل.
ورواه عبد الرزاق (١٩٥٦٣) عن معمر، بهذا الإسناد.
١١١

١٠٧٨ - هو ما حدثنا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ
الصلتِ الكوفيُّ، قال: حدثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش ، عن خيثمةَ،
عن أبي حُذيفةً
عن حُذيفة قال: كنّا إذا حضرْنَا مَعَ النبيِّ نََّ الطعامَ لم نضعْ
أَيْدِيَنَا فيه حتى يَضعَ رسولُ اللهِ نَّهِ يدَه، وإنَّا حضرنَا معه طعاماً، فجاءً
أعرابيٌّ كأنَّه يُدْفَعُ حتى ذَهبَ ليضربَ يدَهُ في الطعام ، فأخذ رسولُ الله
حوَّل بيدِهِ، ثم جاءت جاريةٌ، كأنها تُدفعُ، فذهبت لتضرب يَدَهَا في
الطعام، فأخذَ رسولُ اللهِ وَ﴿ يدَها، ثم قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنّ
الشيطانَ يستَحِلَّ الطعامَ لا يُذكرُ عليه اسمُ الله عز وجل، وإِنَّه جاءً بهذا
الأعرابيِّ وهذه الجاريةِ يَستحِلَّ بهما طعامَكُم، فوالذي نفسِي بيدِهِ، إنّ
يَدَهُ مع أيدِيهما في يدِي الساعةً(١).
١٠٧٩ - وما حدثنا فهدٌ أيضاً، قال: حدثنا عُمر بنُ حفصِ بنِ
غياثٍ النخعيُّ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمشُ، قال: حدثني
خيثمةُ، قال: حدثنا أبو حذيفةَ
(١) إسناده صحيح، محمد بن الصلت من رجال البخاري، ومن فوقه ثقات من
رجال الشيخين غير أبي حذيفة - واسمه سلمة بن صهيب، ويقال: صهيبة - فمن
رجال مسلم. أبو معاوية: هو محمد بن خازم الضرير، وخيثمة هو: ابن عبدالرحمن.
ورواه أحمد ٣٨٢/٥-٣٨٣، ومسلم (٢٠١٧) من طريق أبي معاوية، بهذا
الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٩٧/٥-٣٩٨، ومسلم (٢٠١٧)، وأبو داود (٣٧٦٦)، والنسائي
في ((اليوم والليلة)) (٢٧٣)، وفي الوليمة من ((الكبرى)) (٦٧٥٤) كما في ((التحفة))
٣٤/٣، وابن السني في ((اليوم والليلة)) (٤٦٠)، والحاكم ١٠٨/٤ من طرق عن
الأعمش، به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
١١٢

عن حذيفةً بن اليمانِ، قال: كنَّا إذا دُعينَا مع رسولِ اللهِ وَّ إلى
طعامٍ كَفَفْنَا أيديَنَا حتى يضعَ رسولُ اللهِ وَّهِ يدَه، فدُعينا إلى طعامٍ،
فكفَّ رسولُ الله ◌ِِّ يدَه، فَكَفَفْنا أيديَنَا، فجاءَ أعرابيٍّ، كأنَّه يُطْرَدُ،
فأهوى بيدِهِ، فأخذَ رسولُ اللهِ وَّهِ يدَهُ، فأجلَسَهُ، ثم جاءت جاريةٌ كأنها
تُظْرَدُ حتى أَهْوَتْ بيدِها، فأخذ رسولُ اللهِ وَِّ بيدِها فأجلَسَها، ثم قال
رسولُ اللهِ وََّ: ((لَمَّا أَعيَّيْنَاهُ أَنْ لا يُذْكَرَ اسمُ اللهِ عز وجل، جاءَ بَهُذا
الأعرابيِّ كأنَّهُ - يعني - شيطان، ليستحلَّ به طعامَنا، فأخذتُ بيدِه،
فأجلستُه، ثم جاء بهذه الجاريةِ ليستحلَّ بها طعامَنَا، فأخذتُ بيدِها،
فأجلستُها، والذي نفسِي بيدِه، إنَّ يدَهُ لَفِي يدِي مع أيدِيهما)) ثم سمَّى
رسولُ الله ◌ِّ وَأَكَلَ(١).
قال أبو جعفرٍ: فاحتجنًا إلى أن نعلمَ مَنْ أبو حذيفةَ هذا المرويُّ
عنه هذا الحديثَ، فنظرنَا في ذلك.
١٠٨٠ - فوجدنا محمدَ بنَ عليٍّ بن داودَ قد حدَّثنا، قال: حدثنا
داودُ بنُ عمرو الضَّبُِّّ، قال: حدثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، عن سفيانَ،
عن عليٍّ بنِ الأقمرِ، عن أبي حذيفةَ، وكان من أصحاب عبدِ الله
عن عائشةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ صفيةَ، امرأةٌ، فقالت
بيدِها - أي: إنَّها قصيرةٌ - فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لقد مَزَجْتِيها بِكَلِمَةٍ
لو مَزَجْتِ بها البحرَ لمَزَجَتْهُ))، قالت: وحكيتُ عندَ النبيِّي لَّه رجلًا،
فقال: ((ما يَسُرُّني أَنِّي حكيتُ رجلً وإنَّ لي كذا وكذا))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله رجال الشيخين، غير أبي حذيفة
فمن رجال مسلم.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.
سفيان: هو الثوري.
١١٣

قال أبو جعفرِ: فوقفْنا بذلك على أنه منْ أصحاب عبدِ الله بنِ
مسعودٍ، وكان في ذلك ما قد دلَّ على جلالةِ مقدارِهِ وعلوِّ منزلتِهِ، ثم
طلبنَا القبيلة التي هو منها، فوجدنا البخاريَّ قد ذكرهُ في ((تاريخِهِ))(١)،
قال: واسمه سلمةُ بنُ صهيبةَ الأرحبيُّ، وأرحبُ من هَمْدَان.
ثم تأمُّلْنا قولَ النبيِّ نَّهِ: ((إنَّ الشيطانَ يستحلَّ طعامَ القومِ إذا
لم يذكروا اسمَ الله عليه)) لِنقفَ على ذلك الاستحلالِ ما هو؟ فوجدْنًا
الحلالَ هو الشيء المطلق، ووجدنا الحرامَ هو الشيء الممنوع منه،
ووجدنا مَنْ فَعَلَ شيئاً ممنوعاً منه، كان بذلك مطلِقاً لنفسِه ما فعلَه من
ذلك، فكانَ بفعلِهِ ذلك مستحلاً لإِطلاقِهِ لنفسِه ما أطلَقَهُ لها من ذلك
حتی فعلته.
ومن ذلك قولُ الله جل وعز في الآيةِ التي ذكر فيها النَّسِيء:
﴿يُحِلُّونَهُ عاماً ويُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ الله فَيُحِلُوا ما حَرَّمَ
الله﴾ [التوبة: ٣٧]، أي: ليُطْلِقُوا لأنفسِهم ما حرَّمَ الله عز وجل
عليهم، من ذلك(٢)، ومنه قولُ النَّاسِ: استحلَّ فلانٌ دمِي، واستحلَّ
فلانٌ مالِي، على معنَى أَطلقَ لنفسِهَ دَمِي، وأُطلَقَ لنفسِهِ مالِي، ثم
تأملنا بعدَ ذلك ما في هذا الحديثِ من قولِهِ وَله: ((إنَّ الشيطانَ يستَحِلُّ
طعامَ القومِ إذا لم يذكُرُوا اسمَ الله عليه)) فوجدنَاهُ وَِّ قد رُويَ عنه
ورواه أحمد ١٨٩/٦، والترمذي (٥٢٠٢) من طريق عبدالرحمن بن مهدي،
=
بهذا الإِسناد. وقرن الترمذي بعبدالرحمن يحيى بن سعيد.
ورواه أبو داود (٤٨٧٥) من طريق يحيى، والترمذي (٢٥٠٣) من طريق وكيع،
كلاهما عن سفيان، به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(١) ٤ / ٧٣ -٧٤ .
(٢) في الأصل هنا زيادة (ألهمنا)) ولم ترد في المطبوع.
١١٤

أمُرُه بالتسميةِ على الأشياءِ عندَ وضعِها ليكونَ ذلك منعاً للشيطانِ منها .
١٠٨١ - كما حدثنا يونسُ والربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قالا: حدثنا
شعيبُ بنُ الليثِ بنِ سعدٍ (ح).
ووجدنا محمدَ بنَ عبدِ الله بن عبد الحكم قد أخبرنا، قال: أخبرنا
أبي، وشعيبٌ، ثم اجتمعوا جميعاً فقالوا: عن الليث بن سعدٍ، عن أبي
الزبيرِ
عن جابر بن عبدِ الله، أن رسولَ اللهِ وَّمِ قال: ((غَطُوا الإِناءَ، وأَوْكُوا
السِّقَاءَ، وأَغْلِقُوا البابَ، وأَطْفِئوا المصباحَ، فإنَّ الشيطانَ لا يَحُلَّ سِقاءً،
ولا يَفتحُ باباً، ولا يَكْشِفُ إناءً، فإنْ لم يجدْ أحدُكم إلاّ أنْ يَعْرُضَ
على إنائِه ◌ُوداً، فيذكر اسم الله عليه، فليفْعَلْ، فإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ
على أهلِ البيتِ بيتَهم))(١).
١٠٨٢ - وكما حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا أبو عاصمٍ،
قال: أخبرنا ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ
عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا جَنَحَ الليلُ
فَكُفُوا صِبَيَانَكُم حتى تَذْهب ساعةٌ من الليلِ، ثم خُلُّوا سبيلَهم، فإنَّ
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، وعبد الله بن عبد الحكم والد محمد روى
له النسائي، ولا تضر عنعنة أبي الزبير في رواية اللَّيث عنه، فإنه لم يرو عنه إلاّ ما
سمعه من جابر.
ورواه مسلم (٢٠١٢) (٩٦) عن قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رمح، وابن ماجه
(٣٤١٠) عن محمد بن رمح، كلاهما عن اللَّيث بن سعد، بهذا الإِسناد. وانظر
((صحيح ابن حبان)) (١٢٧١) و(١٢٧٢) و(١٢٧٣) و(١٢٧٤) و(١٢٧٥).
والمراد بالفويسقة: الفأرة لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها.
١١٥

الشياطينَ تنتشرُ حينئذٍ، وأغلِقُوا أبوابَكُم، واذكُرُوا اسمَ اللهِ عز وجل،
فإنَّ الشَّيطانَ لا يَفتَحُ مُغْلقاً، وأُوكُوا قِرَبِكُم، واذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عز وجَلَّ،
وخَمِّرُوا آنيتَكُم، واذكرُوا اسمَ الله عز وجل، ولو أن تَعْرُضُوا عليه بعُودٍ))،
قال(١): وأخبرني عَمرو، عن جابرٍ بنحوٍ من هذا، ولم يذكُرْ قولَه:
((فاذكُرُوا اسمَ اللهِ))(٢).
١٠٨٣ - وكما حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا القعنبيُّ، قال: قرأتُ على
مالكٍ، عن أبي الزبير
عن جابرٍ، أن رسولَ اللهِ وَّهِ، قال: ((أَغْلِقُوا البابَ، وأَوْكُوا السِّقَاءَ،
وأكفِئوا الإِناءَ أو: خَمِّرُوا الإِناءَ، وأطفِئُوا المِصباحَ، فإنَّ الشيطانَ لا يَفْتَحُ
غَلَقاً، ولا يَحُلُّ وكَاءً، ولا يَكْشِفُ إناءً، وإنَّ الفُوَيسِقَةَ تَضْرِمُ على
الناسِ بُيوتَهُم أو بيتَهُمْ))(٣).
(١) القائل: هو ابن جريج.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
أبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد النبيل، وعطاء: هو ابن أبي رباح، وعنعنة
ابن جريج في عطاء لا تضر، على أنه قد صرح بالسماع منه عند غير المصنف.
ورواه مسلم (٢٠١٢) (٩٧)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٧٤٦) عن
أحمد بن عثمان، عن أبي عاصم، بهذا الإِسناد.
ورواه ابن حبان (١٢٧٢) من طريق يحيى القطان، عن ابن جريج، به. وانظر
تمام تخريجه فيه.
وأما حديث ابن جريج عن عمرو - وهو ابن دينار- عن جابر، فقد رواه منفرداً
أيضاً مسلم (٢٠١٢) (٩٧) عن إسحاق بن منصور، عن روح بن عبادة، عن ابن
جریج، به.
وقوله: ((إذا جنح اللَّيل)) أي: أقبل، وجُنْح الليل وجِنْحُه: أوله.
(٣) حديث صحيح إسناده على شرط مسلم.
=
١١٦

قال أبو جعفر: فاحتملَ أن تكونَ التسميةُ على الطعامِ عند وضعِهِ
مِنْ واضِعِهِ، أو عند تغطيتِهِ بما يُغطّى بهِ هي التسميةُ المانعةُ للشيطانِ
منهُ بعد ذلك أبداً.
فوجدناه ﴿ قد رُويَ عنه في هذا الحديثِ الذي رويناهُ في صدرِ
هذا الباب قولُه: ((إن الشيطانَ يستحلَّ طعامَ القومِ إذا لم يذكُروا اسمَ
الله عليه عند أكلِهِمْ إِيَّاهُ)) فعقلنا بذلكَ أن التسميةً عند تخمِيرِهِ، أو
عندَ إيعائِهِ إنما تحفظُهُ ما كانَ موكىٍّ، أو ما كان موعىِّ حتى يحاولَ
أهلُه أكلَه، فإذا حاولوا ذلك، احتاجُوا إلى تسميةِ الله، ثم طلبنا ما
الذي ينبغي لهم إذا ذَهَبَتْ عنهم التسميةُ أن يكونَ منهم عند محاولتِهم
أكلّه، ما الذي ينبغي أن يفعلُوه حتى لا ينتفعَ الشيطانُ بما أكلَ منهُ
قبلَ ذلك، وحتى يكون ذلك سبباً يمنعُهُ من بقيّتِهِ؟
١٠٨٤ - فوجدنا بكَّارَ بن قتيبةَ قد حدثنا، قال: حدثنا أبو داود
الطيالسيُّ، قال: حدثنا هشامُ بنُ أبي عبدِ الله، عن بُدَيلِ العُقَيلِيِّ،
عن عبدِ الله بنِ عُبيدِ بنِ عميرٍ، عن أمِّ كلثوم
عن عائشةً، أن رسولَ اللهِ وَ لَ كان يأكلُ طعاماً في ناسٍ من
أصحابهِ، أو في بيتِهِ، فجاءَ أعرابيٌّ، فأكلّهُ بُلُقمتين، فقال رسولُ الله
وَ﴾: ((أما إنَّه لو ذكرَ اسمَ الله جلَّ وعزَّ، لكَفَاكُمْ، فإذا أُكَلَ أحدُكم،
= وهو في ((الموطأ)) ٩٢٨/٢-٩٢٩، ومن طريقه رواه ابن حبان (١٢٧١). وانظر
تمام تخريجه فيه.
ورواه مسلم (٢٠١٢) وابن ماجه (٣٤١٠) عن اللَّيث عن أبي الزبير، به، وهذا
سند صحيح .
والغلق بفتحتين: ما يغلق به الباب كالمِغْلاق.
١١٧

فَسِيَ أن يذكرَ اسمَ الله عز وجل، ثم ذَكَرَ، فليقُلْ: باسمِ اللهِ أوَّلَه
وآخِرَه))(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ ما ينبغي أنْ يقولَه عندَ ذكرِهِ
إذا لم يكن سمَّى الله عز وجل عند أولِ أكلِهِ، ثم وجدناهُ وَّ قد
رُوِيَ عنهُ في غيرِ هذا الحديثِ ما يكونُ من الشيطانِ عند ذلك.
١٠٨٥ - كما حدثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بن جناد البَغْدادِيُّ، قال:
حدثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدثنا يحيى - يعني ابنَ سعيدٍ - عن جابرِبنِ
(١) حديث صحيح بشواهده، أم كلثوم هذه لم يرو عنها غير عبد الله بن عبيد بن
عمير، وقد اختلف في نسبتها، فقال الترمذي بإثر حديثها: هي بنت محمد بن أبي
بكر الصديق رضي الله عنه، وقال غيره: هي أم كلثوم اللَّيثية، قال المنذري في
(مختصر السنن)) ٣٠٠/٥ وهو الأشبه، لأن عُبيد بن عمير ليثي، ومثل بنت أبي بكر
لا يُكنى عنها بامرأة، ولا سيما مع قوله: ((منهم)) وقد سقط هذا من بعض نسخ
الترمذي، وسقوطه هو الصواب، والله عز وجل أعلم. قلت: وباقي رجاله ثقات رجال
الصحيح .
وهو في ((مسند أبي داود الطيالسي)) (١٥٦٦)، ومن طريقه رواه البيهقي
٢٧٦/٧. وقد وقع فيهما سقط يُستدرك من هنا.
ورواه أحمد ٢٠٧/٦-٢٠٨ و٢٤٦ و٢٦٥، والدارمي ٩٤/٢، وأبو داود
(٣٧٦٧)، والترمذي (١٨٥٨)، والنسائي في ((اليوم والليلة)) (٢٨١)، والحاكم
١٠٨/٤، والبيهقي ٢٧٦/٧ من طرق عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، بهذا
الإِسناد. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد،
ووافقه الذهبي .
ورواه ابن حبان في «صحيحه)) (٥٢١٤) من طريق يزيد بن هارون، عن هشام
الدستوائي، عن بُديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة. وفيه انقطاع بين
عبد الله وبين عائشة، وانظر تخريجه فيه.
١١٨

صُبحٍ، قال: حدثني المثنّى بنُ عبدِالرحمن الخزاعيُّ، قال: صحبتُه
إلى وَاسطَ، فكان يُسمِّي في أولِ طعامه، وفي آخرِ لُقمةٍ يقول: بسمِ
اللهِ أَوَّله وآخره، فقال: إنكَ تُسمي في أولِ طعامِكَ، ثم تقول في
آخر طعامِكَ: بسمِ الله عز وجل أوله وآخره، فقال: أُخبركَ؟
إِنَّ جدِّي أميةَ بنَ مَخْشِي - وكان من أصحاب رسولِ اللهِ وَله -
سمعتُه يقولُ: إنَّ رجلاً كان يأكلُ والنبيُّ ◌َِّ يِنْظُرُ، فلم يُسَمِّ، حتى
كانَ آخر لقمةٍ، فقال: بسمِ الله عزَّ وجلَّ أوَّلَه وآخرَه، فقال رسولُ الله
ونَ ﴾ : ((ما زالَ الشيطانُ يأكلُ معك حتى سميتَ، فما بقِيَ في بطنِهِ شيءٌ
إِلَّ ألقَاهُ))(١).
١٠٨٦ - وكما حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا المقدميُّ قال:
حدثنا أبو معشر البَرَّاء(٢) - قال أبو جعفر: وهو يوسفُ بن يزيد - قال:
(١) حديث حسن بما قبله. وهذا إسناد ضعيف لجهالة المثنى بن عبدالرحمن
الخزاعي .
ورواه الطبراني (٨٥٤)، وابن السني في ((اليوم والليلة)) (٤٦٣)، والحاكم
١٠٨/٤-١٠٩ من طرق عن مسدد، بهذا الإِسناد، وصحح الحاكم إسناده ووافقه
الذهبي!
ورواه أحمد ٣٣٦/٤، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) ٧٦/٢ تعليقاً، عن
علي بن المديني، والنسائي في ((اليوم والليلة)) (٢٨٢) عن عمروبن علي، كلاهما
عن يحيى بن سعيد، به. وقال ابن سعد في ((الطبقات)) ١٢/٧-١٣: أخبرت عن
يحيى بن سعيد القطان، فذكره بهذا الإسناد.
ورواه أبو داود (٣٧٦٨)، والطبراني (٨٥٥) من طريق عيسى بن يونس، عن
جابر بن صبح، به. إلّا أن فيه ((المثنى بن عبدالرحمن الخزاعي، عن عمه أمية بن
مخشي))، وتحرف في المطبوع من الطبراني. ((جابربن صبح)) إلى: رجاء بن صبح.
(٢) في الأصل: ((البراح)) وهو تحريف.
١١٩

حدَّثنا جابرُ بنُ صُبحٍ، قال: حدثنا المثنّى بنُ عبدِ الرحمن الخزاعيُّ
- وذلك حين مات الحجاجُ -
عن جدِّه أبي أمِّهِ أميةَ بن مَخْشِيٍّ، واصطحبنا أربعةَ أشهرِ، وكان
إذا وضعَ طعامَهُ سمَّى، فأكلْنَا، حتى إذا لم يبقَ إلا لقمةٌ واحدةٌ من
غَدَائِهِ أو مِنْ عَشَائِهِ، فقال: بسمِ الله عز وجل أوَّلَه وآخِرَه، حتى
يَأْكُلَها .. قلتُ: لم يا أبا عبدِ الله سَمَّتَ، فإذا بَقِيَتْ آخرُ لقمةٍ، قلتَ : .
بسم الله عز وجلّ أوَّله وآخره؟ قال: أُخْبُرُكَ
سمعتُ جدِّي أميةَ بنَ مَخْشِيٍّ - وكان من أصحاب النبيِّ ◌َّ -
قال: بينما نحنُ جلوسٌ عندَ النبيِّ مَ، ورجلٌ يأكلُ، فلما فرغَ مِنْ
آخر لقمةٍ، سمَّى، فضَحِكَ رسولُ اللهِ وَ﴾ أو تبسَّمَ فسأُلْناهُ، فقال:
((سمَّى الله عز وجل أوَّلَهُ وآخره، والذي نفسِي بيدِهِ ما زالَ يَأْكُلُ معَهُ
- كأَنَّه يعني الشيطانَ - حتى إذا سمَّى، ما بَقِيَ في بطنِهِ شيءٌ إلاّ
ألقَاهُ»(١).
قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك على أنَّ الذي يحلُّ بالشَّيطان بقول
الآكل الذي لم يكن سمَّى في أوَّلِ طعامِهِ عند وقوفِهِ على ذلك مِنْ
نفسِهِ: بسمِ اللهِ أوَّله وآخرَه، وبالله التوفيق.
(١) إسناده ضعيف لجهالة المثنى بن عبدالرحمن، وهو مكرر ما قبله.
١٢٠