النص المفهرس
صفحات 101-120
فقالَ: ((لقد عُذْتِ بَمَعَاذٍ))، ثم خَرَجَ علينا، فقال: ((أبا أَسيد، اكْسُهَا رَازِقِيَّتين، وأَّحِقْها بِأَهْلِها))(١). ٦٤٢ - وكما حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن سعيد بن أبي مريم، حدثنا أسدُ بنُ موسى، حدثنا يحيى بنُ زكريَّاءَ بنِ أبي زائدة، حدثني عبدُالرحمن بن سليمان، عن حمزةَ بن أبي أسيد، عن أبيه؛ وعن عباسٍ بِنِ سهلٍ ، عن أبيه قالا: دَخَلَ رسولُ اللهِ وَِّ نَخْلًا لبني ساعدة، وفيه امرأةٌ من كِنْدَة، يُقالُ لها: أميمة ابنة النعمان بن شراحيل في بيتٍ، فقال: ((هَبِي لِي نَفْسَكِ))، فقالت: وهَلْ تَهَبُ المَلِكَةُ نفسَها للسُّوقَةِ؟! فَضَرَبَ بِيدِه نحرَها لِيَسْكُنَ، فقالت: إِنِّي أَعُوذُ باللهِ منك، فقال: (لَقَدْ عُذْتِ بَمَعَاذٍ)) وأَمْسَكَ يدَه، ثم خَرَجَ علينا، فقال: ((يا أبا أُسيد، جَهِّزْهَا، والَّحِقها، واكسُها رازِقِيَّتَيْن))(٢). (١) إسناده صحيح على شرط البخاري. أبو نعيم: هو الفضل بن دكين. ورواه الطبراني ١٩/(٥٨٣) عن أبي زرعة عبدالرحمن بن عمرو الدمشقي، بهذا الإِسناد. ورواه البخاري (٥٢٥٥)، وابن الجارود (٧٥٨) من طريق أبي نعيم، به. الرازقية: ثياب كتان بيض، وقوله: ((أميمة ابنة النعمان)) قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٥٨/٩: جزم هشام بن الكلبي بأنها أسماء بنت النعمان بن شراحيل بن الأسود بن الجون الكندية، وكذا جزم بتسميتها أسماء محمد بن إسحاق ومحمد بن حبيب وغيرهما، فلعل اسمها أسماء، ولقبها أميمة . (٢) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٤٩٨/٣، والبخاري (٥٢٥٧) من طريقين عن عبدالرحمن بن سليمان ابن الغسيل، بهذا الإِسناد. وعلقه البخاري (٥٢٥٦) فقال: وقال الحسين بن الوليد النيسابوري، عن عبدالرحمن، عن عباس بن سهل، عن أبيه وأبي أسيد قالا ... فذكره مختصراً . = ١٠١ ٦٤٣ - وكما حدثنا ابنُ مرزوق، حدثنا أبو عاصم، عن موسى بنِ عُبيدة، حدثني عمر بن الحكم، قال: سمعتُ أبا أُسيد يقولُ: تزوِّجِ رِسولُ الله ﴿ امرأة من بَلْجُوْنِ، فأنزلَها بِالشَّوْطِ من وراءِ ذُبَابَ في أُجُمٍ، ثم أَتَّيْتُ رسولَ الله وَهُ، فقُلْتُ: قد جئتُ بها، فخرجَ يَمشي، حتى انتهى إليها، فَأَقْعى، وأَهْوَى لِيُقَبِّلَها، وكانَ رسولُ الله ◌ِ ﴿ إذا تَزَوِّجَ أقعىِ وِقَبَلَ، فقالت: أعوذُ باللهِ منك، فقالَ لها: ((لقد عُذتِ بَمَعَاذٍ)) وأُمَرَنِي أَن أَرُدَّها إلى أُهْلِها (١). وفيما روينا في هذا الباب: أمرُ رسولِ الله وَِّ أبا أُسيدٍ بإلحاق هذهِ المرأة بأهلِها، في معنى أمره إِيَّهُ بطلاقِها، وفيه أيضاً ما(٢) يَحتاجُ إلى الوقفِ عليه، وهو رَدُّ حَمْل هذه المرأة إليه مِن عند أهلها، وردُّها إلى أهلِها من عندِه مع أبي أسيد، وليسَ مِن ذَوي محارمها من النَّسب، = ورواه الطبراني ١٩/(٥٨٣) من طريقين عن عبدالرحمن ابن الغسيل، عن عباس بن سهل، وحمزة بن أبي أسيد، عن أبيه قال: مَرَّ بنا رسولُ اللهِوَّ فذكره بنحوه . (١) حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف، موسى بن عبيدة: هو الربذي، ضعفه أحمد، وابن معين، وعلي بنُ المديني، والنسائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم وغيرهم. ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١٤٦/٨ عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، بهذا الإِسناد. ورواه ابن سعد أيضاً ١٤٤/٨ عن محمد بن عمر الواقدي، عن موسى بن عبيدة، به . قوله: ((بلجون))، أي: بني الجون، والشوط: بستان في المدينة معروف، وذُباب: بضم الذال والباء، جبل معروف بالمدينة، والأجمُ: الحصون، وهو الأُطُم أيضاً، والجمع آجام وآطام. (٢) في (ر): مما. ١٠٢ ولا عَلِمْنَا بينَه وبينَها رضاعاً يكونُ به منها كذي الرَّحِم المحرمة(١) منها، FE وكانَ الذي أُطْلَقَ له ذُلك عندنا - والله أعلم - فيها أن النبيِّ وََّ، لما تَزَوَّجها، صارتْ بذلك للمسلمينَ أُمَّاً، وصارَتْ بذلك عليهم حراماً، فحلَّ لَأبي أُسيد ذلك فيها، إذْ كانَ قد عادَ بما ذكرنا محرماً بها. وفيه أيضاً: أمرُ رسولِ اللهِ نَّهِ إِيَّاه أن يُجَهِّزَها، أو أن يكسوَها ما أمره أن يكسوَها إِيَّاهُ، أو يُجهزَها به، وذلك عندنا - والله أعلم - محتملُ أن يكونَ تمتيع منه لها، فإنَّ مِنْ أهلِ العلم مَنْ قد كان يَرى للمطلقة قبلَ الدخول بها سُمِّيَ لها صداقٌ، أو لم يُسمَّ: لها صداقُ متعةٍ، يُؤْمَرُ بها مُطَلَّقُها، أو يُؤْخَذُ بذلك لها، وممِّنْ رُويَ ذُلك عنه عليُّ بنُ أبي طالب، وإن كانَ أكثرُ أهلِ العلم على خِلافِهِ في المطلقةِ قبلَ الدخول، وقد سُمي لها صداق. كما حدَّثنا يونس، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني يحيى بنُ أيوب، وموسى بن أيوب، عن إياس بن عامر، عن عليٍّ، قال: لِكُلِّ مُطَلِّقةٍ مُتعةً(٢). وقد يحتملُ أَنْ يكونَ ما أَمَرَ به لها من ذلك تفضلاً (٣) منه عليها، لا عن تمتيع منه لها، كما تُمَتَّعُ المُطلقةُ. والله أعلم بما أرادَ من ذلك، وبهِ التوفيقُ. (١) في المطبوع: المحرم. (٢) إسناده قوي. وروى مالك في ((الموطأ)) ٥٧٣/٢ عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: لكل مطلقة متعة إلا التي تطلق وقد فُرض لها صداق ولم تمس، فحسبها نصف ما فرض لها. ورواه ابن أبي شيبة من طريق عُبيد الله، وعبد الرزاق (١٢٢٢٤) عن أيوب، كلاهما عن نافع. (٣) في الأصل و(ر): تفضل. ١٠٣ ٩٢ - بابُ بيانِ مُشْكِلٍ ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ في المرأةِ الَّتِي تَزَوَجَّها، فلما أُدْخِلَتْ عليه رَأَى بِكَشْحِها بياضاً، وما كانَ منه في أمرها بعد ذلك ٦٤٤ - حدثنا هارونُ بنُ محمد العَسْقَلاني أبو يزيد(١)، حدثنا أبو الربيعِ الزَّهْراني، حدثنا إسماعيلُ بنُ زكريا، حدثنا جميل بن زيد الطّائي قال: سمعتُ ابنَ عُمر يقولُ: تزوَّجَ رسولُ الله عليه السَّلامُ امرأةً مِن غِفار، فرأى في كَشْحِها بياضاً، فَخَلَّى سَبِيلَها(٢). ففي هذا الحديثِ روايةٌ جميل بن زيد إيَّهُ، عن ابنِ عُمر، وقد خُولِف إسماعيل عنه في ذلك، فرووه عنه عن غيرِ ابنِ عمر، ولم نَعْلَمْ (١) في الأصل: مرثد، والتصويب من (ر)، وانظر الحديث (٦٤٩) فقد جاء فيه على الصواب. (٢) إسناده ضعيف، جميل بن زيد قال ابن معين: ليس بثقة، وقال البخاري : لم يصح حديثه، وروى أبو بكر بن عياش عن جميل، قال: هذه أحاديث ابن عمر، ما سمعت من ابن عمر شيئاً، إنما قالوا لي: اكتب أحاديث ابن عمر، فقدمت المدينة فكتبتها. وعلقه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢٢٣/٧ فقال: وقال سليمان أبو الربيع، بهذا الإِسناد. إلا أنه قال: امرأة أنصارية . ورواه ابن عدي في ((الكامل)) ٥٩٣/٢ من طريق أبي بكر النخعي، عن جميل بن زيد، به. وقال فيه: امرأة من غفار. ١٠٤ أحداً وافقَ إسماعيل بن زكريا عنه في ذلك غيرَ القاسمِ بن غُصْنٍ، فإنَّ محمدَ بنَ إسماعيل البخاري ذكرَ عن محمدٍ بن عبد العزيز الواسطي، عن القاسمِ بن غُصْن سَمِعَ جميلَ بنَ زيد، عن ابن عمر ... ثم ذكر مثله سواء. ٦٤٥ - وفيه ما حدثنا أبو عمران موسى بنُ الحسن بن عبد الله المَرْوَزي المعروفُ بالسَّقَلِّي (١)، حدثنا محمدُ بنُ جعفر الوركاني(٢)، حدثنا القاسمُ بنُ غصن، عن زيدٍ بن جَميل - كذا قال -: عن ابن عُمر: أنَّ النبيَّ عليه السلام تَزَوَّج امرأةٌ من بني غِفار، فلما دَخَلَ بها، رأى بكَشْحِها بياضاً، فانمازَ عنها، وقال: ((أَرْخِي عليكِ ثيابَكِ)) فَخَلَّى سبِيلَها (٣). (١) كذا وقع هنا بالسين، وفي ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٤٦/١٣-٤٧، و((الأنساب)) ٨٠/٨: الصَّقَلِّي، بالصاد نسبة إلى جزيرة صقلية: وهي جزيرة كبيرة في البحر الأبيض المتوسط جنوب إيطاليا على بعد ميلين منها، افتتحها المسلمون سنة ٢١٢ هـ بقيادة القاضي الفقيه أسد بن الفرات المتوفى سنة ٢١٣هـ ببلرم إحدى مدن الجزيرة، ومن هذه الجزيرة ابن حمديس الشاعر المشهور، يقول فيها: يُجدِّد للنفس تذكارها ذكرتُ صَقَلَِّةَ والأسى فإني أحدّثُ أخبارها فإن كنتُ أخرجتُ من جنةٍ حسبت دموعي أنهارها ولولا ملوحة ماء البكاء (٢) ضبطه السمعاني وياقوت بفتح الواو وسكون الراء، نسبة إلى وَرْكان، محلَّة بأصبهان، وضبطه الحافظ في ((التقريب)) بفتحتين. (٣) إسناده ضعيف. ورواه ابن عدي في ((الكامل)) ٥٩٣/٢، والبيهقي ٢٥٧/٧ من طريق أبي القاسم البغوي، عن محمد بن جعفر الوركاني، بهذا الإِسناد. وأورده البخاري في ((التاريخ)) ٢٢٣/٧ عن محمد بن عبد العزيز، عن = ١٠٥ وأمَّا مَنْ خالَفَهُما في ذلك عن جميلٍ بن زيد، فإِنَّ منهم عبادَ بنَ العوام، ذكره عن جميل، قالَ: سمعتُ كعبَ بن زيد الأنصاري. ٦٤٦ - كما حدَّثنا محمدُ بنُ علي بن داود، وإبراهيمُ بنُ أبي داود، قالا: حدثنا سعيدُ بنُ سليمان الواسطي، عن عبادِ بنِ العَوَّام، حدثنا جميل بنُ زيدِ الطائي، قال: سمعتُ كعبَ بنَ زيد الأنصاري يُحدِّثُ: أنَّ النبي عليه السَّلامُ تَزوَّج امرأةً من غِفار، فرأى بكَشْحِها لَطْخاً، فقال: ((ضَعِي عَلَيْكِ ثيابَكِ، والْحَقِي بأهلِك))(١). ومنهم أبو معاويةَ الضريرُ، رواه عن جميلٍ بن زيد، عن زيدِ بنِ كعب بن عُجرة. ٦٤٧ - كما حدثنا عبدُ الملك بن مروان أبو بشر الرَّقي، حدثنا أبو معاويةً، عن جميلِ بنِ زيد الطَّائي عن زيدٍ بن كعب بن عُجرة قال: تزوَّجَ رسولُ اللهِ وَ﴾ امرأةٌ من بني غِفار، فلما أُدْخِلَتْ عليه، رأى بكَشْحِها بياضاً، فقال: ((البَسِي ثِيَابَكِ، والْحَقِي بأَهْلِك)) نحوه(٢). = القاسم بن غصن، به. وفي كلا الطريقين جميل بن زيد. (١) إسناده ضعيف. وأورده البخاري في ((تاريخه)) ٢٢٣/٧ عن سليمان بن داود أبي الربيع، عن عباد بن العوام، بهذا الإِسناد. (٢) إسناده ضعيف. ورواه أحمد ٤٩٣/٣ من طريق القاسم بن مالك المزني، والبيهقي ٢٥٦/٧-٢٥٧ من طريق محمد بن جابر، كلاهما عن جميل بن زيد، عن زيد بن كعب، قال كعب ... فذكره. ورواه البخاري في ((التاريخ)) ٢٢٣/٧ من طريق محمد بن فضيل، عن جميل بن زيد، عن عبد الله بن كعب قال: تزوج ... فذكر نحوه. ١٠٦ قال أبو معاوية: عن رجلٍ، عن جميلٍ، بهذا الإِسنادِ، أن النبي وَلِ أَمَرَ لها بِالصَّدَاقِ. ومنهم حفصُ بنُ غياث، فرواه عن جميل، عن زيد بن کعب. ٦٤٨ - كما حدثنا عبدُ الله بن محمد بن جعفر القَزويني أبو القاسم، حدثني أبو أسامة عبد الله بن أسامة الكلبي الگُوفي، حدثنا عُمَرُ بنُ حفص، عن أبيه، عن جميل الطائي عن زيدِ بنِ كعب، قال: كانَ رسولُ اللهِ وَ ذُكِرَتْ له امرأةٌ من بني غِفار، وَوُصِفَتْ، فَتَزَوَّجها، فلما أُدْخِلَتْ عليه، رَأَى مابِها، وكان في كَشْحِها بياضٌ، وكَرهَها، ومَتَّعَها، وقال: ((الْحَقِي بِأُهْلِك)) فَأَلْحِقَتْ بأهلِها. ومنهم محمدُ بنُ أبي حفص، فرواه عن جميل، عن زيدِ بنِ كعب بن عُجرة. ٦٤٩ - كما أجاز لي أبو يزيد هارونُ بن محمد العسقلاني، عن المفضل بن غسان الغَلابي أنه حدَّثه، قال: حدثنا ابنُ الحِمَّاني، حدثنا محمدُ بنُ أبي حفص، حدثنا جميلُ بنُ زيد عن زيدٍ بن كعب بن عُجرة: أنَّ النبيَّ لَّهِ تزوَّجَ امرأةً من غِفار، فدَخَلَ بها، فَوَجَدَ بِكَشْحِها بياضاً، فقال: ((البَسِي ثوبَك))، وأعطاها الصَّدَاقَ، وقال: ((الْحَقي بأهلِك)). ففي هذا الباب قولُ النبي ◌َّ ر للمرأةِ المذكورةِ فيه: ((الحقي بأهلِك)) فالكلامُ في ذلك كالكلام في قوله للمرأة المستعيذةِ منه المذكورةِ قبلَ هذا الباب من هذا الكتاب: ((الحقي بأهلِك)). وفي هذا الباب إعطاءُ رسول الله وَّ المرأةَ المذكورةَ فيه الصداقَ، ١٠٧ فقالَ قائلٌ: ففي حديثِ ابن أبي(١) حفص: أنَّ رسولَ الله وَلِ مَتَّعها. قيل له: ليسَ هذا عندنا بمخالفٍ، لما في حديثِ ابن أبي حفص هذا، لأَنَّه قد يجوزُ أن يكونَ جَعَلَها كالمدخولِ بها لخَلْوَتِه، وإمكانها إِيَّاهُ نفسَها، ولأنَّ تركَه كانَ لمسيسها باختيارِه ذلك، لا لما سِواه، فقامَ ذلك منه مقامَ المُماسَّةِ منه لها، وإنْ كان لم يَمَسِّها في الحقيقةِ. ثم طَلَبنا الوقوفَ على أحوالِ محمدِ بنِ أبي حفص هذا، هل هي أحوالٌ تُوجِبُ له قبولَ الزيادة في روايته لهذا الحديث على مَنْ سواه مِّمِّن رواه، فَقَصَّرَ عن ذكرِ أمر النبي عليه السلام لتلك المرأةِ بالصداق؟ فوجدنا البُخاريَّ قد ذكرَ في ((تاريخه))(٢) محمدَ بنَ أبي حفص هذا، فقال: هو كوفيٌّ، سَمِعَ منه أبو نُعيم، وحدثنا عنه أبو غسان. وذكر لي محمدُ بن موسى الحَضْرَمي: أن أبا حفص عُمَرَ بنَ حفص بن أسلم بن راشد السَّكُوني قال: وهو عن محمد بن جعفربن الإِمام الذي كانَ عندنا هاهنا، قال: وكان عَمُّهُ هذا أحدَ الثقات ببغداد أنَّهِ حَدَّثَه، قال: حدثنا عبدُ الله - يعني: ابن صالح العجلي - حدثنا محمدُ بنُ عمر العطار، عن جميلٍ بن زيد الطائي، عن سعدٍ بن زيد الأنصاري أن رسول الله وَّ تَزَوَّجَ امرأةً من غِفار، فدَخَلَ بها، فأمرها أن تَنْزِعَ ثيابَها، فَأَبْصَرَ بياضاً من بَرَصٍ عِنْدَ ثَدْيها، فلما أصبحَ، قال: ((خُذي ثيابَكِ، والحَقِي بِأُهْلِك)) وأكملَ لها الصداقَ(٣). فوقفنا بما ذكرنا على جلالة محمدٍ بن أبي حفص في الرواية برواية (١) ((ابن أبي)) سقط من الأصل و(ر). (٢) ١٧٨/١. (٣) إسناده ضعيف. ورواه البيهقي ٢٥٦/٧ من طريق يونس بن بكير، عن أبي يحيى، عن جميل بن زيد الطائي، عن سعد بن زيد الأنصاري. ١٠٨ الوجوه عنه من أبي نُعيم، ومن أبي غسَّان، ومن عبدِ الله بن صالح العجلي، ومن يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني. ثم طلبنا الوقوفَ على كعب بن زيد، أو زيد بن كعب أو سعد بن زيد: هل له صحبةٌ، أم لا؟ فوجدنا البخاريَّ في ((تاريخه))(١) لما ذكر المسمَّين بكعبٍ، من أصحاب رسول الله بَلّ، فذكر منهم كعب بن عمرو أبا اليَسَر، وذكرَ كعبَ بن عُجْرة، وذكر كعب بن مالك، وذكر كعباً(٢) الأشعري، وذكر كعبَ بن عياض، ثم ذكر كعباً الذي قُطِعَتْ يدُه يومَ اليَمامة، ثم قالَ: وكُلُّ هؤلاء لهم صحبةٌ، ثم ذكر بعَقِب ذلك كعبَ بنَ زيد، فقال، ويقالُ: زيدُ بنُ كعب، ثم ذكر بعدَه كعبَ بنَ ماتع الذي يقال له: الأحبار،، وكانَ ذلك دليلاً على إدخاله إيَّاهُ في الصحابةِ، أو على قُرْبِهِ منهم كانَ عنده، وإذا كان ذلك كذلك، لم يَبْعُدْ أن يكونَ هذا الحديثُ حُجَّةً لمن يقولُ بوجوب الصَّدَاقِ لمن أمكنَ مَسيسُه، فطَلَّقَ قبلَ أَنْ يَماسَّ، لا سيَّما وقد ذَهَبَ إلى ذلك القولِ جماعةٌ من وجوهِ أصحاب رسول الله عليه السَّلامُ، ومن الخلفاءِ الراشدين المهديين، منهم عمرُ، وعلي . وكما حدثنا يحيى بنُ عثمان، حدثنا نُعيم بن حَمَّاد، حدثنا ابنُ المبارك، حدثنا سعيدٌ - يعني: ابنَ أبي عروبة - عن قتادةَ، عن الحسن، عن الأحنفِ بنِ قيسٍ عن عُمَرَ، وعليٍّ قالا: إذا أُغْلَقَ باباً، أو أرخى سِتْراً، فَلَها الصَّداقُ (١) ٢١٩/٧-٢٢٣. (٢) في الأصل: كعب، وهو خطأ. ١٠٩ كاملاً، وعليها العِدَّةُ(١). وبه حدثني ابنُ المبارك، وأخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنفِ، قال: قال عُمر، وعلي: إذا أُرْخِيَتِ السُّتُورُ، وغُلِّقَتِ الأبوابُ، فقد وَجَب الصداقُ. وكما حدثنا يونُسُ، حدثنا ابن وهب أنَّ مالكاً أخبره عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب أنَّ عمر قضى في المرأة يتزوَّجُها الرجلُ أنَّه إذا أُرْخَى السِّتْرَ، فقد وَجَبَ لها الصَّداقُ(٢). وكما حدثنا فهد، حدثنا ابنُ معبد، حدثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مِنْهال، عن عبَّاد بن عبد الله قال: قال علي: إِذا أُرْخِيَ السَّتْرُ، وَأُغْلِقَ البابُ، فقد وَجَبَ الصداقُ (٣). وكما حَدَّثنا بَكَّارٌ، حدثنا مؤمَّل بنُ إسماعيل، حدَّثنا سفيانُ، عن منصور، عن المِنهالِ ، عن حَيَّن بن مَرْتد قال: قال عليٌّ : إذا أُغلِقَ البابُ، وأَرخِي السِّتْرُ، فقد وَجَبَ الصَّداقُ(٤). (١) ورواه ابن أبي شيبة ٢٣٤/٤، والبيهقي ٢٥٥/٧ من طريق سعيد بن أبي عروبة، بهذا الإِسناد. (٢) ورواه مالك ٥٢٨/٢، وابن أبي شيبة ٢٣٥/٤، والبيهقي ٢٥٥/٧ من طريق يحيى بن سعيد، بهذا الإِسناد. (٣) ورواه ابن أبي شيبة ٢٣٤/٤، والبيهقي ٢٥٥/٢ من طريق المنهال، بهذا الإِسناد. (٤) ورواه ابن أبي شيبة ٢٣٤/٤ عن وكيع، عن سفيان، بهذا الإسناد. ١١٠ وكما حدثنا ابنُ مرزوق، حدثنا عثمان بن عُمر، أخبرنا عَوْفٌ - يعني: الأعرابي - قال: سمعتُ زُرارةَ بنَ أوفى في مسجد البصرة يقولُ: قَضَى الخلفاءُ الراشدون المهديُّون: أنَّ مَنْ أغلقَ باباً، أو أرخَى سِتْراً، فقد وَجَبَ المَهْرُ، وَوَجَبَتِ العِدَّةُ(١). ففي هذا زيادةٌ على ما قبلَه مما رَوَيناه عن عُمر، وعلي، وإدخالُ بقية الخلفاء الراشدين المهديين في القول بهذا القولِ أيضاً. وقد رُوي عن زيد بن ثابت ما يَدُلُّ على أنه كانَ يَذْهَبُ هذا المذهبَ أيضاً. كما حدثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني عبدُالرحمن بن أبي الزّنادِ، عن أبيه، أخبرني سُليمانُ بنُ يسار أنَّ الحارثَ بنَ الحكم تَزَوَّجَ امرأةً، فدَخَلَ عليها، فإذا هي خضراءُ (٢)، فكَرهَها، فلم يَكْشِفْها - كما يقولُ - واستَحَْى أن يخرُجَ مكانه، فَقَالَ(٣) عندها مُخْلِياً بها، ثم خَرَجَ، فَطَلَّقها، وقال: لها نصفُ الصداق، ولم أكْشِفْها، وهي تَرُدُّ ذُلك عليه، فرُفعَ ذلك إلى مروان بن الحكم، فأرسل إلى زيد بن ثابت، فقال: يا أبا سعيد: رجلٌ صالح كانَ من شأنه كذا وكذا، وهو عَدْلٌ، هل عليه إلا نِصْفُ الصَّداق؟ فقال له زيدُ بنُ ثابت: أرأيتَ لو أن المرأةَ الآن حَمَلَتْ، فقالت: هو منه، أكنتَ مقيماً عليها الحدَّ؟ فقال مروانُ: لا، فقال زيدُ بنُ ثابت: بل لها صداقُها كاملًا(٤). (١) ورواه ابن أبي شيبة ٢٣٥/٤، والبيهقي ٢٥٦/٧ -٢٥٧ من طريقين عن عوف، بهذا الإسناد. قال البيهقي: هذا مرسل، زرارة لم يدركهم. (٢) أي: سوداء. (٣) من القيلولة. (٤) ورواه ابن أبي شيبة ٢٣٤/٤، والبيهقي ٢٥٦/٧ من طريق أبي الزناد، بهذا = ١١١ وكما حدثنا يوسفُ بنُ يزيد أبو يزيد، حدثنا سعيدُ بنُ منصور، أخبرني ابنُ أبي الزناد، عن أبيه، عن سليمانَ بن يسار، عن زيدِ بنِ ثابت في الرجلِ يَخْلُو بالمرأة، فيقولُ: لم أَقْرَبْها،َ وتقولُ: قد ◌َبَنِي، قالَ: القولُ قولُهَا(١). فهذا زيد بن ثابت، قد كان مذهبُه في ذلك كمذهب مَنْ ذكرناه قَبْلَه فيه في هذا الباب. فإن قالَ قائلٌ: إنَّما ذلك كان(٢) لدعوى المرأة في ذلك مع الخلوة ما ادَّعت من قُرْب زوجها إيَّها، قيلَ له: لو كانَ ما ذكرتَ كما وصفتَ، لما كانت دعواها مقبولةً، لِما يوجبُ لها معنىٍّ لم يكنْ واجباً(٣) قبلَ ذلك، مع نفي مَن يَدَّعيه عليه إِيَّه عن نفسِه إلا بحجةٍ توجبُ لها ذلك عليه، ولَمَّا لَمْ تكنْ مسؤولة عن ذلك حجة، كان إرخاءُ السُّتور، وإغلاقُ الأبواب، وإِمْكانُها زوجَها من نفسِها بحيثُ لا مانعَ له منها يُوجبُ لها الصداقَ عليه، ويكونُ به في حُكْمِ المماسِ لها، وإِنْ لم يَمسَّها، فقد تواترت أقوالُ أصحاب رسولِ اللهِ وَّ في ذلك، واتَّفَقَتْ على أنَّ الإِمكانَ الَّذي ذكرْنا يكونُ به الذي مُكِّنَ منهُ كالمُماسِّ للمرأةِ التي أمكنّتْهُ مِن نفسِها، ولا نعلَمُ مُخالفاً لهم سواهم من أصحاب = الإِسناد. وروى مالك ٥٢٨/٢، والبيهقي ٢٥٥/٧ من طريق ابن شهاب أن زيداً كان يقول: إذا دخل الرجل بامرأته فأرخيت عليهما الستور، فقد وجب الصداق. (١) ورواه البيهقي ٢٥٦/٧ من طريق سعيد بن منصور، وهو في ((سنن سعيد)) (٧٦٥). (٢) في (ر): إنما كان ذلك. (٣) في (ر): لما كانت دعواه مقبولة إلا بحجة يوجب بها معنى لم يكن واجباً لها . ١١٢ رسول الله م18َّ في ذلك. فإن قال قائل: بَلَى قد خالَفَهُم في ذلك ابنُ عباس . فذكر ما حدثنا يونسُ، حدثنا ابنُ عُيينة، عن عَمروٍ، عن عَطاءٍ عن ابن عباس قال: إِذا نَكَحَ الرجلُ، فَفُوِّضَ إليه، ثم طلَّقَ قبلَ أَنْ يَمَسَّ، فليسَ لها إلَّ المَتَاعُ (١). قيلَ له: ليس هذا مُخالفاً(٢) عندنا، لِما قد رَوَيناه قبلَه في الخَلْوَةِ والمكان، عن مَنْ رَوَيناهما عنه في هذا الباب، والتفويضُ - عندنا المذكور في هذا الحديث - هو التفويضُ إلى الزوجِ في تسمية الصَّداقِ، لمن يزوِّجُه على غيرِ صَداقٍ، فلا يفعلُ ذلك، ثم يُطَلِّق قبل أن يمسّ، فليس (٣) عليه إلا المتعةُ، وليسَ هو عندنا على تفويضٍ معه خَلْوةٌ، ولا إِمكانَ له من الجِماع، وإذا كانَ ذلك مُحتملًا لِما قد ذكرنا، لم يكنْ مُخالفاً عندنا، لما ذكرناه قبلَه عمَّن ذكرناه في هذا الباب. فإنْ قال: فإنَّ ظاهرَ القُرآنِ يَدُلُّ على ما تأوَّلنا عليه، مما رُوي عن ابن عباس في هذا الحديثِ، لأن الله قال في كتابه: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وقد فَرَضْتُم لَهُنَّ فَرِيضةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُم إلَّ أَنْ يَعْفُونَ أو يَعْفُوَ الَّذِي بِيدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وكان(٤) معقولاً بذلك أَنَّ مَنْ طَلَّق، وَلَمْ يُماسَّ، أن الذي يلزَمُه بهذه (١) إسناده صحيح على شرط مسلم. يونس: هو ابن عبد الأعلى من رجال مسلم، ومن فوقه من رجال الشيخين. وانظر ((سنن البيهقي)) ٢٥٤/٧ . (٢) في الأصل و(ر): مخالف، وهو خطأ. (٣) في (ر): ليس. (٤) في (ر): فكان. ١١٣ الآية هو نصفُ الصداق، لا كلُّه. قيل له: إنَّ الذين قالوا في هذا بوجوب الصداق ووجوب العِدة هم الخلفاء الراشدون المَهْدِيُّون أبو بكر، وعمرُ، وعثمانُ، وعليَّ، ولَحِق بهم في ذلك زيدُ بن ثابت، وهو كاتبُ الوحي، والمؤتَمَنُ عليه، والقرآنُ نَزَلَ بلغتهم، وهم يعرفون تأويلَه، وكان بما أشكلَ عليهم منه يستعلمون رسولَ اللهِ وَّرَ، فُعلمهم بمرادِ الله تعالى به، وفي خلافِهم تجهيلٌ لهم، والخروجُ عن مذاهبهم إلى ما سِواها ممَّا نعوذُ باللهِ منه، معَ أَنَّا قد وَجَدْنا في اللغة ما قد أُبِيحَ لنا أن نُسمِّي مَن أمكنه المَسيس، ولم يُماسَّ: باسمِ المَسيسِ، كما سُمِّ ابنُ إبراهيم عليهما السَّلام: إمَّا إسماعيل، وإمَّا إسحاق ذَبيحاً، لا لأنَّه ذُبحَ، ولكن لِما أَمْكَنَ من نفسه، وأمكنَ أبوه ذلك منه بأن تَلَّهُ للجَبين، سُمِّ بذلك ذبيحاً وإن لم يُذْبَحْ. فمثلُ ذلك ما قد ذكرناه من إمكان هذه المرأة نفسَها زوجَها من جِمَاعِه، حتى لم يكنْ بينَه وبينَ ذلك حائلٌ، ولا لَهُ منه مانعٌ، يَجُوزُ(١) أن يُطلقَ عليه اسمُ مماسٍ(٢) لها، وإن لم يكنْ مُماسًاً لها في الحقيقةِ، وتدخُلُ بذلك في معنى المُطَلَّقِ بَعْدَ المَسيسِ ، لأنه في معنى المُطَلَّق قبلَه، وقد(٣) وجدنا ما قد أجمعَ المسلمون عليه، لأنّهم لم يختلفوا في مَنْ باعَ شيئاً له بثمن حَبَسَه(٤) حتى يَقْبِضَ ذلك الثمنَ، فَمُكِّنَ من قبضِه، وخُلِّي بينَه وبينَه، فلم يَضَعْ يدَه عليه، ولم يقبِضْه، ولَحِقَه (١) في (ر): فجور. (٢) تحرف في الأصل إلى: مما بين، والمثبت من (ر). (٣) في (ر): قد. (٤) في (ر): له حبسه. ١١٤ هلاك: أنه يكون هالكاً من ماله، لا مِن مالٍ بائعه. وفي ذلك على ما وصفناه دليلٌ مع تعلقِ أكثرٍ فقهاء الأمصار بهذا، منهم أبو حنيفة في مُتَّبعيه، ومالكٌ في متَبعين من متبعيه، والليث في متبعيه(١)، والأوزاعيُّ في متبعيه، والثوريُّ في متبعيه أيضاً، والله نسألُه التوفيق . (١) ((في متبعيه)) لم ترد في الأصل، واستدركت من (ر). ١١٥ ٩٣ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلام من قوله: ((فإنَّ الله لا يمَلُّ حَتَّى تملُّوا)) ٦٥٠ - حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، حدثنا يحيى بنُ سعيد القَطَّان، حدثنا هشامٌ، أخبرني أبي عن عائشةَ أَنَّ النبي عليه السَّلامُ دَخَلَ عليها وعندها امرأة، فقال: ((مَنْ هُذه))؟ فقالت: فلانةُ لا تَنَامُ - فَذُكِرَ من صلاتِها - فقال: ((مَهْ، عَلَيْكُم ما تُطِيقونَ، فوالِ لا يَمَلُّ الله تعالى حتَّى تَمَلُّوا(١)، وكان أحبَّ الدين إلى اللّهِ ما دَاوَمَ عَلَيْهِ صاحبُه))(٢). ٦٥١ - حدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا المقدَّمي، حدثنا المعتمِرُ(٣) بن (١) في (ر): فإن الله لا يمل حتى تملُّوا. (٢) إسناده صحيح على شرطهما. هشام: هو ابن عروة. ورواه أحمد ٥١/٦، والبخاري (٤٣)، ومسلم (٧٨٥) (٢٢١)، والنسائي ٢١٨/٣ و١٢٣/٨، والبيهقي ١٧/٣ من طريق يحيى بن سعيد القطان، بهذا الإِسناد. ءِ ورواه أحمد ١٩٩/٦ و٢١٢ و٢٣١، والبخاري (١١٥١)، ومسلم (٧٨٥) (٢٢١)، والترمذي في ((الشمائل)) (٣٠٤)، وابن ماجه (٤٢٣٨)، والبيهقي ١٧/٣، والبغوي (٩٣٣) و(٩٣٤) من طرق عن هشام، به. ورواه بنحوه أحمد ٢٤٧/٦، ومسلم (٧٨٥) (٢٢٠)، وابن حبان (٣٥٩) من طرق عن الزهري، عن عروة، به. (٣) تحرف في (ر) إلى: النعمان. ١١٦ سليمان، عن عُبيدِ الله بن عُمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي عليه السَّلامُ كان يَحْتَجِرُ حَصيراً بالليل، فَيُصَلِّي، ويبسُطُه بالنهارِ، فيجلسُ عليه، فجعلَ الناسُ يَتُوبُونَ إلى رسولِ الله ◌ََِّ، فَيُصلُّون بصلاتِه حتى كَثُروا، فأقبلَ عليهم، فقال: ((أيُّها الناسُ، خُذُوا من العَمَلِ ما تُطِيقون، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُوا، وإنَّ أحبَّ الأعمالِ إلى اللهِ ما دَامَ منها، وإنْ قلَّ))(١). ٦٥٢ - حدثنا محمد بن علي بن داود، حدثنا حاجبُ بنُ الوليد، حدثنا هِقْلُ(٢) بنُ زياد السَّكْسَكي، حدثنا الأوزاعيُّ، حدثني يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي سلمة عن عائشة قالتْ: قالَ رسولُ الله عليه السَّلامُ: ((خُذُوا من العملِ ما تُطيقون، فإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّو))، قالت: وكانَ أَحَبُّ الصلاةِ إلى رسولِ الله ◌ََّ ما داوَمَ عليها، وإنْ قَلَّتْ، وكان إذا صَلَّى صلاةٌ داومَ عليها. قال: ويقولُ أبو سلمة: إنَّ الله يقولُ: ﴿وَالَّذِينَ هُم على صلاتِهِم دائِمونَ﴾(٣) [المعارج: ٢٣]. (١) إسناده صحيح على شرطهما. ورواه البخاري (٥٨٦١)، والبيهقي ١٠٩/٣ -١١٠ من طريق محمد بن أبي بكر المقدَّمي، بهذا الإِسناد. ورواه مسلم (٧٨٢) (٢١٥)، والبيهقي ١٠٩/٣ من طريق عبد الوهّاب الثقفي، وابن ماجه (٩٤٢) من طريق محمد بن بشر، كلاهما عن عُبيد الله بن عمر، به. ورواية ابن ماجه بقصة الحصير مختصرة. ورواه أحمد ٤٠/٦، والبخاري (٧٣٠)، وأبو داود (١٣٦٨)، والنسائي ٦٨/٢-٦٩ من طريقين عن سعيد المقبري، به. (٢) تحرف في (ر) إلى: عقيل. (٣) إسناده على شرط مسلم. ورواه أحمد ٨٤/٦ عن أبي المغيرة، وابن حبان = ١١٧ فقال قائل: وكيفَ يجوزُ لكم أن تقبلوا هذا عن رسولِ اللهِ الَّهِ، وفيه إضافةُ المَلَلِ إلى الله تعالى في حالٍ ما، وذلك مُنتفٍ عن اللهِ وليس من صفاتِه. فكانَ جوابُنا له في ذلك: أنَّ المَلَلَ مُنتفٍ عن اللهِ كما ذَكَرَ، وليسَ ما تَوَهَّمه مما حُمِلَ عليه تأويلُ هذا الحديث كما تَوَهَّم، وإنَّما هو عندَ أهلِ العلم في اللغة على قولِ رسول الله وَل﴾: ((لا يَمَلُّ الله إذا مَلَلْتُم))، إذْ كانَ المللُ مَوْهُوماً منكم، وغيرَ موهومٍ منه عزَّ وجل، وكانَ مثل ذلك الكلام الجاري على ألسُن الناس عند(١) وصفِهِم مَنْ يَصِفُونَه بالقُوةِ على الكلام والبلاغةِ منه، والبراعةِ به: لا ينقطعُ فلانٌ عن خصومةِ خصمِه حتى ينقطِعَ خصمُه، ليسَ يريدون بذلك أنه ينقطعُ بعدَ انقطاعِ خصمِه، لأنهم لو كانوا يُريدون ذلك، لم يُثبتوا للذي وَصَفُوه فضيلةً، إذْ كانَ ينقطِعُ بعقبِ انقطاع خصمِه، كما انقطعَ خصمُه، ولكنهم يُريدون أنه لا ينقطعُ بعدَ انقطاع خصمه، كما انقطعَ خصمُه عنه، وأنه يكونُ من القوة والاضطلاع بخصومتِه بعدَ انقطاع خصمه عنها، كَمِثْلِ ما كانَ عليه منها قبل انقطاع خصمه عنها فمثلُ ذلك - والله أعلم - قولُ رسول الله ◌َّهِ: ((لا يَمَلُّ الله حتى تَمَلُّوا)) و((إِنَّ الله لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُوا)) أي: إِنَّكم قد تَمَلُّون، فتنقطعون، والله بعدَ مَلَلِكُمْ وانقطاعِكم على الحالِ التي كانَ عليها قبل(٢) ذُلك من انتفاءِ الملل والانقطاع عنه، وبالله التوفيق. =(٣٥٣)، وابن جرير الطبري ٨٠/٢٩ من طريق الوليد، كلاهما عن الأوزاعي، بهذا الإِسناد. (١) في الأصل و(ر): لا عند، والصواب حذف (لا)). (٢) في الأصل: بل، وهو خطأ، والتصويب من (ر). ١١٨ ٩٤ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ فِي قُتَيْلَةِ(١) ابنةِ قيس التي لم يدخل بها بعد تزويجه إيّاها حتى تُوفِّي عنها ٦٥٣ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا عبدُالرحمن بن المبارك، حدثنا عبدُ الأعلى بنُ عبد الأعلى، حدثنا داودُ بنُ أبي هند، عن عِكرمةَ عن ابن عباس: أن رسولَ الله عليه السَّلامَ تزوَّج قُتَيْلَةَ بنتَ الأشعث - هكذا قالَ ابنُ أبي داود في حديثه، وإنما هي أختُ الأشعثِ - فماتَ قبلَ أن يَحْجُبَها، فَبَرَّأَهُ الله تعالى منها(٢). وقد رُوي في أمرها الذي به بَرَّأَ الله رسولَه منها زيادةٌ على هذا. ٦٥٤ - كما قد أجازَ لنا هارونُ العَسْقَلاني مما ذكر لنا أن المُفضَّل الغَلَاَبِي حَدَّثه به، قالَ: حدثنا سعيدُ بنُ سُليمان الواسطي، عن عبَّاد - وهو ابن العَوَّام -، عن داودَ بنِ أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسولَ الله ﴿ تزوَّج قُتيلةَ، فارتَدَّتْ مع قومِها، (١) انظر ((طبقات ابن سعد)) ١٤٧/٨-١٤٨، و((الاستيعاب)) ١٩٠٣/٤-١٩٠٤، و(«أسد الغابة)) ٢٤٠/٧-٢٤١، و((الإصابة)) ٣٨١/٤-٣٨٢. (٢) إسناده صحيح على شرط الصحيح. ورواه أبو نعيم في ((الصحابة)) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الشهيدي، عن عبد الأعلى، بهذا الإِسناد. قال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) ٣٨٢/٤: وهذا موصول قوي الإسناد. ١١٩ ولم يُخيِّرْهَا رسولُ الله وَّةَ، ولم يَحْجُبْها، فَبَرَّاهُ الله منها (١). قال عباد: يعني لم يَحْجُبْها: لم يَكُنْ ضربَ عليها الحجابَ، ولم يُخَيِّرْها كما خَيَّرَ نساءَه. ففي هذا الحديث زيادةٌ على ما في الأولِ ، وفيه ارتدادُ قُتيلةَ هذه مع قومِها عن الإِسلام، وأن رسولَ الله مَُّ لم يكن خَيَّرَها، يعني: بينَ الدنيا والآخرة، كما خَيَّر سائرَ نسائِه سواها، فتختارَ الدنيا، فَيُفَارِقَها، أو الآخرةَ فُيُمْسِكَها، وتكون بذلك من أزواجه فيها، وأنّ البراءة (٢) التي كانت لحقتها بارتدادِها وبتقصير الحجاب والتخير عنها، وقد روي في أمرها أيضاً عن الشعبي. ٦٥٤م - ما قد حدثنا ابن خُزيمة، حدثنا حجاجُ بنُ منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن داود عن الشعبي أن نبيَّ اللهِ وَ تَزَوَّجَ قُتيلةَ بنتَ قيس، وماتَ عنها، ثم تَزَوَّجها عكرمةُ بنُ أبي جهل، فأرادَ أبو بكر أَنْ يَقْتُلَه، فقالَ له عمرُ: إنّ النبي ◌َ ◌ّه لم يَحْجُبْها، ولم يَقْسِمْ لها، ولم يَدْخُلْ بها، وارْتَدَّتْ مع أخيها عن الإِسلام ، وبَرِثَتْ مِنَ اللهِ تعالى، ومِن رسولِه، فلم يَزَلْ به حتى تَرَکَه(٣). (١) هارون العسقلاني: هو هارون بن محمد العسقلاني روى له المؤلف في كتابه هذا في تسعة مواضع، والمفضل الغلابي: هو ابن غسان، بصري الأصل، سكن بغداد وحدث بها، وهو ثقة له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) ١٢٤/١٣، وباقي السند رجاله ثقات رجال الصحيح. (٢) في الأصل: المرأة، وهو تحريف، والتصويب من (ر). (٣) إسناده إلى الشعبي صحيح، وهو مرسل. ورواه ابن جرير ٤١/٢٢ من = ١٢٠