النص المفهرس

صفحات 81-100

۔
٨٨ - بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه
السَّلام من نهيه(١) عن كسب الإماءِ
٦١٨ - حدثنا بَكْارٌ، حدثنا أبو عاصم، حدثنا شُعبةُ.
وحدثنا إبراهيمُ بنُ محمد بن يونس، حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيم،
حدثنا شعبةُ.
وحدثنا ابنُ مرزوق، حدثنا وهبُ بنُ جرير، حدثنا شعبة، عن
محمد بن جُحادةً، عن أبي حازم.
عن أبي هريرةَ قال: نَهَى النبيُّ عليه السَّلامُ عن كَسْبِ الإِماءِ(٢).
٦١٩ - وحدثنا ابنُ خُزيمة، وإبراهيمُ بن أبي داود، وحُسينُ بن
نصر، قالوا: حدثنا عليّ بن الجَعْد، حدثني شعبةٌ، عن محمدٍ بن
(١) ((من نهيه)) سقط من (ر).
(٢) إسناده صحيح .
ورواه البخاري (٢٢٨٣)، والبيهقي ١٢٦/٦ من طريق مسلم بن إبراهيم،
بهذا الإِسناد.
ورواه الطيالسي (٢٥٢٠)، وأحمد ٢٨٧/٢ و٣٨٢ و٤٣٧-٤٣٨ ٤٥٤، وابن أبي
شيبة ٣٥/٧، والدارمي ٢٧٢/٢، وأبو داود (٣٤٢٥)، وابن الجارود (٥٨٧)،
والبيهقي ١٢٦/٦ من طرق عن شعبة، به.
٨١

جُحادة ... ثم ذكروا بإسناده(١) مثلَهُ(٢).
فقالَ قائلٌ: وكيفَ يجوزُ لكم قَبُولُ هذا عنه عليه السَّلام وكتابُ
اللهِ تعالى، وسُنَّةُ رسولِه يَدْفَعَانِهِ، قالَ الله تعالى: ﴿والذينَ يَبْتَغون
الكتابَ مِما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم فكاتِبُوهم إِنْ عَلِمْتُمْ فيهم خَيْراً﴾ [النور:
٣٣]، ولا اختلافَ بينَ أهلِ العلم جميعاً أنَّ الملتمسَ من المكاتبين
بالكتابات اللاتي يُعْقَدُ عليهم هو كَسْبُهُمْ، وأن الإِماءَ منهم كالذكورِ.
وكُوتبت بَرِيرةُ على عَهْدِ رسولِ اللهِّ على المالِ الذي كُوتِبَتْ عليهِ،
وَقَفَ رسولُ اللهِ وَ﴿ على ذلك، فلم يُنْكِرْهُ، وفي ذلك دفعٌ لما ادعيتُم
من الحديثِ الذي رويتُم.
فكانَ من حُجتنا عليه في ذلك - بتوفيقِ الله - أنَّ الذي نَهَى عنه
رسولُ اللهِ وََّ في الحديثِ الذي رَوَينا هو خلافُ الذي أباحَ الله تعالى
في كتابه، ورسولُه في سنتِه مِن مكاتبات الإِماءِ، وذلك أَنَّ الله إنما
أباح مكاتبة مَنْ عَلِمَ مكاتِبُه فيه خَيْراً بقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُم فيهم خَيْراً﴾
فقالَ قومٌ: الخيرُ هو اكتسابُ المالِ ، وقالَ قومٌ: هو الصلاحُ، وَكُلَّ
واحد من التأويلين يصدق الآخرَ، فدلَّ ذُلك أنه إنما أباحَ مُكاتبةً مَن
يُحْمَدُ كَسْبُهُ، لا مَنْ يُذَمُّ كَسْبُه. والذي نَهَى عنه رسولُ اللهِصِ فِي
الحديثِ الذي رَوَينا قد عَقَلْنا بنهيهِ إِيَّانا عنه أنه من الأشياءِ المُنكراتِ،
(١) في (ر): ثم ذكر بأسانيده.
(٢) إسناده صحيح على شرط البخاري. وهو في ((صحيحه)) (٥٣٤٨) عن
علي بن الجعد، بهذا الإِسناد. والحديث في ((مسند علي بن الجعد)) (١٥٤٧).
٨٢

لأنَّ صفته التي وصفه الله بها: الأمرُ بالمعروف، والنهي عن المنكر،
ومن ذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونِ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأَمِّيَّ﴾ - إلى
قوله - ﴿وينهاهُم عَنِ المُنكِرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
فَعَقَلْنا بذلك بنهيه عن كَسْبِ مَنْ نهى عن كَسبه في الحديثِ الذي
رَوَينا: أنَّه الكسبُ المذمومُ، لا الكسبُ المحمود.
فقال: وَهَلْ يجوزُ أَنْ يُضافَ النهيُ إلى كُلِّ الأكساب، وإنَّما المُرادُ
به خاصُّها منه(١)؟
فكانَ جوابُنا(٢) في ذلك أَنَّ الأشياءَ إذا كَثُرَتْ، واتَّسَعَتْ أعدادُها،
جازَ أن يُضاف إلى كلُّها ما يُرادُ به بعضُها دونَ بَقيتِها، ومن ذلك قولُ
اللهِ لنبيِّه في كتابه: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦]، ولم يُرِدْ بِهِ(٣)
كُلَّ قومه، وإنما أراد منهم المُكَذِّبين له في ذلك، لا المُصَدِّقين له
فيه، وقولُه له: ﴿وَإِنَّه لَذِكْرٌ لك ولِقومِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، فلم يُرِدْ
بذلك قومَهُ المُكَذِّبين له على ذلك، وإنما أرادَ به قومَه المُصَدِّقين له
عليه .
ومثلُ ذلك ما كانَ منه في قُنوته في صلاة الصُّبْح من قوله فيه:
((واشدُدِ اللَّهُمَّ وَطَأْتَكَ(٤) على مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيهم سِنِينَ كسِني
يوسُفَ)).
(١) في (ر): منها.
(٢) في (ر): جوابنا له.
(٣) في (ر): بذلك.
(٤) في (ر): اللهم اشدد وطأتك.
٨٣

٦٢٠ - حدثناه المُزني، أخبرنا الشافعي، حدثنا ابنُ عيينة، عن
الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة(١).
٦٢١ - وحدثنا يونس [أخبرنا ابن وهب](٢)، أخبرني يونس بن
يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة أنهما سمعا أبا هريرة
يقولُ ذلك أيضاً(٣).
(١) إسناده صحيح، مَن فوق الشافعي ثقات على شرطهما. وهو في ((السنن
المأثورة)) للشافعي (١٦٠) برواية الطحاوي عن المزني.
ورواه أحمد ٢٣٩/٢، والحميدي (٩٣٩)، والبخاري (٦٢٠٠)، ومسلم
(٦٧٥)، والنسائي ٢٠١/٢، وابن ماجه (١٢٤٤) من طريق سفيان بن عيينة، بهذا
الإِسناد.
۔
(٢) ((أخبرنا ابن وهب)) سقط من الأصل و(ر).
(٣) إسناده صحيح على شرطهما. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٤١/١.
ورواه مسلم (٦٧٥) (٢٩٤) عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: أخبرنا ابن
وهب، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٢٥٥/٢، والدارمي ٣٧٤/١، والبخاري (٤٥٦٠)، والنسائي
٢٠١/٢ -٢٠٢، والمصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٢٤٢/١ من طريقين عن ابن
شهاب الزهري، به.
ورواه أحمد ٢٧١/٢ من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، به.
ورواه أحمد ٤٧٠/٢ ٥٠٢ و٥٢١، والبخاري (٤٥٩٨) و(٦٣٩٣) و(٦٩٤٠)،
ومسلم (٦٧٥) (٢٩٥)، وأبو داود (١٤٤٢)، والمؤلف ٢٤١/١ و٢٤٢ من طرق عن
أبي سلمة، به.
ورواه أحمد ٣٩٦/٢ و٤١٨، والبخاري (١٠٠٦) و(٢٩٣٢) من طريقين عن أبي
هريرة .
ورواه البخاري (٨٠٤) من طريق شعيب، عن الزهري، عن أبي بكربن
عبدالرحمن، وأبي سلمة، عن أبي هريرة. وانظر رقم (٥٦٩).
٨٤

فلم يُرِدْ بقوله: ((وَاشْدُدِ اللَّهُمَّ وطأتك على مُضر)) كُلَّ مُضر، وكيف
يكونُ ذُلكَ وهو مِن مُضَرِ، وخيارُ مَنْ خَلْفَهُ في صلاتِهِ تِلْكَ من مُضَر
الذين لا أمثالَ لهم، ولكن كانَ قولُه: ((على مضر)) يُريدُ به مُضر
المخالفةَ عليه، التي من أجل خلافِها عليه، كانَ قُنوتُه ذلك دُون مَنْ (١)
سواها من مُضر.
ومثلُ ذُلك نهيُّه عليه السَّلامُ عن كسب الإِماءِ، هُنَّ الإِماء المذمومُ
أكسابُهن، لا الإِماءُ المحمودةُ أكسابُهُنَّ.
وقد بيَّن ذلك في حديثٍ رواه عنه أبو هريرة:
٦٢٢ - كما حدثنا يونس، حدثنا ابنُ وهب، حدثني مُسلمُ بنُ
خالد، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه
عن أبي هريرة قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَّ عن كَسْب الْأَمَةِ إلَّ أَنْ
يكونَ لها عَمَلٌ واصبٌ، أو كَسْبٌ يُعْرَفُ(٢).
فَدَلَّ ذلك أن الكسبَ الذي دَخَلَ في نهيه في الحديث الأولِ ،
(١) في (ر): ما.
(٢) مسلم بن خالد: هو الزنجي، سبىء الحفظ، وباقي رجاله ثقات.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٩٢/٤، وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه
مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف. وقد وثق.
ورواه البيهقي ٨/٨ من طريق محمد بن عبد الله بن الحكم، عن ابن وهب،
بهذا الإِسناد.
وله شاهد من حديث جابر في ((الجعديات)) (٣٠٧٧)، و((مصنف ابن أبي شيبة)»
٣٦/٧، وفيه حرام بن عثمان وهو متروك، وآخر من حديث رافع بن خديج عند أبي
داود (٣٤٢٧)، والحاكم ٤٢/٢ بإسنادين عنه، وفيهما ضعف.
٨٥

هو النهيُ الذي نَهَى عنه في هذا الحديث.
وكذلك كان مِنْ عثمانَ بن عَفَّان في خُطبِه على الناسِ .
كما حدثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً حدثه.
وحدثنا ابنُ مرزوق، حدثنا أبو عامرٍ، حدثنا مالك، عن عمِّه أبي
سُهَيل بنِ مالك، عن أبيه
أنه سَمِعَ عُثمانَ يخطُبُ وهو يقولُ: لا تُكَلِّفُوا الْأَمَةَ غيرَ ذاتٍ
الصَّنْعَةِ الكَسْبَ، فإنكم مَتَى كَلَّفْتُموها ذلك، كَسَبَتْ بفَرْجِها، ولا
تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الكَسْبَ، فإِنَّه إن لم يَجِدْ يَسْرِقْ، وعِقُوا إذ أَعَفَّكُم الله
عز وجلَّ، وعليكم مِن المطاعم(١) بما طَابَ (٢).
وكما حدَّثنا يوسُفُ بنُ يزيد، حدثنا سعيدُ بنُ منصور، حدثنا عبدُ
العزيز الدَّرَاوَرْدي، عن أبي سهيل(٣)، عن أبيه قال: سمعت عثمانَ
يخطُبُ ... ثم ذكر مثلَه.
وكانت خطبته هذه على أصحاب رسولِ اللهِ وَ﴿، الَّذين قد سَمِعُوا
منه نهيَه عن كَسْب الإِماءِ، فلم يَرُدُوا ذُلك عليه، ولم يُخالِفُوه فيه،
فدَلَّ ذلك على متابعتِهِم إِيَّه عليه، وعلى أنَّ ما سَمِعُوا من رسولِ الله
وَّ بنهيه عن كسب الإِماء إنما هو المذمومُ منها، لا المحمودُ منها.
(١) في الأصل: المطاع، وهو تحريف، والمثبت من (ر) و((الموطأ)).
(٢) إسناده صحيح على شرطهما.
وهو في ((الموطأ)) ٩٨١/٢، ومن طريقه رواه البيهقي ٨/٨-٩.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٦/٧ عن سفيان، عن أبي النضر، عن أبي أنس مالك بن
أبي عامر، بهذا الإِسناد.
(٣) تحرف في الأصل إلى: سهل، والتصويب من (ر).
٨٦

٨٩ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ في صفوفٍ
الناس وراءَهُ للصلاةِ، وفي قيامِه منهم مقامَ المُصَلِّي
بهم، وذكره بعدَ ذلك أنه كان جُنُباً وإشارتِه إليهم:
أي(١) كما أنتم، حتى أَتَاهُم قد اغتسل ورأسُه يَقْطُرُ
ماءً، هل كانَ ذلك منه بعد أن كانَ كَبَّرَ
للصلاة أو قَبْلَ تكبيره كانَ لها؟
٦٢٣ - حدثنا بَكَّارٌ، حدثنا حَبَّانُ بنُ هلالٍ، وأبو عُمر الضرير،
قالا: حدثنا حَمَّاد بنُ سلمة - واللفظ لأبي عُمَرَ- عن زيادٍ الأَعْلَم، عن
الحسن
عن أبي بكرة: أنَّ النبيَّ عليه السَّلامُ دَخَلَ في صلاة الصبح، فَأَوْمَاً
إليهم، أي: مَكانَكُم، ثم جاءَ ورأسُه يَقْطُرُ ماءً، فصَلَّى بهم(٢).
(١) في الأصل: أو، وهو خطأ، والمثبت من (ر).
(٢) حديث صحيح بطرقه وشواهده، رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن فيه
عنعنة الحسن البصري، وقد أخرج البخاري في ((صحيحه)) عدة أحاديث من رواية
الحسن عن أبي بكرة بالعنعنة. أبو عمر الضرير: هو حفص بن عمر أبو عمر الضرير
الأكبر البصري، وهو صدوق روى له أبو داود، وقد تابعه هنا حبان بن هلال.
ورواه الشافعي في ((الأم)) ١٦٧/١، وأحمد ٤١/٥ و٤٥، وأبو داود (٢٣٣)
و(٢٣٤)، وابن خزيمة (١٦٢٩)، وابن حبان (٢٢٣٥)، والبيهقى ٣٩٧/٢ و٩٤/٣
من طرق عن حماد بن سلمة، بهذا الإِسناد.
٨٧

٦٢٤ - حدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا عُبيد الله بنُ مُعاذ العَنْبري،
حدثنا أبي، عن سعيد - يعني: ابن أبي عَرُوبة - عن قتادة
عن أنسٍ قال: دَخَلَ النبيُّ عليه السَّلام في صلاةٍ، فكِبَّر، وكَبِّرنا
مَعَه، ثم أشارَ إلى القومِ : أَنْ كما أنتم، فلَمْ نَزَلْ قِياماً حتى أتانا وقد
اغتسل، ورأسُه يَقْطُرُ ماءً (١).
فقالَ قائل: هذا حديثٌ خارج عن أقوال العلماء جميعاً؛ لأنه لا
اختلافَ بينهم فيمن كبّر للصلاةِ وهو جنب، غَيْرَ ذاكرِ لذلك أنه لا
يكون بتكبيره لها داخلاً فيها.
فكان جوابُنا له في ذلك أنَّ هذين الحديثين قد رُويا كما ذكرنا
عن الصحابيَّيْنِ اللَّذَيْنِ رُوِيا عنهما، وقد رُوِيَ عن سواهما من الصحابةِ
أنَّ الَّذِي كانَ من رسول الله وَِّ حِينَ أَذْنَ هو قيامُه قيامَ المُصَلِّي،
لا دخول(٢) منه في الصلاةِ بتكبيره.
٦٢٥ - كما حدَّثنا سليمانُ بنُ شعيب، حدثنا بشر بن بكر، حدثني
الأَوْزَاعي، حدثني الزُّهري، حدثني أبو سلمة
(١) ابن أبي داود: هو إبراهيم بن سليمان البُرُلْسي، حافظ ثقة، له ترجمة في
((السير)) ٦١٢/١٢، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين إلا أن سعيد بن أبي عروبة
قد اختلط بأخرة.
وأخرجه البيهقي ٣٩٩/٢ من طريق عثمان بن سعيد الدارمي، عن عبيد الله بن
معاذ، بهذا الإِسناد. وقال بإثره: خالفه عبد الوهاب بن عطاء، فرواه عن سعيد عن
قتادة عن بكربن عبد الله المزني عن النبي ◌َّ مرسلاً.
ونسبه الهيثمي في ((المجمع)) ٦٩/٢ إلى الطبراني في ((الأوسط)) وقال: رجاله
رجال الصحيح .
(٢) في (ر): لا الدخول.
٨٨

حدثني أبو هريرة قال: أُقيمتِ الصلاةُ، وصَفَّ الناسُ صُفُوفَهم،
فخرَجَ رسولُ اللهِ وَِّ حتى قامَ مقامَه، ثم ذكرَ أَنَّه لم يَغْتَسِلْ، فقال:
((مكانَكُم))، فانصرفَ إلى منزله، فاغتَسَلَ، ثم خرجَ حتى قام مقامَه
ورأسُه يقْطُرُ ماءً (١).
٦٢٦ - وكما حدَّثنا محمدُ بنُ سنان الشَّيْزَري، حدثنا عبدُ
الوهّاب بن نَجْدة الحَوْطي، حدثنا بقيةُ بنُ الوليد وأبو المغيرة عبدُ
القُدُّوس بنُ الحجاج، عن الأوزاعيِّ، حدثني الزُّهريُّ، حدثني أبو
سلمة، حدثني أبو هريرة ... ثم ذكر مثلَهُ(٢).
٦٢٧ - وكما حدثنا إبراهيمُ بن مرزوق، حدثنا وهبُ بن جرير،
حدثنا أبي، قال: سمعتُ النعمانَ بن راشد(٣) يُحدث عن الزّهري، عن
أبي سلمة
عن أبي هُريرة قالَ: أَقِيمَتِ الصلاةُ، وَصَفَّ الناسُ قال: وجاءَ
رسولُ الله ◌َِّ، فَلَمَّا كانَ في مُصَلَّه ذكرَ أَنَّه لم يغتسِلْ، فقال: ((على
مكانِكم، ثم رَجَعَ، فاغتَسَلَ، وخرج ورأسُه يَنْطِفُ(٤).
٦٢٨ - وكما حدثنا إبراهيمُ أيضاً، حدثنا عثمانُ بنُ عُمَرَ بن
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، ورواه البخاري (٦٤٠)، ومسلم
(٦٠٥) (١٥٨)، وأبو داود (٢٣٥)، والنسائي ٨١/٢-٨٢ من طريقين عن الأوزاعي،
بهذا الإسناد.
ورواه البخاري (٦٣٩)، وأبو داود (٢٣٥)، والنسائي ٨١/٢-٨٢، وابن حبان
(٢٢٣٦) من طرق عن الزهري، به.
(٢) إسناده صحيح، وانظر ما قبله.
(٣) في الأصل: رشيد، وهو تحريف، والتصويب من (ر) وكتب الرجال.
(٤) حسن لغيره، النعمان بن راشد صدوق في حفظه شيء، فهو حسن في
الشواهد، وباقي السند رجاله ثقات رجال الشيخين. وانظر ما قبله.
٨٩

فارس بن لقيط، أخبرنا يونس، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة ... ثم ذكر مثلَه(١).
فكانَ في هذا ما قد دَلَّ على أنه لم يَكُنْ دَخَل في الصلاةِ، أو
على علمِه أنه لم يَكُنْ دَخَلَ في الصلاة، لِقوله لهم: ((مكانَكُم)) مَعَ
أن هذا - وإن كان اختلافاً - فإنه ليس من رسول الله مَ له، وإنما هو
مِن حكاياتِ أصحابه عن أفعاله، والاختلافُ من حكاياتِهم، لا مِنْه،
ونحنُ نُجِيبُ عنهم بما يَستوي فيه حكاياتُهم، وتعودُ إلى ما يُعْذَرُونَ
به فيها، وهي أنَّا نقول: إنَّ معنى قولٍ أنس وأبي بكرة في حديثهما:
((ثم دَخَلَ في الصلاة))، على معنى: قَرُبَ دخولُه فيها، لا على حقيقةٍ
دخوله فيها، فهذا جائزٌ في اللغة، حتى قد جاءَ كتابُ اللهِ تعالى بمثل
ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُم النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمسِكوهُنَّ﴾
[البقرة: ٢٣١] وهُنَّ إذا بَلَغْنَ أجلَهن، انقَطَعتِ الأسبابُ بينهنَّ وبين
مُطلقيهنَّ، فاستحالَ أن يُمسكوهنَّ بعدَ ذلك، وقد بيَّن الله تعالى ذلك
في الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمْ النِّساءِ، فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فلا
تَعْضُلوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فدلَّ ذلك أَنَّهُنَّ بعدَ
انقضاء آجالِهِنَّ حلال(٢) لمن يُريد تزويجَهن، وكان ذلك دليلاً أن مرادَه
تعالى في الآيةِ الأخرى بذكْرِهِ بلوغَ الأجل أنَّه قُرْبُ بلوغِ الأجل لا
حقيقةُ بلوغِه، ومن ذلك أيضاً أن المسلمين قد سَمَّوْا ابنَ إبراهيم الذي
(١) إسناده صحيح على شرطهما. ورواه أحمد ٥١٨/٢، والبخاري (٢٧٥)،
وابن خزيمة (١٦٢٨)، والبيهقي ٣٩٨/٢ من طريق عثمان بن عمر بن فارس، بهذا
الإِسناد.
ورواه مسلم (٦٠٥) (١٥٧)، وأبو داود (٢٣٥)، والنسائي ٨٩/٢، والبيهقي
٣٩٨/٢ من طريق ابن وهب، عن يونس، به.
(٢) في الأصل و(ر): حلالاً.
٩٠

أمرَهُ الله تعالى بذبحه إما إسماعيلَ، وإمَّا إسحاق عليهم السَّلامُ
ذبيحاً(١)، ولم يُذْبَحْ، ولكنَّه لِقُرْبِه كانَ من أن يُذْبَحَ، فَمِثْلُ ذلك ما
في حديثَيْ أنس، وأبي بكرة من الدخولِ في الصلاةِ هو على هذا
المعنى أيضاً، وهو قربُ الدخولِ فيها لا حقيقةُ الدخول فيها(٢).
(١) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في ((تفسيره)) ٢٣/٧: ﴿فبشرناه بغلام
حليم﴾: وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السَّلامُ، فإنه أولُ ولد بُشِّر به إبراهيم عليه
السلام، وهو أكبرُ من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم
أن إسماعيل وُلِد ولإِبراهيم عليه السَّلام ست وثمانون سنة، ووُلِد إسحاق وعمر
إبراهيم تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله تعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنَه وحيدَه،
وفي نسخة: بكرَه، فأقحموا هاهنا كذباً وبهتاناً ((إسحاق))، ولا يجوز هذا، لأنه
مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا ((إسحاق)) لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب،
فحسدوهم، فزادوا ذلك وحرَّفوا (وحيدك)) بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن
إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى جنب مكة، وهذا تأويل وتحريف باطل، فإنه
لايقال: ((وحيد)) إلا لمن ليس له غيره، وأيضاً فإن أول ولد له معزّة ما ليس لمن بعده
من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن
طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة أيضاً، وليس ذلك في كتاب ولا
سنة، وما أظن ذلك تُلُقَي إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلماً من غير
حجة، وهذا كتابُ الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام
الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿وبشرناه بإسحاق نبياً من
الصالحين﴾، ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿إنا نبشرك بغلام
عليم)، وقال تعالى: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾، أي: يولد له
في حياتهما ولد يُسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل، وقد قدمنا هناك أنه
لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير، لأن الله قد وعدهما بأنه سيعقب،
ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيراً، وإسماعيل وصف
هاهنا بالحلم، لأنه مناسب لهذا المقام.
(٢) وانظر ((فتح الباري)) ١٢١/٢-١٢٢.
٩١

٩٠ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ
من قوله: ((لا يَقْضي الحاكمُ بينَ اثنين وهو غَضْبَانُ))
٦٢٩ - حدثنا بكارٌ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا شعبةُ.
وحدثنا ابنُ مرزوق، حدثنا وهبُ بنُ جرير، حدثنا شعبةُ، عن عبد
الملك بن عُمَير، عن عبدالرحمن بن أبي بَكْرَةَ، قال:
كتبَ أبي إلى ابنِهِ وهو بسِجِسْتان: أَنْ لا تَقْضِي(١) بين اثنين،
وأنت غضبانُ، فإِنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَّه وهو يقولُ: ((لا يَحْكُمْ
أحدُكم بَيْنَ اثنينِ وهو غضبانُ))(٢).
٦٣٠ - وحدثنا عليُّ بنُ معبدٍ، حدثنا أبو أحمد الزّبيري، حدثنا
(١) كذا في الأصلين، وهو كذلك في البخاري في النسخة اليونينية، قال في
((المغني)) ٣٣/١: إذا ولي ((أن)) الصالحة للتفسير مضارع معه ((لا)) نحو: أشرت إليه
أن لا تفعل، جاز رفعه على تقدير ((لا)) نافية، وجزمه على تقديرها ناهية، وعليهما
فأن مفسِّرة، ونَصْبه على تقدير ((لا)) نافية و((أن)) مصدرية، فإن فُقِدَتْ ((لا))، امتنع
الجزم، وجاز الرفع والنصب.
(٢) إسناده صحيح على شرطهما، ورواه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧)،
والبيهقي ١٠٤/١٠-١٠٥ من طرق عن شعبة، بهذا الإِسناد، وهو عند الطيالسي
(٨٦٠) عن شعبة، به.
ورواه أحمد ٤٦/٥، ومسلم، والنسائي ٢٣٧/٨-٢٣٨، والترمذي (١٣٣٤)،
وابن الجارود (٩٩٧)، والبيهقي ١٠٥/١٠ من طرق عن عبد الملك بن عمير، به.
- ٠
٩٢

سفيانُ الثَّورِيُّ، عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن أبي
بكرة
عن أبيه أنَّهُ كتب إلى ابنه أنَّ رسولَ اللهِ عليه السَّلامُ قال: لا
يَقْضِ (١) الحاكمُ بينَ اثنينِ وهو غضبانُ))(٢).
٦٣١ - وحدثنا محمدُ بنُ علي بن زبيد المكِّي، حدثنا أحمد بن
محمد القَوّاس، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن ابن
جُريج، عن سُفيانَ أَنَّ عبد الملك بنَ عمير حدَّثه عن عبد الرحمن بن
أبي بكرة، عن أبيه(٣)، عن النبيِّ عليه السلام .. ، فذكر مثله(٤).
فقال قائلٌ: فكيفَ يجوزُ لكم أن تَرْوُوا هذا عن رسولِ الله عليه
السَّلامُ وأنتم تَرْؤُونَ عنه، فيما كانَ عليه في وقتِ حُكمِه بين الزبير وبَيْنَ
خصمِه من الأنصار من الغَضَب، لمّا أَحْفَظَهُ الأنصاريُّ بقوله كانَ له
يومئذٍ قبل ذلك: ((أَنْ كانَ ابنَ عَمَّتِكَ)).
٦٣٢ - وذكر: ما قد حدَّثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني
(١) في (ر): لا يقضي.
(٢) إسناده صحيح على شرطهما. أبو أحمد الزبيري: هو محمد بن عبد الله بن
الزبير الكوفي .
ورواه أحمد ٣٦/٥ و٣٨، والشافعي ١٧٧/٢، ومسلم (١٧١٧)، وأبو داود
(٣٥٨٩)، وابن ماجه (٢٣١٦)، والبيهقي ١٠٥/١٠، والبغوي (٢٤٩٨) من طرق
عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) ((عن أبيه)) سقط من الأصل، وأثبت من (ر).
(٤) أحمد بن محمد بن القواس: هو ابن عون القواس أبو الحسن المقرىء،
قال الحافظ: صدوق له أوهام، ومن فوقه من رجال الشيخين، غير عبد المجيد بن
عبد العزيز، فمن رجال مسلم.
٩٣

يونسُ، والليثُ، عن ابن شهابٍ، عن عُروة، حدَّثه أن عبدِ الله بن
الزُّبیر حَدَّثَه
عن الزبيرِ بنِ العَوَّام أنه خاصَمَ رَجُلاً من الأنصار قد شَهِدَ بَدْراً
مع رسولِ الله عليه السلام في شِرَاجٍ من الحَرَّةِ قد كانا يَسْقِيان كلاهما
به النَّخْلَ، فقال للأنصاريِّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرّ(١)، فأبى عليه، فقالَ
رسولُ اللهِ إِّ: ((اسق يا زبيرُ، ثم أرسلْ إلى جارك))، فغَضِبَ
الأنصاري، وقالَ: يا رسولَ الله أَنْ(٢) كانَ ابنَ عَمَّتِك؟! فَتَلَوَّنَ (٣) وَجْهُ
رسولِ اللهِ وَلَّ، ثم قال: ((يا زُبِيرُ، اسْقِ، ثم احبِسِ الماءَ حَتَّى يَبْلُغَ
إلى الجَدْر)) - قال ابن وهب: وهو الأصل - واستوعى رسولُ الله اله
للزُّبير حقَّهُ، وكانَ رسولُ اللهِ وَلَ قَبْلَ ذلك أشارَ على الزُّبير برأيٍ،
أراد فيه السَّعَةَ له وللأنصاري، فلما أحفظَ رسولَ اللهِ وَِّ الأنصاريُّ،
استوعى للزُّبير حقَّه في صريحِ الحكم، فقالَ للزُّبير: ما أُحْسِبُ هذه
الآية نَزَلَتْ إلَّ في ذلك: ﴿فلا وربِّك لا يُؤمِنونَ حَتَّى يُحَكِّموكَ فيما
شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ الآية [النساء: ٩٥] يَزِيدُ أحدُهما على صاحبه في قصةٍ
الحديث (٤).
(١) في (ر): ثَمَّ، وهو خطأ.
٠
(٢) في (ر): أأن .
(٣) في (ر): فتغير.
(٤) إسناده صحيح على شرطهما. يونس شيخ المؤلف: هو ابن عبد الأعلى،
والثاني : ابن يزيد الأيلي.
ورواه النسائي ٢٣٨/٨-٢٣٩ عن الحارث بن مسكين، ويونس بن عبد الأعلى،
بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ١٦٥/١-١٦٦، والبخاري (٢٣٦١) و(٢٣٦٢) و(٢٧٠٨)
و(٤٥٨٥)، والبيهقي ١٠٦/١٠، والبغوي (٢١٩٤) من طرق عن الزهري، عن
٩٤

٦٣٣ - وكما حدثنا هارونُ بنُ كامل، حدثنا عبدُ الله بن صالح،
حدثني اللَّيث، حدثني ابنُ شهاب، عن عُروةَ أَنَّه حدَّثه
عن عبدِ الله بن الزُّبير حدَّثه أن رجلاً من الأنصار خاصَمَ الزُّبير
= عروة، وبعضهم قال فيه: عن عروة أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير، وبعضهم
قال: عن عروة عن الزبير أنه خاصم رجلاً من الأنصار.
قال الإِمام البغوي: الشراج: مسايل الماء من الحِرار إلى السهل، واحدها
شريج وشرْج، والحرة: حجارة سود بين جبلين، وجمعها حُّون وحرَّات وحرار.
وقوله ((أن كان ابن عمتك)) معناه: لأن كان، أو لأجل أن كان ابن عمتك، كقوله
سبحانه وتعالى: ﴿أن كان ذا مال وبنين﴾ أي: لأن كان ذا مال.
وقوله: ((حتى يبلغ الجدر)) والجدرُ: الجدار، يريد جذم الجدار الذي هو
الحائل بين المشارب، وبعضهم يرويه بالذال المعجمة يريد مبلغ تمام الشرب من
جذر الحساب، والأول أصح.
وقوله ((أحفظ)) أي: أغضب، وفي بعض الحديث: بدرت مني كلمة أحفظته،
أي: أغضبته، وقوله عليه السلام أولاً: ((اسقِ يا زبيرُ ثم أرسل إلى جارك)) ثم لما
أحفظه، قال: ((احبس حتى يبلغ الجدر)) كان الأول منه أمراً منه للزبير بالمعروف،
وأخذاً بالمسامحة، وحسن الجوار بترك بعض حقه، دون أن يكونَ حكماً منه عليه،
فلما رأى الأنصاري يجهل موضعَ حقه، أمر الزبير باستيفاء تمامٍ حقه .
وفيه دليل على أنه يجوز للإِمام أن يعفو عن التعزير حيث لم يعزر الأنصاري
الذي تكلم بما أغضب النبيَّ، وقيل: كان قولُه الآخر عقوبة للأنصاري في ماله،
وكانت العقوبات إذ ذاك يقع بعضُها في الأموال، كما قال عليه السلام في مانع
الزكاة: ((إنا آخذوها وشطرَ مالِه عزْمةً من عزمات ربنا)) (انظر التعليق عليه في شرح
السنة)، وكما كان من شق الزِّقاق، وكسر الدِّنان عند ابتداء تحريم الخمر، والأول
أصح .
وفي الحديث أنه عليه السلام حكم على الأنصاري في حال غضبه مع نهيه
الحاكم أن يحكم وهو غضبان، وذلك لأنه كان معصوماً من أن يقول في السخط
والرضا إلاَّ حقاً.
٩٥

إلى رسولِ الله ◌َّ في شِراجِ الحَرَّة التي (١) يَسْقُون بها النخل، فقال
للأنصاريِّ: سَرِّحِ المَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عليه، فاختَصَموا عندَ رسولِ اللهِ
وَهِ، فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اسْق يا زُبيرُ، ثم أَرْسِلْ إلى جارِكَ))،
فَغَضِبَ الأنصاري، وقالَ: يا رسولَ اللهِ، أَنْ كانَ ابنَ عَمَّتِك؟! فتَلَّوَّن
وجهُ رسولِ اللهِ بََّ، ثم قال: ((يا زُبيرُ، اسْقِ، واحبِسِ الماءَ ثَم أرجع
إلى الجَدْر)) قال الزُّبير:" واللهِ ما أحسِبُ هذه الآية نَزَلَتْ إلا في ذلك:
﴿فلا ورِبِّك لا يُؤْمِنونَ﴾(٢).
٦٣٤ - وكما حَدَّثنا يحيى بنُ عثمان بن صالح، حدثنا نُعَيْم بنُ
حمّاد، حدثنا ابنُ المبارك، أخبرنا معمر، عن الزُّهري ... ثم ذكر
بإسناده مثلَهُ(٣).
فكانَ جوابُنا له في ذلك أنَّ الذي رَوَيناه عن أبي بكرةَ، عن رسولِ
الله وَّجُ على غيره مِنَ الحُكَّامِ للخوفِ عليهم فيما ينقُلُهم إليه الغَضَبُ
من العَدْلِ في الحكمِ إلى خِلافِهِ، والذي في حديث الزُّبير، فمُخالفٌ
لذلك، لأَنَّه في رسولِ اللهِ وَ، ورسولُ اللهِ وَ فِي تَوَلِّي اللهِ تعالى
إيَّه، وعِصْمَتِه له، وحِفْظِهِ عليه أمورَه بخلافِ الناس في مثل ذلك،
فانطلقَ ذُلك لرسولِ اللهِ وَّهَ، فاستعمَلَه، ولم يَنْطَلِقْ ذُلك لغيره، فَنَهَاهُ
رسولُ الله عليه السلام عنه كما حَدَّثَه أبو بكرة عنه.
(١) في الأصل: الذي، والمثبت من (ر).
(٢) حديث صحيح، عبد الله بن صالح قد توبع، ومن فوقه على شرطهما.
ورواه أحمد ٤/٤-٥، والبخاري (٢٣٦٠)، ومسلم (٢٣٥٧)، وأبو داود
(٣٦٣٧)، والترمذي (١٣٦٣) و(٣٠٢٧)، والنسائي ٢٤٥/٨، وابن ماجه (١٥)
و(٢٤٨٠)، والبيهقي ١٠٦/١٠ من طرق عن الليث، بهذا الإسناد.
(٣) حديث صحيح، نعيم بن حماد وإن تُكلم فيه قد توبع، ومن فوقه ثقات
من رجال الشيخين. وانظر ما قبله.
٩٦

٩١ - بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه
السَّلامُ ممَّا كانَ منه في المُستعيذةِ منه من
نسائهِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عليه
٦٣٥ - حدثنا أبو زُرعة الدِّمشقي، حدثنا دُحيم بنُ اليتيم، حدثنا
الوَليدُ بنُ مسلم، عن الأوْزاعي، قال: سألت الزُّهْريَّ عن المرأة التي
استعاذَتْ من رسول اللّه مَ *، فقال: حدثني عُروة
٠
عن عائشةَ أنَّ ابْنَة الجَوْنِ لما أُدْخِلَتْ على رسولِ اللهِ الََّ،
فقالت: أَعُوذُ باللهِ منك، فقالَ رسولُ اللهِ وَله: ((لَقَدْ عُذْتِ بَمَعَاذٍ،
الْحَقِي بأهْلِكَ)).
قال الأوزاعيُّ: نَرَى أَنَّ قولَ الرجل لُأَهْلِه: الحَقِي بأهلِك،
تطليقةٌ(١).
٦٣٦ - حدثنا محمدُ بن علي بن داود البغدادي، حدثنا محمدُ بن
(١) إسناده صحيح، دحيم بن اليتيم: هو الحافظ عبد الرحمن بن إبراهيم، من
رجال البخاري، ومن فوقه على شرطهما، وصرح الوليد بالتحديث في الرواية الآتية
عند المؤلف، فانتفت شبهة تدليسه.
ورواه ابن ماجه (٢٠٥٠)، وابن حبان في «صحيحه)) (٤٢٦٦)، وابن الجارود
(٧٣٨)، والبيهقي ٣٤٢/٧ من طريق عبدالرحمن دحيم، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري (٥٢٥٤)، والنسائي ١٥٠/٦، والدارقطني ٢٩/٤، والبيهقي
٣٤٢/٧ من طرق عن الوليد بن مسلم، به.
وقوله ((لقد عُذتِ بمعاذ)): هو بفتح الميم: أي ما يستعاذ به، أو اسم مكان
العوذ، والتنوين فيه للتعظيم.
٩٧

أسد الخُشِّي(١)، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، قال: سألتُ الزُّهري:
أَيُّ أزواج النبيِّ :﴿ استعاذَتْ منه؟ قال: أخبرني عُروة
عن عائشةَ أنَّ ابنَةَ الجَوْنِ الكِلابية لما أُدْخِلَتْ على رسولِ الله
:
وَ﴿ِ، فَدَنا منها، قالت: أعوذُ باللهِ منك، فقالَ رسولُ اللهِ وَله: ((لقد
عُذْتِ بِمَعَاذٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ)(٢).
٦٣٧ - حدثنا جعفرُ بنُ سليمان بن محمد الهاشمي ثم النُّوْفَلي،
حدثنا إبراهيمُ بنُ المنذر، حدثنا عمر الموصِلي(٣)، حدثنا زكريا بنُ
عيسى، عن الزّهري، عن عُروةَ
عن عائشةَ قالت: تَزَوَّجَ رسولُ اللهِ وَّةِ الكِلابيّة، فلما دَخَلَتْ عليه،
دَنا رسول الله وَّ منها، فقالتْ: إِنِّي أَعوذُ باللهِ منك، فقالَ رسولُ اللهِ
﴿لٌه: ((لقد عُذْتِ بَمَعَاذٍ، الْحَقِي بَأُهْلِكِ)) (٤).
(١) تصحف في الأصل و(ر) إلى: الحسني، والتصويب من ((الأنساب))
١٣٤/٥، و((تاريخ بغداد)) ٨١/٢-٨٢، والخُشِّي: نسبة إلى خُش، قرية من قرى
إسفرايين، وثقه الخطيب البغدادي، وقال عبد الله بن أسامة الكلبي: كان ثقة جيد
الفهم .
(٢) إسناده صحيح، محمد بن أسد ثقة، ومن فوقه ثقات على شرطهما.
ورواه الحاكم ٣٥/٤، والبيهقي ٣٩/٧، والخطيب في ((تاريخه)) ٨٢/٢ من
طريق أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، عن محمد بن إسحاق الصغاني، عن
محمد بن أسد الخشي، بهذا الإسناد. وتحرف ((الخشي)) في ((المستدرك)) إلى:
الحرشي .
(٣) تحرف في الأصل و(ر) إلى: المؤملي، والتصويب من كتب الرجال، وهو
عمربن أبي بكر الموصلي قاضي الأردن.
(٤) إسناده ضعيف، عمر الموصلي ضعفه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: ذاهب
الحديث متروك الحديث، وزكريا بن عيسى قال أبو حاتم: منكر الحديث. قلت:
لكن متن الحديث صحيح، فانظر ما قبله. والكلابية اختُلِف في اسمها.
٩٨

قال الزُّهْرِيُّ: وهي فاطمةُ بنتُ الضحاكِ بنِ سفيانَ.
ففيما رَوَيناقولُ رسولِ اللهِوَِّ للمُستعيذةِ منه، لَمَّا كَرِهَتْ مكانَه،
وطَلَبَتْ فِراقَهُ: ((الحَقِي بِأَهْلِك))، فكانَ ذلك مما قد وَقَعَ مَوْقِعَ الطلاق
لإرادته عليه السلام - كان - به الطلاقَ.
وقد رُوِيَ في حديث كعب بن مالك الذي ذكرَ(١) توبةَ الله عليه:
أنَّه لما جاءَه رسولُ رسولِ اللهِوَّهِ في الأيامِ التي خَلَفَ(٢) الناسُ فيها
عَنْ كَلَامِهِم بأمره باعتزالِ امرأتِه، وأنَّه قالَ له: أَأْطَلِّقُها؟ قالَ: لا،
ولكنِ اعْتَزِلْها، قَال: فقلتُ لها: الْحَقِي بِأَهْلِكِ.
٦٣٨ - حدثناه يونس، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني يونس، قالَ: قالَ
ابنُ شهاب: وأخبرني عبدُ الرحمن بن عبد الله بن كعب أنَّ عبدَ اللهِ بنَ
كعب قال: سَمِعْتُ كعباً يحدِّث حديثَ توبتِهِ، فذكر فيه هذا الكلامَ(٣).
٦٣٩ - وحدثناه عبد الله بن رجاء، حدثنا أحمدُ بنُ صالح، حدثنا
عبدُ الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزّهريِّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن
مالك، عن أبيه ... ثم ذكر مثلَه(٤).
(١) في (ر): الذي فيه ذكر.
(٢) في ((القاموس)): خَلَف عن أصحابه: تَخلَّف.
(٣) إسناده صحيح على شرط مسلم، يونس شيخ المؤلف: هو ابن عبد الأعلى
من رجال مسلم، ومن فوقه ثقات على شرطهما.
ورواه أبو داود (٢٢٠٢)، والنسائي ١٥٢/٦ من طريقين عن ابن وهب، بهذا
الإِسناد. وحديث توبة كعب بن مالك بطوله متفق عليه وهو في صحيح ابن حبان
(٣٣٧٠) فانظر تخريجه فيه.
(٤) إسناده صحيح على شرط البخاري، أحمد بن صالح أخرج له البخاري،
ومن فوقه على شرطهما.
٩٩

٦٤٠- وحدثناه فھْدٌ، حدثنا يوسف بن بھْلُول الگُوفي، حدثنا
عبدُالله بن إدريس، عن محمد بن إسحاقَ، عن(١) الزُّهريِّ، عن
عبدالرحمن بن عبد الله بن كعبٍ، عن أبيه، عن جدِّه كعب ... فذكر
مثلَه (٢) .
فدلَّ ذلك أن (٣) قولَ الرجل لزوجته: الحقي بأهلِك، يكونُ طلاقاً
إذا أرادَ به الطلاقَ، ولا يكونُ طلاقاً إذا لم يرد(٤) بهِ الطلاقَ.
وقد رُوي ما كانَ مِن هذه المرأة إلى رسولِ اللهِ وَلِّ، وما كانَ
من رسولِ الله وَّل إليها عندَ ذلك، من وجهٍ آخر بزيادة على ما رَوَينا
في ذلك في هذا البابِ .
٦٤١ - كما حدثنا فهدٌّ، وعبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قالا:
حدثنا أبو نُعيم، حدثنا عبدُ الرحمن بن سليمان بن الغَسيل، عن
حمزةَ بنِ أبي أُسیدٍ
عن أبي أُسَيْدٍ قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ وَ حتى انتهينا إلى
حائطٍ بينَ حائطين، فجلسنا بينهما، فقالَ رسولُ الله ◌ٍَّ: ((اجْلِسُوا
هَاهُنا)) فدخل هو وقد أَتِيَ بالجَوْنية، فأَنزلت في بيتٍ في النخل: أميمةَ
ابنةِ النعمان بن شراحيل ومعها صاحبةٌ لها، فلما دَخَلَ رسولُ الله (٥) ◌ِ،
قالَ: ((هَبِي نفسَكِ لي)) قالت: وهَلْ تَهَبُ المرأةُ المَلِكةُ نفسَها
للسُّوقَةِ !! ، فأُهْوَى بيدِه يَضَعُ يَدَه عَلَيها، فقالت: أعوذُ باللهِ منك،
(١) في (ر): حدثني .
(٢) إسناده قوي، وانظر ما قبله.
(٣) في (ر): فدل ذلك على أن.
(٤) سقطت من الأصل، واستدركت من (ر).
(٥) في (ر): فلما دخل عليها رسول الله.
1
١٠٠