النص المفهرس
صفحات 61-80
٥٨٤١ - وحدثنا الربيعُ المراديُّ، حدثنا شعيبُ بنُ الليث، أخبرنا أبي وحدثنا محمدُ بنُ عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبي، وشعيبُ بن الليث، قالا: أخبرنا الليثُ، عن بُكير، ثم ذكر بإسناده مثله(١). وهذا عندنا - والله أَعْلَمُ - كان قبلَ أن يُنْزِلَ الله تعالى ما قد ذكرنا إنزالَه عليه بالحُدَيْبِيَةِ مِن قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبيناً لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ ويَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُستقِيماً ويَنْصُرَكَ الله نَصْراً عَزِيزاً﴾ [الفتح: ١-٣]. فيما تقدَّم منا في كِتابنا هذا(٢)، ثم أنزلَ الله عليه ما أنزله عليه مِن هذا في السورة التي = و٤٦٩ و٤٧٣ و٤٨٢ و٤٨٨ و٤٩٥ و٥٠٣ و٥٠٩ و٥١٤ و٥١٩ و٥٢٤ و٥٣٧ و٣٦٢/٣، والبخاري (٥٦٧٣) و(٦٤٦٣)، وفي ((الأدب المفرد)) (٤٦١)، ومسلم (٢٨١٦) (٧٢) و(٧٣) و(٧٤) و(٧٥) و(٧٦)، وابن ماجه (٤٢٠١)، وابن حبان (٣٥٠) و(٦٦٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١٢٩/٧ و٣٧٩/٨، والبيهقي ١٨/٣ و٣٧٧، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤١٩٢) و(٤١٩٣) و(٤١٩٤) من طرق، عن أبي هريرة . وفي الباب عن عائشة عند البخاري (٦٤٦٤) و(٦٤٦٧)، ومسلم (٢٨١٨). وعن جابر بن عبد الله عند مسلم (٢٨١٧)، وابن حبان (٣٥٠). (١) إسناده صحيح على شرط مسلم، شعيب بن الليث من رجال مسلم، ومن فوقه من رجال الشیخین. ورواه أبو عوانة في البعث كما في ((إتحاف المهرة)) ٥/ ورقة ١١٩ عن الربيع بن سليمان، بإسناده. وانظر ما قبله. (٢) في الجزء الرابع عشر برقم (٥٧٦٦). ٦١ أنزلها عليه، فأعلمه بذلك حالَه التي لم يَكُنْ أعلمه إيَّها قَبْلَ ذلك، وأنزلَ عليه مع ذُلكَ في أصحابه - رضي الله عنهم -: ﴿لِيُدْخِلَ المؤمِنِينَ والمؤمناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ الآية [الفتح: ٥]. كما قالوا له بعدَ الذي أنزل الله عز وجل عليه في نفسه مما قد تلوناه: قد بَيَّن الله تعالى لكَ في نفسك ما يفعلُ بها فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ المؤمِنِينَ والمؤمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ [الفتح: ٥]. وذكر في ذلك لهم الخيرَ، ولَم يذكر ذلك فيما أنزله عليه في نفسه، فكان ذلك - والله أعلمُ - أنه إنما خَاطَبَ به العربَ، ومِن لِسانهم الذي يُخاطبون به: أن المخاطِبَ لهم إذا عَلِمَ أنَّهم قد عَلِمُوا ما أراده بخطابه إيَّهم، أغناه ذلك عن خطابه إيَّاهم بما بَقِيَ من ذلك المعنى الذي خاطبهم مِن أجله بما خاطبهم فيه، وكان أصحابُه إنما استحقوا ما أعطاهُم إيَّه بما في هذه الآية بصُحبتهم إِيَّاه ◌َُّ ونُصرتهم له، وإنما كان ذلك بدُعائه كان إيَّهم إليه، وزيادته عليه مع فعلِه لما قد دعاهم إليه، وزيادته عليه، وإذا كانُوا بتقصيرهم عما هُوَ عليه من ذلك يستحِقُّونَ الجنةَ كان هو نَّ لمجاوزته إيَّاهم وزيادتِه عليهم في ذلك بالجنَّةِ أولى، وبدخولِهِ إِيَّها منهم أحرى. ٦٢ ٩٤٢ - بابُ بيانِ مُشْكِلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله اليه في تَركه مالك البعير الذي اشتكى إليه أنَّه يُجِيعُه ويُذْئِبُه في العملِ بتركِ أخذِهِ إِيَّه بِعَلَفِهِ ٥٨٤٢- حدثنا الربيعُ المراديُّ، حدثنا ◌ُسدُ بنُ موسی، حدثنا مهديُّ بنُ ميمون، حدثنا محمدُ بنُ عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعدٍ - مولى الحسن بن علي - عن عبد الله بن جعفرٍ، قال: أردفني رسولُ اللهِ وَ﴿ ذاتَ يومٍ خَلْفَهُ، وأَسَرَّ إليَّ حَدِيثاً لا أُحَدِّثُ به أحداً مِنِ النَّاس ، وكان أحبَّ ما استتر به النبيُّ ونَ﴿َ لِحاجته هدفٌ أو حائِشُ نخل، فدخلَ حائطَ رجل من الأنصارِ، فإذا جَمَلٌ، فلما رأى النبيَّ وَّهِ حَنَّ وَذَرَفَتْ عيناه، فأتاه النبيُّ وَِّ فمسح سَرْوَ رأسِه، وذِفْراه، فشكا، فقال: ((من رَبُّ هذا الجمل)»؟ فجاء فتى مِن الأنصارِ، فقال: هُوَ لي يا رسول الله. فقال: ((أَوَلا تَتَّقِي اللَّه في البَهِيمَةِ التي مَلَّكَكَ الله تعالى، شكا إليَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُذْثُبُه في العَمَلِ))(١). (١) إسناده صحيح، أسد بن موسى روى له أبو داود والنسائي، وهو ثقة، ومن فوقه من رجال الشيخين غير الحسن بن سعد، فمن رجال مسلم. ٦٣ = وكان ما في هذا الحديثِ من ذِفرى البَعير هو ما بعدَ أذنيه، ومعنى السروِ المذكورِ فيه: هو أسرى ما فيه وأعلاه، فأضافَ ذلك إليه بقول راويه، أي: مسح بيده على ذِفراه، وعلى سرو ما فيه، ليكون ذلك سبباً لسكونه. وكان في هذا الحديثِ من قول النبي ◌َّهُ لصاحب ذلك البعير بعدَ وقوفه على تشكِّيه إليه أنه يُجيعه ويُدْئِه في العمل: ((ألا تتّقي الله في البهيمة التي ملكك الله إياها))، يعني أخذته بإعلافه بما يُخرجه من مالكي بني آدم في مماليكهم الذين يُجيعونهم. = ورواه ابن أبي شيبة ٤٩٣/١١، وأحمد (١٧٤٥) بتحقيقنا، والدارمي ١ /١٧٠ و١٩٣، ومسلم (٣٤٢) و(٢٤٢٩)، وأبو داود (٢٥٤٩)، وابن ماجه (٣٤٠)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٤٣٧)، وأبو يعلى (٦٧٨٧) و(٦٧٨٨)، وابن خزيمة (٥٣)، وأبو عوانة ١٩٧/١، وابن حبان (١٤١١)، والحاكم ٩٩/٢-١٠٠، والبيهقي في ((السنن)) ٩٤/١، وفي ((الدلائل)) ٢٦/٦-٢٧ من طرق، عن مهدي بن ميمون، بهذا الإِسناد. وبعضهم اختصره. ورواه أحمد (١٧٥٤)، وابن حبان (١٤١٢) من طريق وهب بن جرير، عن أبيه جريربن حازم، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، به. ولم يذكر عند ابن حبان قصة الجمل. الهدف، قال الخطابي في ((معالم السنن)) ٢٤٨/٢: كل ما كان له شخص مرتفع من بناء وغيره، وقد استهدف لك الشيء إذا قام وانتصب لك، وقوله: حائش نخل: الحائش: جماعة النخل الصغار لا واحد له من لفظه. وقال ابن الأثير: الحائش: النخل الملتف المجتمع، كأنه لالتفافه يحوش بعضه إلى بعض، وقوله: وتدئبه، أي: تكده وتتعبه، من الدأب، وهو الجد والتعب. وقوله: سرو البعير وذفراه قد شرحه المصنف بعد الحديث. ٦٤ وهذه مسألةٌ من الفقه اختلف أهلُ الفقه فيها، فطائفةٌ منهم تقول: مَنْ كانت له دابَّةٌ يُجِيعُهَا، لم يُؤخذ بإعلافها، ولكن يُؤمر بذلك، ولا يُجبر عليه، ويؤمر بتقوى الله تعالى في ذلك، وتركه إجاعتها، وممن كان يقول ذلك منهم: أبو حنيفة، وأصحابه. وطائفة منهم تقول: بل يُجبر على ذلك، ويُؤخذ به ويُحبس فيه، كما يفعل به فيمن يملكه من بني آدم ممن تدعو الضرورةُ إلى ذلك منه، وقد كان أبو يوسف يقولُ بهذا القولِ بأخرة. واحتج أهلُ هذا القولِ الأخيرِ لِقولهم هذا بإجماعهم، وإجماع مخالفيهم على الأخذ بالإِنفاق على المملوكين الآدميين. فكان من الحجة لمخالفيهم في ذلك: أن الآدميين تجب لهم الحقوقُ كما تجبُ عليهم الحقوق، فمن ذلك: أن المماليك الآدميين يجنون الجنايات، فيؤخذون بها، فلما كانت الحقوقُ تجبُ عليهم أيضاً يجب لهم على من تجب لهم عليه وكانت إليها، ثم لا تجبُ عليهم الحقوق بجناياتهم، فكانوا كذلك أيضاً في تركه وجوبَ الحقوقِ لهم على مالكيهم، ولكنهم بخلاف مَنْ سِواهم مِن الناس يؤمرونَ فيهم بتقوى الله عز وجل، وبتركِ التضييعِ لهم، وإن كان ما على مالكيهم في التجاوز ما على غيرِ مالكيهم فيه. ٦٥ ٩٤٣ - بابُ بيانِ مُشكِلٍ ما رُوي عن رسولِ اللهِ وَلَّه في تركِه قتل مسيلمة الكذاب لما قَدِمَ : عليه المدينةَ، وأبى أن يؤمن به إلا أن يجعلَ له الأمرَ مِن بعده ٥٨٤٣ - حدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا أبو اليمان الحكمُ بنُ نافع البَهْراني، أخبرنا شعيبُ بنُ أبي حمزة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين النوفلي، حدثنا نافعُ بنُ جبير عن ابن عباس، قال: قَدِمَ مسيلمةُ الكذاب على عهدِ رسولِ الله وَّ المدينةَ، فجعل يقولُ: إن جَعَلَ لي محمدٌ الأمرَ مِنْ بعده تبعتُه، وقدِمَها في خلقٍ كثيرٍ من قومه، فأقبل إليه النبيُّ بَّر ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يدٍ النبيِّ وَل ◌ِ قطعة جريدة حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال له: ((لو سألتني هذه القطعةَ ما أعطيتكها، ولن تَعْدُوَ أمَرَ الله فيك، ولئن أدبرتَ، ليعقِّرَنَّك الله، وإنِّي لا أراك إلا الذي رأيتُ فيك ما رأيتُ، وهذا ثابتٌ يُجيبك))، ثم انصرف. قال ابن عباس: فسألتُ عن قول النبي ◌َِّ: ((أراكَ الذي رأيتُ فيه ما رأيتُ))، قال أبو هريرة: إن النبيَّ وَ﴿، قال: ((بينما أنا نائمٌ رأيتُ في يديّ سِوارَيْنِ مِنْ ذهبٍ، فهمَّني شأنُهما، فأُوحِيَ إليَّ في ذلك: أن انْفُخْهُما، فنفختُهما، فطارا، فأولتُهما كذَّابَيْن يَخْرُجَانِ مِنْ بعدي))، فكان أحدهما ٦٦ العنسيَّ صاحِبَ صنعاء، والآخر مسيلمةَ صاحبَ اليمامة(١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري (٣٦٢٠) و(٣٦٢١) و(٤٣٧٣) و(٤٣٧٤) و(٧٤٦١)، ومسلم (٢٢٧٣) و(٢٢٧٤)، والترمذي (٢٢٩٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٦٤٩)، والطبراني (١٠٧٥٠)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٣٣٤/٥ من طرق، عن أبي اليمان الحكم بن نافع، بهذا الإِسناد. واقتصر البخاري (٧٤٦١)، والطبراني على قصة قدوم مسيلمة، واقتصر الترمذي والنسائي على قصة الرؤيا. ورواه ابن حبان (٦٦٥٤) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن ورجل آخر، عن نافع بن جبير، به . ورواه البخاري (٤٣٧٨) و(٤٣٧٩) عن سعيد بن محمد الجرمي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن عبد الله بن عبيدة بن نشيط، أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة، فنزل في دار بنت الحارث، وكانت تحته بنت الحارث بن كريز، وهي أم عبد الله بن عامر، فأتاه رسول الله وََّ، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وهو الذي يقال له: خطيب رسول اللّه وَالر، وفي يد رسول الله وَ ل قضيب، فوقف عليه فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك، فقال النبي وَحجر: ((لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت، وهذا ثابت بن قيس سيجيبك عني)) فانصرف النبي ◌َّر. قال عبيد الله بن عبد الله: سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا رسول الله وَّر التي ذكر، فقال ابن عباس: ذُكر لي أن رسول الله وَّ قال: ((بينما أنا نائم ... )) فذكر الرؤيا. ورواه البخاري (٧٠٣٣) و(٧٠٣٤) عن سعيد بن محمد الجرمي، به بذكر الرؤيا فقط . وروى قطعة الرؤيا أحمد (٢٣٧٣) بتحقيقنا، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٦٤٨) من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد = ٦٧ ,٠ فقال قائل: وكيف لم يَقْتُلْ رسول الله وَّهِ مسيلمةً بإبائِهِ الدُّخولَ في الإِسلامِ؟ فكان جوابُنا له في ذلك: أنه قد يحتَمِلُ أن يكونَ جاءَه فيمن جاءَ معه مِنْ قومه على جوارٍ لِيُخاطِبِه بما يُجيبه إليه أو يمتنع عليه منه، فلم يقتُلُهُ لِذلك، واتبع ما أمره الله به في مثلِه بقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]. = اللّه، به. لم يذكر! عبد الله بن عبيدة بن نشيط. ورواها أحمد ٣١٩/٢، والبخاري (٤٣٧٥) و(٧٠٣٧)، ومسلم (٢٢٧٤) (٢٢)، والبيهقي في ((السنن)) ١٧٥/٨، وفي ((الدلائل)) ٣٣٥/٥، والبغوي (٣٢٩٧) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة. وهو في ((صحيفة همام)) (١٣٥). ورواها أحمد ٣٣٨/٢ و٣٤٤، وابن ماجه (٣٩٢٢) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. ٦٨ ٩٤٤ - بابُ بيانِ مُشكل ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ وَ﴾ه في الذين يُظِلُّهُمُ الله في ظِلِّه يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه عزَّ وجَلّ ٥٨٤٤ - حدثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ: أن مالكاً أخبره، عن خُبَيْبٍ بن عبد الرحمن، عن حفص بنِ عاصِمٍ عن أبي سعيد الخدري، أو عن أبي هريرة - رضي الله عنهما -، قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلاّ ظلُّه: إمامٌ عادِلٌ، وشَابَّ نَشَأْ فِي عِبَادَةِ الله تعالى، ورَجُلٌ قلبُه تعلَّق بالمسجدِ إذا خَرَجَ منه حتَّى يَعُودَ إِليه، ورجلان تَحابًّا في اللهِ اجتمعا على ذلك، وتَفرَّقا عليه، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خالياً، ففاضَتْ عيناه، وَرَجُلٌ دعته امرأة ذاتُ حَسَبٍ وجَمالٍ، فقال: إنِّي أَخَافُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ تَصدَّقَ بصدقةٍ، فأخفاهَا حتَّى لا تعلمَ شِمالُه ما تُنْفِقُ يمينُه))(١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو في ((الموطأ)) ٩٥٢/٢-٩٥٣. ورواه أبو عوانة في الزكاة كما في ((إتحاف المهرة)) ٥/ ورقة ١٢٥ عن يونس بن عبد الأعلى، بهذا الإِسناد. ورواه أبو عوانة أيضاً في ((مسنده)) ٤١١/٤ في الإمارة عن عيسى بن أحمد، عن ابن وهب، به. ورواه مسلم (١٠٣١) (٩١)، والترمذي (١٣٩١)، وابن حبان (٧٣٣٨)، = ٦٩ = والبيهقي في ((السنن)) ٨٧/١٠، وفي ((الأسماء والصفات)) ص ٣٧٠-٣٧١ من طرق، عن مالك، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا روي هذا الحديث عن مالك بن أنس من غير وجه مثل هذا، وشك فيه. قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٨٠/٢: روى هذا الحديث عن مالك كل من نقل ((الموطأ)) عنه فيما علمت على الشك في أبي هريرة وأبي سعيد إلا مصعباً الزبيري، وأبا قرة موسى بن طارق، فإنهما قالا فيه: عن مالك، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة وأبي سعيد، ثم رواه من طريقيهما عن مالك، بالإِسناد الذي ذكر. وقال بإثره: وكذلك رواه أبو معاذ البلخي عن مالك. ورواه ابن عبد البر ٢٨١/٢ من طريق سعيد بن أحمد الوقار، عن عبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، ويوسف بن عمر بن يزيد، كلهم عن مالك، عن خبيب، عن حفص، عن أبي سعيد وحده. وقال ابن عبد البر بإثره: لم يتابع الوقار على ذلك عنهم، وإنما هو في ((الموطأ)) عنهم على الشك في أبي هريرة أو أبي سعيد. قلت: ورواه الطيالسي (٢٤٦٢) عن ابن فضالة، والبيهقي في ((الأسماء. والصفات)) ص٣٧١ من طريق شعبة، كلاهما عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص، عن أبي هريرة وحده. ولفظ البيهقي: ((سبعة يظلهم الله تعالى تحت عرشه يوم لا ظلّ إلا ظله: رجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل دعته امرأة ذات منصب، فقال: إني أخاف الله عز وجل، ورجلان تحابا في الله، ورجل غض عينيه عن محارم الله، وعين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله)) ورواه البيهقي في ((شعب الإِيمان)) (٧٩٤)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢٥٣/٩-٢٥٤ من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. وانظر الحديثين الآتيين بعده. والمقصود من قوله: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) المبالغة في إخفاء = ٧٠ فكان هذا الحديثُ في رواية مالك إِيَّاه على الشَّكُّ فيمن أَعَادَه إليه من أبي سعيدٍ، وأبي هريرة، عن رسولِ اللهِ وَّهُ، مَنْ هو منهما؟ وطلبنا حقيقة الأمر، فوجدنا ذلك مِن حديث غير مالكٍ. ٥٨٤٥ - ووجدنا فهدَ بنَ سليمانَ قد حدَّثنا، قال: حدثنا عبدُ الله بن صالح، حدثني الليثُ بنُ سعدٍ: أن عبيدَ الله بنَ عمربن حفص بن عاصمٍ، حدَّثه عن جدِّه أبي أبيه عن أبي هُريرة، عن رسولِ اللهِ وَّهَ، أنه قال: ((سِنَّةٌ يُظِلُّهُم الله تعالى في ظِلِّ عرشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: شابٌ نَشْأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ تعالى، وإمامٌ مُقْسِطٌ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ حَسْنَاءُ ذاتُ حَسَبٍ إِلى نَفْسِها، فقال: إِنِّي أَخَافُ اللّه رَبَّ العالمينَ، ورَجُلٌ أُخْفَى يمينَهُ عن شِمالِهِ صدقتَه، ورَجُلٌ قلبُه متعلَّقُ في مساجِدِ الله تعالى، ورجلانِ تواخيا في اللّهِ، ثم افْتَرَقًا على ذلك))(١). فوقفنا بروايةِ عُبيدِ الله هذا الحديثَ: أن راويَه عن رسولِ الله وَّـ هو أبو هريرة، لا أبو سعيد. ثم طلبنا الحقيقة فيه: هل حَدَّث به عُبَيْدُ الله، عن جدِّه سماعاً أو غير ذلك؟ = الصدقة بحيث إن شماله مع قربها من يمينه وتلازمهما لو تصوّر أنها تعلم، لما علمت ما عملت اليمين لشدة إخفائها، فهو على هذا من مجاز التشبيه. (١) حديث صحيح، عبد الله بن صالح في حفظه شيء، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين إلا أن في هذا السند انقطاعاً بين عبيد الله بن عمر وبين جده حفص، والواسطة بينهما خبيب بن عبد الرحمن كما سيبينه المؤلف، وهو ثقة. ٧١ 1 ٥٨٤٦ - فوجدنا محمدَ بنَ إبراهيم بن زياد الرازيُّ قد حدثنا، أخبرنا عُبيد الله، وعمرو بنُ علي ونوح بن حبيب. ٥٨٤٧ - ووجدنا ابنَ أبي داود قد حدَّثنا، قال: حدثنا مُسَدَّدٌ، قالوا: أخبرنا يحيى بنُ سعيد القطانُ، حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عمر، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بنِ عاصم. عن أبي هُريرةَ، قال: قالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم الله تحتَ عرشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّ ظِلُّهُ: الإِمامُ العادِلُ، وشابٌّ نشأ في عبادة الله تعالى، ورجلان تحابًّا في اللهِ، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورَجُلٌ طلبْهُ ذاتُ حَسَبٍ وجمالٍ، فقال: إنِّي أَخَافُ اللّه رَبَّ العالمينَ، ورجلٌ ذَكَرَ الله خالياً، فَفَاضَتْ عيناه مِن خشيةِ الله، ورَجُلٌ قلبُه مُعَلَّقٌ بالمساجِدِ، ورجلٌ تصدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فأخفى يسارَه ما أنفقت يمينُه))(١). (١) وقع الإِسناد الأول في الأصلين هكذا: أخبرنا عبد الله، قال: حدثنا عمروبن علي بن نوح بن حبيب، وصوابه فيما نظن ما أثبتنا، فإن عبيد الله - وهو ابن عمر القواريري -، وعمروبن علي - وهو الفلاس -، ونوح بن حبيب - وهو القومسي - ثلاثتهم يروون عن يحيى بن سعيد القطان، فالإِسناد الأول على شرط الشيخين، والثاني على شرط البخاري، فإن مسدداً من رجاله. ورواه البخاري (١٤٢٣) عن مسدد، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ٤٣٩/٢، والبخاري (٦٦٠)و(٦٤٧٩)، ومسلم (١٠٣١) (٩١)، والترمذي بعد الحديث (٢٣٩١)، وابن خزيمة (٣٥٨)، والبيهقي في ((السنن)) ١٩٠/٤ و١٦٢/٨ من طرق، عن يحيى بن سعيد القطان، به. وجاء في بعض الروايات عن يحيى: ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله))، وسائر الرواة قالوا فيه: ((لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) وهو الصواب، لأن السنة المعهودة في الصدقة = ٧٢ فوقفنا بذلك على أنَّ عُبيد الله لم يُحدِّثْ بهذا الحديث عن جَدِّه حفص بن عاصم بسماعه كان إيَّه منه، وعلى أن أخذه إيَّاه إنما كان من خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم. ثم نظرنا في الأصلِ المذكورِ في هذا الحديثِ ما المرادُ به؟ فلم يُكُنْ في حديث مالكٍ عن خُبيب بن عبد الرحمن ما يَدُلُّ على ذلك، ما هُوَ؟ وهو قوله: ((يُظِلُّهُمُ الله فِي ظَلِّ عرشه))، فأخبر بذلك أن الظُّلَّ المرادَ في هذا الحديثِ هو ظلَّ عرشِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وقد رُوِي في مثلِ هذا المعنى من الظل المذكورِ في كتابِ الله عز وجلَّ: ﴿وظِلَّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] ٥٨٤٨ - ما قد حدثنا إبراهيمُ بن مرزوق، حدثنا سعيدُ بنُ عامر الضبعي، عن محمد بن عمروبن علقمة، عن أبي سَلَمَة عن أبي هُريرة رفعه، قال: إنَّ في الجنةِ شجرةً يَسيرُ الراكِبُ في ظِلِّها مئةَ عامٍ، اقرؤوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلْ مَمدُودٍ﴾(١). = إعطاؤها باليمين، وانظر ((الفتح)) ١٤٦/٢. ورواه الإِمام عبد الله بن المبارك في ((الزهد)) (١٣٤٢)، ومن طريقه البخاري (٦٨٠٦)، والنسائي في ((المجتبى)) ٢٢٢/٨، وفي ((الكبرى)) (٥٩٢١)، وابن حبان (٤٤٨٦)، والبيهقي في ((السنن)) ٦٥/٣-٦٦، ورواه البيهقي في ((شعب الإِيمان)) (٥٤٩)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٨١/٢-٢٨٢ من طريق حماد بن زيد، كلاهما (عبد الله وحماد) عن عبيد الله بن عمر، به. وانظر (٥٨٤٤). (١) إسناده حسن. محمد بن عمرو بن علقمة حسن الحديث، روى له أصحاب السنن، وروى له البخاري ومسلم مقروناً بغيره. ٧٣ وكان هذا الظُّلُّ خلافَ الظُّلِّ المذكورِ في الحديثِ الأول. ثم نظرنا في الظُّلِّ نفسِهِ، ما هُوَ؟ فوجدنا ولاداً النحويَّ قد حدثنا، قال: حدثنا المصادِرِيُّ، عن أبي = ورواه أحمد ٤٣٨/٢، وهنّاد بن السري في ((الزهد)) (١١٣)، والدارمي ٣٣٨/٢، وابن ماجه (٤٣٣٥)، والطبري ١٨٣/٢٧ و١٨٤ من طرق، عن محمد بن عمروبن علقمة، بهذا الإِسناد. ورواه الحميدي (١١٣١)، وأحمد ٤١٨/٢، والبخاري (٤٨٨١)، ومسلم (٢٨٢٦) (٧)، وابن حبان (٧٤١١)، وأبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٤٠٣)، والبيهقي في ((البعث)) (٢٦٨) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. ورواه أحمد ٤٥٢/٢، ومسلم (٢٨٢٦) (٦)، وابن أبي داود في ((البعث)) (٦٧)، والترمذي (٢٥٢٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٥٦٤)، والطبري ١٨٣/٢٧، وأبو نعيم (٤٠١) من طريق الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة. ورواه أحمد ٤٨٢/٢، والبخاري (٣٢٥٢)، والطبري ١٨٣/٢٧، وأبو نعيم (٤٠٣) من طريق فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة. وانظر تمام تخريجه في ((ابن حبان)) (٧٤١١) و(٧٤١٢). وفي الباب عن سهل بن سعد عند البخاري (٦٥٥٢)، ومسلم (٢٨٢٧)، وأبو نعيم (٤٠٥)، والبيهقي في ((البعث)) (٢٧١). وعن أنس بن مالك عند أحمد ١١٠/٣ و١٣٥ و١٦٤ و١٨٥ و٢٠٧ و٢٣٤، والبخاري (٣٢٥١)، والترمذي (٣٢٩٣). وعن أبي سعيد الخدري عند البخاري (٦٥٥٣)، ومسلم (٢٨٢٨)، والترمذي .. (٢٥٢٤). ٧٤ عُبيدة(١)، قال في قوله عز وجل: ﴿وَظِلٌّ مَمْدُودٍ﴾، قال: لا تنسخه الشَّمْسُ دائم، يقال للدهر: ممدود، وللعيش إذا كان دائماً: ممدودٌ. قال لبيدٌ: غَلَبَ البَقاءَ وكنتُ غَيْرَ مُغَلَّب دَهْرٌ طَويلٌ دَائِمٌ مَمْدُودُ (٢) وذكر الفراءُ في كتابه في ((معاني القرآن))(٣) في ﴿ظلِّ ممدود﴾، قال: فلا شمسَ فيه، كمثل ما بَيْنَ طلوع الفجر إلى أن تَطْلُعَ الشمسُ. (١) في ((مجاز القرآن)) ٢ /٢٥٠. (٢) البيت في ((ديوان لبيد)) ٢٧/١، وفاعل ((غلب)) ((دهر طويل))، يقول: غلب الدهرُ الطويل البقاءَ في الدنيا، ولم يكن شيءٌ ليغلبني غير الدهر. ومثله قول تبع بن الأقرن : وطلوعُها من حيثُ لا تُمسي منعَ البقاءَ تَقَلُّبُ الشمسِ ومَضَى بفصلِ قَضائِهِ أَمْسِ اليومَ أعلمُ ما يَجِيءُ بِهِ (٣) ١٢٥/٣. وقال أبو عمر بن عبد البر في ((التمهيد) ٢٨٣/٢: والظل في هذا الحديث يراد به الرحمة، والله أعلم، ومن رحمة الله الجنة، قال الله عز وجل: ﴿أكلها دائم وظلها﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال: ﴿وظل ممدود﴾ [الواقعة: ٣٠]، وقال: ﴿في ظلالٍ وعيون﴾ [المرسلات: ٤١]، ثم ذكر حديث المقداد: ((تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم على قدرٍ ميل، أو كمقدار ميل، قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق ... ))، ثم قال أبو عمر: من كان في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله نجا من هول ذلك الموقف إن شاء الله، والله أعلم، جعلنا الله منهم برحمته آمین. ٧٥ .. ٩٤٥ - بابُ بيانِ مُشكلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ وَله مما كانَ منه في الذي طُعِنَتْ رِجْلُه بِقَرْنٍ، فسأل القودَ فأقاده، فَشَلَّتْ رجلُ المقتص، وبرأت رجلُ المقتصّ منه ٥٨٤٩ - حدثنا يونسُ، حدثنا سفيانُ، عن عمرو بنِ دينار ٠٠ عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، قال: طَعَنَ رَجُلٌ آخرَ بقرنٍ في زِحامٍ، فأتى النبيَّ وََّ، فقال: أَقِدْنِي. فقال: ((انْتَظِرْ))، ثم أتاه الثانيةَ، أو ما شاءَ الله عز وجل، فقال: أُقِدْني. فأقاده، فبرأ الآخرُ، وشَلَّتْ رِجْلُ الأوَّلِ، فجاء إلى النبيِّ وََّ، فقال: أَقِذْنِي مَرَّةً أُخرى، فقال: ((لَيْسَ لكَ شيءٌ، قلتُ لك: انتظِرْ، فَأَبِيتَ))(١)، هكذا حدثناه (١) رجاله ثقات إلا أنه منقطع. محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة من أتباع التابعين، مات في أول خلافة هشام بن عبد الملك بالمدينة، أي في سنة (١٠٥) هـ، وحديثه عند أبي داود وابن ماجه، وهو ثقة. سفيان: هو ابن عيينة. ورواه أبو داود في ((المراسيل)) (٢٥٣)، والبيهقي ٦٦/٨-٦٧ من طرق، عن سفيان، بهذا الإسناد. ورواه عبد الرزاق (١٧٩٨٧) من طريق أيوب السختياني، وأبو داود في ((المراسيل)) (٢٥٢) من طريق أبان بن يزيد العطار و(٢٥٤) من طريق حماد بن زيد، ثلاثتهم عن عمروبن دينار، به. ٧٦ = يونسُ إملاءً في سنةٍ خمسٍ وخمسين، وقد كان المزنيُّ حدثناه قبلَ ذلك في سنةِ ثلاثٍ وخمسين عن الشافعيِّ، عن سفيانَ بغير شكُ فيه، وذكر عن النبيِّ رَّ قوله للرجل: ((انتظِرْ)) ثلاثَ مرات، ومِن أخذه له بالقودِ لما سأله إيَّه في المرة الرابعة(١)، وإنما حملنا على أن أتينا بهذا الحديث في كتابنا مع انقطاعِه، لأن عثمانَ بنَ أبي شيبة قد كان حدَّث به عن ابن عُلية، عن أيوب، عن عمرو، عن جابر بن عبد الله(٢)، وذكر = ورواه عبد الرزاق (١٧٩٨٨) عن معمر، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب. ورواه (١٧٩٨٩) عن سفيان الثوري، عن حميد الأعرج، عن مجاهد. وقد روي هذا الحديث موصولاً - كما سيشير المؤلف - من طريق عمروبن دينار، عن جابر بن عبد الله، وسيأتي تخريجه. وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد ٢١٧/٢، والدارقطني ٨٨/٣ و٩٠، والبيهقي ٦٧/٨-٦٨، والحازمي في ((الاعتبار)) ص١٩٣، وهو حسن في الشواهد. وشاهد ثان من حديث عبد الله بن عباس عند البيهقي ٦٧/٨، وإسناده ضعيف، وانظر ما بعده. (١) رواه المصنف عن المزني، عن الشافعي في ((السنن المأثورة)) (٦٣١). (٢) وقع في الأصل مكان ((جابر بن عبد الله)) ((محمد بن طلحة))، والتصويب من ((المعتصر)) ١١٩/٢ ومن مصادر التخريج، فقد رواه أبو بكربن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٦٩/٩، ومن طريقه الدارقطني ٨٩/٣، والبيهقي ٦٦/٨، وقرن الدارقطني بأبي بكر أخاه عثمان، ورواه البيهقي ٦٦/٨ من طريق عثمان وحده، كلاهما (أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة) عن إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن عمروبن دينار، عن جابر. ورواه الطبراني في ((الصغير)) (٣٧٧)، والدارقطني ٨٨/٣، والبيهقي ٦٧/٨، = ٧٧ لي ذلك غيرُ واحد، عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه. وقد روى ابنُ جریچ هذا الحدیثَ عن عمرو بن دینار کما رواه ابن عيينة عنه، وذكر فيه أن ينتظر حتى يبرأ من الجناية عليه . ٥٨٥٠ - كما حدثنا يونسُ، حدثنا ابنُ وهبٍ، قال: سمعتُ ابنَ = والحازمي ص١٩١، من طريق أبي الزبير، عن جابر، بنحوه. وقد أعل حديث جابر هذا بالإِرسال، ورجح بعضهم المرسل، قال أبو داود في ((المراسيل)) ص٢١٠: وأسنده ابن علية، عن أيوب، عن عمرو، عن جابر، ووهم فيه، والأول أصح، وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) ٤٦٣/١: ورواه حماد بن سلمة، عن عمروبن دينار، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة أن رجلًا طعن رجلاً فأتى النبي ◌َّل ... ، فسمعت أبا زرعة يقول: حديث حماد بن سلمة أشبه. وقال الدارقطني : أخطأ فيه ابنا أبي شيبة، وخالفهما أحمد بن حنبل وغيره، عن ابن علية، عن أيوب، عن عمرو مرسلاً، وكذلك قال أصحاب عمروبن دينار، عنه، وهو المحفوظ مرسلاً. وتعقبه ابن التركماني بقوله: ابنا أبي شيبة إمامان حافظان، وقد زادا الرفع، فوجب قبوله على ما عرف. وانظر ((نصب الراية)) ٣٧٧/٤-٣٧٨. قلت: رواه المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٨٤/٣ من طريق عبد الله بن المبارك، عن عنبسة بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبيِّ وَّ، قال: ((لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ). قال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) ٦٧/٨: سنده جيد، ونقل الزيلعي في ((نصب الراية)) ٣٧٨/٤ عن صاحب ((التنقيح)) قوله: إسناده صالح، وعنبسة وثّقه أحمد وغيره، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: هو مرسل مقلوب. وقال الحازمي في ((الاعتبار)): قد روي هذا الحديث عن جابر من غير وجه، وإذا اجتمعت هذه الطرق، قوي الاحتجاج بها. ٧٨ جُریجٍ يُحدث عن عمروبن دينار عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة: أن رجلاً طَعَنَ رجلاً بقرنٍ، فجاءَ إلى النبيِّ وَّهَ، فقال: أَقِدْني. فقال: ((حَتَّى تبرأ). ثلاث مراتٍ، ثم أقادَه، فعَرجَ المستقيدُ، فجاءَ إلى النبيِّي ◌َّ، فقال: حَقّي. فقال النبيُّ وَه: ((أَبْعَدَ الله عن ذلك، لا شيءَ لك))(١). فتأملنا هذا الحديثَ، فعَقَلْنا أن مَنْعَ رسول الله وَّ المجني عليه مِن القَوَدِ حين سأله إِيَّه لم يَكُنْ ذُلك وقد وجب له القَوَدُ، لأَنَّه لو كان قد وجب له لما منعه منه، وأوفاه الواجبَ منه، ولما سأله القود بعدَ ذلك، وأجابه إليه، فأقاده، دَلَّ ذُلك أنه قد كان وجب له فيه، لأنه لو لم يَكُنْ كذلك، لما أَخَذَ له غيرَ واجبٍ له. وكان جملةُ ما في هذا الحديثِ: أن القودَ مِن الجناية عندَ وقوعها على المجنيِّ عليه من الجاني، قد اختلف أهلُ العلم في القودِ، هل وجب لَه حينئذٍ فيُقيد، أو لم يجب حتى ينظر إلى ما تتناهى إليه جنايتُه مِن ذهاب نفس المجني عليه، أو من سلامتها من ذلك، أو ذهاب أعضائه بها أو سلامة ما بقي من بدنه، أو من برءٍ من الجناية؟ فمنهم من كان يقولُ: لا يجبُ له القودُ حتى يُنْظَرَ إلى ما تؤولُ إليه الجنايةُ مِنْ ذلك، فيجعل كأنَّه جُني عليه ما تناهت إليه جنایتُه، ويوفى ماله في ذلك، لو كان الجاني قَصَدَ به إليه فيه مِن قودٍ، وما (١) رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أنه منقطع كسابقه. ورواه عبد الرزاق (١٧٩٨٦)، ومن طريقه الدارقطني ٨٩/٣، والبيهقي ٦٦/٨، عن ابن جريج، بهذا الإِسناد. وانظر ما قبله. ٧٩ سوى ذلك، وممن كان يقولُ ذلك منهم: أبو حنيفة، وأصحابُه. وكان بعضُهم يقولُ: يجب له القصاصُ مِن الجاني حين كانت جنايتُه عليه بمثل ما جناه عليه، ثم ينظر ما يُؤُولُ إليه حالُ كلِّ واحدٍ منهما في ذلك مِن تكافؤ أو زيادةٍ من جناية الجاني، فيكون قد فُعِلَ به فِعلان قَوَداً مما لم يكن منه فيه إلا فِعْلٌ واحِدٌ، وممن كان يقول ذلك منهم: الشافعيُّ . ولما منع رسولُ اللهِ وَِّ المجنيَّ عليه في الحديثِ الذي رويناه في الباب مِن القودِ حين كانت جنايتُه عليه، عَقلنا بذلك أنَّه منعه مما لم يَكُنْ وجبَ له، وأنَّه أقاده في الوقتِ الذي أقاده بأن كانَ هو الوقت الذي كان وجب له فيه القودُ على الجاني عليه، وإذا كان رسولُ الله ﴿* قد مَنَعَ المجنيَّ عليه من القودِ مِن الجاني بعدَ جنايتِه عليه، ثم أقادَه منه في ذلك في حالٍ أُخرى، عقلنا بذلك أنما منعه مِن القَوَدِ في الحال الأولى انتظاراً لحالٍ سِواها، ولا حالَ في ذلك إلا البرء مِن الجناية، وما يؤول إليه مما سواها من ذهاب نفس المجنيِّ عليه منها، أو مِن ذهابِ بعضِ أعضائِه منها، أو من سلامة نفسه. وفيما ذكرنا من ذلك وجوبُ رفعِ القودِ عن الجاني للمجنيِّ عليه حتَّى يُوقف إلى ما تتناهى إليه جنايته عليه، فيوفى حين ذلك الواجبَ له عليه، كما قال الذين قالوا ذلك ممن حَكَيْناهُ عنهم من أهلِ العلم. وكان القياسُ عندنا في ذلك هو هذا القول أيضاً، لأنا وجدناهم لا يختلِفُون في الجنايةِ لو كانت خطأ، فمات منها المجنيُّ عليه، أنهم يوجبون عليه ديةَ النفس لا دِيةً ما سواها من العضو المقطوع المقصود ، ٨٠ ٠