النص المفهرس
صفحات 301-320
أن يكون الواجبُ من ذلك، هو المُجْتَمَعَ على وجوب مقداره، لا المختلف في وجوب مقداره، لأن الأموالَ محظورةٌ حتى يُعلَمَ الوجوباتُ فيها، وفيما ذكرنا ما قد دَلَّ أن الديةَ الواجبة في الخطإِ عشرون حِقّةً، وعشرون جَذَعَة، وعشرون ابنة مخاضٍ، وعشرون ابن لَّبُونٍ، وعشرون بنو مخاضٍ، وأن الدية الواجبة في شِبْهِ العَمْد هي ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون ما بين ثَنِيَّةٍ إلى بازلٍ خلافاً كلها، وهكذا كان محمدُ بن الحسن يذهب إليه في هذين الديتين جميعاً، ويخالف أبا حنيفة وأبا يوسف فيما كانا يذهبان إليه في الدية في شِبْهِ العَمْد أنها أرباعٌ: خمس وعشرون حِقّة، وخمس وعشرون جَذَّعَة، وخمس وعشرون ابنة مخاض، وخمس وعشرون ابنة لَبُون، والله نسألُه التوفيقَ. ! ٣٠١ ٨٤٣ - بابُ بيانِ مُشكِلِ ما رُوِيَ عن رسول الله وعليه من قوله للملاعِن بعد فراغه وبعد فراغ زوجته من اللِّعان: ((لا سبيلَ لك عليها)) ٥٢٨٧ - حدثنا يونسُ، وعيسى بن إبراهيم، قالا: حدثنا سفيان بن عُيَيْنة، عن عمروبن دينار، عن سعيد بن جُبَيْر عن ابن عمر: أن رسول الله وَ لَّ لا عَنَ بينَ أَخَوَيْ بني العَجْلانِ، ثم قال: ((الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُما كاذِبٌ، لا سبيلَ لَكَ عَلَيْها)). فقال: مهري الذي دفعتُه إليها؟ فقال رسول الله وَّهِ: ((إنْ كنتَ صادقاً عليها، فهو بما استَحْلَلْتَ من فَرْجِها، وإنْ كنتَ كاذِباً عليها، فهو أَبْعَدُ لك مِنْه))(١). فقال الشافعيُّ فيما حكى لنا المُزَنيُّ عنه: في قول النبيِّ (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه الحميدي (٦٧١)، وأحمد ١١/٢، والبخاري (٥٣١٢) و(٥٣٥٠)، ومسلم (١٤٩٣) (٥)، وأبو داود (٢٢٥٧)، والنسائي ١٧٧/٦ من طرق، عن سفيان بن عيينة، بهذا الإِسناد. وانظر ما في ((صحيح البخاري)) (٥٣١١) و(٥٣٤٩)، و((سنن النسائي)) ١٧٧/٦ من طريق أيوب السختياني، عن سعيد بن جبير. ٣٠٢ للملاعن: ((لا سبيل لك عليها))، ما قد دَلَّ أنه لا يجوز أن يتزوَّجَها أبداً. وكانت هذه المسألةُ مما قد اختلف أهلُ العلم في الواجب فيها، فكانت طائفةٌ منهم تذهبُ إلى أنه لا يتزوجها أبداً، وممن كان يذهبُ إلى ذلك منهم: مالك، وأبو يوسف. وكانت طائفةٌ منهم تذهبُ إلى أنه لا يجوز له أن يتزوَّجَها ما كان مقيماً على قوله الذي كان منه لها، وأنه متى ما رَجَعَ عنه، وأَكذّبَ نفسَه فَحُدَّ لذلك، جاز له أن يتزوجها، وممن كان ذَهَبَ إلى ذلك: أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن. فتأمَّلْنا ما قال الشافعيُّ في ذلك، فوجدناه لا حُجَّةَ له فيه، إذ كان قول النبي ◌َّ﴾ للملاعن: ((لا سبيلَ لك عليها))، إنما كان جواباً في طلبه منها المَهْرَ الذي كان دفعه إليها، فقال له النبي ◌َّ من أجل ذلك القول الذي قاله له، وكان هذا أولى بالحديث، إذ كان إنما يَدُورُ على سعيد بن جُبير، وإذ كان سعيدٌ مذهبُه في المتلاعنين ما قد حدثنا عبيد الله بن محمد بن سليمان المؤذن، قال: حدثنا علي بن مَعْبَد، قال: حدثنا ابنُ شُجَاعِ، عن خُصَيْفٍ، عن سعيد بن جُبير: أنه كان يقول: إذا لاعن الرجلُ امرأتَه، وفَرَّقَ بينهما، ثم أُكْذَبَ نفسَه، رُدَّتْ إليه امرأتُه ما كانت في العِدَّةِ. فدَلَّ ذلك أن مذهبه كان في قول النبي مَ 8 1 الذي ذكرنا، خلاف المذهب الذي ذهب إليه فيه الشافعيُّ، وقد كان مذهبُه أن من روى ٣٠٣ حديثاً عن النبي وَّيّ كان تأويلُه إياه على معنى، دليلاً أن المراد به ذلك المعنى، من ذلك: ما قد قال في حديث ابن عمر في الفُرْقَةِ بعد البيع أنهما بالأبدان، واستَدَلَّ بما كان ابنُ عمر يفعلُه في ذلك على مراد النبي _18 بما فيه على ما قد ذكرنا في ذلك في الباب الذي قد ذكرناه فيه فيما قد تقدم منا في كتابنا هذا(١). ومن ذلك ما قد جعل قول عمرو بن دينار في الحديث الذي روى فيه: أن النبي ◌َّ قضى باليمين مع الشاهد أن ذلك في الأموال، فجَعَلَ ذُلك حجةٌ له في قوله: إن القضاء باليمين مع الشاهد في الأموال خاصَّة دون ما سواها. وقال قائلٌ ممن يذهبُ في ذلك إلى أنهما لا يجتمعان أبداً - أعني المتلاعِنَّيْنِ -: وقد رُوِيَ عن سَهْل بن سعد حُضُورُه من رسول الله اليه ملاعَنْتَّه بين الزَّوْجَينِ اللَّذين كان لاعنَ بينهما، فقال الزُّهري بِعَقِبِ ذلك: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّهما لا يجتمعانِ أبداً، وذكر في ذلك ٥٢٨٨ - ما قد حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهَرَوِي(٢)، قال: (١) انظر الباب رقم (٨٣١) من هذا الجزء. (٢) شيخ الطحاوي هذا مترجم في ((السير)) ١١٤/١٤-١١٥ وغيره من كتب الرجال، واسم أبيه فيها ((عبدالرحمن))، وكذا ترجمه بهذا الاسم محمد أيوب السهارنفوري في ((تراجم الأحبار من رجال شرح معاني الآثار)) ١٠١/٤، وقال: وقع في نسخة العيني (يعني من ((شرح معاني الآثار)) في شرحه عليه) اسمُ أبيه: عبد الرحيم، وكذا في بعض روايات ((مشكل الآثار)) أيضاً، وذكر العلَّمة في ((النخب)) ترجمته من كتاب ابن أبي حاتم، وذكر فيها أيضاً اسم أبيه عبد الرحيم، على خلاف = ٣٠٤ حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلي، قال: حدثنا يعلى بن عُبيد، عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهْري، عن سهل بن سعد الساعدي بقصَّةٍ ملاعَنَةِ رسول الله وَّهُ بين الزوجين اللَّذين لاعَنَ بينهما. قال ابن شهاب: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أنهما إذا تلاعنا فُرِّقَ بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً (١). قال: فكانت هذه السنةُ عنده، هي الواجبةَ في المتلاعِنْنِ. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه قد يجوزُ أن يكون كان ذلك في الملاعِن عندما كان قائماً على القَذْفِ الذي به لاعَنَ زَوْجَتَه . وقد وجدنا عن الزُّهري من مذهبه في ذلك أيضاً كما قد ذكرنا من هذا الاحتمال. كما حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا نُعيم بن حَمَّاد، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري في المتلاعِنَيْنِ: لا يتراجعانِ أبداً، إلا أن يُكْذِبَ نفسَه فيُجْلَد الحدّ، ويظهر براءتها، = ما في نسختنا، والظاهر أن ما في النسخ المطبوعة هو الصواب (يعني: عبد الرحمن)، والله أعلم. قال الذهبي في حقِّه في ((السير)): الإِمام المحدِّث الثقة الحافظ. (١) حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن إسحاق، وهو حسن الحديث. وانظر تخريج حديث سهل هذا في ((صحيح ابن حبان)) (٤٢٨٣) و(٤٢٨٤) و(٤٢٨٥). ٣٠٥ فلا جُناحَ عليهما أن يتراجعا(١). وقد تقدَّم الزهريَّ في قوله هذا سعيدُ بن المُسيِّب كما قد حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد، قال: حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن رجل، عن سعيد بن المسيِّب: أن الملاعن إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته . قال سفيان: فلَقِينا ابن أبي هند، فحدَّثَنا به عن سعيد بن المسیِّب(٢). قال أبو جعفر: وكان قولُه: ((رُدَّت إليه امرأتُه)) قد يحتمل أن يكون بتزويجٍ جديدٍ، وقد روي مثل قول سعيد هذا أيضاً عن إبراهيم النخعي . كما قد حدثنا سليمانُ بن شعيب الكَيْساني، قال: حدثنا أبي، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أنه قال: إنْ ضُربَ بعد ذلك - يعني الملاعِن - فهو خاطبٌ من الخطاب، يتزوَّجُها إن شاءَ وشاءَتْ(٣). (١) رجاله رجال الصحيح. يونس: هو ابن يزيد الأيلي. (٢) سفيان: هو الثوري، وروايته عن داود بن أبي هند في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٢٤٤٢)، وانظر (١٢٤٣١). (٣) رجاله ثقات. حماد: هو ابن أبي سليمان الكوفي، وإبراهيم: هو ابن يزيد النخعي الكوفي . 1 ٣٠٦ قال هذا القائل: وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب النبي ◌َّه أنهما لا يجتمعان أبداً. وذكر ما قد حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن الأعمش، عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب، أنه قال: لا يجتمعُ المُتلاعِنانِ أبداً (١). وما قد حدثنا سليمان، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِرِّ، عن علي مثله (٢). وما قد حدثنا سليمان، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن قيس، أراه أخبرنا عن عاصم، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله بن مسعود مثله(٣). والشك في عاصمٍ خاصةً، أراه سَقَطَ من كتابي. قال: فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه قد يجوز أن يكون يريدون بقولهم: لا يجتمعان، كانا على الحال التي (١) رجاله ثقات إلا أن إبراهيم النخعي لم يدرك عمر بن الخطاب. ورواه عبد الرزاق (١٢٤٣٣) عن الثوري ومعمر، عن الأعمش، بهذا الإسناد. (٢) زر: هو ابن حبيش. ورواه عبد الرزاق (١٢٤٣٦) عن قيس بن الربيع، بهذا الإسناد. (٣) قيس: هو ابن الربيع، وعاصم: هو ابن أبي النجود، وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة . ورواه عبد الرزاق (١٢٤٣٤) عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن أبي النجود، بهذا الإِسناد. ٣٠٧ فُرِّقَ بينهما عليها، كما حمل الزُّهري معنى(١) أبداً على مثل ذلك، فكان هذا القولُ أُولى بالقياس عندنا، لأنا قد وجدناهما في البدء للمرأة أن تطلُبَ الزوج حتى يُلاَنَ بينها وبينَه اللعانَ الذي يوجب الفُرْقَة بينهما، ووجدنا الزوج لو أُكْذَبَ نفسَه، فَحُدَّ في ذلك، ثم طلبت المرأةُ فِراقَه بقوله الذي كان منه لها، لم يكن لها ذلك، فكانت العلةُ التي لها يُلاعَنُ بينهما اللعانَ الذي يكون عنه الفرقة بينهما، هي ثبوتَ الزوج على ما كان منه إلى زوجته، وإن ذلك يزول بزوال تلك العلة، وبإقامة الحَدِّ عليه فيما يجب إقامته عليه، ويَثْبُتَانِ بعد ذلك زوجين كما كانا قبل ذلك القول، فكان مثلُ ذلك في القياس إذا فُرِّقَ بينهما بعد اللعان، أن يكون ذلك الحكم المانع أن يجتمعا قائماً بينهما ما كان مقيماً على القول الذي كان يوجب اللعان في البَدْءِ حتى تكون به الفرقة، وأن يكون إذا زال ذلك القولُ، ووَسِعَهُما أن يُقيما على ما كانا عليه قبل ذلك القولِ في البدء أن يكون بعد الفُرقةِ أيضاً كذلك، وأن يكون المانعُ من الاجتماع في المستأنَفِ هو الذي كان يوجب اللعانَ الذي يكون عنه ضدُّ الاجتماع، وأن يكون ذلك المعنى إذا زال، زال ما يمنعُهما من الاجتماع، والله عز وجل نسأله التوفيقَ. (١) في الأصل بعد كلمة ((معنى)) بياض قدر كلمة أو كلمتين. ٣٠٨ ٨٤٤ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله وله فيما قرأه لما تَعَارَّ من الليل مما رواه ابن عباس عنه من سورة (آل عمران) ٥٢٨٩ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا يحيى بن صالح الوُحَاظِي، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثنا شَريك بن أبي نُمِرٍ - يعني شريك بن عبد الله بن أبي نَمِرٍ - أن كُرَيْباً مولى ابن عباس، أخبره : أنه سمع ابنَ عباس، يقول: بتُّ ليلةً عند رسولِ اللهِ وَّر، فلما انصرف من العِشاءِ الآخِرةِ، انصرفتُ معه، فلما دخل البيتَ، رَكَعَ ركعتين خفيفتين، ركوعُهما مثلُ سجودِهما، وسجودُهما مثلُ قيامِهِما، وذلك في الشتاءِ، ورسولُ اللهِ وَّرَ في الحُجْرة، وأنا في البيتِ، قال: فقلتُ: والله لَأَرْمُقَنَّ الليلةَ رسول اللهِ وََّ، ولَأَنْظُرَنَّ كيف صلاتُه، قال: فاضطجع مكانه في مُصَلَّه حتى سمعتُ غَطِيطَه، قال: ثم تعَارَّ، فقام، فَظَرَ إلى السماءِ وفَكَّر، ثم قرأ الخمس الآيات من سورة آل عمران، ثم أَخَذَ سِواكاً فاستَنَّ، ثم خرج فقضى حاجته، ثم رجع إلى شَرِّ مُعَلَّقةٍ، فصَبَّ على يدِهِ، ثم توضأ ولم يُوقِظْ أحداً، ثم قام فَصَلَّى ركعتين، ركوعُهما مثل سجودِهما، وسجودُهما مثلُ قيامِهما، قال: فأراه صَلَّى مثل ما رَقَدَ، قال: ثم اضطجع مكانَه، فَرَقَدَ، حتى سمعتُ ٣٠٩ غطيطَه، ثم صَنَعَ ذُلك خمس مرارٍ، فصلى عشرَ ركعاتٍ، ثم أَوْتَر بواحدة، وأتاه بلالٌ، فَاذَنَه بالصبح، فصلَّى ركعتي الفجر، ثم خَرَجَ إلى الصُّبْح(١). قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أن الذي قرأه رسول الله وَّر من سورة (آل عمران) خمس آياتٍ منها، وهي من آخرها، وإن كان لم يذكر ذلك في هذا الحديث، فإنه قد ذكره في حديث مالك الذي ذكرناه في الباب الثالث من كتابنا هذا(٢) عن مخرمة بن سليمان، عن كريب: أن ابن عباس، أخبره: أنه بات عند ميمونة زوج النبيِّ وَ *، وأن رسول الله وَّ قام حتى إذا انْتَصَفَ الليلُ أو بعده بقليلٍ أو قبل بقليلٍ ، استيقظ ثم قرأ العشرَ الآيات الخواتم من سورة (آل عمران). وذكرنا في ذلك الباب أيضاً(٣) في حديث عليٍّ بن عبد الله بن العباس أنه قرأ: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرضِ﴾ حتى خَتَم السورةَ. فعَقَلْنا بذلك أن الذي كان قرأه من سورة (آل عمران) مما ذُكِرَ في الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب هو: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ (١) إسناده على شرط الشيخين. ورواه مختصراً البخاري (٤٥٦٩) و(٦٢١٥) و(٧٤٥٢)، ومسلم (٧٦٣) (١٩٠) من طريق محمد بن جعفر، عن شريك بن أبي نمر، بهذا الإِسناد. ولم يسق مسلم لفظه. وانظر لزاماً ((مسند أحمد)) (٢١٦٤) بتحقيقنا. (٢) بل هو فيه في الباب الثاني، ورقمه (١١). (٣) برقم (١٢). ٣١٠ والأرض﴾ إلى تمام الخمس الآيات منها، وهو قوله عز وجل: ﴿إِنَّك لا تُخلف الميعاد﴾. فقال قائلٌ: من أين جاءَ هذا الاختلافُ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن ذلك الاختلافَ إنما جاء مِن قِبَلِ رُواةٍ هذه الأحاديث ممن دُونَ رسولِ الله وَّر، وكان ما في الحديث الأوَّل الذي رويناه في هذا الباب، هو الذي يَقَعُ في القلوبِ أنه كان الذي قرأه رسول الله، لأنه إنما قرأ ما قرأ الْتِماسَ الدعاءِ والتفكّر المذكورَيْن في تلك الآيات، وكان ما بعدَ الخمس الآيات المذكور ذلك فيها ليس من ذلك المعنى في شيء، وإنما هو ذِكْرُ ما كان من الله عز وجل من استجابته للمذكورين في تلك الآيات، ثم ما سوى ذلك من غير هذا المعنى إلى خاتمة السورة، والله أعلم بحقيقة ما كان منه عليه السلام في ذلك، وإياه نسألُه التوفيقَ . ٣١١ ٨٤٥ - بابُ بيان مُشكِل ما رُوِيَ عن رسول الله والد من تَخييره الأعرابيَّ بعد ابتياعِه منه ما كان ابتاعه منه ٥٢٩٠ - حدثنا فهدُ بن سليمان، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سَعْد، قال: حدثني بعضُ من أُرْضى، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج، أن أبا الزُّبير حدثه عن جابر بن عبد الله، أنه قال: اشْتَرى النبيُّ وَلّر من أعرابيٍّ - قال: حَسِبتُ أن أبا الزبير قال: من بني عامر بن صَعْصَعَةَ - حِمْلَ قِرْطٍ أو حِمْلَ خَبَطٍ، فلما وَجَبَ له، قال له النبيُّ نَ: ((اخْتَرْ»، فقال الأعرابيُّ: إنْ رأيتُ مثلَ اليوم قطُّ بيعاً خُيِّرَ بائِعُه، ممن أنتَ؟ قال: ((من قُرَيْشٍ))(١). (١) عبد الله بن صالح - وإن كان سيىء الحفظ - قد توبع، والذي رضيه الليث بن سعد ولم يسمِّه هو يحيى بن أيوب الغافقي المصري، سُمِّي في رواية يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد عند البيهقي ٢٧٠/٥، ويحيى بن أيوب من رجال الشيخين إلا أنه ليس في المرتبة العليا من الصحة، بل هو صدوق لا بأس به، وباقي رجاله ثقات من رجال الشيخين غير أبي الزبير - وهو محمد بن مسلم بن تَدْرُس - فمن رجال مسلم، ولم يصرح هنا بالسماع من جابر رضي الله عنه. ورواه البيهقي ٢٧٠/٥ من طريق يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن = ٣١٢ قال أبو جعفر: وبعضُ الناس يَزْعُمُ أن الرجل الذي سَكَتَ الليث عن اسمه في هذا الحديث، هو عبد الله بن وَهْبٍ (١)، فكان بعضُ الناس ممن يذهبُ إلى أن للمتبايعين الخيارَ فيما يتبايعانه بعد تعاقدهما البيعَ حتى يتفرقا بعد البيع، يحتجُّ لِمَا يقولُ في ذلك بما في هذا الحديث، لأن في بعض ما رُوي في ذلك: أو يقولُ أحدُهما لصاحبه: اختَرْ اختَرْ. وقد ذَكَرْنا ذلك وما قد روي فيه، وما قاله أهلُ العلم فيه فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا(٢)، وكان فيما ذكرنا من ذلك تحقيقنا أن ذلك التخيير = يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، بهذا الإِسناد. ورواه الحاكم ٤٨/٢ من طريق موسى بن أعين، عن يحيى بن أيوب، به. ورواه ابن ماجه (٢١٨٤)، والترمذي (١٢٤٩)، والحاكم ٤٩/٢، وعنه البيهقي ٢٧٠/٥ من طرق، عن عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، به. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي - وروايته مختصرة -: صحيح غريب، كذا في ((تحفة الأشراف)) ٣٢٣/٢، وفي المطبوع. حسن غريب، وفي بعض النسخ: حسن صحيح غريب، انظر ((تحفة الأحوذي)) ٢٤٤/٢ . ويشهد له حديث ابن عباس ومرسل طاووس الآتيان بعد قليل. القِرْط: قال في ((القاموس)): بالكسر: نوع من الكُرّاث، يُعرف بكُرَّات المائدة، وبالضم: نبات كالرَّطْبة، إلا أنه أجلُّ منها. والخَبَط: اسم من الخَبْط: وهو ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقُها، واسم الورق الساقط بفتحتين: وهو من علف الإِبل. (١) الصواب أنه يحيى بن أيوب كما سلف آنفاً. (٢) انظر الباب رقم (٨٣١). ٣١٣ مما يُعْقَدُ البيعُ عليه، وينقطعُ بتمام العقد، واحتَجَجْنا لذلك بحديث الليث الذي رواه في ذلك عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َ ◌ّ من قوله: ((أو يُخيِّر أحدُهُما الآخر، فإذا خَيَّرَ أحدُهما الآخرَ وتبايعا عن ذلك، فقد وَجَبَ البيعُ)). فحقَّقْنا أن ذلك التخييرَ مَما يعقد البيع عليه ليس على تخيير يكون من أحدٍ المتبايعَيْن صاحبَه بعد البيع، فكان ما في هذا الحديث الذي رويناه في هذا الباب، فلما وَجَبَ - يعني المبيع - قال له النبي ◌ِّ - يعني الأعرابي -: ((اختَرْ)). فكان في ذلك ما قد دَلَّ على وجوب البيع بينهما قبل ذلك التخييرِ. فقال قائل: فما كان معنى تخيير النبي ◌َّ المذكور في هذا الحديث للأعرابيّ الذي خَيَّه فيه؟ فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن ذلك كان منه وَّ للذي قد رواه أبو هريرة عنه. ٥٢٩١ - مما قد حدثنا محمد بن حَرْب المدني أبو عبد الله، قال: حدثنا إسحاق بن محمد الفَرْوِي، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال النبي وَله: ((مَنْ أَقالَ نادِماً بَيْعَتَهِ، أَقَالَهُ الله عز وجل عَثْرَتَه يومَ القِيامَةِ))(١). : (١) محمد بن حرب المدني أبوعبد الله وإن لم أقع على ترجمته فيما بين يدي من المصادر، قد توبع، وإسحاق بن محمد الفَرْوي: صدوق، من رجال البخاري، = ٣١٤ = وأنكروا عليه تفرُّده بأحاديث رواها عن مالك لم يتابع عليها، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. سُمي: هو مولى أبي بكربن عبد الرحمن بن هشام. ورواه ابن حبان (٥٠٢٩) عن أبي طالب أحمد بن داود بن هلال، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٤٥٣) من طريق أبي الطيب عمروبن إدريس الغَيْفي، كلاهما عن محمد بن حرب المدني، بهذا الإِسناد. ورواه القضاعي أيضاً (٤٥٣) من طريق ابن الأعرابي، عن محمد بن صالح، عن إسحاق الفروي، به. ورواه القضاعي (٤٥٤) من طريق أبي عبد الله محمود بن علي القزويني بدمياط، أخبرنا أبو عبيد الله المفضل بن محمد بن حرب بمدينة الرسول وَلا*، حدثنا أبي، به. دون قوله: ((بیعته)). ورواه كذلك البيهقي ٢٧/٦ من طريق جعفر بن أحمد بن سام وعلي بن عبد العزيز، كلاهما عن إسحاق بن محمد الفروي، به. ورواه الحاكم في ((علوم الحديث)) ص١٨، وعنه البيهقي ٢٧/٦ من طريق الحسن بن عبد الأعلى الصنعاني، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن واسع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وأعلَّه الحاكم بالانقطاع في موضعين، بين معمر ومحمد بن واسع، وبين محمد بن واسع وأبي صالح. ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣٤٥/٦، والبيهقي ٢٧/٦ من طريق عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن إسحاق بن محمد الفروي، عن مالك بن أنس، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من أَقال مسلماً عثرته ... )). ورواه أحمد ٢٥٢/٢، وأبو داود (٣٤٦٠)، وابن حبان (٥٠٣٠)، والحاكم ٤٥/٢، والبيهقي ٢٧/٦، والخطيب في ((تاريخه)) ١٩٦/٨ من طريق حفص بن غياث، وابن ماجه (٢١٩٩) من طريق مالك بن سعيد، كلاهما عن الأعمش، عن = ٣١٥ فخَيَّرَ النبيُّ وَّرَ ذلك الأعرابيَّ فيما كان ابتاعه منه، ليكونَ له ثوابُ مُقِيلِ نادمٍ فيما باع المذكور ذلك الثوابَ في هذا الحديث إن كان نادماً فيما باعه إياه، وقد روي أن ذلك الابتياع الذي كان من النبي ﴿﴿ لبائعه ذلك المَبيعَ، كان في بيعٍ تبايعاه قبل أن يُبْعَثَ النبيُّ ◌َِّهِ، وقبل أن يُنَبَّأَ. ٥٢٩٢٠ - كما حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا نُعَيْم بن حَمَّاد، قال: حدثنا ابنُ المبارك، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاووس عن أبيه، قال: ابتاعَ النبيُّ وَّهِ قبلَ النبوةِ من أعرابيٍّ بعيراً، أو غير ذلك، فقال له النبيُّ نَّهِ بعدَ البيع: ((اخْتَرْ»، فنظر الأعرابيُّ، وقال له: لعمرك الله، من أنت؟ فلما كان الإِسلامُ، جَعَلَ النبيُّنَّ الخيارَ بعد البيع(١). ففي ذلك ما قد دَلَّ أن ما كان من رسول الله وَّهِ قبلَ أن تكونَ الأحكامُ والشرائعُ، فقال هذا القائل: فإن في هذا الحديث: ((فلما كان = أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من أقال مسلماً عثرته ... )). وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. (١) رجاله رجال الشيخين غير نعيم بن حماد، فمن رجال البخاري، وقد توبع. ابن المبارك: هو عبد الله، وابن طاووس: اسمه عبد الله أيضاً. ورواه البيهقي ٢٧١/٥ من طريق أحمد بن منصور، عن عبد الرزاق، عن معمر، بهذا الإِسناد. ورواه الشافعي في ((المسند)) ١٥٥/٢، ومن طريقه البيهقي ٢٧٠/٥-٢٧١ عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن طاووس، به. ٣١٦ الإِسلامُ، جَعَلَ النبيُّ نَِّ الخيارَ بعد البيع)). فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونِه: أن ذلك الخيارَ قد يحتمل أن يكون على الاختيار لا على الوجوب، ويكون الملتمسُ في ذلك هو الملتمس فيما قد ذكرناه في تأويل الحديث الذي قد ذكرناه في أول هذا الباب، والله نسأله التوفيق. وقد روي عن ابن عباس، عن رسول الله مر في هذا المعنى أيضاً ٥٢٩٣ - ما قد حدثنا أحمدُ بن داود بن موسى، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، قال: حدثنا أبو داود، عن سليمان(١) بن معاذٍ، قال: حدثني سماك بن حربٍ، عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله لَّهِ بَايَعَ رجلاً، فلما تبايعا، قال له: ((اخْتَرْ))، قال: قد اخترتُ، قال رسول اللهِ وَّ: ((هكذا البَيْعُ))(٢). فقال الذين يذهبون إلى وُجوب الخِيار للمتبايعين بعد البيع، أو يخير أحدهما صاحبه: قد دَلَّ هذا الحديثُ على مذهبنا هذا، ووكَّده قولُ النبي ◌َّ ه: ((هكذا البيع))، ولم يكن في هذا الحديث عندنا زيادةٌ (١) تحرف في الأصل إلى: ((سليم))، وسليمان هذا: هو سليمان بن قَرْم بن معاذ التميمي الضبي، وأبو داود - وهو سليمان بن داود الطيالسي - ينسبه إلى جده. (٢) حسن لغيره، وهذا إسناده ضعيف، سليمان بن معاذ سىء الحفظ، وسماك بن حرب في روايته عن عكرمة اضطراب، ويشهد له حديث جابر السالف في أول الباب، ومرسل طاووس. ٣١٧ على ما ذكرناه من معنى الحديث الأول، وكان معنى قوله واصلت: ((هكذا البيعُ)) محتملاً أن يكون هكذا البيع الذي يبيع الناسُ أن يُجْرُوا بِياعاتِهم عليه من تخيير بعضهم بعضاً فيها، حتى يُصِيبوا بذلك المعنى الذي في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في هذا الباب في إقالة النادم بيعتَه، وبالله التوفيق. ٣١٨ ٨٤٦ - بابُ بيانِ مُشكِلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله وعليه في أمره عمرَ أو عُميراً مولى آل آبي اللَّحمِ لما سأله ما سأله من غنائم خيبر أن يتقلَّد السيفَ قبل أن يأمرَ له بشيءٍ منها ٥٢٩٤ - حدثنا يونس، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عثمان بن الحكم الجُذَامِي، عن محمد بن زيد بن مُهاجر، أنه حدثه، قال: حدثني عُميرٌ مولى آل آبي اللَّحمِ، قال: كنتُ مع رسول الله ◌ِ﴾. حين افتَتَحَ خيبرَ، فقُمتُ، فقلت: يا رسول الله سهمي، فقال: ((خُذْ هذا السَّيْفَ فتَقَلَّذْه)). قال: فتقلَّتُه، فخطَّتْ نعلُه، قال: فأمر لي من الخُرْئِيِّ، قال عثمان: فقلتُ له: وكان يومئذٍ عبداً؟ قال: لا أدري، حق ما قيل حق(١). 1 (١) إسناده جيد، عثمان بن الحكم الجُذامي: صدوق، روى له أبو داود والنسائي، وباقي رجاله ثقات من رجال الصحيح. ورواه أحمد ٢٢٣/٥ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، والدارمي ٢٢٦/٢، والبيهقي ٣٣٢/٦ من طريق حفص بن غياث، كلاهما عن محمد بن زيد بن مهاجر، بهذا الإِسناد. نعل السيف: الحديدة التي تكون في أسفل الغِمْد. ٣١٩ = ففي هذا الحديثِ: أن رسول الله وَلّ أمر هذا الرجلَ المذكورفيه أن يتقلَّدَ السيفَ، وأنه لما تقلَّدَه خَطَّتْ نعلُه في الأرض، فأمر له من الخُرْئِيِّ، بما أَمر له به منه. فتأمَّلنا هذا الحديث لنقفَ على المعنى الذي من أجله أُمر رسول الله ◌َّ أن يتقلَّدَ السيفَ، مع تركه أمرَ غيره من الناس ممن كان معه حينئذٍ بذلك(١)، لنقفَ على المراد به إن شاءَ الله، فَنَظَرْنا: هل كان في ذلك الرجل معنى يَبِينُ به من غيره ممن كان حينئذٍ حاضراً لذلك لفتح؟ ٥٢٩٥ - فوجدنا عليَّ بن معبدٍ قد حدثنا، قال: حدثنا أبو نُوح عبد الرحمن بن غَزْوان، قال: حدثنا هشام بن سعدٍ، عن محمد بن زيد بن مُهاجر عن عُمير - مولى آبي اللَّحم - قال: جئتُ رسولَ اللهِ وَلّهِ وهو بخيبر وعنده الغنائمُ، وأنا عبدٌ مملوك، فقلت: يا رسول الله، أَعْطِني، قال: (تقَلَّد السَّيفَ))، فتقلَّدْتُه، فوقَعَ بالأرضِ، فأعطاني من خُرْبِيِّ المتّاعِ (٢). فَوَقَّفْنا بما في هذا الحديث على أن ذلك الرجل كان عبداً، وكانت سُنَّتُهُ وَّ في العبيد إذا حَضَروا القتالَ أن لا يَضرِبَ لهم بسهمٍ، ولكن = والخُرْثِيُّ: أثاث البيت ومتاعه. (١) في الأصل: مع ذلك. (٢) إسناده حسن، ورجاله رجال الصحيح. ورواه ابن ماجه (٢٨٥٥) من طريق وكيع، عن هشام بن سعد، بهذا الإِسناد. ٣٢٠