النص المفهرس
صفحات 241-260
فكان في هذا الحديث من قول رسول الله بَّ في سؤاله قوم ماعزٍ عنه: ((هل تُنكرون من عقله شيئاً؟))، ولم يُخَصِّصْ في ذلك سبباً مما ينكر به عقلُه من سُكْرٍ ومِنْ غيره، عقَلنا بذلك: أنَّه إذا أُنْكِرَ من عقله شيءٌ، خرج به من أحكام الأصحَّاء المقبولةِ إقراراتُهم إلى من سِواهم ممن لا يُقبل إقرارُه، وأنه يستوي في ذلك حكمُ الأسباب التي بها يُنكِر من عقولٍ أصحابها ما يُنكِرِ من الجنون، ومِن غيره، وفي ذلك دخولُ السُّكْرِ في ذلك المعنى، ووجدنا عن رسول الله وَّ أيضاً في أمر ماعزٍ ما يَزِيدُ على ما في هذا الحديث. ٤٧٧٩ - وهو ما قد حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرني إبراهيمُ بنُ يعقوب بن إسحاق الجُوزجَاني، قال: حدَّثني يحيى بنُ يعلى بن الحارث، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدثنا غيلانُ بنُ جامعٍ ، عن علقمة بن مَرْئَد، عن سليمانَ بن بريدة عن أبيه، قال: جاءَ ماعِزُ بنُ مالكٍ إلى النبيِّي وَ﴿، فقال: يا رسولَ الله طَهِّرْني، فقال: ((وَيْحَكَ، ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ الله، وتُبْ إليه))، ثم جاءَهُ، فقال: يا رَسول الله طَهِّرْني، فقال: ((وَيْحَكَ، ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ الله عز وجلَّ، وتُبْ إليه))، فَرَجَع غيرَ بعيدٍ، ثم جاء، فقال: يا رسولَ = ورواه ابن أبي شيبة ٧٣/١٠، ومسلم (١٦٩٥) (٢٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧١٦٧) و(٧٢٠٢)، والحاكم ٣٦٢/٤، والبيهقي ٢٢١/٨ من طرق عن بشيربن المهاجر، بهذا الإِسناد. وبعضهم يزيد عليه قصة الغامدية. ورواه أبو داود (٤٤٣٤) من طريق أبي أحمد الزبيري، عن بشيربن المهاجر، به، مقتصراً على قول بريدة في آخر الحديث. وانظر ما بعده. ٢٤١ الله طَهِّرني، فقال النبيُّ ◌َهُ مثلَ ذلك، حتى إذا كانتِ الرّابعةُ، قال له النبيُّ وََّ: ((مِما أَطَهِّرُكَ؟)) قال: مِن الزِّنى، فسألَ النبيُّ ◌َّ: ((أَبِهِ جُنونٌ؟)) فأخْبر أنه ليس بمجنونٍ، فسأل: ((أَشَرِبْتَ خمراً؟)) فقام رجل، فاستَنْكَهَهُ، فلم يجد فيه ريحَ خمرٍ، فقال النبيُّ ◌َله: ((أَثَيِّبُ أَنت؟)) قال: نعم، فأمر به فَرُجِمَ (١). فكان في هذا الحديث الكشفُ عن أحوالٍ ماعزِ التي بها يندفعُ (١) إسناده صحيح. إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني روى له أبو داود والترمذي والنسائي، وهو ثقة حافظ، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير غيلان بن جامع وسليمان بن بريدة، فإنهما من رجال مسلم. وهو في ((السنن الكبرى)) للنسائي (٧١٦٣). ورواه مسلم (١٦٩٥) (٢٢) عن محمد بن العلاء الهمداني، والبيهقي ٢١٤/٨ من طريق جعفربن محمد الصائغ، كلاهما عن يحيى بن يعلى، بهذا الإِسناد. لكن سقط يعلى بن الحارث أبو يحيى من مطبوعة مسلم. وأثبت في ((التحفة)) ٧٣/٢-٧٤. قال النووي في ((شرح مسلم)) ٢٠٠/١١: هكذا في النسخ: عن يحيى بن يعلى، عن غيلان، قال القاضي: والصواب ما وقع في نسخة الدمشقي: عن يحيى بن يعلى، عن أبيه، عن غيلان ... ثم ذكر تتمة كلام القاضي عياض، وقال بعده: وهو صحيح كما قال، ولم يذكر أحد سماعاً ليحيى بن يعلى هذا من غيلان، بل قالوا: سمع أباه وزائدة. وعلقه البخاري (٥١٢٧) من طريق يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، به. وروى أبو داود (٤٤٣٣) عن محمد بن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن يعلى، به أن النبي وَّر استنكه ماعزاً. قوله: فاستنكهه، أي: شمَّ نكهته ورائحة فمه، هل شرب الخمر أم لا؟ وانظر ما قبله ٢٤٢ عنه إقرارُه بالزِّنى، ووجوبُ الحدِّ به عليه، وأنَّ السُّكرَ منها، وأن ذلك السكرَ هو السكرُ الذي ذكرناه عن أبي يوسف، لا السُّكر الذي ذكرناه عن أبي حنيفة. وفي ذلك ما قد دَلَّ على أن السَّكرانَ الذي معه التخليطُ الذي لا يملكه من نفسه فيدخل بذلك في أحكام من معه ذلك التخليط بالجنونِ، فيكون في أحكامه فيما كان سبَيُّه السكرُ كالمجنونِ في أحكامه مما يُشبه الجنونَ الذي هو به، ثم طلبنا الوجه في ذلك من أقوالٍ أصحابِ رسولِ الله ◌ِ ال ال فوجدنا الربيعَ بنَ سليمانَ المراديَّ قد حدَّثَنا، قال: حدثنا خالدُ بنُ عبد الرحمن الخراساني، قال: حدثنا ابنُ أبي ذئب، قال: حدثنا الزهري، قال: أتيَ عمرُ بنُ عبد العزيز بسكران، فقيل: إنه طَلَّقَ امرأتَه، فكان رأيُ عمرَ أن يجلدَه، وأن يُفَرِّقَ بينه وبينها، فحدثه أبانُ بنُ عثمانَ أن عثمانَ قال: ليس للمجنون ولا للسكران طلاقٌ، فقال عمرُ: هذا يخبرني عن عثمان، فجلده وردَّ امرأتَه. قال الزُّهريُّ: فذكرته لرجاء بن حيوة، فقال: قرأ علينا عبدُ الملكِ بنُ مروان كتاباً مِن معاوية فيه السنن: أنَّ كلَّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاقَ المجنون(١). (١) رجال السند الأول ثقات رجال الصحيح غير خالد بن عبد الرحمن الخراساني، فقد روى له أبو داود والنسائي، وهو ثقة، وثّقه ابن معين، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: لا بأس به، وقول الحافظ في ((التقريب)): له أوهام من تهويلاته. وفي السند الثاني عبد الملك بن مروان، قال الحافظ في ((التقريب)): كان طالب = ٢٤٣ فقال قائل: فقد رويتَ عن عثمانَ ما قد رويتَه في هذا الباب، ورويتَ فيه عن معاويةَ ما يُخالِفُه فيه، وقد رُويَ مثلُ ذلك عن علي بن أبي طالب عليه السَّلامُ فذكر ما قد حدثنا إبراهيمُ بن مرزوقٍ، قال: حدثنا بشربنُ عمرَ الزهرانيُّ، قال: حدثنا شعبةُ، عن سليمانَ الأعمش، قال: سمعت إبراهيمَ، عن عابس بن ربيعة. أن علياً عليه السَّلامُ، قال: مَنْ طَلَّق، أُجَزنا طلاقَه إلا طلاقَ المعتوه(١). = علم قبل الخلافة، ثم اشتغل بها فتغير حاله. ورواه البيهقي ٣٥٩/٧ من طريق شبابة بن سوّار، عن ابن أبي ذئب، بهذا الإِسناد. ورواه أبو زرعة في ((تاريخ دمشق)) (١٣٤٢)، ومن طريقه ابن حجر في ((تغليق التعليق)» ٤٥٤/٤-٤٥٥عن آدم، عن ابن أبي ذئب، به. ورواه ابن أبي شيبة ٣٩/٥ عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبان بن عثمان، عن عثمان، قال: كان لا يجيز طلاق السكران والمجنون، قال: وكان عمربن عبد العزيز يجيز طلاقه، ويوجع ظهره حتى حدثنا أبان بذلك. وروى قول عثمان عبدُ الرزاق (١٢٣٠٨) عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبان، عن عثمان. وقال بإثره: وذكره عبد الوهاب، عن الثوري، عن ابن أبي ذئب. وعلقه البخاري ٣٨٨/٩ في كتاب الطلاق: باب الطلاق في الإِغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره من طريق عثمان رضي الله عنه. (١) رجاله ثقات رجال الشيخين. ٢٤٤ وما قد حدَّثنا عليُّ بنُ شيبةَ، قال: حدثنا أبو نُعيم، قال: حدثنا سفيانُ، عن الأعمش ، عن إبراهيمَ، عن عابس بن ربيعة عن علي، قال: كُلُّ طلاقٍ جائزٌ، إلا طَلاقَ المعتوهِ(١). = ورواه عبد الرزاق (١٢٢٧٧)، وابن أبي شيبة ٣١/٥، والبغوي في ((الجعديات)) (٧٦٤) و(٧٦٦)، والبيهقي ٣٥٩/٧، وابن حجر في ((التغليق)) ٤٥٩/٤ من طرق عن الأعمش، بهذا الإِسناد. ورواه البيهقي ٣٥٩/٧ من طريق يعقوب بن سفيان، عن قبيصة، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، يعني عن أبيه، عن علي رضي الله عنه. ورواه ابن أبي شيبة ٣١/٥، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن إبراهيم، قال: قال علي ... ورواه عبد الرزاق (١٢٢٧٦) عن الثوري، عن أبي إسحاق، عمن سمع علياً يقول ... وعلقه البخاري ٣٨٨/٩ في كتاب الطلاق: باب الطلاق في الإِغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره من طريق علي رضي الله عنه. وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً، رواه الترمذي (١١٩١) من طريق عطاء بن عجلان، عن عكرمة بن خالد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ ان: ((كل طلاق جائز، إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله))، وقال الترمذي بإثره: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيف ذاهب الحديث. (١) رجاله ثقات رجال الشيخين. أبو نعيم: هو الفضل بن دكين، وسفيان: هو الثوري. ورواه البيهقي ٣٥٩/٧ من طريق يعقوب بن سفيان، عن أبي نعيم، بهذا= ٢٤٥ وكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّ الذي رويناه عن علي، وعن معاوية ليس بمخالفٍ لما رويناه عن عُثمان مما ذكرنا، لأن العَتَهَ قد يكون من الجُنونِ، وقد يكون من السُّكْرِ كما يكونُ من الجنون، فعادَ معنى قولِهما في ذلك إلى قولٍ عُثمان فيه. فقال قائل: إن السَّكرانَ، وإن كان قد ذَهبَ عقلُهُ بسُكره، فهو الذي أدخل السُّكْرَ علی نفسه بفعله، فلم یکُنْ إذ كان كذلك كالمجنون الذي دَخَلَ عليه الجُنونُ مِن غيرِ فعله. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّا رأينا المجنونَ لا تَختلِفُ أحكامُه في حالٍ جُنونه باختلافِ أسباب جنونه في أن يكونَ بأفعاله وفي أخذه أشياءَ كانت أسباباً لِذهاب عقلِهِ، وفي حدوث الجنونِ به مما لا سببَ له فيه في لزومِ أحكامِ المجانين إِيَّهُ في سقوطِ الفروض عنهُم، وفي ارتفاع العَمْدِ عنهم في جناياتِهم في القتلِ حتى لا يكونَ عليهم فيه قَوَدٌ، وحتّى يكون دياتُ من قُتِلُوا على عواقِلهم، ولمَّا كان ذلك كذلك، وكان المُراعَى في ذهاب عقولٍ الأصحاءِ ذهابَ عقولهم لا الأسبابَ التي كانت أسباباً لِذهاب عقولهم، كان كذلك السكرانُ: يكون عليه ذهابُ عقلِهِ لا السببُ الذي كان به ذهبَ عقلُه، فيكون بذهاب عقله له حكمُ من لا عقلَ له، ولا يُراعى في ذلك اختلافُ أسباب ذهاب عقلِهِ، ومثلُ ذلك أيضاً ما قد أجمع = الإسناد. ورواه البغوي في ((الجعديات)) (٧٦٥) و(٢٥٤٩)، وابن حجر في ((التغليق)) ٤٥٨/٤ من طريقين، عن سفيان، به. وانظر ما قبله. ٢٤٦ عليه في الصحيح المطيقِ للصلاة قائماً الذي فَرَضَ الله عز وجل عليه أن يُصلِّيَهَا كذلك لو كسر رِجْلَه حتى عاد عاجزاً عن القيام للصلاةِ، وأن يُصليها كذلك، أن فرضَه أن يُصليها قاعداً على ما يُطيقُ صلاتَها عليهِ، وأن ذلك مما يكون حكمه فيه في العجز عن القيام وصلاته، كذلك في حكم العجزِ عن القيام بما يَحِلَّ به مما يُعيده إلى تلك الحالِ مِن أفعالِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ به، ثم من أفعالِ عبادِه مثلَه به، وأنه لا يجبُ عليه قضاءُ الصَّلاةِ قائماً، وإن عاد إلى القُدرةِ على ذلك، وفيما ذكرنا دليلٌ على أنَّ طلاقَ السَّكرانِ وسائرَ أقواله وسائرَ أفعالِهِ يعودُ إلى أحكامِ أقوالِ ذاهبي العقولِ سواه. وإلى أحكام أفعالِ ذاهبي العُقول سواه، وهذا خلافُ ما كان أبو حنيفة وأصحابُه والشافعيُّ يقولونه فيه، وخلافُ ما كان مالكٌ يقولُه فيه من إجازتهم طلاقَه، غير أن مالكاً قال: لو علمتُ أنه لم يَكُنْ يَعْقِلُ، ما أجزت طلاقه، فكأنه أعذرُ من غيره في ذلك، لا أنه قد كان يلزمه أن لا يُطَلِّقَ بالشكِّ حتى يعلمَ باليقين وجوبَ الطلاق، لأن ما عُلم يقيناً لم يرتفع إلا بما يزيله يقيناً، كذلك فرائض الله عز وجل على عباده في صلواتهم، وفيما سواها من عباداتهم، وما رأينا فقيهاً ممن ينسب إليه النظرُ من أهل الفِرَقِ إلا على ما ذكرناه، وهو القولُ عندنا الذي لا يجوز خلافُه، ولا يسعُ ذا فهم أن يتقلَّد غيرَه. والله نسأله التوفيق. ٢٤٧ ٧٥٢ - بابُ بيان مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله واليوم من سرورِهِ بقولِ مجزِّزٍ المُذْلچِي في زيد بن حارثة وأسامة ابنِه لمَّا رأى أقدامَهما باديةً ووجوهَهما مغطاةً: إن هذه لأقدامٌ بعضُها من بعض ٤٧٨٠ - حدثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدثنا ابنُ عُيينة، عن الزُّهري، عن عُروة عن عائشة: دخل مجزِّزُ المُدْلجِيُّ على رسولِ اللهِ وَ ل ◌َ فرأى أسامةً وزيداً، وعليهما قطيفةٌ قد غطّيًا رؤوسَهما، فقال: إنَّ هُذه لَأَقْدَامُ بعضُها مِن بعض، فدخل عليَّ رسولُ اللهِ وَِّ مسروراً (١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه عبد الرزاق (١٣٨٣٤)، والحميدي (٢٣٩)، والبخاري (٦٧٧١)، ومسلم (١٤٥٩) (٣٩)، وأبو داود (٢٢٦٧)، والترمذي (٢١٢٩)، والنسائي ١٨٤/٦-١٨٥، وابن ماجه (٢٣٤٩)، وابن حبان (٧٠٥٧)، والدارقطني ٢٤٠/٤، والبيهقي ٢٦٢/١٠، والبغوي (٢٣٨١) من طرق، عن سفيان بن عيينة، بهذا الإِسناد. ورواه عبد الرزاق (١٣٨٣٣) و(١٣٨٣٦)، وأحمد ٢٢٦/٦، والبخاري (٣٥٥٥) و(٣٧٣١)، ومسلم (١٤٥٩)، وابن حبان (٤١٠٣)، والدارقطني ٢٤٠/٤، والبيهقي ٢٦٢/١٠ و٢٦٢-٢٦٣ من طرق، عن ابن شهاب الزهري، به. ٢٤٨ ٤٧٨١ - حدثنا يونس، قال: حدثنا شعيبُ بنُ الليث بن سعد، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة أنَّها قالت: دَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ لَّهِ تَبْرُقُ أساريرُ وجهه، فقال: ((ألم تَرَي أن مُجَزِّزاً نَظَر آنِفاً إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، فقال: إنَّ بَعْضَ هذه الأقدام لَمِن بعض))(١). فقال قائل: لَوْ لم يَكُنْ في القافَةِ إلا ما في هذ الحديثِ، لكان فيه ما قد دَلَّ أنَّ مع أهلها بها علماً. هذه معاني ألفاظه، وإن لم تكن ألفاظنا ألفاظه. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجلَّ وعونِهِ أنا لم نُنْكِرْ أنَّ مع أهلِ القيافة بالقيافة علماً، ولكنه ليس من العلوم التي يُقطع بها فيما تذهب أنتَ إلى أنه يُقْطَعُ بها فيه من الأنساب المُدَّعَاةِ المختلف فيها، وإنما هي عندنا كعلم التُّجارِ بالسِّلَعِ التي يتباينون ومَن سواهم في معرفة أجناسِها، وفي معرفة بلدانها، فيقول هذا: هي من بلد كذا، ويقول هذا: هي من بلد كذا، فيختلفون في بُلدانِها التي صنعت فيها، ويتبين ذوو العلم منهم فيما يقولونه في ذلك بالإضافة فيما يقولونه فيه، وحتى يقولَ بعضُهم: هي من صنعة فلان، فيصيب (١) إسناده صحيح على شرط مسلم، شعيب بن الليث من رجاله، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. ورواه أحمد ٨٢/٦، والبخاري (٦٧٧٠)، ومسلم (١٤٥٩)، وأبو داود (٢٢٦٨)، والترمذي (٢١٢٩)، والنسائي ١٨٤/٦، وابن حبان (٤١٠٢)، والدارقطني ٢٤٠/٤ من طرق، عن الليث، بهذا الإِسناد. وانظر ما قبله. ٢٤٩ بذلك حقيقة الأمر في ذلك، وليسَ ذلك مما يجبُ أن يُستعمل به حكمٌ، ولكنه علمٌ يعلمُه قومٌ، ويجهلُه آخرون. فمثل ذلك القيافةُ التي يتباينُ الناسُ فيها، فيعلمها بعضُهم ويجهلُها بعضُهم، ويُضيفها بعضهم إلى صانعٍ بعينه، كما يُضيف القائفُ الولد إلى رجلٍ بعينه، وكما كان لا يجوزُ أن تحكُّمَ بالسِّلعة المدعاة بشهادةِ من شهد أنَّها مِن عملِ فلانٍ أحدُ من يَدَّعيها بغيرِ حضورٍ منه لِوقوعه على عمله إيَّاها، فمثلُ ذُلك الولدُ لا يجبُ أن يُحكم به بقولِ القافةِ : إنه من نُطفةِ ذلك الرجل الذي لم يره قَطُّ قَبْلَ ذلك الوقتِ، ولم يَسْمَعْ منه إقراراً بما أضافه إليه يَكُونُ ما يقولُه في ذُلك علماً يَتْبَيِّنُ به عن غيرهِ ممن لا علم معه بمثله، ويجوزُ لمن يقعُ في قلبه مثل ذلك، أو من قد علم حقيقة الأمر فيه قبلَ ذلك أن يسرّ به، ولا يكونُ مع شيء من ذلك وجوب القضاء، ولا وجوبُ الحكم به، ولو وجبَ أن يُستعملَ ذلك فيما ذكرنا، لوجب أن يُستَعْمَلَ في قفو الآثارِ التي يتبيَّنُ أهلُ العلم بها بما يعلمون منها، فيكون مَنْ قال لِعبده: إن دخلتَ موضع كذا اليومَ، فأنت حرّ، فَيَدَّعي العبدُ بعدَ مُضي ذلك اليوم أنه قد كان دخل في ذلك اليوم، ويُكذبه مولاه في ذلك، ويشهدُ جماعةٌ من أهلِ العلم بقفو الآثار على أَثَرِ قدمٍ يرى في ذلك المكان أنها قدمُ ذُلك العبد أن يحكموا بقولهم، وأن يعتقوه على مولاه بذلك، أو يكون مولاه قال له: إن كنتَ دخلتَ هذه الدارَ قبل قولي هذا، فأنتَ حُرُّ، فيدَّعِي العبدُ أنه قد كان دخلها قبل ذلك، ويُنْكِرُ ذلك مولاه، ويشهد على ذلك جماعةٌ مِن القافة، فيشهدون: أن هذه قدمُه أن يحكم بذلك، وأن يعتقوه على مولاه. ٢٥٠ فمما قد روي مما كان يُستعمل فيه قفوُ الآثار ٤٧٨٢ - ما قد حدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا أبو غسان مالكُ بنُ إسماعيل النَّهديُّ، قال: حدثنا زهيرُ بنُ معاوية، قال: حدثنا سِماكُ بنُ حرب، عن معاوية بنِ قُرَّة عن أنس بن مالك، قال: أتى رسولَ الله نفرٌ من حيٍّ من أحياءٍ بني فلان، فأسلموا وبايعوه، وقد وقع المُومُ، (وهو البِرْسامُ)، فقالوا: يا رسولَ الله هذا الوجعُ قد وقع، فلو أذِنْتَ لنا خرجنا إلى الإِبلِ ، فكنا فيها، فقال لهم: ((اخْرُجُوا، فكونوا فيها))، فخرجوا، فقتلوا أحدً الراعيين، وذهبوا بالإِبلِ، وجاء الآخرُ قد جُرِحَ، فقال: قد قَتَلُوا صَاحِبي وذهبوا بالإِبلِ، قال: وعنده شبابٌ من الأنصارِ قريبٌ من عشرين، فأرسلهم إليهم، وبعث معهم قائفاً يقتصُّ أَثَرَهُم، فأتاهم، فَقَطَعَ أيديّهُم وأرجُلَهم، وسَمَرَ أعيُنَهم(١). (١) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير سماك بن حرب، فمن رجال مسلم، وهو صدوق حسن الحديث في روايته عن غير عكرمة. وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)» ١٨٠/٣ بإسناده ومتنه. ورواه مسلم (١٦٧١) (١٣) عن هارون بن عبد الله الحمال، عن أبي غسان، بهذا الإسناد. ورواه ابن حبان (١٣٨٧) من طريق شريك بن عبد الله، عن سماك، به، مختصراً. وهو مکرر (١٨١٨). والموم: فسر في الحديث بالبرسام، والبرسام: هو ذات الجنب، وهو التهاب في الغشاء المحيط بالرئة. ٢٥١ قال: وفي إجماعهم أنهم لا يستعمِلُون أقوالَ القافةِ فيما ذكرنا ما قد يلزمهم به أن لا يستعمِلُوا أقوالَهم فيما قد ذكرناه قبل ذلك في هذا الباب . فإن قال قائل: قد كان عمرُبنُ الخطّاب رضي الله عنه استعمل أقوالَهم في الأنسابِ، وقضى بها فيها. وذكر ما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدثنا وهبُ بنُ جریرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن تَوْبَة العنبريِّ، عن الشعبيِّ عن ابن عمر: أن رَجُلَيْن اشتركا في طُهْر امرأةٍ، فولدت، فدعا عُمَرُ القَافَةَ، فقالوا: أَخَذَ الشَّبَهَ منهما جميعاً، فجعله بينهما (١). وما قد حدَّثنا عليُّ بنُ شيبة، قال: حدثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا هَمَّامُ بنُ يحيى، عن قتادة عن سعيد بن المسيّب: أن رَجُلَيْن اشتركا في طُهْر امرأةٍ، فَوَلَدَتْ لهما ولداً، فارتفعا إلى عُمَرَ بن الخطاب، فدعا لهما ثلاثةً من القافةِ، فدعا بترابٍ، فوطِىءَ فيه الرَّجُلانِ والغلامُ، ثم قال لأحدهم: انظر، فنظر، فاستقبل، واستعرض، واستدبر، ثم قال: أسرُ أم أعلن؟ فقال عمر: بل أسرَّ، قال: لقد أخذ الشَّبَه منهما جميعاً، فما أدري لأيِّهما هو؟ فأجلسه، ثم قال للآخر: انظر، فنظر، فاستقبلَ، واستعرضَ، (١) رجاله ثقات رجال الشيخين. ورواه مختصراً ابن أبي شيبة ٣٧٨/١١-٣٧٩ عن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: قضى عمر فيه بقول القافة. ٢٥٢ واستدبر، ثم قال: أَسِرُّ أَمْ أَعْلِنَ؟ قال: بل أسرَّ، قال: لقد أَخَذَ الشَّبه منهما جميعاً، فما أدري لأيهما هو؟ فأجلسه، ثم أمرَ الثالثَ، فنظر، فاستقبل، واستعرض، واستدبر، ثم قال: أُسِرُ أم أُعلن؟ قال: أَعْلِنْ، قال: لقد أخذ الشَّبه منهما جميعاً، فما أدري لأيهما هو، فقال عمر: إنا نَقُوفُ الآثارَ ثلاثاً يقولها، وكان عمر قائفاً، فجعله لهما يرثَانِه ويَرثُهُما، فقال لي سعيد: أتدري مَنْ عَصَبَتُهُ؟ قلت: لا، قال: الباقي منهما (١). قال: فهذا عمرُ قد استعملَ في الأنساب أقوالَ القافةِ، فجعل الولدَ المدَّعى بين مدَّعِيَيه جميعاً بقولهم، وذلك منه بحضرة من سواه من أصحاب رسول الله وَّ، فلم يُنْكِرُوا ذلك عليه، ولم يُخالفوه فيه، فَدَلَّ ذلك على متابعتهم إيَّه عليه. (١) رجاله ثقات رجال الشيخين. ورواه البيهقي ٢٦٤/١٠ من طريق يحيى بن أبي طالب، عن يزيد بن هارون، بهذا الإِسناد. ورواه البيهقي ٢٦٤/١٠ من طريق شعبة، عن قتادة، به، مختصراً. ورواه عبد الرزاق (١٣٤٧٥) عن معمر، عن قتادة، قال: رأى عمر والقافة جميعاً شبهه فيهما، وشبههما فيه، فقال عمر: هو بينكما ترثانه ويرثكما، قال: فذكرت ذلك لابن المسيب، فقال: نعم، هو للآخر منهما. قال الحافظ في ((الفتح)) ٥٧/١٢: كانت القيافة في بني مدلج وفي بني أسد، والعرب تعترف لهم بذلك، وليس ذلك خاصاً بهم على الصحيح، وقد أخرج يزيد بن هارون في ((الفرائض)) بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب أن عمر كان قائفاً، أورده في قصته، وعمر قرشي ليس مدلجياً ولا أسدياً، لا أسد قريش، ولا أسد خزيمة. ٢٥٣ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن عمر لم يقضِ في ذلك بأقوال القافة، لأنهم إنما قالوا في حديثٍ سعيد بن المسيب: إنهم لا يدرونَ لأِيِّهما هو، لأخذه الشبه منهما، فجعل عُمَرُ الولد منهما جميعاً، وذلك غيرُ ما قال القافةُ، فَدَلَّ ذلك: أن عُمَرَ لم يقضِ بما قد جَهلَهُ القافةُ بقول القافةِ الذي قد جهلوه، ولكنه قضى في ذلك بغيره، وهو مُدَّعَى مُدَّعِيَيْهِ إِيَّه بأيديهما عليه، وجوازِ قولٍ كُلِّ واحدٍ منهما فيه، وأما حديثُ توبة، فجعله بينهما، فقد يجوزُ أن يكونَ كان ذلك منه بعدَما قد تقدمه ما في حديث سعيد بن المسيب، وبعدَ هُذا كله، فإن المحتج علينا بحديثي عمر هذين لا يجعلُ الولدَ ابنَ رجلين، فإذا كان لا يجعلُه ابنَ رجلين، وعمر فقد جعله ابنهما، كان هذا الحديثُ عليه لا له، فقال هذا القائلُ، فإنه قد رُوِيَ عن عمر في هذه القصة غير هذا القول الذي في هذين الحديثين. و[هو] ما قد حدثنا بحرُ بنُ نصرِ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ وهبٍ، قال: أخبرني عبدُ الرحمن بنُ أبي الزناد، عن هشام بنُ عُروة، عن أبيه، عن يحيى بن حاطب، عن أبيه - هكذا حدثناه بحر، وإنما هو يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه -، قال: أتى رجلانِ إلى عُمَرَ بنِ الخطابِ رَضِيَ الله عنه في غلامٍ من ولادة الجاهليةِ، يقولُ هذا: هو ابني، ويقول هذا: هو ابني، فدعا لهما عمر قائفاً من بني المصطلق، فسأله عن الغلام، فنظر إليه المصطلِقي، ثم نظر، ثم قال لعمر: والَّذي أَكْرَمَكَ اني لُأجدهما قد اشتركا فيه جميعاً، فقامَ إليه عمر، فضربه بالدِّرَّةِ حتى اضطجع، ثم ٢٥٤ قال: واللهِ لقد ذَهَبَ بك النظرُ إلى غيرِ مذهب، ثم دعا أمُّ الغلام، فسألها، فقالت: إن هذا - لأحدِ الرجلين - قد كان غلب عليَّ الناسَ حتى ولدتُ له أولاداً، ثم وقع بي على نحو ما كان يَفْعَلُ، فحملتُ فيما أرى، فأصابني هراقة من دم حتى وقع في نفسي أن لا شيءَ في بطني، ثم إنَّ هذا الآخرَ وقع بي، فوالله ما أدري من أيهما هو، فقال عُمَرُ للغلام: اتبع أيَّهما شئت، فاتبع أحدَهما، قال عبد الرحمن بن حاطب: وكأنِّي أنظر إليه متبعاً لأحدهما، فذهب به، وقال عمر: قَاتَلَ الله أخا بني المُصْطَلِقِ(١). (١) إسناده حسن. عبد الرحمن بن أبي الزناد روى له أصحاب السنن، وهو صدوق حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح غير والد يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، فقد علق له البخاري، وله رؤية، وعدوه في كبار ثقات التابعين. ورواه البيهقي ٢٦٣/١٠ من طريق بحر بن نصر، بهذا الإسناد. ورواه ابن أبي شيبة ٣٧٩/١١-٣٨٠، ومن طريقه البيهقي ٢٦٣/١٠، عن أبي أسامة، ورواه البيهقي ٢٦٣/١٠ من طريق أنس بن عياض، كلاهما عن هشام بن عروة، به. وقال البيهقي عن طريق ابن أبي شيبة: هذا إسناد صحيح موصول. ورواه عبد الرزاق (١٣٤٧٥) عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير أن رجلين ادعيا ولداً، فدعا عمر القافة، واقتدى في ذلك ببصر القافة، وألحقه أحد الرجلين. ورواه مالك في ((الموطأ)) ٧٤٠/٢، ومن طريقه البيهقي ٢٦٣/١٠، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن عمر بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإِسلام. ثم ذكر نحو القصة. ورواه عبد الرزاق (١٣٤٧٨) عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة أن رجلين ٢٥٥ قال أبو جعفر: وقد دَلَّ ما في آخِرِ هذا الحديثِ من قول راويه: قال عبدُ الرحمن بن حاطب، فكأنني أَنَظُرُ إليه متبعاً لِأحدِهما على ما قد ذكرنا في إسناده أنه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، قال: ففي هذا الحديث أن عُمَرَ قال للغلام: اتَّبع أيَّهما شئت، وهذا خلافُ ما في حديثي ابن عمر وابن المسيب اللذَيْنِ ذكرت. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله جَلَّ وعزَّ وعونه أن ما في حديثي ابن عمر وابن المسيب في صبي لا يُعَبِّر عن نفسه، ويدُ مُدَّعِيَيْه عليه، فرَدَّ حُكْمَهُ إلى ما يقولان فيه، فجعله إليهما جميعاً. وما في حديث يحيى بن عبد الرحمن في صبيٍّ سواه يُعَبِّرُ عن نفسه لو ادعاه أحدُ الرجلين، أو رجلٌ هو في يده لا يَدَ عليه غير يده، فدفعه عن ذلك، لم تُقْبَل دعواه إِيَّه لِدفعه إِيَّه عنها، فلم يقضِ عُمَرُ به لهما لذلك، وردَّ الأمرَ في ذلك إلى ما يقولُه الغلامُ المدعى فيه، وهكذا نقولُ نحن في الغلامِ الذي لا يُعَبِّرُ عن نفسه إذا ادَّعاه رجلانِ أيديهما عليه، لا يَدَ عليه سوى أيديهما أنه يكونُ ابنَهما جميعاً، وإذا كان يُعَبِّرُ عن نفسه لم يُجعل ابنَهما جميعاً بدعواهما إِيَّه، وجعل ابن الذي يصدِّقُه منهما على ما يَدَّعيه فيه، فكنا نحن المتمسكين بما رُوِيَ عن عمر في هذه الآثار كُلِّها، وكان هو فيها بخلاف ذلك، وعاد ما احتجَّ به علينا لِقوله فيما ذكرنا حجةً لنا عليه فيما خالفنا فيه. = وقعا على امرأة في طهر واحد، فحملت، فنفست غلاماً، فأبصر القافة شبهه فيهما، فقال عمربن الخطاب: هذا أمر لا أقضي فيه شيئاً، ثم قال للغلام: اجعل نفسك حیث شئت. ٢٥٦ وفي حديث يحيى بن عبد الرحمن ما قد دَلَّ أنَّ عُمَرَ لم يستعمل قولَ القافةِ لمعنى غير المعنى الذي ذكرنا، وهو أن قولَ القافةِ لو كان مستعملاً في ذلك، لكان الولَدُ المدَّعى، لَمَّا صَدَقَ أحدُ مدعييه، يكونُ قولُ القافة حجة للآخر أنه ابنُه، ويكون كولدٍ ادَّعاه رجلان، فصدق أحدُهما، وَكَذَبَ الآخر، فأقامَ الآخرُ بينةً أنه ابنُه أَنَّه مأخوذٌ له بها، وأنها أولى من قول الغلام، ففي تركهم الأخذَ له بقولِ القافة في ذلك أن لا معنى كان لِقول القافة عنده من وجوب حكمٍ به في نسب، ولا في غيره. فإن قال قائلٌ: كيف يجوزُ ما ذكرت؟ ويكونُ قولُ القافة عنده لا معنى له، وهو قد دعاهم وسألهم عن ما خُوصِمَ إليه فيه، ولم يكن ذلك إلا وبه حاجةٌ إلى قولهم؟ فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّه قد كانت به حاجةٌ إلى قولهم: إن الولد قد يكونُ من رجلين، وإن ذلك غيرُ مستحيل، فيستعمل فيه الواجبُ استعماله بقول مدعبي الولد، لا بقول القافة، أو يكون محالاً، فلا يتشاغلُ بذلك، ولا يقولُ فيه شيئاً، والدليل على أن ذلك كان كذلك أن بكارَ بنَ قتيبة، حدثنا، قال: حدثنا سعيدُ بنُ عامر، قال: حدثنا عوفُ بن أبي جميلة، عن أبي المهلب أنَّ عُمَرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه قضى في رجلٍ ادَّعاه رجلانِ، كِلاهما يَزْعُمُ أَنَّه ابْنُهُ، وذلك في الجاهلية، فدعا غُمَرُ أُمَّ الغلامِ المُدَّعى، فقال: أذكركِ بالذي هداكِ للإِسلام لايهما هُوَ؟ قالت: لا، ٢٥٧ والذي هداني للإِسلام، لا أدري لأيهما هو، أتاني هذا أوَّلَ الليل، وأتاني هذا آخرَ الليل، فما أدري لأيهما هو؟ فدعا عُمَرُ مِن القافة بأربعةٍ، ودعا ببطحاء، فنثرها، فأمَرَ الرجلين المدعيين، فَوَطِىءَ كُلَّ واحِدٍ منهما بقدمٍ ، وأمر المدَّعِيَ، فوطىءَ بقدمٍ، ثم أراه القافة، فقال: انظُروا، فإذا أثبتُّم، فلا تَكَلَّموا حتى أَسأَلَكُم، فنظر القافةُ، فقالوا: قد أثبتنا، ثم فَرَّقَ بينهم، ثم سألهم رجلاً رجلاً، فتعاقدوا - يعني: فتتابعوا - أربعتُهم، كلُّهم يشهد أنَّ هذا لَمِنْ هُذين. فقال عُمَرُ: يا عجباً لما يقولُ هؤلاء، قد كنتُ أعلم أن الكلبة تَلْقَحُ بالكلابِ ذواتِ العدد، ولم أَكُنْ أَشْعُرُ أنَّ النساءَ يفعلن ذلك قبل هذا، إني لأرى ما ترون، اذهبْ فإنهما أبواك(١). (١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي المهلب - وهو الجرمي البصري، عم أبي قلابة - فمن رجال مسلم. ورواه البيهقي ٢٦٤/١٠ من طريق الحسن البصري، عن عمر رضي الله عنه بنحوه. قال البيهقي بإثره: هاتان الروايتان رواية البصريين عن سعيد بن المسيب، عن عمر (انظر الرواية السالفة ص٢٥٢) وروايتهم عن الحسن، عن عمر رضي الله عنه كلتاهما منقطعة، وقد تعقبه ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) فقال: الشافعي يحتج بمرسل ابن المسيب في مثل هذه الصورة، وروي أيضاً من حديث الشعبي وإبراهيم، عن عمر ذكره أبو عمر، ورواه الطحاوي بسند حسن من رواية أبي المهلب عن عمر، قال: وروي عن عمر من وجوه صحاح أنه جعله بينهما، وقال أبو عمر: ذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن علي أنه أتاه رجلان وقعا على امرأة في طهر واحد، قال: الولد بينكما، وهو للباقي منكما، وذكر البيهقي فيما بعد في آخر باب من قال: يقرع بينهما، ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن حسين بن علي، عن زائدة، عن سماك، عن حنش، عن علي، وهذا = ٢٥٨ فدلَّ ما ذكرنا على أن عمر رضي الله عنه إنما احتاجَ إلى القافَةِ لِتنتفي الإِحالةُ عن الدعوى، لا لما سوى ذلك، والدليلُ على أنَّ مذهبَ عمر كَانَ ألَّ يُقضى بقولِ القَافَةِ في نسبٍ ولا في غيره ٤٧٨٣ - ما قد حدثنا المزنيُّ، قال: حدثنا الشافعيُّ. وما قد حدَّثنا عليّ بنُ شيبة، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي. قال المزني : عن سفيان بن عيينة، وقال علي: قال: أخبرنا سفيانُ بنُ عيينة، عن عُبيدِ الله بن أبي يزيد(١)، عن أبيهِ، قال: أرسَلَ عُمَرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه إلى شيخٍ من بني زُهرة مِن أهلِ دارِنا، فذهبتُ مع الشيخِ إلى عُمَرَ وهو في الحجرِ، فسأله = السند على شرط مسلم، وإليه ذهب الكوفيون وأكثر أهل العراق، ذكره أبو عمر، وقد عمل بذلك أبو ثور، فقال: إذا قال القافة: الولد منهما، لحق بهما، وورثهما وورثاه، وقال الشافعي: إذا كبر الولد، قيل له: انتسب إلى أيهما شئت، فلم يعمل بقول القافة كما تقدم، وخالف المروي عن الإِمامين مصيراً إلى ما روي عن عمر أولاً، وهو مخالف لقول القافة كما تقدم، وقد لاعن عليه السلام بين الزوجين، ولم يدع القافة، واتفقوا على أمة تدعي أن ولدها من المولى أنه لا يرجع إلى القافة، بل ذهب ابن عباس رضي الله عنه وزيد إلى أنه لا يلزمه إلا أن يقر، وقال عمر وابنه: إن أقر بوطئها، لزمه، ولم يعتبر مالك القافة في الحرائر. ورواه عبد الرزاق (١٣٤٧٧) عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: لما دعا عمر القافة، فرأوا شبهه فيهما، ورأى عمر مثل ما رأت القافة، قال: قد كنت أعلم أن الكلبة تلقح لأكلب، فيكون كُل جروٍ لأبيه، ما كنت أرى أن مائين يجتمعان في ولد واحد. (١) تحرف في الأصل إلى: بريدة. ٢٥٩ عن ولادٍ من ولادِ الجاهلية، قال: وكانت المرأةُ في الجاهلية إذا طلَّقَها زوجُها، أو مات عنها، نكحت بغيرِ عِدَّةٍ، فقال الرجل: أما النطفةُ، فمن فلان، وأما الولدُ، فعلى فراش فلان، فقال عمر: صدق، ولكن قضاءَ رسولِ اللهِ وَّ بالولدِ لِلفراش(١). قال أبو جعفر: أفلا ترى أن عُمَرَ لم يلتفتْ إلى ما قال ذلك الرجلُ المسؤولُ في النَّطفة، وهي ما سُئِلَ به القافةُ على ما يقولونه في ذلك، وردَّ الحكم إلى ما يُخالفه مما كان رسولُ اللهِ وَّ قضى به، وما يُؤَكِّدُ ذلك أيضاً أن أهلَ الإِسلام لم يختلِفُوا في الرَّجُلِ ينفي ولدَ زوجته التي قد ولدته على فِراشِه، ويقول: ليس هو مني، وتقولُ أمه: هو منه أنه يُلاعِنُ بينهما، ويُنفى منه، ويُرَدُّ إلى أُمِّه، وأن أمه لو جاءت لجماعة من القافة يشهدون لها بتصديقها، وأن الولدَ منه، أن قولَهم في ذلك كلا قولٍ، وأن حُكْمَ اللعانِ الذي يكونُ نفي نسبه به منه قائماً على حالِهِ، وأن قولَ القافة في ذلك ليس كشهادة بَيِّنة عادلةٍ عليه أنه ابنه، هذه يقضى بها، ولا يستعمل معها اللعانُ. وفي ذلك ما قد دَلَّ أن أقوال القافةِ فيما ذكرنا ليس بحجةٍ، وإنما كانت أقوالُ القافةِ تُستعمل في الجاهلية في مثل هذا المعنى في ما (١) الشافعي الإِمام الثقة، روى له أصحاب السنن، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير والد عبيد الله أبي يزيد - وهو المكي - فقد روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجلي: مكي، تابعي، ثقة. وهو في ((السنن المأثورة)) برواية المصنف عن خاله المزني (٥١٦). وانظر ما قبله. ٢٦٠