النص المفهرس

صفحات 21-40

الغرماء، ويكونُ أحقَّ بالباقي منها منهم، والذي في حديث رسولِ الله
وَّةِ، يَدْفَعُ ذلك ويُخالِفُه، ورسولُ اللهِوَّ فهو حُجَّةُ اللهِ على جميع
خلقه، وكان أيضاً - مع ذلك - يُسَوِّي بين حُكْمِ إفلاسه وبَيْنَ حكمِ
موته، فيجعل صاحبَ السِّلعة فيهما أحقّ بها مِن سائر الغرماء، وقد فَرَّقَ
رسولُ اللهِ وَِّ بينهما، وجَعَلَ الحُكْمَ فيهما مختلفاً على ما قد ذكرناه
في حديث الزُّبيدي عن الزهري، وفي حديث عبد الرزاق، عن مالك،
عن الزهري .
وكان الشافعي يحتجِّ فيما ذهب إليه مِن التسويةِ في ذلك بَيْنَ
الإِفلاس والموت بما قد
٤٦٠٩ - حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا
محمدُ بنُ إسماعيلَ بن أبي فُديك، عن ابن أبي ذئب، قال: حَدَّثني
أبو المعتمر بنُ عمروبن رافع، عن ابن خَلْدَةَ الزُّرقي - وكان قاضياً -،
أنه قال:
جئنا إلى أبي هُريرة في صاحبٍ لنا أَفْلَسَ، فقال: هذا الذي قضى
فيه رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَيُّما رَجُلِ ماتَ أو أفلسَ، فصاحِبُ المتاعِ أُحقُّ
بمتاعه))(١).
(١) إسناده ضعيف. أبو المعتمر بن عمرو بن نافع مجهول الحال، لم يرو عنه
غير ابن أبي ذئب، وابن خلدة - وهو عمر بن خلدة الزرقي الأنصاري - روى عنه
اثنان، ووثقه ابن سعد، وقال ابن حجر: وثقه النسائي، وعمروبن علي، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال الذهبي في ((الميزان)): لا يكاد يعرف.
ورواه ابن الجارود في ((المنتقى)) (٦٣٤)، والدارقطني ٢٩/٣، والحاكم
٢١

٤٦١٠ - وبما قد حدثنا يونس، حدثني محمدُ بنُ إدريس حين
ذاكرتُه مسألةَ الذي يَبيعُ السِّلعةً، ثم يموتُ، أو يُفلس، فيجد الرجلُ
سلعتَه بعينها، فقال لي: هُوَ أَحقُّ بها في الموت والتفليسِ، ثم قال:
حدثني ابنُ أبي فديك، قال: أخبرني ابنُ أبي ذئب، ثم ذكر مثلَ
حديث محمد، عن ابن أبي فديك(١).
قال أبو جعفر: وهذا الحديثُ إنما رجع إلى أبي المعتمرِ الذي
لا يُعرفُ ولا يُدرى مَنْ هو، ولا سَمِعْنا له ذكراً إلا في هذا الحديث،
ومَن هذه سَبِيلُه، فليس ممن يجوزُ أن يُحْتَجَّ به في هذا المعنى، مع
أنه لو كان ثابتاً، لكان حديثُ الزهري، عن أبي بكر، عن أبي هريرة
أولى منه، لأنه قد روته الأئمةُ الذين تَقُومُ الحُجَّةُ برواياتهم، والذين لا
يجبُ أن يُعَارَضَ ما رووا بمثلِ ما روى أبو المعتمر الذي لا يُعرف
= ٥٠/٢-٥١ من طريق محمد بن عبدالله بن عبدالحكم، بهذا الإسناد. وسقط من
الإِسناد ابن أبي ذئب من المطبوع من ((المستدرك))، فقد أورد ابن حجر الحديث
في ((التلخيص الحبير)) ٣٨/٣ ونسبه إلى أبي داود والشافعي والحاكم من طريق
ابن أبي ذئب، به.
ورواه الشافعي في ((الأم)) ١٩٩/٣، وابن ماجه (٢٣٦٠)، والبيهقي في
((المعرفة)) (٣٦٣٦)، والبغوي (٢١٣٤) من طرق عن ابن أبي فديك، به.
ورواه أبو داود (٣٥٢٣)، والبيهقي في ((السنن)) ٤٦/٦، والمزي في ((تهذيب
الكمال» ٣٢٩/٢١-٣٣٠ من طريق أبي داود الطيالسي، والدارقطني ٢٩/٢ من
طريق شبابة، كلاهما عن ابن أبي ذئب، به.
(١) إسناده ضعيف، وهو مكرر ما قبله.
٢١

ولا يُدرى مَن هو، ولو تدبر حديث أبي المعتمر، لوقف على أن لا
حجةً فيه، لأن فيه: ((أَيُّما رَجُلٍ أَفلس أو مات)) فقد يحتمِلُ أن يكونَ
ذلك على الشَّكِّ، فيعودُ الحديث إلى أن لا يُدرى ما فيه مما ذكر عن
النبيِّ ◌َ هل هو في التفليس أو في الموت. وما وجدنا أحداً مِن أهل
العلم أخذ بكُلِّ ما في هذا الحديث إلا مالك بن أنس، فأمَّا مَن سواه
فقد ذكرنا أقوالَهم في هذا الباب(١)، ونسأل الله التوفيق.
(١) وانظر ((شرح السنة)) ١٨٧/٨-١٨٩ بتحقيقنا.
٢٣

٧٢٦ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله اله
في طلاقه حفصةً وفي مراجعته إِيَّاها
بعد ذلك
٤٦١١ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا إسماعيلُ بنُ الخليل
الكوفي. وحدثنا أحمدُ بنُ داود، حدثنا عبدُ الرحمن بنُ صالح الأزدي،
حدثنا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، قال ابنُ أبي داود: أخبرني
صالحُ بنُ صالح، وقال أحمد في حديثه: عن صالح بن صالح، عن
سلمة بن كُهيل، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس
عن عُمَرَ بنِ الخطاب رَضِيَ الله عنه، أن النبيِّ ◌ِ ﴿ طَلَّقَ حفصةَ
ثم رَاجَعَها(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد
الرحمن بن صالح الأزدي، متابع إسماعيل بن الخليل، فقد روى له النسائي في
«خصائص علي))، وهو صدوق.
ورواه أبو يعلى (١٧٤) عن عبد الرحمن بن صالح، بهذا الإسناد.
ورواه الدارمي (٢٢٦٤)، وأبو داود (٢٢٨٣)، والنسائي ٢١٣/٦، وابن ماجه
(٢٠١٦)، وأبو يعلى (١٧٣)، والطبراني ٢٣/(٣٠٤)، وابن حبان (٤٢٧٥)،
والحاكم ١٩٧/٢، والبيهقي ٣٢١/٧-٣٢٢ من طرق عن يحيى بن زكريا، به.
وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي.
٢٤

٤٦١٢ - وحدثنا أبو أُمية، حدثنا محمدُ بنُ الصلت، حدثنا
يحيى بن زكريا، ثم ذكر بإسناده مثلَه١١).
٤٦١٣ - وحدثنا أبو أُمية، حدثنا إسماعيلُ بنُ الخليل الخزاز،
حدثنا يونسُ بن بُكَيْرِ، عن الأعمش، عن أبي صَالحٍ
عن ابن عمر، قال: دَخَلَ عُمَرُ على حفصةَ أُختي وهي تبكي،
فقال: ما لَكِ؟ لَعَلَّ رسولَ اللهِ وَِّ طَلَّقَكِ، أَما إِنَّه قد كان طَلَّقَكِ مَرَّةً،
ثم رَاجَعَكِ من أجلي (٢).
قال أبو جعفر: وصالحُ بنُ صالح(٣) هذا، هو ابن صالح بن حي
الذي يروي عن الشعبي، أبو عليٍّ والحسن بن صالح، فدل هذا على
أنه قد كان له بنون ثلاثة أخذ عنهم العلمُ، وهم: علي والحَسَنُ
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، محمد بن الصلت - وهو البصري
التّوَّزي - من رجال البخاري، ووثقه الدارقطني، ومن فوقه من رجال الشيخين، وهو
مکرر ما قبله.
(٢) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير يونس بن بكير، فقد استشهد
به البخاري في الصحيح، وروى له مسلم متابعة، وهو حسن الحديث.
ورواه البزار (١٥٠٢)، وأبو يعلى (١٧٢) من طريق أبي كريب، وابن حبان
(٤٢٧٦)، والطبراني ٢٣ / (٣٠٥) من طريق محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن
يونس بن بکیر، بهذا الإِسناد.
ورواه البزار (١٥٠٣) من طريق عمر بن عبد الغفار، عن الأعمش، به.
(٣) في ((تهذيب الكمال)) ٥٤/١٣-٥٥: صالح بن صالح بن حي واسمه حيان،
وقيل: صالح بن صالح بن مسلم بن حيان الثوري الهمداني الكوفي، والد علي بن
صالح بن حي والحسن بن صالح بن حي، وقد ينسب إلى جده.
٢٥

وصالحٌ، فأما علي والحسن، فولدا في بطن واحِدٍ كما
حدثني عبدُ الرحمن بنُ القاسم القطّان الكوفي أبو محمد، قال:
حدثني جعفربن محمد، رجل من الكوفة، قال: حدثني جدي، قال:
قال صالحُ بنُ حَيٍّ : قلت للشعبي: إنَّه وُلِدَ لي في هذه الليلة ابنان،
فقال: وما سميتَهما؟ قلتُ: سميتُ أحدهما علياً والآخر حسناً، فقال
لي: قد أحسنتَ بَارَكَ الله لك فيهما، وأَعْلَى علياً، وحَسَّنَ حَسَناً.
ومما يُقوي هذا أن البخاري ذكر في كتابه(١)، فقال: وعبدُالله بنُ
صالح بن صالح بن حي الهَمْدَانِي، سَمِعَ من عَبْثر بنِ القاسم، سمع
منه عمرو النَّقِدُ.
قال أبو جعفر: فأما عليٍّ وحسنٌ، فلا عَقِبَ لهما، ووفاتُهما مُتَقَدِّمَةٌ
كما سمعتُ أبا زرعة الدِّمشقي يقولُ: توفي عليُّ بنُ صالح ومِسْعَرُ بنُ
كِدام في سنة خمس وخمسين ومئة، وتوفي الحسنُ بنُ صالحٍ سنةً سبعٍ
وستین ومئة (٢).
٤٦١٤ - وحدَّثنا يحيى بنُ عثمان بن صالح، قال: حدثنا حرملةُ بنُ
يحيى، حدثنا ابنُ وهبٍ، أخبرني عمروبنُ صالحٍ، عن موسى بنِ
عُلَيٍّ، عن أبيه
عن عُقبة بن عامٍ، أنَّ رسولَ الله وَِّ طَلَّقَ حَفصةَ، فأتاه جبريلُ،
(١) ((التاريخ الكبير)) ١٢١/٥.
(٢) انظر ((تاريخ دمشق)) لأبي زرعة الدمشقي ٢٩٨/١ (٥٢٥) و٣٠٠ (٥٣٣)،
و ٣٠١ (٥٣٦).
٢٦

فقال: رَاجِعْهَا فإِنَّها صَوَامَةٌ قَوَّامَةٌ (١).
قال أبو جعفر: وعمرو بن صالح هذا رجلٌ من أهل مصر ممن
كان يسكنُ الحمراءَ، تُعرف ببطنِ الدَّيرِ.
٤٦١٥ - وحدثنا محمدُ بنُ إبراهيم بن يحيى بن جناد، حدثنا
مُسْلِمُ بنُ إبراهيم، حدثنا الحسنُ بنُ أبي جعفر، حدثنا ثابتٌ
عن أنس، أنَّ النبيَّ وَ طَلَّقَ حَفْصَةَ تَطْلِيقَةً، فأتاه جبريلُ، فقال:
((يا مُحمَّدُ: طلقتَ حفصةَ تطليقةً وهي صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وهي زوجتُك في
الدُّنيا وفي الجنَّةِ))(٢).
(١) إسناده حسن في الشواهد، رجاله ثقات رجال الصحيح غير عمروبن
صالح، فقد قال المؤلف: إنه من أهل مصر ممن كان يسكن الحمراء، تعرف ببطن
الدير.
ورواه بنحوه الطبراني ١٧/(٨٠٤) و٢٣/ ٣٠٧) عن أحمد بن طاهربن
حرملة بن يحيى، عن حرملة بن يحيى، بهذا الإِسناد.
وذكره الإِمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ٢٢٩/٢، وقال: إسناده صالح.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٣٣٤/٤، وقال: وفيه عمربن صالح الحضرمي
ولم أعرفه، وباقي رجاله ثقات. وانظر حديث أنس الآتي.
(٢) حسن. وهذا سند ضعيف. الحسن بن أبي جعفر ضعيف، وباقي رجاله
ثقات، وما قبله يشهد له.
ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ١٥/٤ من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي،
حدثنا مسلم بن إبراهيم، بهذا الإِسناد.
ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٨٤/٨ عن عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا هشيم، =
٢٧

فقال قائلٌ: وكيفَ تقبلونَ مِثْل هذا عن رسول الله لََّ أنَّه يُطَلِّقُ
زوجةً مِن أزواجه هي زوجتهُ في الدنيا وفي الجَنَّةِ، وقد كان الله عز
وجل خيَّر أزواجَ نبِّه وهي مِنْهُنَّ بَيْنَ الدُّنيا والآخرة، فاخترن الله ورسوله
على الدُّنيا، فشكر الله ذلك لَهُنَّ، واخْتَبَسَهُ عليهِن واحْتَبَسَهُنَّ عليه،
حتى جَعَلَ لهن أن يَكُنَّ بعدَ موته كما كُنَّ في حياته، لأنهنَّ محبوساتٌ
عليه، ومحرماتٌ على مَنْ سواه مِن الناس.
= أخبرنا حميد، عن أنس بن مالك أن النبي وسي طلق حفصة ثم راجعها. وهذا سند
صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين، وصححه الحاكم ١٩٦/٢-١٩٧ من طريق
عمروبن عون، عن هشيم، بهذا الإِسناد، ووافقه الذهبي.
ورواه الدارمي (٢٢٦٥) عن سعيد بن سليمان، عن هشيم، به. وقال: كان
علي ابن المديني أنكر هذا الحديث، وقال: ليس عندنا هذا الحديث بالبصرة عن
حميد .
ورواه البزار (١٥٠١) عن محمد بن ثواب الهبّاري، عن أسباط بن محمد، عن
سعيد، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ◌َ ◌ّ طلق حفصة ثم راجعها. قال البزار:
يروى عن أسباط، عن سعيد، عن قتادة مرسلًا، ولم نسمعه إلا من محمد بن ثواب،
عن أسباط.
وفي الباب عن عمر عند أبي داود (٢٢٨٣)، وابن ماجه (٢٠١٦)، وابن سعد
٨٤/٨ بإسناد صحيح.
وعن ابن عمر عند النسائي ٢١٣/٦، وإسناده صحيح.
وعن قيس بن زيد (وهو تابعي لا يعرف) عند ابن سعد ٨٤/٨، والطبراني
١٨/(٩٣٤)، والحاكم ١٥/٤.
وعن عمار بن ياسر عند البزار (٢٦٦٨)، والطبراني ٢٣ / (٣٠٦).
٢٨

فكان جوابنا له في ذلك: أنه وإن كان ◌َّ قد طلَّقها، فلم يُخرجها
بذلك من أزواجه المستحقات في الدُّنيا والآخرة ما استحقته من لم
يُطلقها مِن أزواجه، وإنما كان طلاقُه لها طلاقاً لم يقطعِ السَّبَبَ الذي
بينَه وبينَها، لأنه كان طلاقاً رجعياً، ثُمَّ كان بحمد الله ونعمته منه فيها
ما كان مِن مراجعته إيَّاها إلى ما كانت عليه قبلَ طلاقِهِ إِيَّها رَضِيَ
الله عنها .
فإن قال هذا القائلُ: فلو انقضت عِدَّتُها ولم يُراجعْها، أكانت بذلك
تَخْرُجُ مِن جملةِ أُمَّهَاتِ المؤمنين، حتى لا تكونَ أماً لهم كما كانت
قبلَ ذُلك.
كان جوابُنا له في ذلك: أن ذلك لو كان، لما خرجت من جملةٍ
أُمَّهَاتِ المؤمنين، ولكانت بعدَه أُمّاً لهم، وأنَّ حُرمتها عليهم كَحُرْمتِها
عليهم قَبْلَ ذلك، وأنها زوجةٌ لِرسول الله مَّهَ في الجنة كما لا يخرجها
الموتُ مِن ذلك، لو كان مات عنها، وهي بَعْدَ موته تستحِقُّ النفقةَ
عليها مما كان يُنْفِقُ عليها منه في حياته، لأنها محبوسةٌ عليه بعدَ موته،
كما كانت محبوسةً عليه في حياته، وفيما ذكرنا بيانٌ لما قد توهّمه هذا
القائلُ، وبالله التوفيق.
٢٩

٧٢٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله اليه
في السبب الذي فيه نزلت: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمواتِ والأرضِ واختلافِ الليلِ والنَّهارِ
لآياتٍ لُأولي الألبابِ﴾ [آل
عمران: ١٩٠ ]
٤٦١٦ - حدثنا فهدُ بنُ سليمان، حدثنا يحيى بنُ عبد الحميد
الحِمَّاني، حدثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفربن أبي المغيرة، عن
سعيدِ بنِ جُبير
عن ابن عباس، قال: أَتَتْ قُريشُ اليهودَ، قالوا: ما جاءَكُمْ به
موسى مِن الآيات؟ قالوا: عصاه ويدُه بيضاء للناظرين، وأَتّوا النَّصارى،
فقالوا: كَيْفَ كان عيسى فيكم؟ قالُوا: كان يُبْرِىءُ الأَكمه والأَبْرَصَ،
ويُحيي الموتى، وأَتَوا النبيَّ نَّهَ، فقالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَجْعَلْ لنا الصَّفَا
ذهباً، فدعا به، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمْواتِ والأَرْضِ؟
الآية، فليتفكروا فيها(١).
(١) إسناده ضعيف لضعف يحيى الحماني، وقد خالفه الحسن بن موسى،
فرواه عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد مرسلاً وهو أشبه. انظر ((فتح الباري))
٨/ ٢٣٥.
٣٠
=

ففي هذا الحديث أن السَّبَبَ الذي نزلت فيه هذه الآية ما كان
من سؤالٍ قريشٍ رسولَ اللهِ وَّ أَن يَدْعُوَ الله عز وجَلَّ، أن يَجْعَلَ
لهم الصَّفا ذهباً، ودعاؤه بذلك، وأنَّ الله تبارك وتعالى أنزل عليه في
ذلك هذه الآية.
وقد روي عن ابن عباس من وجهٍ آخر في ذلك
٤٦١٧ - ما قد حدثنا الحسينُ بنُ نصر، حدثنا أبو نعيمٍ، حدثنا
سفيانُ، عن سلمة بنِ كُهيل، عن عِمْرَانَ السُّلَمِي
عن ابن عباسٍ، قال: قالت قريشٌ للنبيِّ وَِّ: ادْعُ لنا رَبَّكَ يَجْعَلْ
لنا الصَّفَا ذَهباً، فإنَّ أَصْبَحَ ذهباً اتَّبَعْنَاكَ، فدعا رَبَّه، فأتاه جبريلُ عليه
السَّلامُ، فقال: إنَّ رَبك يَقْرَؤُكَ السَّلام، ويقول: إنْ شِئْتَ أصبحَ لهم
ذهباً، ومن كَفَرَ بَعْدَهُ منهم عَذَّبْتُهُ عذاباً أَليماً لم أُعَذِّبْهُ أَحداً مِن
العالمين، وإن شئتَ فتحتُ لهم بابَ التوبة والرحمة، قال: ((بَلْ يا ربِّ
التوبة والرحمة))(١).
ورواه الطبراني (١٢٣٢٢) عن الحسين بن موسى التستري، والواحدي في
=
((أسباب النزول)) ص٩٢ من طريق أحمد بن نجدة، كلاهما عن يحيى الحماني،
بهذا الإِسناد.
وأورده ابن كثير في ((تفسيره) عن الطبراني، وقال: وهذا مشكل، فإن هذه الآية
مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهباً كان بمكة، والله أعلم.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٤٠٧/٢، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن
أبي حاتم وابن مردويه.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عمران
السلمي - وهو عمران بن الحارث السلمي - فمن رجال مسلم. أبو نعيم: هو
٣١

ففي هذا الحديثِ تخييرُ جبريل ◌َلَّ عن اللّهِ سبحانه وتعالى نبيه
وَرُ بَيْنَ الشيئين المذكورين في هذا الحديث، واختيار رسول الله وَّ
منهما ما ذكر في اختياره منهما.
فعقلنا بذلك أنَّ الذي كان مِنْ رسولِ اللهِ وَلَّ مما اختاره مِنْ هُذين
الشيئين اللذين خُيِّرَ بينهما، هو كراهيةُ أن يختارَ السَّببَ الآخرَ منهما،
فتكفر قريشٌ بعد ذلك، فيصيبهم العذابُ الذي أوعدهم الله به، إن
فعل لهم ما سألوه، ثمَّ كفرُوا به بعدَ ذلك، كما فعله بمن تَقَدَّمَهم
مِن الأمم، بعد أن أراهم الآياتِ التي كانوا سألوها منه، وإنَّ اختيارَه
لهم المعنى الآخر مِن المَعْنَيْن اللَّذَيْن خيَّره الله بينهما، نظراً لهم ورأفة
= الفضل بن دكين، وسفيان: هو الثوري.
ورواه عبد بن حميد (٧٠٠)، والطبراني (١٢٧٣٦) من طريق أبي نعيم، بهذا
الإِسناد.
ورواه أحمد (٢١٦٦) و(٣٢٢٣) بتحقيقنا، والبزار (٢٢٢٤)، والبيهقي في
((السنن)) ٨/٩، وفي ((الدلائل)) ٢٧٢/٢ من طرق عن سفيان الثوري، به.
ورواه بنحوه أحمد (٢٣٣٣) بتحقيقنا، والبزار (٢٢٢٥)، والنسائي في ((التفسير))
(٣١٠)، والطبري ١٠٨/١٥، والحاكم ٣٦٢/٢، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢٧١/٢
من طريق جريربن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس.
ورواه بنحوه البيهقي في ((الدلائل)) ٢٧٢/٢ من طريق المؤمل بن إسماعيل، عن
حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
ورواه كذلك البيهقي ٢٧٢/٢ من طريق مالك بن مغول، عن سلمة بن كهيل،
عن رجل من بني سليم، عن ابن عباس.
٣٢

بهم، واختياراً لهم، خير لهم مما اختاروه لَأَنْفُسِهِمْ، ثم أنزلَ الله تعالى
على نبيه بَعْدَ ذلك، احتجاجاً عليهم، وتنبيهاً لهم، وإعلاماً منه إِيَّاهم
أنَّ معهم مِن آياته عز وجل ما هو أكبرُ مما سألوه من ذلك، وأدلُّ عليه،
وأوجب عليهم معه الإِيمان به والتصديق لرسوله بما جاءهم به مِن عنده،
مِن خلقه السَّماوات والأرض، ومِن اختلافِ الليلِ والنهارِ، الذي يُرَوْنَهُ
منذ خلقهم، ويراه مَنْ قَبْلَهم مِن آبائهم على ما يَرَوْنَهُ عليه، وعلى
ما قامت الحجةُ له عز وجل، لِعجز الخلقِ عنه، وإذا كان معهم مِن
آياته ما ذكرنا غَنُوْا به عما سِواه، مِماً هو دُونَه، لا سيما ما لو جَاءَهُمْ،
فلم يُؤمنوا بعقبه تلاه هلاكُهم، كما قد كان منه عزَّ وجلَّ في أمثالهم
لما سألوا أن يَرَوا ما أُرُوا، فلم يَرْعَوُوا عن ذلك، ولم يُؤْمِنُوا، فأصابهم
مِن عذابه ما أصابهم به، وعاجَلَهم مِن عقوبته بما عاجلهم به، حتى
B
لا يرى لهم باقية.
٤٦١٨ - وقد حدَّثنا أبو أُمية، حدثنا محمد بنُ القاسم الأسديُّ،
عن أبي جنابٍ الكلبيِّ، عن عطاء بن أبي رباح، قال:
دخلتُ مع عبد الله بن عُمر وعُبَيْدٍ بن عُمير على عائشة رضي الله
عنهم وهي في خِدْرِها، فقالت: مَنْ هؤلاء، قلنا: عبدُ الله بنُ عمر
وعُبيد بن عمير، فقالت: يا عُبيد بن عُمير، أنت كما قال الأَوَّلُ: زُرْ
غِبَأَ تَزْدَدْ حُبّاً، فقال ابنُ عمر: دَعونا مِن باطلكم هذا، حدِّثينا بأعجب
ما رأيتٍ من رسولِ اللهِ وٌَّ، فَبَكَتْ بُكاءاً شديداً، ثم قالت: كُلُّ أمره
كان عجباً، أتاني ذاتَ ليلةٍ، وقد دخلتُ فراشي، فدخل معي حتّى
لَصِقَ جِلْدُه بجلدي، ثم قال: ((يا عائشةُ ائذني لي أتعبَّدْ لربي عز
وجل))، قالت: قلتُ: يارسولَ اللهِ، إني لَُّحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ هَوَاكَ،
٣٣

قالت: فقامَ إلى قِرِبة في البيت، فتوضَّأ منها، ثم قرأ القرآنَ، ثم بكى
حتَّى ظننتُ أن دموعَهُ بَلَغَتْ حُبْوَتَه، ثم جَلَسَ، فدعا وبكى حتَّى ظننتُ
أن دُموعَه بَلَغَتْ حُجْزَتَهُ، ثم اضطّجع على يمينه، وجعل يَدَهُ اليُمنى
تحت خدِّه اليُمنى، ثم بكى حتَّى ظننتُ أنَّ دموعَه قد بَلَغَتِ الأَرضَ،
ثم جاءه بلالٌ بعدما أَذَّنَ، فَسَلَّمَ، فلما رآه يبكي، قال: يا رسولَ اللهِ،
تبكي وقد غفرَ الله لك ما تَقَدَّم مِن ذنبك وما تأخّر، قال: ((ومَا لِي
لا أَبْكي وقد أُنْزِلَتْ عليَّ الليلةُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمْوَاتِ وَالْأَرْضِ
واخْتِلافِ اللَّيلِ والنّهارِ﴾ الآية، وَيْلٌ لمن قرأها، ثم لم يَتَفَكَّر فيها،
وَيْحَكَ يا بلالُ ألا أكونُ عبداً شَكُوراً))(١).
(١) حديث حسن، وهذا سند ضعيف، أبو جناب الكلبي - واسمه يحيى بن أبي
حية - ضعفوه لكثرة تدليسه، لكن صرح بالتحديث عند أبي الشيخ، فرواه في ((أخلاق
النبي)) ص١٧٧-١٧٨ من طريق أبي بكر الفريابي، أخبرنا الحسين بن عيسى
القومسي، أخبرنا جعفربن عون، أخبرنا أبو جناب الكلبي، أخبرنا عطاء ...
ورواه ابن حبان (٦٢٠)، وأبو الشيخ ص١٨٦ من طريقين عن يحيى بن
زكريا بن إبراهيم بن سويد النخعي، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء،
قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة، فقالت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن
تزورنا، فقال: أقول يا أُمَّه كما قال الأولُ: زُر غباً تَزدد حُبّاً. قال: فقالت: دعونا
من رطانتكم هذه. قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيءٍ رأيته من رسول الله وَّر،
قال: فسكتت ثم قالت: لما كان ليلةٌ من الليالي قال: ((يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة
لربي). قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرَّك. قالت: فقام فتطهر، ثم قام
يُصَلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بلَّ حجره، قالت: ثم بكى، فلم يزل يبكي
حتى بلَّ لحيته، قالت: ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه
بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسولَ الله، لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم =
٣٤

وكان في هذا الحديثِ إنزالُ الله عليه هذه الآية في الليلة التي
كان فيها عندَ عائشة، وكان منه فيما بينَه وبَيْنَ ربِّه عز وجل ما كان،
وإخباره عائشة بما أنزل الله عليه في ليلته تلك من هذه الآية، وإعلامه
إِيَّاها أنه من لم يتفكر فيها فَوَيْلٌ له.
فقال قائل: فهذا بخلافِ حديثِ ابن عباس الذي رويته في هذا
البابِ، لأن في حديث ابن عباس أن إنزالَ الله تعالى كان لهذه الآيةِ
على رسوله للسبب الذي ذكره ابنُ عباس في حديثه، وفي حديث عائشة
رضي الله عنها هذا إنزاله إيَّها على رسول الله وَّ عند الذي كان منه
مِن صلاته ورقَّةٍ قلبه عندها.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّه لا اختلافَ في هذين الحديثين ولا
تَضَادَّ، لأن الذي في حديث ابن عباس هو ذكر سؤال قريش رسول
الله ◌َ﴿، ما ذكر من سؤالها إيَّاه فيه، وتخيير الله عز وجل إِيَّهِ وَ﴿ بَيْنَ
الشيئين المذكورين في ذلك الحديث، واختياره ◌َ ل لِسائليه ما هو في
العاقبة أحمدُ، ومآلهم فيه السبب الذي يكون إيصالاً لهم إلى الجنة،
= وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً! لقد نزلت عليَّ الليلة آية، ويل لمن قرأها
ولم يتفكّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمْواتِ والأرض)) الآية كلها. واللفظ لابن حبان.
وهذا سند قوي. يحيى بن زكريا بن إبراهيم، قال أبو حاتم: ليس به بأس، صالح
الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٦١١/٧، وقال: يروي عن جماعة من
التابعين، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٤٠٩/٢، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد،
وابن أبي الدنيا في ((التفكر))، وابن المنذر، وابن مردويه، والأصبهاني في ((الترغيب))،
وابن عساكر.
٣٥

وفوزاً لهم مِن عذابه، وكان إنزالُ الله عز وجل الآية التي أقام بها الحجةً
عليهم في الليلة التي أنزلها فيها عليه، وهو في بيت عائشة، وكان ابنُ
عباس قد تقدَّمَ علمُه بالسبب الذي كان مِن أجله نزولُها، ولم يكن
ذلك تَقَدَّم عندَ عائشة، فعادَ بحمد الله ونعمته جميعُ الآثارِ التي رويناها
في هذا الباب إلى انتفاءِ التضادِّ لها، والاختلاف عنها، والله الموفق.
٣٦

٧٢٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله وال
في الدليلِ على الواجب فيما اختلف فيه أهلُ
العلمِ في حكم الحَكَمِ الذي يحكمه الرجلان
بينهما هَلْ يكونُ جائزاً عليهما كما
يكونُ حكمُ الحاكم عليهما به، وحتى
لا يكونَ لِلحاكم إذا رُفِعَ إليه
نقضُه إذا كان مما يراهُ بعض
أهلِ العلم وإن كان هو
يرى خلافَه
٤٦١٩ - حدثنا أحمدُ بنُ شعيب، حدثنا عمارُ بنُ خالد الواسطيُّ،
أخبرنا القاسمُ بن مالك - يعني المزني - عن الأعمش، عن زيد بن
وهب، قال:
ء
قال عمر: إذا كان في سَفَرِ ثلاثةٌ، فَلْيُؤمِّروا أَحدَهُم، فذلك أمِيرٌ
أَمَّرَهُ رسولُ اللهِ وَلَ(١).
(١) سنده حسن، عمار بن خالد الواسطي: ثقة روى له النسائي وابن ماجه،
ومن فوقه من رجال الشيخين، إلا أن القاسم بن مالك المزني وثّقه ابن معين وأبو
داود وابن سعد وغيرهم، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو حاتم: صالح،=
٣٧

٤٦٢٠ - وحدَّثنا محمدُ بنُ علي بن داود البغداديُّ، حدثنا عليُّ بنُ
بحربن بري، وأبو مسلم عبدُ الرحمن بنُ يونس، قالا: حدثنا حاتِمُ بنُ
إسماعيلَ، قال: أخبرني محمدُ بنُ عجلانَ، عن نافعٍ مولى ابنِ عمر،
عن أبي سلمة بنِ عبد الرحمن
عن أبي سعيد الخُدري، أنَّ النبيِّ وَّهِ، قال: ((إِذا كانَ ثَلاثَةٌ في
سَفَر، فليُؤمِّرُوا أَحَدَهُمْ))، قال نافع: فقلتُ لأبي سلمة: فأنتَ أميرُنا(١).
قال أبو جعفر: ففي هذين الحديثين أن رسولَ اللهِ وَل قد جعل
الأميرَ الذي يُؤَمِّرُه الناسُ عليهم حيث يَبْعُدُونَ مِن أمرائهم، كأمرائهم
= وليس بالمتين، وقال الساجي: ضعيف.
ورواه البزار (١٦٧٢) عن عمار بن خالد الواسطي، بهذا الإِسناد.
ورواه الحاكم ٤٤٣/١-٤٤٤ من طريق القاسم بن مالك، به، وصححه، ووافقه
الذهبي .
قلت: وقد خالف القاسم بن مالك المزني غيرُ واحد، فرووه عن الأعمش، عن
زيد بن وهب، عن عمر قوله. قال الدارقطني في ((العلل)» ١٥١/٢: وهو الصواب.
(١) إسناده قوي. علي بن بحر بن بري القطان، ثقة، روى له أبو داود
والترمذي. ومحمد بن عجلان ثقة، روى له مسلم متابعة، وباقي رجاله ثقات رجال
الشيخين غير عبد الرحمن بن يونس فمن رجال البخاري.
ورواه أبو داود (٢٦٠٨)، والبيهقي ٢٥٧/٥، والبغوي (٢٦٧٦) من طريق
علي بن بحر، بهذا الإِسناد، وقرن البغوي بأبي سعيد الخدري أبا هريرة. وأفرده
بنفس الإِسناد أبو داود (٢٦٠٩)، والبيهقي ٢٥٧/٥ عن أبي هريرة.
ورواه البزار (١٦٧٣) عن إبراهيم بن المستمر، حدثنا عُبيس بن مرحوم، حدثنا
حاتم بن إسماعيل، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أن النبيَّ بَّ قال : =
٣٨

عليهم في وجوب السمع منهم، والطاعة له فيما يأمرهم به أمراؤهم،
إذا كانوا بحضرتهم، وإذا كان ذلك كذلك في الإِمرة، كان مثله في
القضاءِ، إذا حكم الرجلانِ المتنازعانِ في الشيءِ، حكماً بينهما فيما
يتنازعانِ فيه، فأمرُ ذلك الحَكَمِ فيما حكماه فيه، كالحُكم عليهما فيما
يحكم به عليهما الحكمُ الذي جعله إمامُهما الذي إليه توليةُ الحُكام
عليهما فيما يلزمهما مِن الحكم لهما وعليهما.
وهذه مسألة قد تنازع أهلُ العلم فيها:
فقال طائفةٌ منهم: ما حَكَمَ به ذلك الحَكَمُ بَيْنَ اللَّذَيْن حكِّماه،
ثم رفع إلى الحاكم الذي جعله الإِمامُ للناس حاكماً، تأمل ذلك، فإن
وافق ما يراه فيه، أمضاه، وإن خالف ما يراه فيه - وإن كان غيرُه من
العلماء يراه - رده.
وممن كان يذهب إلى ذلك من أهل العلم أبو حنيفة وأصحابُه.
ومنهم مَنْ قال: ليسَ للحاكم المرفوع ذلك الحكمُ إليه ردُّه ولا
إبطالُه إلا أن يكونَ خارجاً مِن أقوال أهل العلم جميعاً، فيرده ويُبْطِلُه،
وأما إذا لم يكن كذلك، فَلَيْسَ له رَدُّهُ ولا إبطالُه، وكان عليه أن يُمضيه
كما يُمضي حُكْمَ حاكِمٍ كان قبلَه مِن الحكام.
وممن كان يقول ذلك مِن أهل العلم ابنُ أبي ليلى، وفقهاءُ
المدينة، وقد كان الشافعيُّ قال القولين جميعاً.
= ((إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، وإذا كانوا ثلاثة في سفر، فليؤمروا
أحدهم)» .
٣٩

وكان أولى القولين عندنا في ذلك وأشبَهَهما بالحق ما قاله ابنُ أبي
ليلى وأهلُ المدينة فيه لإِجماعهم، ومَنْ خالفهم على ما يُوجب ذلك،
وذلك أنا رأيناهم لا يختلِفُون أن ذينك الرجلين لو أرادا بعد ما كان
مِن ذُلك الحكمِ ما كان مِن الحُكم بينهما رَدَّ ذلك الحكم عنهما،
أو أراده أحدُهما قبل أن يصيرَ إلى الحاكم أن ذلك ليس لهما ولا لِواحد
منهما، إذ كان قد لزمهما بحكم الحكم فيه بينَهما بما حكم بينهما
فيه، ولما كان ذلك كذلك في لزومه إياهما قبلَ أن يصيرَ إلى الحاكم،
ثم صار إلى الحاكم، وهو لازمٌ لهما، وكان سبيلُ الحكام فيما يتناهى
إليهم مما قد لزم قَبْلَ ذُلك شدُّه لا إبطالُه، وجب عليه بذلك شدُّ ما
كان من ذلك الحكم بين ذينك الرجلين، وإمضاؤه بينهما كما يمضي
حُكم حاكم حَكم بينهما من حكام الأئمة الذين يُولونهم الأحكام بينَ
الناس ، والله الموفق.
٤٠