النص المفهرس
صفحات 521-540
عنهما في هذا الباب مما وجب موافقةُ أهل هذا القول على قولهم، وترك بقية أصحاب رسول الله ﴿ خلافهما في ذلك. والله أعلم (١). (١) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٠٨/٢٣: ليس قول عبد الرحمن بن بجيد هذا مما يرد به قول سهل بن أبي حثمة، لأن سهلاً أخبر عما رأی وعاین وشاهد حتى ركضته منها ناقة واحدة (كما في رواية ابن حبان ٦٠٠٩)، وعبد الرحمن بن بجيد لم يلق النبي # ولا رآه ولا شهد هذه القصة، وحديثه مرسل، وليس إنكار من أنكر شيئاً بحجة على من أثبته، ولكن قد تقدم عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، عن رجال من الأنصار مخالفة في تبدئة الأيمان في هذه القصة (انظر (٤٥٧٨) وما بعده) وهو حديث ثابت، وكذلك اختلف في حديث سهل بن أبي حثمة أيضاً، ولكن الرواية الصحيحة في ذلك إن شاء الله رواية مالك ومن تابعه، عن يحيى بن سعيد وغيره على ما ذكرناه في هذا الباب. قلت: رواية مالك عن يحيى بن سعيد ستأتي قريباً. وقال الشافعي فيما أسنده عنه البيهقي في ((السنن)) ١٢١/٨: قال لي قائل: ما منعك أن تأخذ بحديث ابن بجيد؟ قال: لا أعلم ابن بجيد سمع من النبي ◌َ﴾، وإن لم يكن سمع من النبي# فهو مرسل، ولسنا ولا إياك نثبت المرسل، وقد علمت سهلاً صحب النبي# وسمع منه، وساق الحديث سياقاً لا يشبه إلا الأثبات، فأخذت به لما وصفت، قال: فما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب؟ قلت: مرسل، والقتيل أنصاري، والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم إذا كان كل ثقة، وكل عندنا بنعمة الله ثقة. ٥٢١ ٠ ٧١٨ - بابُ بيانِ مشكل كيفية القَسامةِ كيف كانت مما رُوي عن رسول الله وَلاخير فيه ٤٥٨٧ - حدثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، أن مالكاً أخبره عن یحیی بن سعید عن بُشَيْرِ بن يسارٍ أنه أخبره أنّ عبدَ الله بن سهل الأنصاري ومُحَيِّصَةَ بن مسعود خرجا إلى خَيْبَرَ، فتفرقا في حوائِجهما، فَقُتِلَ عبدُ الله بنُ سهلٍ، فبلغ مُحَيِّصَةَ، فأتى هو وأخوه حُوَيِّصَةٌ وعبدُ الرحمن بن سهل إلى رسولِ الله وَلَّ، فذهب عبدُ الرحمن لِيتكلم لمكانه من أخيه، فقال رسولُ الله ◌ِ﴿: ((كَبِّرْ كَبِّرْ»، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصة ومُحَيِّصَة، فذكرا شأنَ عبدِ الله بن سهل، فقال لهم رسولُ اللهِ وَله: («تَحْلِفُونَ خمسين يميناً، وتَسْتَحِقُّونَ قاتِلَكُم أو صاحِبَكم))، قالوا: يا رسولَ الله لم نشهد ولم نَحْضُر، قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((أفْتُبْتُكُم يَهُودُ بخمسينَ يميناً؟» قالوا: يا رسولَ الله كيف نَقْبَلُ أيمانَ قومٍ كفار؟ قال مالك: قال يحيى بنُ سعيد: فزعم بشيرٌ أَنَّ رسولَ اللهِ وَِّ ودَاه مِن عنده(١). (١) رجاله ثقات رجال الشيخين. قال أبو عمر في ((التمهيد)) ١٩٨/٢٣: لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد رواه حماد بن زيد وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وعبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن بشيربن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، وبعضهم= ٥٢٢ هكذا روى مالك هذا الحديثَ عن بشير ولم يتجاوزه إلى غيرِهِ، وقد رواه غيرُه فتجاوز به إلى سهل بن أبي حَثْمَة ٤٥٨٨ - كما حدثنا يونسُ، حدثنا سفيانُ، عن يحيى بن سعيد، سَمِعَ بُشَيْرَ بنَ يسارٍ عن سهل بن أبي حَثْمَةَ، قال: وُجِدَ عبدُ الله بنُ سهلٍ قتيلاً في قَلِيبٍ من قُلُب خيبرَ، فجاءَ أخوه عبدُ الرحمن بنُ سهل، وعمَّه مُحَيِّصةً وحُوَيِّصة إلى رسول الله وَير، فذهب عبد الرحمن لِيتكلم، فقال النبيُّ = يجعل مع سهل بن أبي حثمة رافع بن خديج، جميعاً عن النبي #، وكلهم يجعله عن سهل بن أبي حثمة مسنداً. قلت: سيأتي تخريج هذه الطرق عند الحديث التالي . وهو في ((الموطأ) ٨٧٨/٢، وعند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٧/٣. ورواه عبد الرزاق ضمن الحديث (١٨٢٥٨)، ورواه النسائي ١١/٨ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، كلاهما (عبد الرزاق، وعبد الرحمن) عن مالك، بهذا الإِسناد. ورواه مسلم (١٦٦٩) (٣) و(٤) من طريقي هشيم، وسليمان بن بلال، كلاهما عن يحيى بن سعيد، به. وانظر (٤٥٧٧) و(٤٥٩١). وفي الحديث دليل واضح على أنه لا يقتل بالقسامة إلا واحد، لأنه أمرهم بتعيين رجل يقسمون عليه، فيدفع إليه برمته. وفيه أن القوم إذا اشتركوا في معنى من معاني الدعوى وغيرها كان أولاهم بأن يبدأ بالكلام أكبرهم، فإذا سمع منه تكلم الأصغر فسمع منه أيضاً إن احتيج إلى ذلك، وهذا أدب وعلم، فإن كان في الشركاء في القول والدعوى من له بيان - ولتقدمته في القول وجه -، لم يكن بتقديمه بأس إن شاء الله. انظر ((التمهيد) ٢٠٠/٢٣ و٢٠٣-٢٠٤. ٥٢٣ عليه السَّلامُ: ((الكُبْرَ الكُبْرَ))، فتكلم أحدُ عَمَّيْهِ إِمَّا حُوَيِّصَةُ وإِمَّا مُحَيِّصَةٍ، فكلَّم الكَبيرَ منهما، قال: يا رسولَ الله، إنّا وجدنا عبدَ الله بن سهلٍ قتيلاً في قَلِيبٍ من قُلُبِ خيبر، وذكر عدَاوَةَ يهودٍ لهم، قال: (أَفْتُبْرِتُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَميناً: إنَّهم لم يَقْتُلوه؟)) قالوا: كيف نرضى بأيمانِهم وهُمْ مُشرِكون؟ قال: ((فَيُقْسِمُ منكم خمسونَ إنهم قتلوه)»، قالوا: كَيْفَ نُقْسِمُ على ما لم نَرَ؟ فوداه رسولُ الله ◌ِ﴾﴿ من عنده (١). ففي هذا الحديثِ تبرئةُ رسولِ اللهِ وَ﴿ اليهودَ في الأيمانِ، وهذا خلافُ ما في حديث مالكٍ، غير أن أكثرَ الناسِ رَوَوْهُ على موافقةِ مالكٍ فيه. فممن رواه كذلك بشرُ بنُ المفضل ٤٥٨٩ - كما حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، قال: حدثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدثنا بِشْرُ بنُ المفضل، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، سفيان: هو ابن عيينة. وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٧/٣ بإسناده ومتنه. ورواه الشافعي ١١٤/٢، وعبد الرزاق (١٨٢٥٩)، والحميدي (٤٠٣)، وأحمد ٢/٤، ومسلم (١٦٦٩) (٢)، والنسائي ١١/٨، والطبراني (٥٦٢٥)، وابن الجارود (٧٩٨)، والبيهقي ١١٩/٨ من طرق عن سفيان، بهذا الإسناد. ورواه الشافعي ١١٣/٢-١١٤ ١١٤، وأحمد ١٤٢/٤، والبخاري (٦١٤٢) و(٦١٤٣)، ومسلم (١٦٦٩) (١) و(٢)، وأبو داود (٤٥٢٠)، والترمذي (١٤٢٢)، والنسائي ٨٧/٨ ٨٠ و٩ ٩٠ - ١٠ و١٠، وابن الجارود (٨٠٠)، وابن حبان (٦٠٠٩)، والطبراني (٤٤٢٨) و(٥٦٢٧)، والدارقطني ١٠٨/٣-١٠٩، والبيهقي ١١٨/٨ و١١٨-١١٩ و١١٩، والبغوي (٢٥٤٦) من طرق عن يحيى بن سعيد، به. وبعضهم يقرن بسهلٍ بن أبي حثمة رافعَ بن خديج. وانظر (٤٥٧٧). ٥٢٤ عن سهلِ بن أبي حثمة، قال: انطلقَ عبدُ الله بنُ سهل، ومُحيِّصةُ بنُ مسعود بن زيد إلى خيبر، وهي يومئذ صُلْحٌ، فتفرّقًا في حوائجهما، فأتى مُحَيِّصةُ على عبدِ الله بن سهل وهو يتشحَّطُ في دمه، فدفنه، ثم قَدِمَ المدينةَ، فانطلق عبدُ الرحمن بن سهل وحُوَيِّصَةُ ومحيصة إلى رسولِ اللهِ وَِّ، ثم ذكر بقيةَ حديثِ مالكٍ(١). فقال قائلون: هكذا القسامةُ على ما [في] حديثٍ مالك ويشربن المفضل، يبدأ فيها أولياءُ الدم. وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يبدأ فيها بالموجود ذلك القتيل بَيْنَ ظَهْرَانَيهم على ما في حديث ابن عيينة، وفي حديث أبي سلمة وسليمان، عن رجال من الأنصار الذي ذكرنا في الباب الذي قَبْلَ هذا الباب(٢) أن رسولَ اللهِ وَّ قال ليهود بدأ بهم: ((يَخْلِفُ منكم خمسونَ))، فهذا مخالفٌ لحديثِ بشيرٍ، وهو أولى منه لجلالة قدر رُواةٍ هذا الحديثِ على رواة حديث يحيى بن سعيد مع أنا قد وجدنا حديث بُشير قد رُويَ عنه بخلاف ما رواه عنه يحيى بن سعيد (١) إسناده صحيح على شرط البخاري، مسدد من رجاله، ومن فوقه من رجال الشیخین. ورواه البخاري (٢٧٠٢) و(٣١٧٣)، والبيهقي ١١٨/٨ من طريق مسدد بن مسرهد، بهذا الإِسناد. ورواه مسلم (١٦٦٩) (٢)، والنسائي ٩/٨، والدارقطني ١٠٨/٣-١٠٩، والبيهقي ١١٨/٨ من طرق عن بشربن المفضل، به. وانظر ما قبله. (٢) سلف برقم (٤٥٧٨). ٥٢٥ ٤٥٩٠ - كما قد حدَّثنا فهد، حدَّثنا أبو نعيمٍ، حدَّثنا سعيدُ بنُ عبيد الطائيّ، عن بُشير بن يسار أن رجلاً مِن الأنصار يقال له: سهلُ بنُ أبي حَثْمَةَ أخبره أن نفراً مِن قومه انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلاً، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قَتَلْتُم صَاحِبَنَا، قالوا: واللهِ ما قَتَلْنا ولا عَلِمْنَا لَهُ قاتلاً، فانطلقوا إلى نبيِّ الله وَّهِ، فقالوا: يا نبيَّ اللهِ انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدَنا قتيلاً، فقال رسولُ اللهِ وَ﴾: ((الْأَكْبَرَ الْأَكْبَرَ))، فقال لهم: (تأتونَ بِالبَيِّنَةِ على مَنْ قَتَلَ)) قالوا: ما لَنَا بَيِّنَةً. قال: ((فَيَحْلِفونَ لكُمْ)) قالوا: لا نرضى بأيمانِ اليهودِ، فكره رسولُ الله ﴿ أَن يُطَلَّ دَمُهُ، فوداه بمئةٍ من إبل الصدقةِ(١). قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أن النبيِّ وَ﴿ إنما جعل الأَيْمانَ في هذا المعنى على اليهود الموجودِ ذلك القتيلُ فيهم، لا على أولياء ذلك القتيل، وقد شَدَّ ذلك حديثُ أبي سلمة وسليمان على ما رويناه مِن قضاء عمر على الحارث بن الأزمع وقومه، وهذا عندنا مما لا يسع خلافُه. (١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن عبيد الطائي، فمن رجال البخاري. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٨/٣. ورواه ابن أبي شيبة ٣٨٣/٩، والبخاري (٦٨٩٨)، ومسلم (١٦٦٩) (٥)، وأبو داود (٤٥٢٣)، والنسائي ١٢/٨، والطبراني (٥٦٢٩)، والدارقطني ١١٠/٣، والبيهقي ١٢٠/٨ عن طريق أبي نعيم، بهذا الإسناد. وانظر (٤٥٧٧). ٠ ٥٢٦ ٧١٩ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسولِ الله ◌ِصل﴾ في القسامَةِ التي قَضى بها على اليهودِ، وجَعَلَ 1 الديةَ عليهم هل تكونُ كذلك الأحكام فيمن بَعْدَهُمْ تكونُ الدية على ساكني الموضع الموجود فيه ذلك القتيل، وإن لم يكونوا يَمْلِكونَه أو على مالكيه؟ قال أبو جعفر: قد روينا في حديث سهلٍ أن النبيَّ نَّهِ قال للأنصار: ((إما أن يَدُوا صاحِبَكُم، وإما أن يُؤْذِنوا بحربٍ))(١). وفي حديثٍ أبي سَلَمَة وسليمان أن النبيِّ وَ جَعَلَ ديةً ذلك القتيل على اليهود، وخيبر فإنما كانت للمسلمين، وكانت اليهودُ عُمَّالَهم فيها. قال أبو يوسف: فهكذا أقولُ، إذا كانت دارً لها سُكان لا يملكونها، ولها مالكون بعدوا عنها، فالقَسَامَةُ والدِّية على سكانها، لا على مالكيها الذين لا يَسْكُنونَها. وقد خالفه في ذلك أبو حنيفة ومحمدُ بنُ الحسن، وكثيرٌ مِن أهلِ العلم سواهما، فجعلوا القَسامة (١) تقدم برقم (٤٥٧٧). ٥٢٧ والدية في ذلك على المالكين، لا على السكان الذين لا يملكون ذلك الموضع . وتأملنا ما قاله أبو يوسف في ذلك فوجدناه قد أوهم فيه، لأن في حديث بشربن المفضل أنها كانت - يعني خيبر- يومئذ صُلحاً، وقد شَدَّ ذلك حديثُ مالك، عن أبي ليلى، عن سهل الذي قال فيه رسولُ الله وَلَى : ((إما أن يَدُوا صَاحِبَكم، وإما أن يُؤْذِنوا بحرب)»، وذلك لا يكونُ إلا على موضعٍ هُوَ لهم، وقد وافق بشربن المفضل على ما روي في خيبر أنها كانت صلحاً يومئذ عن يحيى بن سعيد سليمانُ بن بلال ٤٥٩١ - كما قد حدثنا محمدُ بنُ خُزيمة، قال: حدثنا القعنبيُّ، قال: حدثنا سليمانُ بنُ بلال، عن يحيى بن سعيد [عن بُشير بن يسار] أن عبدَ الله بن سَهل ومُحَيِّصةَ خرجا إلى خيبر في زمن رسولِ الله وَّل وهي يومئذٍ صُلْحٌ وأهلُها يهود، فتفرقا لِحاجتهما، فقتل عبدُ الله بنُ سهل، فوجد في شَرَبَةٍ مقتولاً، فدفنه صاحبُه، ثم أقبل إلى المدينة، فمشى أخو المقتول عبدُ الرحمن بن سهل وحُويِّصةُ ومُحَيِّصةُ، فذكروا لِرسول الله وَِّ شأنَ عبدِ الله بن سهل وكيف قُتِل، فزعم بُشَيْرُ بنُ يسار وهو يُحَدِّثُ عمن أدرك أصحابَ النبي وَّ أنه قال لهم: ((تحلِفُونَ خمسين يميناً وتَستَحِقُونَ قتيلَكم أو صاحِبَكم؟)) قالوا: يا رسولَ الله ما شَهِدْنا ولا حَضَرْنا، قال: ((أفْتُبْتُكم اليهودُ بخمسين يميناً؟)) قالوا: يا رسولَ الله وكيف نقبَلُ أيمانَ قومٍ كَفَّارٍ؟ فزعم بشيرٌ أن رسولَ الله ◌َّهِ عَقَلَهُ(١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. القعنبي: هو عبد الله بن مسلمة بن = ٥٢٨ قال أبو جعفر: فَعَقَّلنا بحديثٍ بشرٍ وسليمان إيهامَ أبي يوسف في هذا الحديثِ في الأمر الذي كانت عليه خيبرُ لما وُجدَ فيها ذلك القتيلُ، وأنها لم تكن للمسلمين، وإنما كانت لليهود، والله أعلمُ. = قعنب الحارثي البصري. وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار» ١٩٩/٣ بإسناده ومتنه. ورواه مسلم (١٦٦٩) (٣) عن القعنبي، بهذا الإسناد. وانظر (٤٥٨٩). الشَرَبة، بفتح الراء: هي حوضٌ يكونُ في أصل النخلة وحولها يملأ ماء لِتشربه، وجمعه شرب، كثمرة وثمر. ٥٢٩ ٧٢٠ - بابُ بيان مشكل الواجب بالقَسامةِ هل يكونُ فيه سفكُ دم من يُقسم عليه كما قال مالك، أو غرم ديته كما قال مخالفوه قال قائل: في حديث يحيى بن سعيد عن بشر بن سهل أن رسولَ اللهِ وَّه قال للأنصار: ((أتحلِفُونَ خَمْسِينَ يَميناً، وتَستَحِقُونَ دَمَ قاتِلِكم أو صَاحِبكم؟)) قالوا: فهذا يَدُلُّ على أن الدمَ يستحقُّ بالقَسامة، وكان مِن حجة مخالفيهم عليهم في ذلك أنَّ هذا الحديثَ إنما رُوِيَ بالشك، وهو ما فيه مِن قوله وَ﴿ه: ((وتستحقُّونَ قَاتِلَكم حتى تقتلوه، أو صاحِبِكم))، كما فيه: ((فما يستحقّونه فيه على قاتلهم هو القودُ، وما فيه مما يستحقون في صاحبهم هو الديةُ))، والله أعلم كيف كان الذي قاله رسول الله وَ س﴿ في ذلك غير أن في حديث مالك، عن أبي ليلى، عن سهلٍ أن رسولَ اللهِ وَّه قال: ((إِمَّا أن يَدُوا صَاحِبَكم وإمّا أن يُؤْذِنُوا بحربٍ))، فكان هذا الحديث على ذكر أن يَدُوا صَاحِبَكم لا على ما سوى ذلك، والواجبُ في الحديث الأول الذي وقع فيه الشكُ أن يُرد إلى هذا الحديثِ الذي لا يُشَكَّ فيه، والله الموفق(١). (١) قال البغوي في ((شرح السنة)) ٢١٧/١٠: اختلف أهل العلم في وجوب = ٥٣٠ ٧٢١ - بابُ بيان مشكل ما رُوي في الدِّية التي ودي بها الأنصاريُّ، هل كانت من عند الرسول ◌َ *، أو من إبل الصدقة، أو من عند اليهود؟ قال أبو جعفر: قد روينا في حديث أبي سلمة وسليمان عن رجالٍ من الأنصار أنَّ النبيَّ ◌َِّ جعل دِيتَه على يهود، لأنه وجد بين أظهرهم. ففي هذا الحديثِ قضى رسولُ الله وَّر بها على يهود، وفي حديث سهل بن أبي حَثْمَةَ من غيرِ حديث سعيد بن عبيد أنَّ رسولَ الله لَه غَرَمَها مِنْ عنده، فيحتمِلُ أن يكونَ غَرِمَها من عنده، وقد جعلها واجبةً =القصاص بالقسامةِ، فذهب قوم إلى وجوب القصاص فيها، لقوله صل *: ((تحلفون وتستحقون دمَ صاحبكم))، وروي ذُلك عن ابن الزبير، وهو قولُ عمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب مالك، وأحمد وأبو ثور، هذا كما لو لم يكن هناك لوث، ونكل المدعى عليه عن اليمين يُحلِّف المدعي، ويستحق القود. وذهب جماعة إلى أنه لا يجب به القودُ، بل تجب الديةُ مغلظةً في ماله، روي ذلك عن ابن عباس، وبه قال الحسنُ البصريُّ، والنخعيُّ، وهو قولُ الثوري، وقول الشافعي في الجديد، وأصحابُ الرأي، وإسحاق. وتأوَّلُوا قوله: ((دم صاحبكم))، أي: ديته ... أما إذا ادعى قتل خطأ، أو شبه عمدٍ، وحلف، فالدية على العاقلة، وكان الحكم - وهو ابن عتيبة الثقة الثبت الفقيه - لا يرى القسامة شيئاً. ٥٣١ على غيره، فَغَرَمَها من حيثُ لا يجبَُ عليه غُرْمُها، ولم يدفع ذلك أن يكونَ قد تقدَّمَ قضاؤه بها على من قضى بها عليه، وفي حديث سعيدِ بنِ عُبيد أن النبيَّ ◌َ﴿ وَدَى ذُلك القتيلَ بها من إبلِ الصدقة، فيحتمل أن يكونَ قولُ من قال: وداه مِن عنده، أي: مما يَدُلُّ عليه، وإن لم يكن مالكاً له، حتى لا تَتَضَادُّ هذه الأحاديثُ وحديثُ سهل، ويحتمل أن يكونَ أداؤه لذلك مِن إبل الصدقة، لا غرماً عن اليهود، لأنهم ليسوا من أهل الصدقة، ولكن كي لا تَبْطُلَ ديةُ ذلك القتيل، ويُطَلَّ دمه، فدفع ذلك من إبل الصدقة لهذا المعنى، لا أنه دفع عن اليهود شيئاً يُسْقط عنهم ما كان قَضَى به عليهم، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أن مَن غَرِمَ عن رجلٍ ديناً كان عليه لمن هُوَ له أنه لم يملك الذي كان عليه الدين شيئاً مما غرمه عنه، وهكذا كان محمدُ بنُ الحسن يقوله في هذا، حتى قال في رجل تزوج امرأة على مئة درهم فأدى إليها رجل عنه تلك المئة، ثم طلقها زوجها قبل أن يدخل بها: إن نِصْفَ الصَّداقِ الواجب عليها ردُّه يجب عليها رَدُّه إلى الذي أدَّى إليها المئة لا إلى زوجها، ولم يَحْكِ محمد في ذلك خلافاً بينَه وبَيْنَ أحدٍ من أصحابه، وقد قال قائل: إنها تَرُدُّها على الزوج، والقول عندنا في ذلك القولُ الأول، لأنَّ الدراهم إنما خرجت في البدءِ من مِلْكِ مؤديها إلى مِلك المرأة، لا إلى ملك الزوج، وهذا عندنا أيضاً يدلُّ على خِلافٍ ما قاله مالك بن أنس فيمن أدى عن رجلٍ ديناً عليه بغير أمره إلى مَنْ هُوَ له أنه يَرْجِع بذلك الدين على الذي كان عليه، لأنّه قد ملكه بأدائِهِ إِيَّه عنه، وقد عَلِمْنا أنَّ رسولَ اللهِ : ﴿ ما دَفَعَ من إبلِ الصَّدَقَّةِ ما دفع لِيرجع إليه مثله، وقد ذكرنا أيضاً مِن الحجة على هذا ٥٣٢ القول فيما تَقَدَّمَ منا في كتابنا هذا ما رويناه عن رسول الله وَلِ أنّه كان لا يُصلي على مَنْ تَرَكَ عليه ديناً لم يترك له وفاءً(١)، وإن أبا قتادة لما ضَمِنَ ذُلك عن المُتَوفَّى الذي لم يُصَلِّ عليه رسولُ اللهَِ للدَّيْن الذي عليه، ولم يترك له وَفَاءَ ذلك الذي عَلَيْهِ، صَلَّى عَلَيْهِ. فَعَقَلْنَا بذلك أن مؤدِّيَ الدين لو كان يَرْجِعُ إليه بأدائه إيَّه عنه، فيكون له أخذُ مَنْ هُوَ عليه به، لكان دين ذلك الميت قد عاد إلى أبي قتادة، ولم يَبْرَأْ من الدَّيْن ولم يُصَلِّ عليه رسولُ اللهِ وََّ، وفي صلاِه عليه ما قد دَلَّ أن الدينَ لم يَرْجِعْ إلى أبي قتادة، ولم يَمْلِكْهُ، وفي هذا بيانٌ لما وصفنا، وإيضاحٌ للحُكم كان عندَ رسولِ اللهِ وَّ في هذا الباب، ثم وجدنا في هذا المعنى حديثاً آخر فيه غيرُ ما في هذه الآثار التي ذكرنا في هذا الباب وهو: ٤٥٩٢ - ما قد حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، أخبرنا محمدُ بنُ معمر البَحْرَانِيُّ، حدَّثنا روحُ بنُ عبادة، حدَّثنا عبيدُ الله بنُ الأخنس، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه عن جَدِّهِ أن ابنَ مُحَيِّصَة الأصغر أصبحَ قتيلاً على أبوابٍ خيبر، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أَقِمْ شاهِدَيْنِ على من قَتله، أدْفَعْهُ إليك برُمِّتِه)»، فقال: يا رسولَ الله، ومن أين أُصيبُ شاهدين، وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم، قال: ((فَتَحْلِفُ خمسين قسامة؟)) قال: يا رسول الله، وكيف أُخْلِفُ على ما لا أعلمُ؟ فقَالَ رسولُ اللهَِّهِ: ((فَنَسْتَحْلِفُ منهم خمسين (١) سلف برقم (٤١٤٤). ٥٣٣ قَسَامةً؟)) فقال: يا رسول الله كيف نستحْلِفُهُمْ وهم كُفارٌ، أو وهم مشركون؟ فقسم النبيُّ ◌َ﴿ ديتَه عليهم، وأعانهم ببعضها(١). ففي هذا الحديث أنّ رسولَ الله ◌ِ لتر قسم ديته على اليهود بغير حلف كان في تلك الدعوى عليهم، وفي ذلك ما قد دل على أن الديةً لزمتهم بوجودِ القتيلِ بَيْنَ ظهرانيهِم، وفيه عن رسولِ اللهِ وَلّ عونه إيَّهم بنصفِ دية القتيلِ، فذلك عندنا - والله أعلم - على أن ذلك كان منه غرماً عن الأنصار لا عن اليهود، ولأن الذي غرمه في ذلك إنما كان من الأموال التي لا تحل لليهود، وبالله التوفيق(٢). (١) إسناده حسن، وهو في ((سنن النسائي)) ١٢/٨، وانظر (٤٥٨٦). (٢) للتوسع في باب القسامة انظر ((المغني)) ١٨٨/١٢ وما بعدها، و((التمهيد)) لابن عبد البر ١٩٨/٢٣-٢٢٢، و(شرح السنة)) ٢١٦/١٠-٢١٩، و((الفتح)) ٢٣١/١٢-٢٤٥. ٥٣٤ ٧٢٢ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله صل﴾ من قولِ أيوب نبي الله عليه السلام: تعلم أنِّي كُنْتُ أُمُرُّ على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله عز وجل، فأرجع إلى بيتي، فأُكَفِّر عنهما كراهةَ أن يذكُرا الله إلا في حقِّ ٤٥٩٣ - حدثنا يونس، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني نافع بنُ یزید، عن عُقَيْلِ بنِ خالد، عن ابنِ شهاب عن أنس بن مالكٍ أن رسولَ اللهِ وَ﴿ قال: ((إنَّ نبيَّ اللهِ أيوبَ عليه السَّلامُ لَبِثَ به بَلاؤهُ ثَمانَ عشرةَ سنةً، فرفضه القريبُ والبعيدُ إلا رجلين من إخوانه كانا مِن أخصِّ إخوانِه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لِصاحبه: تعلَّمُ واللهِ، لقد أذنب أيوبُ ذنباً ما أَذْنَبَهُ أَحدٌ مِن العالَمِينَ، فقال له صاحبُه: وما ذاك؟ قال: مِن ثَمان عشرة سنةٌ لم يَرْحَمْهُ الله، فيكشف ما به، فلما راحا إليه، لم يَصْبِر الرجلُ حتى ذكر ذلك له، فقال أيوبُ صلواتُ الله عليه: لا أدري ما تَقُولُ غيرَ أن الله قد رآني كُنْتُ أمرُ على الرجلين يتنازعَان، فيذكران الله تعالى، فأرجع ٥٣٥ إلى بيتي، فأكَفِّرُ عنهما كراهيةَ أن يذكرا الله إلا في حَقٌّ، وكان يَخْرُجُ في حاجته، فإذا قضاها، أمسكت امرأتُه بيده حتى يَبْلُغَ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، فأوحى الله تعالى إلى أيوب في مكانه أن ﴿ارْكُضْ برجلِكَ هُذا مغتسلٌ باردٌ وشرابٌ﴾ [ص: ٤٢]، واسْتَبْطَأَتْهُ فَتَلَقْتْهِ تَنْظُرُ، وأقبل عليها قد أذهبَ الله تعالى جَدُّه ما بِهِ مِن البلاءِ وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أيْ بَارَكَ الله فيك، هل رأيتَ نبيَّ الله هذا المُبْتَلَى؟ واللهِ على ذلك ما رأيتُ أحداً أشبه به منك إذ كان صحيحاً، قال: فإنّي أنا هو، وكان له أندرانٍ: أندرٌ للقمح وأندرٌ للشعير، فبعث الله تعالى سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندرِ القمح أفرغت فيه القمح ذهباً حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعيرِ الوَرِقَ حتى فاض))(١). ٤٥٩٤ - وحدثنا يزيدُ بنُ سِنان، حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، حدثنا نافعُ بنُ يزيد، أخبرني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهاب عن أنس بن مالك، عن رسولِ اللهِ وَ ﴿، فذكر مثلَه، إلا أنَّه قال (١) إسناده على شرط مسلم. نافع بن يزيد من رجاله، وباقي رجاله من رجال الشيخين، لكن قال الحافظ ابن كثير في ((قصص الأنبياء)» ص٣١٥، وقد أورده ونسبه إلى ابن أبي حاتم وابن جرير وابن حبان: وهذا غريب رفعه جداً، والأشبه أن يكون موقوفاً . ورواه ابن جرير ١٦٧/٢٣ عن يونس بن عبد الأعلى، بهذا الإسناد. ورواه ابن حبان (٢٨٩٨) من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، به. وانظر ما بعده. والأندر: البيدر أو كُدس القمح. ٠٥٣٦ مكان ((يتنازعان)): ((يتراغمان))(١). ٤٥٩٥ - وحدثنا يزيد، قال: حدثنا أبو صالح عن نافع، ثم ذكر بإسناده مثله(٢). ٤٥٩٦ - قال أبو جعفر: فسألتُ أنا إبراهيمَ بن أبي داود عن هذا الحديثِ، وقلتُ له: هل رواه عن عُقَّيْلٍ غَيْرُ نافع بن يزيد؟ قال: نعم، حدثنا نعيمُ بنُ حماد، قال: حدثنا ابنُ المبارك، عن يونس بن يزيد، عن عُقيل، عن ابن شهابٍ، عن النبيِّ ◌َله، ولم يذكر فيه أنس بن مالك(٣). (١) سعيد بن أبي مريم: هو سعيد بن الحكم بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء، المصري، ثقة ثبت فقيه من رجال الستة، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير نافع بن يزيد فمن رجال مسلم. ورواه أبو يعلى (٣٦١٧)، والبزار (٢٣٧٥)، والحاكم ١٨١/٢-١٨٢، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٧٤/٣-٣٧٥ من طرق عن سعيد بن أبي مريم، بهذا الإسناد. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال أبو نعيم: غريب من حديث الزهري، لم يروه عنه إلا عقيل، ورواته متفق على عدالتهم، تفرد به نافع. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٠٨/٨، ونسبه إلى أبي يعلى والبزار، وقال: ورجال البزار رجال الصحيح. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٦٥٩/٥-٦٦٠، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنیا وابن مردويه. (٢) أبو صالح: هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، في حفظه شيء، وباقي رجاله ثقات، وهو مکرر ما قبله. (٣) رجاله ثقات رجال الشيخين غير نعيم بن حماد، فقد روى له البخاري في موضعين من ((صحيحه)، وعلق له أشياء أخر، وروى له مسلم في المقدمة موضعاً= ٥٣٧ قال أبو جعفر: فتأمَّلْنا ما في هذا الحديثِ من قولِ أيوبَ عليه السَّلامُ للرجل الذي قال له ما قال: واللهِ ما أدري ما تَقُولُ غَيْرَ أَنِّي كُنتُ أَمْرُّ بِالرَّجُلَيْنِ يتنازعانِ فيذكرانِ الله عز وجلٌ، فأرجع إلى بيتي، فَأَكَفِّرُ عنهما كراهيةً أن يذكرا الله إلا في حقِّ، فكان محالاً أن يكونَ ما كان منه 18 في ذلك كفارة عن يمينٍ كانت منهما، أو من أحدهما، لأنه لا يجوزُ أن يُكفر عن حالفٍ بيمين غيره بعد حِنثه فيها، ولا قَبْلَ حِنثه فيها وهو حي، ولكنه عندنا - والله أعلم - على كفارة عن الكلام الذي ذكر الله عز وجل فيه مما لم يكن يَصْلُحُ أن يُذكر، ثم عدنا إلى الكفارات عن الأشياءِ ما هي؟ فرأيناها هي التغطيةٌ لِما كفرت به عنه، وكانت التغطيةُ للأشياءِ قد يكونُ منها فناءُ تلك الأشياء، كمثلِ ما يَبْذُّرُه الناسُ في أرضهم، يزرعونه فيها، فَيُغطونه بما يُلقون عليه مِن الطين، فَسُمُّوا بذلك كفاراً لِتغطيتهم إِيَّاه، ومنه قولُ الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَّبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، يعني الزُرَّاعَ له، لا الكفارَ بالله تعالى، ولا يكون نباته إلا بعدَ فناء ما كان زُرِع في مكانه، وقد يكونُ مع ذلك بقاؤهما وظُهورهما بعدَ ذلك، كمثل ما قيل فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النَّجومَ غَمَامُها(١) = واحداً، وأصحاب السنن إلا النسائي، وكان أحمد يوثقه، وقال ابن معين: كان من أهل الصدق إلا أنه يتوهم الشيء فيخطىء فيه، وقال العجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي : ضعيف. (١) عجز بيت للبيد بن ربيعة من معلقته المشهورة، وصدره: يَعْلُو طَرِيقَةً مَتْنِها مُتَواتِراً ٥٣٨ أي: غطّ نجومَها التي قد ظهرت. وكان أحسنَ ما حضرنا في تأويل ما قال أيوبُ صلواتُ الله عليه مما ذكر عنه في هذا الحديثِ: أنَّه لما كان مِن خطاب ذينك الرجلين ما كان مما خَلَطًا ذكرَ الله بما لا يَصْلُحُ ذكرُه عز وجل فيه، كان ذَلَك خطيئةً قد ظهرت، وما ظهر مِن الخطايا، فلم تغير، عَذَّبَ الله تعالى عليه الخَاصَّة والعَامَّةً ٤٥٩٧ - كما قد حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا عمرو بنُ أبي رزين، حدثنا سيف بن أبي سُليمان المكيُّ، عن عدي بن عدي - قال أبو جعفر: وهو ابنُ عميرة - عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللّه تعالى لا يُهْلِكُ العَامَّةَ بعملِ الخَاصَّةِ، ولكن إذا رأوا المُنكَرَ بَيْنَ ظهرانَهِمْ، فلم يُغَيِّرُوا، عَذَّبَ الله تعالى العامَّة والخاصَّة))(١). = يعني البقرة الوحشية قد دخلت كناسها في أصل شجرة، والرمل يتساقط على متنها . (١) عمرو بن أبي رزين: هو عمرو بن محمد بن أبي رزين الخزاعي، مولاهم البصري، روى عنه جمع، وحديثه في ((سنن الترمذي))، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن قانع: بصري صالح، وقال الحاكم: صدوق. وباقي رجاله ثقات إلا أن ابن أبي حاتم نقل عن أبيه أن عدي بن عدي روى عن أبيه مرسلاً لم يسمع من أبيه، يدخل بينهما العرس بن عميرة، وأبوه: هو عدي بن عميرة بن فروة بن زرارة بن الأرقم بن النعمان الكندي، صحابي معروف، يكنى أبا زرارة، له أحاديث في صحيح مسلم وغيره، روى عنه أخوه العرس بن عميرة - وله صحبة - وغير واحد، وقد سلف تخريجه (١١٧٥)، وفي الباب ما يشده من حديث أبي بكر الصديق، وهو صحيح سلف تخريجه (١١٦٥) و(١١٦٦) و(١١٦٧). ٥٣٩ قال أبو جعفر: فلما عاد ما كان مِن ذينك الرجلين إلى ما يُؤخذ به العامة، تلافاه أيوبُ بما يدفع وقوعَ عذاب الله مِن الصدقة التي تُكفر الذنوبَ، وَتَدْفَعُ العقوباتِ من غير أن يكونَ ذينك الرجلين قد كانت لهما في ذُلك كفارة، فكانت تلك الكفارةُ تغطي تلك المعصية تغطيةٌ فيها فناؤها، وإن كان الرجلان اللذان اكتسباها لم يدخلا في ذلك، ومثلُ ذلك قوله لنبيه وَله: ﴿وما كان الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وما كانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فأعلمه ◌َّ أنه يرفع العذاب عنهم، وإن كانوا يستحقونه، باستغفارهم إِيَّاه، وكان ذلك الاستغفارُ - والله أعلم - مما يقع في القلوب أنه لم يكن كان من جميعهم، ولكنه كان مِن بعضهم، فرفعت به العقوبة عمن كانت منه تلك المعاصي، وعمن لم تكن منه، فهذا أحسنُ ما حضرنا من المعاني التي يحتمِلُها ما قد ذكرناه عن أيوب عليه السَّلامُ، والله أعلمُ بالحقيقة كانت في ذلك، والله نسأله التوفيق. بعونه تعالى وتوفيقه تم طَبْعُ الجزء الحادي عشر من بيانِ مشكل أحاديثِ رسولِ الله واستخراج ما فيها من الأحكام ونفي التضاد عنها ويليه الجزء الثاني عشر وأولُه بابُ بيانِ مشكل ما رُوِي عن رسولِ اللهَالدول في إخوانه: هل هم أصحابُه أو هل هُمْ سِواهم