النص المفهرس

صفحات 381-400

ووجدنا كلامَ الناسِ يجري على هذا، لأنا وجدناهم يقولون:
جاءنا فلان بألوانٍ مِن الطعام، يريدون أنواعاً من الطعام، ويقولون:
كلمنا فلان بألوانٍ من الكلامِ، وكان هذا أولى ما حُمِلَ عليه حديثُ
رسول الله﴿ الذي قد ذكرناه لما قد صَدَّقه ما رويناه فيه عن ابن
عمر، ولما وجدناه مستعملاً في كلام الناس مما يَدُلُّ عليه. والله نسأله
التوفيق .
= معمر، به. ولفظه: أن ابن عمر كان لا يرى بأساً فيما يكال يداً بيد واحداً باثنين
إذا اختلف ألوانه.
٣٨١

٧٠١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله وعليه
في المقدارِ الذي وَرِثَه الجَدُّ من ابن ابنه
٤٥٠٦ - حدثنا عليُّ بنُ شيبة، حدثنا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا
هَمَّامُ بنُ يحيى، عن قتادة، عن الحسن
عن عِمَرانَ بن حُصين، قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ إِلّه،
فقال: إنَّ ابنَ ابني مات، فما لي مِن مِيراثه؟ قال: ((لَكَ السُّدُسُ)) فلما
ولَّى، دعاه، قال: ((لك سُدُسُ آخر)) فلما ولَّى، دعاه، فقال: ((إنَّ
السُّدُسَ الآخرِ طُعْمَةً))(١).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن الحسن - وهو ابن أبي الحسن البصري -
مدلس، وقد عنعن.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٩٠/١١-٢٩١، والترمذي (٢٠٩٩)، والنسائي في
((الكبرى)) (٦٣٣٧) من طريق يزيد بن هارون، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث
حسن صحيح.
ورواه الطيالسي (٨٣٤)، وأحمد ٤٢٨/٤-٤٢٩، وأبو داود (٢٨٩٦)، والنسائي
في ((الكبرى)) (٦٣٣٧)، والدارقطني ٨٤/٤، والبيهقي ٢٤٤/٦ من طرق عن
همام بن یحیی، به.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٦٣٣٦) من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن
الحسن، عن عمران بن حصين، قال: نشد عمر رضي الله عنه من سمع النبي ال 9 =
٣٨٢

فكان في هذا الحديثِ ما يحتاجُ إلى الوقوفِ على المعنى المرادِ
به، وذلك أنَّ فيه أن رسولَ الله ◌ِّهِ قال للجدِّ الذي سأله ما له مِن
ميراث ابن ابنه، فقال: لك السُّدُسُ. وقد علمنا أنه لم يقتصر به على
السُّدُس إلا ولبقية الميراث مستحق سواه، إذا كان لا اختلافَ بَيْنَ أهلِ
العلم في الجد أبي الأب إذا لم يَكُنْ غيرُه أنه يَسْتَحِقُّ جميعَ ميراثٍ
ابن ابنه، ثم قال له: لَكَ سُدسٌ آخر، ثم أعلمه أن ذلك السُّدسَ
طُعَّمَةٌ، فعقلنا أنه لم يُطعمه إلا مما لا مستحقَّ له بمورثه له عن ذلك
المتوفى، وكان هذا عندنا قَبْلَ أن يُنْزِلَ الله تعالى على نبيه في ميراثٍ
الجدِّ أبي الأب من ابن ابنه إلا السدس الذي أعطاه رسولُ الله اله
أولاً الجدَّ الذي سأله، وكان ما بقي من ميراثه أنه مما أطعم النبي
وَلَ﴿ منه ذلك الجدَّ السدسَ الآخر مما لم يُنزل الله على نبيه وَلِ فيه
شيئاً. فكان حكم ذلك في حكم مالٍ تركه تاركٌ لا مستحقّ له بميراثه
عنه، فأعطى النبيُّ نَّهِ الجدَّ منه ما أعطاه منه طعمةً له، وأرجأ ما بقي
منه لِيرى فيه رأيَه. وقد كانت المواريثُ في أولِ الإِسلامِ إنما تجري
على سبيل الوصايا بها، ومنه قولُ الله تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عليكُم
إِذا حَضَرَ أَحَدَكم المَوْتُ إن تركَ خيراً الوصِيّةُ لِلوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾.
فدلَّ ذُلك أن الوالِدَيْن لم يكونا مستحقين من ميراث ولدهما إلا ما
أوصى به لهما منه، وإذا كان ذلك كذلك، كان حكم ذلك الميراثِ
إذا لم يكن منه فيه وصيةٌ لهما في حكم مالٍ لا مستحق له مما يَرْجِعُ
= قضى في الجد شيئاً؟ فقام رجل فقال: أنا شهدته، أعطاه الثلث، قال: مع من؟
قال: لا أدري، قال: لا دريت.
٣٨٣

حكمُه إلى النبيِّ نَّهِ يَضَعُهُ فيما يرى وَضْعَهُ فيه، ثم نسخ الله تعالى
ذلك بالمواريثِ التي فرضها في تركات المتوفين، ولم يُنزلها جملةً،
وإنما أنزلَ بعضَها بَعْدَ بعض، فاحتمل أن يكونَ الذي كان أنزله منها
حينئذ السدس مِن مال المتوفى لجده فدفعَ النبيَُّ ◌ّ ذلك السدسَ
إلى الجدِّ الذي سأله مالَه مِن ميراث ابن ابنه، وأطعمه بعد ذلك مِن
بقيته ما أطعمه منه، ويَقِيَ ما سوى ذلك مِن ذلك الميراثِ لا فرضَ
الله عز وجل فيه، وكان حُكْمُه حُكْمَ المواريثِ التي ليست لوارثٍ بعينه،
فهذا أحسنُ ما وجدناه في تأويلِ هذا الحديثِ، والله أعلم بحقيقة الأمر
فیه .
وقد رُوِيَ في هذا الباب أيضاً حديثٌ آخر وهو
٤٥٠٧ - ما قد حدثنا أبو أمية، حدثنا عبدُ الله بنُ محمد بنُ أبي
شيبة، حدثنا شَبَابَةُ بنُ سوار، عن يونس - يعني ابن أبي إسحاق -، عن
أبي إسحاق، عن عمروبن ميمون
عن مَعْقِلٍ بن يسار، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ أَتِيَ بفريضةٍ فيها
جَدَّ، فأعطاه سدساً أو ثلثاً (١).
(١) إسناده على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير يونس بن أبي
إسحاق، فمن رجال مسلم، وفيه وهم قليل.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٩١/١١، ومن طريقه ابن ماجه (٢٧٢٢)، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٢٧/٥ عن أبي القطن عمرو بن الهيثم، والنسائي في ((الكبرى))
(٦٣٣٣) من طريق النضر بن شميل، كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق، به. ولفظه:
أن عمر جمع أصحاب رسول الله وَّر في شأن الجد، فنشدهم من سمع رسول الله =
٣٨٤

وكان هذا الحديثُ عندنا غيرَ مخالفٍ للحديثِ الأوَّلِ ، لأن الذي
في هذا الحديث مما أعطاه رسولُ اللهِ بَّرِ جَدّ ذلك المتوفى هو الثلثُ
أو السدسُ، وكان الأولى بنا أن نجعلَه السدسَ الذي حفظه عِمرانُ
عنه، فيكون الذي أعطاه ذلك السدس بمورثه إياه عن ذلك المتوفى،
ولم يحفظ مَعْقِلٌ ما كان منه في بقيةِ ذُلك الميراثِ، وحفظه عمرانُ،
فكان من حفظ شيئاً أولى به ممن قَصَّرَ عنه، وبالله التوفيق.
= ◌َ* ذكر في الجد شيئاً؟ فقام معقل بن يسار المزني، فقال: سمعت رسول الله (وَلـ
أتي بفريضة فيها جد، فأعطاه ثلثاً أو سدساً، فقال عمر: ما الفريضة؟ قال: لا
أدري، فركله عمر بقدمه، ثم قال: لا دريت.
ورواه ابن ماجه (٢٧٢٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٣٤) و(٦٣٣٥)،
والحاكم ٣٣٩/٤، والبيهقي ٢٤٤/٦ من طريقين عن يونس بن عبيد، عن الحسن،
عن معقل بن يسار، قال: قال عمر: من عنده في الجد عن رسول الله وَ*؟ قلت:
عندي، قال: ما عندك؟ قلت: أعطاه السدس، قال: مع من؟ قلت: لا أدري،
قال: لا دريت. ورواية ابن ماجه والنسائي مختصرة دون سؤال عمر رضي الله عنه.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٩١/١١، وأحمد ٢٧/٥، وأبو داود (٢٨٩٧) من طريقين
عن يونس بن عبيد، عن الحسن، أن عمر قال ... ، فذكره.
٣٨٥

٧٠٢ - بابُ بيان مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله داخلمول
من قوله: ((لو كان مُطْعِمُ بنُ عدي حياً
وكلَّمني في هؤلاء النتنى - يعني
أسرى بدر-، لأطلقتهم له))
٤٥٠٨ - حدثنا عبدُ الغني بنُ أبي عقيل، حدثنا سفيانُ بنُ عيينة،
عن الزهريِّ، عن محمد بنِ جُبيرٍ بِنِ مطعمٍ
عن أبيه، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لو كَانَ مُطْعِمُ بنُ عديٍّ حيّاً،
فَكَلَّمني فِي هُؤلاءِ النَّتْنَى، لأطلَقْتُهُم لَهُ))(١) يعني أسرى بدرٍ، وكانت
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الحميدي (٥٥٨)، وأحمد ٨٠/٤، وأبو يعلى (٧٤١٦)، والطبراني
(١٥٠٥)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٣٥٩/١ من طريق سفيان بن عيينة، بهذا
الإسناد. وقوله: وكانت له عند النبي يد، هو من كلام سفيان، وزاد البيهقي
والبغوي : وکان أجزی الناس باليد.
ورواه البخاري (٣١٣٩) و(٤٠٢٤)، وأبو داود (٢٦٨٩)، والبيهقي ٦٧/٩ من
طريق معمر، والطبراني (١٥٠٦) و(١٥٠٧) من طريق سفيان بن حسين، والطبراني
(١٥٠٨) من طريق يعقوب بن عطاء، ثلاثتهم عن الزهري، به.
قلت: والمطعم بنُ عدي هو ابن نوفل بن عبد مناف من قریش، رئيس بني نوفل
في الجاهلية، وقائدهم في حرب الفِجَار سنة ٣٣ قبل الهجرة، وهو الذي أجار رسول =
٣٨٦

له عندَ النبي يَدُ.
فسأل سائلٌ عن معنى هذا الحديثِ، وقال: كيف يجوزُ أن يُطلق
له مَنْ قد صار في أسره مِن الكفار الذين حكمهم حُكْمُ القتل أو
الفداء الذي يَرْجِعُ إليه وإلى أصحابه كما قال عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِذا لَقِيتُمُ
الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذا أَنْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً
بَعْدُ وإمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤].
فكان جوابُنا له في ذلك: أن في هذه الآية التي تلاها علينا ما
يَدُلُّ على المعنى الذي سَأَلَنا عنه، لأنَّ الله تعالى جعل لنبيه فيها بَعْدَ
= الله * لما انصرف عن أهل الطائف، وعاد متوجهاً إلى مكة، ونزل بقرب حِراء،
فبعث إلى بعض حُلفاء قريش ليجيروه في دخول مكة، فامتنعوا، فبعث إلى
المطعم بن عدي، فأجابه إلى ذلك، ثم تَسَلْحَ المطعم وأهلُ بيته، وخرجوا حتى أُتُوا
المسجدَ، ثم بعث إلى رسول الله ﴿ أن ادْخُلْ، فدخل رسولُ اللهِ وَ فطافَ
بالبيت، وصلَّى عنده، ثم انصرف إلى منزله.
وكان المطعمُ أحدَ الذين مَزَّقوا الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم،
وعَمِيَ في كِبَره، ومات قبل وقعة بدر، وله بضعٌ وتسعون سنة، وفيه يقول حسان بن
ثابت :
مِن الناس أبقى مجدُه اليومَ مُطعِما
فلو كان مجدٌ يُخلِدُ الدهرَ واحداً
عبيدَك ما لَبِّى مُحِلَّ وأحرَمَا
أجرْتَ رسولَ الله منهم فأصبحُوا
وقَحْطَانُ أو باقي بقيةِ جُرْهُما
فلو سُئِلَتْ عنه مَعَدٍّ بأسرها
وذِمِّته يوماً إذا ما تَذَمِّمَا
لقالوا هو المُوفي بِخُفْرَةِ جَارِهِ
على مثلِه فيهم أعزَّ وأعظمَا
فما تَطْلُعِ الشمسُ المنيرةُ فوقهم
انظر ((سيرة ابن هشام)) ١٥/٢-٢١.
٣٨٧

شَدِّ الوَثاق المَنَّ أو الفِدَاءَ. فكان قد جعل إليه أن يَمُنَّ، فَيُطْلِقِ مَنْ
مَنَّ عليه، أو يَأْخُذَ منه الفِداءَ الذي يفتدي به من القتل الواجب عليه،
وكان المنُّ هو الذي قال: إنَّه كان يفعلُه لِلمُطْعِم بن عدي لو كان سأله
فيهم، فكان ذلك موافقاً لحديث جُبيرِ الذي ذكرنا، وقد منَّ رسولُ الله
وَّ في غير أسرى بدر، وهم سبيُّ هوازن لما كلّموه فيهم، فأجابهم
بأن قال: ((أَحَبُّ القول إليَّ أَصْدَقُه)) ثم خَيْرَهُم بَيْنَ إِحْدى الطَّائفتين:
إما السَّبي، وإما المال، فاختاروا السبيّ، فأطلقهم لهم، وسنذكر ذلك
في موضعه فيما بعدُ مِن كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل، والله نسأله
التوفيق .
٣٨٨

٧٠٣ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله وَجه
مما كان منه في سبايا هوازن لمَّا سألوه
أن يَمُنَّ عليهم وأنّه لم يفعل ذلك
إلا بعد رضا المسلمين به
٤٥٠٩ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا عبدُ الله بن صالح،
حدثني الليثُ بنُ سعدٍ، حدثني عُقيل بنُ خالد، عن ابن شهاب، قال:
وزعم عُروة
أن مروانَ بنَ الحكم والمِسْوَرَ بنَ مخرمة أخبراه أن رسولَ الله وَه
حين جاءه وفدُ هوازِنَ مسلمين(١)، فسألوه أن يَرُدَّ إليهم أموالَهم وسَبِيّهُم،
(١) كذا ساق الزهري هذه القصة مختصرة، وقد ساقها موسى بن عقبة في
((المغازي)) عن الزهري، حدثني عروة بن الزبير، ونقلها عنه الذهبي في ((تاريخ
الإِسلام)» ص ٦٠٥ -٦٠٦، وابن حجر في ((الفتح)) ٣٣/٨، ولفظه: ((ثم انصرف رسولُ
اللّه ◌َ﴿ من الطائف في شوال إلى الجعرانة، وبها السَّبيُّ - يعني سبي هوازن .. ،
وقدمت عليه وفودُ هوازن مسلمين، فيهم تسعةٌ من أشرافهم، فأسلموا وبايعوا، ثم
كلموه فيمن أصيب، قالوا: يا رسولَ الله، إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات
والعمات والخالات، وهن مخازي الأقوام، ونرغبُ إلى الله وإليك، وكان ا ﴿ رحيماً
جواداً كريماً، فقال: ((سأطلبُ لكم وقد وقعت المقاسم، فأي الأمرين أحب إليكم:
آلسبي، أم المال؟)) قالوا: خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال، فالحسب أحبُ =
٣٨٩

فقال النبيُّ بَّهِ: ((معي مَنْ تَرَوْنَ، وأحبُّ القولِ إليَّ أصدقه، واختاروا
إحدى الطائفتين: إما السَّبيَ، وأما المالَ، وقد كُنْتُ استأنيتُ بهم))،
وقد كان النبيُّ ◌َّه قد انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قَفَلَ مِن الطائف،
= إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال: ((أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف
أكلم لكم المسلمين، فكلموهم وأظهروا إسلامَكم)). فلما صلى رسول الله اله
الهاجرة، قاموا، فتكلم خطباؤهم، فأبلغوا، ورغبوا إلى المسلمين في رد سبيهم، ثم
قام رسول الله وَ لير حين فرغوا، فشفع لهم، وحض المسلمين عليه، وقال: ((قد رددت
الذي لبني هاشم عليهم)).
وفي رواية ابن إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)) ١٣١/٤-١٣٢: حدثني
عمروبن شعيب، عن أبيه، عن جده، تعيين الذي خطب لهم في ذلك، ولفظه:
وأدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أهل وعشيرة قد
أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منَّ الله عليك، وقام خطيبهم زهير
أبو صرد، فقال: يا رسول الله، إن اللواتي في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك
وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، وأنت خيرُ مكفول، ثم أنشده الأبيات المشهورة:
فإنّكَ المرءُ نَرْجُوهُ ونَدَّخِرُ
امْنُنْ علينا رسولَ اللهِ في ◌َرَم.
مُمَزَّقٌ شَمْلُها فِي دَهْرِها غِيرُ
على قُلُوبِهم الغَمَّاءُ والغَمَرُ
يا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْماً حينَ يُخْتَبَرُ
إذ فوك يَمْلَؤُهُ مَن مَحْضِها دِرَر
وإِذْ يَزِينُكَ ما تَأْتِي وما تَذَرُ
واسْتَبْقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرْ زُهُرُ
وعِنْدَنا بَعْدَ هذا اليَوْمِ مُدَّخَرُ
امْنُنْ على بيضَةٍ إعتاقها حَزَّنٌ
أَبْقَتْ لها الحربُ هُتَّافاً على حَزَنٍ
إِنْ لم تَدَارَكَهُمُ نَعْمَاءُ تَنْشُرُها
امْنُنْ على نِسْوةٍ قد كنتَ تَرْضَعُها
امْنُنْ على نِسْوةٍ قد كنت تَرْضَعُهَا
لا تَجَعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ
إِنَّا لَنَشْكُرُ آلاءُ وإِنْ كُفِرَتْ
ثم ساق القصة نحو سياق موسى بن عقبة.
٣٩٠
-

فلما تَبَيِّنَ لهم أن رسول الله وَّهِ غيرُ راد إليهم إلا إحدى الطائفتين،
قالوا: نختار سبينًا، فقام رسول الله ﴿﴿ في المسلمين، فأثنى على الله
بما هو أَهْلُه، ثم قال: ((أَما بَعْدُ، فإن إخوانَكُم هؤلاء قد جاؤوا تائبين،
وإِنِّي رأيتُ أن أَرُدَّ إليهم سَبْيَهُم، فمن أَحَبَّ منكم أن يُطَيِّبَ ذلك،
فليفعلْ، ومن أحبَّ منكم أن يكونَ على حَقُّه حتى نُعطِيَه إِيَّاه مِن أَوَّلِ
ما يفيءُ الله علينا، فليفعل))، فقال الناسُ: قد طَيِّنَا لك يا رسولَ الله
ولَهُمْ، فقال لهم رسولُ اللهِ وََّ: ((إنِّي لا أَدْرِي مَنْ أَذِنَ منكم في ذلك
ممن لم يأَذَنْ، فَارْجِعُوا حتى يَرْفَعَ إلينا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُم))، فرجع الناسُ،
فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسولِ اللهِ وَِّ فأخبروه أنّهم قد طيِّبُوا
وأُذِنُوا(١).
(١) حديث صحيح، عبد الله بن صالح - وإن كان في حفظه شيء - متابع،
ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير مروان بن الحكم، فمن رجال البخاري.
ورواه البخاري (٢٣٠٧) و(٢٥٣٩) و(٢٥٨٣) و(٢٦٠٧) و(٣١٣١) و(٤٣١٨)،
وأبو داود (٢٦٩٣)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٩٠/٥-١٩١ من طرق عن
الليث بن سعد، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٢٦/٤-٣٢٧، والبخاري (٤٣١٨) من طريق يعقوب بن إبراهيم،
عن ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، به.
ورواه مختصراً بالقسم الأخير من لفظه البخاري (٧١٧٦)، والنسائي في
((الكبرى)) (٨٨٧٦)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٩٢/٥ من طريق موسى بن عقبة،
عن ابن شهاب، به.
قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ٣٣/٨: وقد تقدم في أول الشروط في قصة
صلح الحديبية (٢٧١١) أن الزهري رواه عن عروة، عن المسور ومروان، عن =
٣٩١

فقال قائل في هذا الحديث: إن رسولَ اللهِنََّ لم يُطْلِقْ مَنْ أُطلقٌ
من سبايا هوازِنَ حتى أطلق المسلمون ذلك فيهم، وقد رويت لنا في
الباب الذي قبل هذا الباب مِن كتابك هذا أن رسولَ الله قالَ لجُبيرِ بنِ
مُطعم لما كلَّمه في أسرى بدر: شيخ لو جاءني - يعني أباه-، فكلمني
فيهم لأطلقتُهم له. ففي هذا إخبارُه جبيراً أن أباه لو كان كلَّمه في
الأسرى الذين كلمه فيهم جُبير، لأطلقهم له بغيرِ ذكرٍ منه حاجته إلى
إطلاق المسلمين ذلك له فيهم، وهذا اختلاف شدید.
فكان جوابنا له في ذلك: أن الذي كان مِن رسول الله وَظهر مما
= أصحاب النبي وَ﴿، فدل على أنَّه في بقية المواضع حيث لا يذكر عن أصحاب
النبي ◌َّ أنه يرسله، فإن المسور يصغر عن إدراكِ القِصة، ومروان أصغر منه (لا
يصح له سماع من النبي ◌َّر، ولا صحبة)، نعم كان المسور في قصة حنين مميزاً،
فقد ضبط في ذلك الأوان قصة خطبة علي لابنة أبي جهل.
ورواه بأتم وأطول مما هنا ابن إسحاق في ((السيرة)) ١٣١/٤-١٣٢، ومن طريقه
أحمد ١٨٤/٢، وأبو داود (٢٦٩٤)، والنسائي ٢٦٢/٦-٢٦٤، والبيهقي في ((دلائل
النبوة)) ١٩٤/٥-١٩٦ عن عمروبن شعيب، عن أبيه، عن جده. وقد صرح ابن
إسحاق في ((السيرة)) و((دلائل النبوة)) بالتحديث.
ومعنى قوله: ((استأنيت بهم))، استنظرت، أي: أخرت قسم السبي لتحضروا
فأبطأتم، ومعنى قوله: طيِّوا: حملوا أنفسهم على ترك السبايا حتى طابت بذلك،
يقال: طيبت نفسي بكذا: إذا حملتها على السماح به من غير إكراه بذلك، ويقال:
طيبت نفس فلان: إذا كلمته بكلام يوافقه، وقيل: هو من قولهم: طاب الشيء: إذا
صار حلالاً، وإنما عداه بالتضعيف، ويؤيده قوله: ((فمن أحب منكم أن يطيِّب
ذلك))، أي: يجعله حلالاً.
٣٩٢

خاطب به جبيراً في أسرى بدرٍ، كان ذلك منه في أسرى سبيلُهم القتلُ
لهم، أو المنُّ عليهم، أو أخذُ الفِداء منهم وإطلاقهم، ولم يكن في
ذلك وقوع ملكٍ للمسلمين على أحد منهم إنما كانت السبيلُ فيهم هذه
الوجوه التي ذكرنا لا غيرها، فكان إلى النبي ◌َّ أن يُمضي فيهم ما
رآه منها لا حاجةً به إلى إطلاق المسلمين له ذلك فيهم، وسبي هوازن
كان في نساءٍ قد وقعت الأملاك عليهنَّ، لأنهن في ذلك بخلاف
الرجالِ ، إذ كن لا يُقْتَلْنَ والرجالُ يُقتلون، وكان النبيُّ مَّ قد قسمهن
بينَ المسلمين، فملكوهن، فلم يَصْلُحْ له ،ََّ إخراجُهُنَّ عن أملاكهم
إلّ بطيب أنفسهم بذلك، ورضاهم به. ومما روي مما قد دَلَّ على
قسمته كانت إِيَّاهُنَّ بينَ المسلمين قبل أن يسأل فيهن ما يسأل مما قد
ذكرناه
٤٥١٠ - ما قد حدثنا ابنُ أبي داود، حدثني عبدُ الله بن صالح،
حدثني الليثُ، حدثني عُقيلٌ، عن ابن شهاب
حدثني سعيدُ بنُ المسيب وعروةُ بنُ الزبير: أن رسولَ اللهِ وَ رَدّ
سِتّة آلاف من سبي هَوازِن مِن النساء والرجال والصِّبيان إلى هوازن حين
أسلموا وخير نساءً كن عندَ رجال من قريش، منهم: عبدُ الرحمن،
وصفوان بن أمية قد كانا استسرا المرأتين اللتين كانتا عندهما مِن هَوازِنَ،
فخيرهما رسولُ الله ◌َّ فاختارتا قومَهما (١).
(١) إسناده ضعيف لانقطاعه.
ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٩٣/٥ من طريق عثمان بن سعيد الدارمي،
عن عبد الله بن صالح، بهذا الإسناد. وقرن بعبد الله بن صالح يحيى بن بكير، وانظر
ما بعده .
٣٩٣

فقال هذا القائلُ: هذا حديثٌ منقطع، فهل عندَك في المعنى
الذي ذكرت حدیث متصل.
فكان جوابنا له في ذلك: أنه قد رُوِي في ذلك من الحديثِ
المتَّصلِ
٤٥١١ - ما قد حدَّثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، حدثنا ابنُ وهبٍ،
أخبرني جريرُ بنُ حازم أن أيوبَ حدَّثه، أن نافعاً حدثه
أن عبدَ الله بنَ عمر حَدَّثه أن عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه
سألَ رسولَ اللهِ وَّرَ وهو بالجِعْرَانَةِ بعد أن رَجَعَ مِن الطائف، فقال:
يا رسولَ الله، إني نذرتُ في الجاهلية أن أعتَكِفَ يوماً في المسجد
الحرام ، فكيف ترى؟ قال: ((اذْهَبْ فاعْتَكِفْ يوماً))، قال: وكان النبيُّ
﴿﴿ قد أعطاه جاريةً من الخُمْس، فلما أعتق رسولُ اللهِ وَّ سبايا
أوطاس سَمِعَ عُمَرُ بنُ الخطاب أصواتَهم يقولون: أعتقنا رسولُ اللهِ،
فقال: ما هذا؟ قالوا: أعتق رسولُ الله ◌َ له سبايا أوطاس، فقال عمر:
يا عبدَ الله اذهب إلى تلك الجاريةِ، فخلِّ سبيلَها(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أيوب: هو السختياني. وقد سلف
برقم (٤١٥٦) مختصراً.
ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٩٧/٥ من طريق أبي بكر بن إسحاق، عن
يونس بن عبد الأعلى، بهذا الإِسناد.
ورواه مسلم (١٦٥٦) (٢٨)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٩٧/٥ من طريق أبي
الطاهر أحمد بن عمرو، عن عبد الله بن وهب، به.
ورواه أحمد ٣٥/٢، ومسلم (١٦٥٦) (٢٨)، وابن حبان (٤٣٨١) من طريق =
٣٩٤

قال أبو جعفر: وهذا الحديثُ، ففي سبي هوازن وإنَّ ذلك لم
يذكر في هذا الحديث، لأن ذلك إنما كان بالجعرانة، وكانت الجعرانة
في سنة ثمان مِن الهجرة، وفيها كانت غزوة هوازن، وقد دل على ما
ذكرنا من هذا المعنى
٤٥١٢ - ما قد حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، حدثنا عبدُ الملك بنُ هشام،
حدثنا زياد بنُ عبد الله البكائي، قال: قال ابن إسحاق
أعطي رسولُ اللهِ وَِّ عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه جاريةٌ مِن
سبي هوازن، فوهبها لعبد الله بن عمر ابنه. قال ابن إسحاق: فحدَّثني
نافعٌ مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، قال: بعثتُ بها إلى أخوالي
مِن بني جُمَحَ لِيُصلحوا لي منها حتى أطوفَ بالبيت، ثم آتيهم، وأنا
أُريدُ أن أُصيبها إذا رجعتُ إليها، فخرجتُ من المسجد حين فرغتُ،
= معمر بن راشد، ومسلم (١٦٥٦) (٢٨) من طريق حماد بن زيد، كلاهما عن أيوب،
به .
ورواه البخاري (٣١٤٤) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، أن
عمر بن الخطاب ... ، ولم يذكر فيه ابن عمر. وفي الحديث أن عمر أصاب
جاریتین .
وروى قصة النذر البخاري (٤٣٢٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٣٥٢) من
طريق معمر، والحميدي (٦٩١)، والنسائي في ((المجتبى)) ٢١/٧ و٢١-٢٢، وفي
((الكبرى)) (٣٣٥٣) و(٣٣٥٤) من طريق سفيان، ومسلم (١٦٥٦) (٢٨) من طريق
حماد بن سلمة، عن أيوب، به.
ورواها مسلم (١٦٥٦) (٢٨) من طريق محمد بن إسحاق، عن نافع، به.
ورواها ابن حبان (٤٣٧٩) و(٤٣٨٠) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، وعن ابن عمر عن عمر. وانظر تمام تخريجها فيه.
٣٩٥

فإذا الناسُ يشتدون، فقلت: ما شأنُكم، قالوا: رَدَّ علينا رسولُ اللهِ وَه
نساءَنا وأبناءنا، قلت: تِلكم صاحبتكم في بني جمح، فاذهبوا،
فخذوها، فذهبوا فأخذوها(١).
فكشف هذا الحديثُ ما قد ذكرنا، وبانَ بحمد الله تعالى أنه لا
تضادٍّ في شيءٍ مما قد رويناه في هذا الباب، وفي الباب الذي قبله
مما كان من رسولِ الله ﴿ في سبايا أهل بدر، وما كان منه في سبايا
هوازن، وأن الذي كان منه في سبايا بدرٍ كان في سبايا لم يقع عليهم
أملاُ المسلمين، فلم يَكُنْ به حاجةٌ إلى إطلاق المسلمين له فيهم
ما يُريد أن يفعلَه فيهم من مَنُّ ومن غيره، وأن الذي كان منه في سبايا
هوازن من طلبه من المسلمين بطيب ذلك له إنما كان منه لِوقوع
أملاكهم عليهم قبل ذلك، فلم يصلح رفع أملاكهم عنهم إلا بطيب
أنفسهم بذلك، وإطلاقهم إياه، وإذنهم فيه، وبالله التوفيق.
(١) إسناده حسن.
وهو في («سيرة ابن هشام)) ١٣٢/٤-١٣٣: قال ابن إسحاق: وحدثني أبو وَجْزَةً
يَزِيدُ بنُ عُبيد السَّعدي: أنَّ رسولَ اللهِ وَ لهَ أعطى عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه
جَارِيَةٌ ... ، وأعطى عمرَ بنَ الخطاب جاريةٌ، فوهَبَها لعبد الله بن عمر ابنِه.
قال ابن إسحاق: فحدثني نافع مولى عبدِ الله بن عمر، عن عبد الله بن
عمر ... ، فذكره بتمامه.
ومن طريق ابن إسحاق رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٩٦/٥ -١٩٧.
٣٩٦

٧٠٤ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله داخليةو
فيما كان منهُ مِن الرجوع إلى أقوالٍ
عرفاءِ المسلمين فيما ذكروه له مما
كان مِن القوم الذين هم عرفاؤهم
في السبايا اللائي أراد
إطلاقهم لقومهم
قال أبو جعفر: قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب من
حديث ابن أبي داود الذي بدأنا بذكره فيه رجوعَ رسول الله وَّر في
السبايا إلى ما ذَكَرَ له العرفاءُ أنه قد كان فيهم مِن القوم الذين هُمْ
عرفاء عليهم، وقد روي في ذلك أيضاً
٤٥١٣ - ما قد حدَّثنا أحمدُ بن شعيب، أنبأنا هارون بنُ موسی
الفروي، حدثني محمدُ بنُ فُليح، عن موسى بن عُقبة، قال: قال ابنُ
شهاب، حدثني عروةُ بنُ الزبير
أن مروانَ والمِسْوَرَ بنَ مخرمة أخبراه أن رسولَ الله ◌ِ﴾ُ حينَ أَذِنَ
له المسلمون في عِتق سبي هوازنَ، قال: إني لا أدري مَنْ أُذِنَ منكم
ممن لم يَأْذَنْ، فارجِعُوا حتّى يَرْفَعَ إلينا عُرَفَاؤُكُم أمَرَكم، فَرَجَعَ النَّاسُ،
٣٩٧

فكلمهم عرفاؤهم، فرجعوا إلى رسولِ اللهِ وَّر، فأخبروه(١).
فاسْتَدَلَّ بما في هذا الحديث غيرُ واحد من أهل العلم على قبولِ
الحكام من الوكلاء ما يُقرون به على موكليهم فيما وكُلُوهُم به عندهم،
لأن العرفاء فيما ذكرنا قد أقامهم الذين هُمْ عرفاء عليهم في أمورهم
أكثر مِن مقام الوكلاء فيما وكلوهم به عند الحكام الذين وكلُوهم بما
وكلوهم به عندهم، وممن كان يذهبُ إلى ذلك منهم أبو حنيفة
ومحمد بن الحسن، وقالوا: ألا تَرَوْنَ أن رسولَ اللهِوَّه لم يحتج بعدَ
ما نَقل إليه العرفاء عن القوم الذين هم عرفاء عليهم ما نقلُّوه إليه عنهم
أن يَرْجِعَ إلى الوقوفِ على ذلك منهم، وأنه أطلق بذلك السبايا لِقومهم
الذين كلموهم فيهم، وكان في ذلك تحريمُ فروجهن على مَنْ كانت
حَلَّتْ لِه قبل ذلك ممن وقع مُلْكُه عليهن، وهذه حجة صحيحة، وإن
كان لقائلها مِن أهل العلم مخالفون في ذلك المعنى، ويقولون: لا
يقبل إقرارُ الوكلاء على موكليهم بما يُقِرُّونَ به عليهم، ولكنهم مخرجون
مما وكلوا منه بذلك الإِقرار، وممن كان ذَهَبَ إلى ذلك زفرُ وأبو يوسف
وأكثرُ أهل العلم سواهما وسوى أبي حنيفة رحمه الله تعالى. والله نسأله
التوفيق .
(١) حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح، ومحمد بن فليح - وإن تكلم
فیه - متابع.
وهو في ((سنن النسائي الكبرى)) (٨٨٧٦)، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري (٧١٧٦)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٩٢/٥ من طريق
إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن عمِّه موسى بن عقبة، به.
وانظر ما سلف برقم (٤٥٠٩).
٣٩٨

٧٠٥ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله وحلول
في الأسارى هل جائز أن يقتلوا أم لا؟
قال أبو جعفر: قد كان عطاءُ بنُ أبي رباح يَكْرَهُ قتلَ الأسير
صبراً(١).
كما قد حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن
ابن جُريج، عن عطاء أنه كان يَكْرَهُ قتل الأسير صبراً، ويتلو هذه الآية:
﴿فَإِمَّا مِنّاً بَعْدُ وإِمَّا فِداءً﴾(٢).
(١) قال في ((النهاية)) في تفسير قوله وَّه: ((نهى عن قتل شيءٍ من الدَّواب
صبرا): هو أن يُمْسَك شيءٌ من ذوات الرُّوحِ حيّاً، ثم يُرْمى بشيءٍ حتى يموت،
ومنه: ((نهى عن المصبورة، ونهى عن صبر ذي الروح))، ومنه الحديث في الذي
أمسك رجلاً وقتله آخر، فقال: ((اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر)»، أي: احبسوا الذي
حبسه للموت حتى يموت كفعله به، وكل من قتل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ،
فإنه مقتول صبراً.
(٢) رجاله ثقات رجال الشيخين. أبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد النبيل.
ورواه ابن أبي شيبة ٤٢١/١٢ من طريق محمد بن عدي وأبي خالد الأحمر،
وأبو عبيد في ((الأموال)) (٣٢٣) من طريق حجاج بن محمد المصِّيصي، ثلاثتهم عن
ابن جريج، عن عطاء.
وروى أبو عبيد في ((الأموال)) (٣٢٤) من طريق هشيم، عن أشعث، قال:
سألت عطاء عن قتل الأسير، فقال: مُنَّ عليه أو فَادِهِ.
٣٩٩

وكما حدثنا محمدُ بنُ خزيمة، حدثنا يوسفُ بنُ عدي الكوفيُّ،
حدثنا عبدُ الله بنُ المبارك، عن ابن جُريج، عن عطاء أنه كان يكره
قتلَ المشرك صبراً، ويتلو علينا: ﴿فَشُدُّوا الوَثَاقَ﴾ إلى آخر الآية، قال
ابنُ جريج: فنسخها قولُه: ﴿فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم﴾(١).
(١) يوسف بن عدي الكوفي ثقة من رجال البخاري، ومن فوقه ثقات من رجال
الشیخین.
ورواه الطبري في ((التفسير)) ٤٠/٢٦ و٤١ عن ابن حميد وابن عيسى الدامغاني،
عن عبد الله بن المبارك، بهذا الإِسناد.
ورواه عبدالرزاق (٩٣٨٩) عن ابن جريج، به. وزاد في آخره: ونزلت - زعموا -
في العرب خاصة، وقتل النبي 18َّ عقبة بن أبي معيط يوم بدر صبراً.
قلت: وهذه الآية - أعني قوله تعالى: ﴿فإما منّاً بعد وإما فداء﴾ - مُحكمة عند
عامة العلماء، كما قال ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٣٩٧/٧ بتحقيقنا.
وممن ذهب إلى أن حكم المن والفداء باق لم ينسخ: ابنُ عمر ومجاهدٌ وابنُ
سيرين وأحمد والشافعي، وهو اختيارُ الطبري والنحاس ومكي بن أبي طالب
والبغوي، قالوا: إذا حصل الأسير في يد الإِمام، فهو مخير: إن شاء منَّ عليه، وإن
شاء فاداه، وإن شاء قتله صبراً، وإن شاء استعبده، أيّ ذلك رأى فيه مصلحة
للمسلمين فعل.
قال الطبري في ((جامع البيان)) ٤٢/٢٦: والصواب من القول عندنا في ذلك
أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، وذلك أن صفة الناسخ والمنسوخ ما قد بيِّنا في
غير موضع في كتابنا أنه ما لم يجز اجتماعُ حكميهما في حالٍ واحدة، أو ما قامت
الحجةُ بأن أحدهما ناسخ الآخر، وغيرُ مستنكر أن يكونَ جعل الخيارَ في المن
والفداء والقتل إلى الرسول وَله، وإلى القائمين بعده بأمر الأمة، وإن لم يكن القتل
مذكوراً في هذه الآية، لأنه قد أذن بقتلهم في آية أخرى، وذلك قوله: ﴿فاقتلوا=
٤٠٠