النص المفهرس

صفحات 141-160

- قال: رفدهم، هدیتهم.
ورواه أبو عبيد الهروي في ((الأموال)) (٦٣٠) - وعنه ابن زنجويه (٩٦٥) - عن
هشيم وإسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عون، عن الحسن رضي الله عنه، قال: كان
عياض بن حمار . ..
وروى عبد الرزاق ضمن قصة غزوة حنين (٩٧٤١) - ومن طريقه البغوي
(١٦١٢) - عن معمر، وروى أبو عبيد (٦٣١) - وعنه ابن زنجويه (٩٦٤) - من طريق
زياد بن سعد، كلاهما عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
كعب أنه أخبره في رجال من أهل العلم أن عامربن مالك - ملاعب الأسنة - قدم
على رسول الله ( 19 وهو مشرك، فعرض عليه الإِسلام فأبى، فقال رسول الله (*):
((إني لا أقبل هدية مشرك)). وذكره الحافظ في ((الفتح)) ٢٣٠/٥ ونسبه إلى موسى بن
عقبة في ((المغازي))، وقال: رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهم عن
الزهري، ولا يصح.
الزبد: قال ابن الأثير: الزبد بسكون الباء: الرفد والعطاء، يقال منه: زَبَدَه يَزْبِدُه
بالكسر، فأما يَزْبُدُه بالضم: فهو إطعام الزبد.
قال الخطابي في («معالم السنن)» ٤١/٣: وفي رده هديته وجهان: أحدهما: أن
يغيظه برد الهدية، فيمتعض منه، فيحمله ذلك على الإِسلام. والآخر: أن للهدية
موضعاً من القلب، وقد روي: ((تهادوا تحابوا))، ولا يجوز عليه و ار أن يميل بقلبه
إلى مشرك، فرد الهدية قطعاً لسبب الميل. وقد ثبت أن النبي ◌َير قبل هدية النجاشي
وليس ذلك بخلاف لقوله: ((نهيت عن زبد المشركين)) لأنه رجل من أهل الكتاب
ليس بمشرك، وقد أبيح لنا طعام أهل الكتاب ونكاحهم، وذلك خلاف حكم أهل
الشرك .
وقال في ((شرح البخاري)) ١٢٨٥/٢ تعليقاً على حديث أنس (٢٦١٥) أن أكیدر
دومة أهدى للنبي ◌ّ جبة سندس: وفيه من الفقه: جواز قبول هدية الكفار، وقد
روي أن النبي ◌َّلي رد هدية عياض بن حمار، وقال: ((إنا لا نقبل زبد المشركين))، =
١٤١

وما قد حدَّثنا أبو أيوب، حَدَّثنا خَلَفٌ، حَدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن
ابن عونٍ، قال: سألتُ الحسنَ: ما زَبْدُ المشركين؟ قال: رِفْدُهُم(١).
٤٣٥٤ - وما قد حدَّثنا فهدّ وابنُ أبي داود، قالا: حَدَّثَنا عمرو بنُ
مرزوقٍ، حدثنا عِمرانُ - وهو القطان -، عن قتادة، عن يزيدَ بنِ عبدِ
= فيحتمل أن يكون ذلك للفرق بين المشركين، وغيرهم من الكفار، وذلك أن ليس
كل كافر مشركاً، المشرك: من عبد وثناً، أو أشركَ مع الله في ربوبيته شيئاً، وأكيدر
رجل من أهل الكتاب كان يؤدي إلى رسولِ الله وَل# الجزية. ويحتمل أن يكون الرد
إنما كان في أول الزمان، فنسخ ذلك بالقبول آخر الزمان، وقد كان لهنَّر في أموال
الكفار حقوق، وكان الفيء له يصرفه حيث يشاءُ، فعلى أيِّ وجه حصل في يده لم
يكن يجب عليه الامتناعُ منه.
وقال الحافظ في ((الفتح)) ٢٣١/٥: وجمع بينها الطبري (أي: بين الأحاديث
التي تدل على جواز قبول الهدية من المشركين، وبين حديث عياض هذا) بأن
الامتناع فيما أهدي له خاصة، والقبول فيما أهدي للمسلمين، وفيه نظر، لأن من
جملة أدلة الجواز ما وقعت الهديةُ فيه له خاصة، وجمع غيرُه بأن الامتناعَ في حقِّ
من يريد بهديته التودد والموالاةَ، والقبولَ في حقٍّ من يُرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على
الإِسلام، وهذا أقوى من الأول. وقيل: يحمل القبول على من كان من أهل
الأوثان. وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأن ذلك من خصائصه. ومنهم من
ادعى نسخَ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكس. وهذه الأجوبةُ الثلاثة ضعيفة،
فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص.
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير خلف - وهو ابن هشام البزار- فمن رجال
مسلم .
ورواه ابن زنجويه (٩٦٦) عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، بهذا
الإِسناد. وانظر ما قبله.
١٤٢

الله بنِ الشِّخِّير
عن عياض بن حمارٍ، قال: أهْديتُ لِرسولِ الله ◌َّهِ ناقةً أو قالَ:
هَدِيَّةً، فقال لي: ((أَسْلَمْتَ؟)) فَقُلْتُ: لا، قال: ((إِنِّي قد نُهِيتُ عن
زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ))(١).
٤٣٥٥ - وما قد حدَّثنا ابنُ أبي داود، حدثنا أبو معمر عبدُ الله بنُ
عمروٍ، حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سعيدٍ، حدثنا أبو التِيَّاح، عن الحسن
أن عياضَ بنَ حِمارٍ - وكان حِرْمِيٍّ رسول الله وَّر في الجاهلية -،
فلما بُعِثَ النبيُّ ◌ََِّ، أتاه بناقةٍ، فلما رآها، قال: ((يا عياضُ ما هذه؟))
قال: أَهْدَيْتُهَا لَكَ، قال: ((قُدْهَا))، فقادَهَا، فقال: ((رُدَّها))، فردَّها، قال:
((يا عياضُ هَلْ أَسْلَمْتَ بَعْدُ؟)) قال: لا، فلم يَقْبَلْها، وقال: ((إنَّ الله
تعالى حَرَّمَ علينا زَبْدَ المُشركينَ))(٢)، قال: والعربُ تُسمِّي الهديةَ الزَّبْدَ.
(١) إسناده حسن. عمران - وهو ابن داود القطان البصري - حسن الحديث،
وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح.
ورواه ابن الجارود في ((المنتقى)) (١١١٠)، والطبراني ١٧ / (٩٩٩) من طرق عن
عمروبن مرزوق، بهذا الإِسناد.
ورواه الطيالسي (١٠٨٣)، ومن طريقه أبو داود (٣٠٥٧)، والترمذي (١٥٧٧)،
والبيهقي ٢١٦/٩، عن عمران بن داود القطان، به. وقال الترمذي: هذا حديث
حسن صحيح، ومعنى قوله: ((إني نهيت عن زبد المشركين)) يعني: هداياهم، وقد
روي عن النبي ◌َّ أنه كان يقبل من المشركين هداياهم، وذكر في هذا الحديث
الكراهية، واحتمل أن يكون هذا بعد ما كان يقبل منهم، ثم نهى عن هداياهم.
وانظر (٤٣٥٣).
(٢) رجاله ثقات رجال الشيخين. أبو معمر: هو عبد الله بن عمرو بن أبي
١٤٣

وقال أبو عُبيدة: الحرميُّ: يكونُ من أهلِ الحَرَمِ، ويكونُ
الصدیق، يقال له: حرمي.
قال هذا القائلُ: ففي هذه الآثار قولُ رسولِ الله وَلّ في هدايا
المشركين ما قاله فيها، وإعلامُه عياضاً أنَّ الله تعالى قد نهاه عن
قبولها، وهذا خلافُ ما رويتموه في هذا الباب مِن قبولِ رسولِ الله
100 ما قبله منها.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنه قد يحتملُ أن يكونَ الله تعالى نهاه
عن قبولِ زَبْدِ المشركين في حالٍ، وإباحةٍ ذلك في حالٍ أخرى، وكان
منعُه إِيَّاه من ذلك قبلَ إنزاله عز وجل عليه: ﴿وما أفاءَ الله على رسوله
مِنْهُمْ ... ﴾ [الحشر: ٦] الآية التي تَلَوْنَا في هذا الباب، ثم أنزلَ عليه
هذه الآية، فجعل لهم مِنْ أموالهم ما صارَ بغير إيجافٍ منه عليه بخيلٍ
ولا ركابٍ، فكان ما صارَ إليه مِن هداياهم، كما قدر عليهم مِن أموالهم
سوى ذلك بغير إيجافٍ عليه بخيلٍ ولا ركابٍ، فقبلها لذلك. والله أعلمُ
بما كان ذلك عليه في الحقيقةِ، وإياه نسأله التوفيق.
= الحجاج التميمي المقعد المنقري. وهو مكرر (٢٥٦٨). وانظر (٤٣٥٣).
١٤٤

٦٧٢ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله والده
من قوله في الأعمى: ((اذهبوا بنا
نعودُ ذلك البصيرَ)»
٤٣٥٦ - حدثنا محمدُ بن خزيمة، حدثنا إبراهيمُ بنُ بشّارِ الرماديُّ،
حدثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن عمروبن دينارٍ، عن محمد بنِ جَبِيرٍ بنِ
مُطعم
عن أبيه أن رسولَ اللهِ وَ﴿ قال: ((اذْهَبُوا بنا إلى بني واقفٍ نَعُودُ
ذلك البَصيرَ))(١)، وكان محجوبَ البصر.
(١) إبراهيمُ بن بشار الرمادي، حافظ له أوهام، روى له أبو داود والترمذي وقد
توبع، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين.
ورواه البزار (١٩٢٠) من طريق الصلت بن محمد أبو همام الحارثي، والطبراني
في (الكبير)) (١٥٣٤)، والبيهقي في ((السنن)) ٢٠٠/١٠، وفي ((الشعب)) (٩١٩٤)
من طريق محمد بن يونس الجمال المخرمي، كلاهما عن سفيان بن عيينة، بهذا
الإِسناد. وقال البزار: لا نعلم أحداً وصله عن جبير إلا أبو همام، وكان ثقة عن ابن
عيينة، وقد خولف في إسناده.
ورواه البزار (١٩١٩)، والبيهقي في ((السنن)) ٢٠٠/١٠ وفي ((الشعب)) (٩١٩٦)
من طريق حسين بن علي الجعفي، عن سفيان، عن عمروبن دينار، عن جابر. وقال
البزار: لا نعلم أحداً وصل هذا إلا الجعفي، أحسبه أخطأ فيه، لأن الحفاظ إنما =
١٤٥

فتأملنا هذا الحديثَ، لِنِقِفَ على المعنى الذي مِن أجله ذكر رسولُ
الله ◌َّ ذلك الرجلَ بالبصير وهو محجوبُ البصر، وقد ذكر الله عز وجل
من هو مثلَه في كتابه بالعمى، فمن ذلك قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ على الأَعْمَى
حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَّهُ الأَعْمَى﴾
[عبس: ١]، وقوله: ﴿وما أَنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾
[النمل: ٨١]، وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَهدي العُميَ ولو كانوا لا يُبْصِرونَ﴾
[يونس: ٤٣]، فوجدنا الله تعالى قد ذكر مَنْ به العمى بغير ذلك،
فقال: ﴿فإنَّها لا تَعْمَى الأَبْصَارُ ولكن تَعْمَى القُلُوبُ التي في الصُّدُورِ﴾
[الحج: ٤٦]، فكان في ذلك ما قد دَلَّ على أنَّ الأعمى قد يُقَالُ له:
بصيرٌ لِبصره بقلبه ما يُبصره به، وإن كان محجوبَ البصر، فدل ذلك
أنه جائز أن يُوصَفَ بالعمى الذي يُبصر، وجائز أن يُوصف بالبَصَرِ الذي
في قلبه، فذكر رسولُ الله ◌َِّ ذلك الرجلَ بأحسن أمريه وإن كان له
أن يذكُّرَه بالآخر منهما. والله نسأله التوفيق.
= يروونه عن ابن عيينة، عن عمرو، عن محمد بن جبير.
ورواه البزار (١٩٢١) من طريق أحمد بن عبدة، والبيهقي في ((الشعب))
(٩١٩٥) من طريق ابن أبي عمر، كلاهما عن سفيان، عن عمروبن دينار، عن
محمد بن جبير مرسلاً. وقال البزار: إنما ذكرنا هذا على اختلاف إسناده، لأنا لا
نعلمه يُروى من وجه متصل غير ما ذكرنا، فبينا علته. وقد صحح البيهقي إرساله.
ورواه الطبراني (١٥٣٣) من طريق الحسن بن منصور الكسائي، عن سفيان بن
عيينة، عن الزهري، عن محمد بن جبير، عن أبيه.
١٤٦

٦٧٣ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله حَ﴾
في جوابه من سأله عن ذوي المكارم في
الجاهلية ممن لم يُذْرِك الإِسلام
٤٣٥٧ - حدَّثنا أبو أُمَيَّةَ، حدثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةً، حدثنا
حفصُ بنُ غياثٍ، عن داودَ - وهو ابنُ أبي هند-، عن الشعبيِّ، عن
مسروقٍ
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ الله إنَّ ابنَ
جُدْعَانَ في الجَاهِلِيَّةِ كان يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، فَهَلْ ذُلك
نافِعُه؟ قال: ((لا يا عائشةُ، إنَّه لم يَقُلْ: رَبِّ اغْفِر لي خَطِيئَتِي يَوْمَ
الدِّينِ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير داود بن
أبي هند، فمن رجال مسلم. الشعبي: هو عامر بن شراحيل، ومسروق: هو ابن
الأجدع الهمداني. وابن جدعان: هو عبد الله بن جدعان التيمي القرشي أحدُ أجوادٍ
العرب المشهورين في الجاهلية، وكان يُسمى ((حاسي الذهب)) لأنه كان يشرب في
إناءٍ من الذهب، وذكر رسولُ اللهِ وَّرِ أنه شَهِدَ في دارِهِ حلفَ الفضول، وحضر رسولُ
اللّهِ وَّ مأدبةً من مآدبِ ابنِ جدعان هو وأبو جهل وهما غلامانٍ، فازدحما عليها،
فدفعه رسولُ الله، فوقع أبو جهل علی رکبته، فجحشت جحشاً لم يزل أثره به حتى
عرفه رسولُ اللهِ وَّهَ به يوم قُتل في بدر، وكان عبدُ الله ابنَ عم أبي بكر الصديق، =
١٤٧

٤٣٥٨ - وحدَّثنا محمدُ بنُ علي بن داود، حدثنا عفانُ بنُ مسلم،
حدثنا عبدُ الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي سفيانَ، عن
عُبَيْدِ بنِ عُميرٍ
عن عائشة مثلَه غيرَ أنه لم يَقُلْ فيه: يا عائشة، وقال فيه زيادة
على ما في حديث أبي أمية: ((ويَفُكُ العَاني))(١).
= ومدحه أمية بن أبي الصلت، فقال:
حياُؤُك إنَّ شيمتَك الحَيَاءُ
أذكرُ حاجتي أُمْ قد كفاني
عن الخُلقِ الكريم ولا مساءً
كريم لا يُغيرِهِ صَبَاحٌ
بنو تيم وأنت لهم سماءٌ
وأرضك كل مكرمة بَنّتها
ورواه أبو عوانة ١٠٠/١ من طريق أبي أمية، بهذا الإِسناد.
ورواه مسلم (٢١٤)، وأبو عوانة ١٠٠/١، وابن حبان (٣٣١) من طريق أبي
بكربن أبي شيبة، به. ورواية ابن حبان مطولة.
ورواه أحمد وابنه عبد الله في ((المسند)) ٩٣/٦ عن عبد الله بن محمد، عن
خفص بن غياث، به.
ورواه الحاكم ٤٠٥/٢ عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب بن خالد، عن أبي
واقد، عن أبي سلمة، عن عائشة. وصححه ووافقه الذهبي.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير أبي
سفيان - واسمه طلحة بن نافع الواسطي - فمن رجال مسلم، وحديثه في البخاري
مقرون. عبيد بن عمير: هو ابن قتادة الليثي أبو عاصم المكي، ولد على عهد النبي
حَ*، قاله مسلم، وعده غيره في كبار التابعين، وكان قاصَّ أهل مكة، مجمع على
ثقته .
ورواه أحمد ١٢٠/٦، وأبو عوانة ١٠٠/١ من طريق عفان بن مسلم، بهذا
الإِسناد.
= .
١٤٨

٤٣٥٨م - وحدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا عيسى بنُ إبراهيم، حدثنا
عبدُ الواحد، ثم ذكر بإسناده مثله(١).
٤٣٥٩ - وحدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا محمدُ بنُ المِنهال، حدثنا
يزيدُ بنُ زريع، حدَّثنا عُمارَة بن أبي حفصة، عن عكرمة
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني
عن ابن عمتي ابن جُدعان، قال: فقال رسولُ الله ◌ِصَلِّ: ((ما كانَ؟))
قلتُ: كَان يَنْحَرُ الْكَوْمَاءَ، وكان يَجْلُبُ على الماءِ، وكان يُكْرِمُ الجَار،
وكان يَقْرِي الضَّيْفَ، وكان يَصْدُقُ الحَديثَ، وكان يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُوفِي
بِالذِّمَّةِ، وَيَفُكُ العَانِي، ويُطْعِمُ الطَّعَامَ، ويُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، قال: هَلْ قال
يوماً واحداً: اللهم إني أَعُوذُ بكَ مِنْ نَارِ جَهَنْم؟ قلتُ: ما كان يَدْرِي
ما نارُ جهنم، قال: ((فلا إذاً)(٢).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ مِن جواب رسولِ اللهِ وَل عائشة
في ابن جُدعان لما سَأَلَتْهُ عَنْهُ، وَوَصَفَتْ له مِن أَحْوالِهِ التي كان عليها
في الجاهِليَّةِ ما وصفته له، ومن جوابه لها في ذلك أن ذلك غيرُ نافِعه
ولم يَزِدْهَا على ذلك شيئاً.
٤٣٦٠ - وحدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا وهبُ بنُ جریر، أنبأنا
= ورواه أبو يعلى (٤٦٧٢) من طريق أبي ربيعة، وابن حبان (٣٣٠) من طريق
عبيد الله بن عمر القواريري، كلاهما عن عبد الواحد، به دون لفظة: ((ويفك
العاني))، وذكر لفظة: ((يا عائشة)) عند أبي يعلى.
(١) صحيح، وهو مكرر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح على شرط البخاري. وانظر ما قبله.
١٤٩

شُعبة، عن سماك بن حرب، عن مُرَيٍّ بنِ فَطَرِي رجلٍ من بني ثُعَلَ
عن عدي بن حاتم، قال: قلتُ: يا رسولَ الله إنَّ أبي كان يَفعَلُ
كذا وكذا ويَصِلُ الرَّحِمَ، قال: ((إنَّ أَبَكَ أَرادَ أَمراً فَأَدْرَكَهُ))(١).
٤٣٦١ - وحدَّثنا إبراهيمُ، حدثنا أبو حُذيفة، حدثنا سفيانُ، عن
سماكٍ، عن مُرَيّ
عن عدي بن حاتم، قال: قلتُ للنبيِّ وَّهِ: إن أبي كان يُطْعِمُ
المساكينَ، ويَعْتِقُ الرِّقابَ، فهل لَهُ في ذلك مِن أجرٍ؟ قال: ((فإنَّ أباك
كان يَلْتَمِسُ أمراً، فأصابه))(٢).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ مِن جواب رسولِ اللهِ وَلِ عدياً
لما سأله عن أبيه، ووصفه له ما وصفه له من الأحوال التي كان عليها،
ومِن جواب رسولِ الله وَلّ له عندَ ذلك بما ذكر من جوابه إيَّه له في
هذا الحديث وأن الذي كان من أبيه إنما كان لِمعنىً قد بلغه، ولم
يتجاوزْ به رسولُ اللهِ وَلَ عن ذلك.
٤٣٦٢ - وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا أبو عاصمٍ، عن أبي
(١) حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف. مري بن قطري لم يوثقه غيرُ ابن
حبان، وقال الذهبي: لا يُعرف، تفرد عنه سماك بن حرب.
ورواه مطولاً ومختصراً الطيالسي (١٠٣٤)، وأحمد ٢٥٨/٤ و٣٧٧، وابن حبان
(٣٣٢)، والطبراني ٢٥٠/١٧، والبيهقي ٢٧٩/٧ من طرق عن شعبة، بهذا
الإِسناد.
(٢) حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف كسابقه.
ورواه أحمد ٣٧٩/٤ عن مؤمل، عن سفيان، بهذا الإِسناد.
:
١٥٠
٠

نعامة، عن عبد العزيز، رجُل مِن بني ضَبَّةً
عن سلمانَ بن عامر أنَّه أتى النبيِّ وَّهِ فقال: إنّ أبي كان يقري
الضيفَ، ويفعل ويفعل، وإنه مات قَبْلَ الإِسلام، قال: ((لَنْ يَنْفَعَهُ
ذلك))، فلما ولى، قال: ((عليّ بالشيخ))، فلما جاءَ، قال: ((إنَّ ذلك
لَنْ يَنْفَعَهُ، ولكن في عَقِبِهِ أنهم لن يَفْتَقِرُوا، ولَنْ يَذِلُّوا، ولن يُخْزَوا))(٢)،
وذكر البخاري أن عبدَ العزيز هذا المذكورَ في هذا الحديثِ: هو عبدُ
العزيز بنُ بُشير، وأنه رجلٌ من بني ضبةً(٢)، وقال غيْرُهُ من أهل
الحديث: إنه من ولد سلمانَ بن عامر.
فكان جوابُ رسولِ اللهِ وَّ في هذا الحديثِ بما لم يخرج عما
أجابَ به عائشة وعدياً في الحديثين الأولين غير ما فيه مما قاله له بَعْدَ
أن أمر بردّه إليه مما ذكر في حديثه هذا، وكان ذلك محتملاً عندنا
- والله أعلم - أن يكونَ ردُّ رسولِ الله وَّ إياه بشيءٍ قاله له المَلَكُ
(١) إسناده ضعيف، عبد العزيز - وهو ابن بُشير- لم يرو عنه غير أبي نعامة
- وهو عمروبن عيسى بن سويد العدوي -، ولم يوثقه غيرُ ابن حبان، وقال علي ابن
المديني فيما نقله عنه ابن أبي حاتم ٣٧٨/٥: مجهول.
ورواه الطبراني (٦٢١٣) من طريق العباس بن محمد الدوري، عن أبي عاصم،
بهذا الإِسناد. وتحرف فيه عبد العزيزبن بشير إلى: بشربن عبد العزيز.
(٢) الذي في المطبوع من ((تاريخ البخاري)) ٢٣/٦: عبد العزيز بن بشير وليس
فيه: وأنه رجل من بني ضبة، وفي ((التهذيب)) للمزي: عبد العزيزبن بشيربن كعب
العدوي البصري ... روى له أبو داود في كتاب ((القدر)) هذا الحديث الواحد، ووقع
عنده عبد العزيزبن بشير الضبي، والصواب: العدوي كما كتبنا، وقال الحافظ في
((التقريب)): عبد العزيزبن بُشير بالضم ابن كعب العدوي البصري: مجهول.
١٥١

في أمر أبي سلمان: إنه كان يفعلُ ما كان يفعل من تلك الأشياء ليلحق
عَقِبَهُ منها ما قد أخبرَ رسولُ اللهِ وَّهِ سلمانَ أنهم لن يفتقِرُوا، ولن
يَذِلُّوا، ولن يُخزوا، كما رَدَّ الرجلَ الذي كان سأله في حديثٍ أَبي
قتادة: أرأيتَ إن قُتلتُ في سبيلِ الله صابراً محتسباً، مقبلاً غير مُدبرٍ،
أَيْكَفِّرُ الله تعالى عني خطاياي؟ قال: ((نعم))، فلما ولَّى دعاه، فقال
له: ((إِلا أَنْ يَكُونَ عَلَيهِ دَينٌ، كذلك قال لي جبريلُ عليه السَّلامُ))(١).
٤٣٦٣ - وحدثنا الحسينُ بنُ نصر، حدثنا الفِريابيُّ، حدَّثنا سفيانُ،
عن هشامٍ بن عُروةَ، عن أبيه، قال:
قال حكيمُ بنُ حِزامٍ : يا رسولَ الله كُنْتُ أَدَعُ شيئاً تَبرُّعاً في
الجاهلية، قال: ((لك ما أَسْلَمْتَ على ما أُسْلَفْتَ مِن خَيرِ))(٢).
٤٣٦٤ - حدثنا مُصعبُ بنُ إبراهيمَ بنِ حمزة الزّبيريُّ، حدَّثنا أبي،
حدثنا عبدُ العزيز الدراورديُّ، حدثنا محمدُ بنُ عبد الله بنِ مسلم بنِ
شهاب الزهريُّ، عن عمه، عن عُروة
أن حكيمَ بنَ حزامٍ أخبره أنَّه قالَ لِرسولِ الله وَاتِ: أرأيتَ أموراً
(١) حديث صحيح رواه مالك في ((الموطأ)) ٤٦١/٢، ومسلم (١٨٨٥)،
وصححه ابن حبان (٤٦٥٤).
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. الفريابي: هو محمد بن يوسف
الفريابي، وسفيان: هو الثوري.
ورواه الحميدي (٥٥٤)، وأحمد ٤٣٤/٣، والبخاري (٢٥٣٨)، ومسلم (١٢٣)
(١٩٥) و(١٩٦)، وأبو عوانة ٧٣/١، والطبراني (٣٠٧٦) و(٣٠٨٤)، والبيهقي
٣١٦/١٠ من طرق عن هشام بن عروة، بهذا الإسناد.
١٥٢

كُنْتُ أتحنِّثُ بها في الجاهليةِ مِن صدقةٍ وعِتاقة وصِلَةِ رَحِمٍ: هل لي
فيها من أُجْرِ؟ فقال رسول الله وَله: ((أُسْلَمْتَ على ما أَسْلَفْتَ مِن
خَيرِ)(١).
فكان في هذا الحديث مِن رسول الله وَلفر جواباً لِحكيمٍ عن ما
سأله عنه قولُه له: ((أسلمت على ما أُسْلَفْتَ من خيرِ» فذلك محتملٌ
أن يكونَ ذُلك الخيرُ هو الخير الذي يُحْمَدُ عليه مثلُه على ما كان منه،
وإن كان لا أجرَ له فيه، فلم يَخْرُجْ ذُلك عما في الآثارِ الأُوَلِ التي
قد رويناها في هذا الباب.
٤٣٦٥ - وحدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو كريب، أنبأنا
معاويةُ بنُ هِشام، عن شيبانَ، عن جابرٍ، عن عامٍ، عن علقمة
(١) صحيح، وهذا سند قوي، إبراهيم بن حمزة من رجال البخاري، وعبد
العزيز بن محمد الدراوردي من رجال مسلم، وروى له البخاري مقروناً وتعليقاً، ومن
فوقهما من رجال الشيخين.
ورواه عبد الرزاق (١٩٦٨٥)، وأحمد ٤٠٢/٣، والبخاري (١٤٣٦)، ومسلم
(١٢٣) (١٩٥)، والطبراني في «الكبير» (٣٠٨٦)، والبيهقي ١٢٣/٩ و٣١٦/١٠،
والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٧) من طريق معمر، والبخاري (٢٢٢٠) و(٥٩٩٢)،
وأبو عوانة ٧٣/١، وابن حبان (٣٢٩) من طريق شعيب بن أبي حمزة، ومسلم
(١٢٣) (١٩٤)، وأبو عوانة ٧٢/١، والطبراني (٣٠٨٧) من طريق يونس بن يزيد،
ومسلم (١٢٣) (١٩٥)، وأبو عوانة ٧٢/١، والطبراني (٣٠٨٩) من طريق صالح بن
كيسان، والطبراني (٣٠٨٨) من طريق عبدالرحمن بن مسافر، كلهم عن الزهري به.
وقوله: ((أتحنث))، أي: أتقرب بها إلى الله، يقال: فلان يتحنث، أي: يفعل فعلاً
يخرج به من الإثم والحرج.
١٥٣

عن سلمة بن يزيد، قال: قُلنا يا رسول الله إنَّ أُمَّنا كانت تَقْري
الضيفَ، وتصِلُ الرحمَ، وإنها كانت وَأَدَتْ في الجاهليةِ، وماتت قبلَ
الإِسلام ، فهل يَنْفَعُها عَمَلٌ إن عَمِلْنَاهُ عنها؟ فقال رسولُ اللهِ وَإِ: ((لا
يَنْفَعُ الإِسلامُ إلا مَنْ أَدْرَكَ، أَمْكُم ومَا وَأَدَتْ في النّار))(١).
(١) إسناده ضعيف جداً، جابر - وهو ابن یزید الجعفي ۔ کذبه سعيد بن جبير،
وأبو حنيفة، ويحيى بن معين، وابن الجارود، وتركه يحيى بن سعيد القطان وعبد
الرحمن بن مهدي، وقال النسائي: متروك الحديث، ليس بثقة، ولا یکتب حديثه،
ومعاوية بن هشام - وهو القصار، وإن روى له مسلم، ووثقه أبو داود، ووصفه غير
واحد بالصدق-، قال ابن معين: صالح وليس بذاك، وقال الساجي: صدوق یھم،
وقال أحمد: كثير الخطأ، وقال في ((التقريب)): صدوق له أوهام. أبو كريب: هو
محمد بن العلاء، وعامر: هو ابن شراحيل الشعبي، وعلقمة: هو ابن قيس النخعي،
وسلمة بن يزيد الجعفي نزل الكوفة، وكان قد وفد على النبي وَّ وحدث عنه.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٦٣٢٠) عن علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو
كريبٍ، بهذا الإسناد بلفظ: ((الوائدة والموعودة في النار)).
ورواه أحمد في ((المسند)) ٤٧٨/٣، والنسائي في ((التفسير)) (٦٦٩)، والطبراني
في ((الكبير)) (٦٣١٩) من طريقين عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي، عن
علقمة بن قيس، عن سلمة بن يزيد الجعفي، قال: ذهبت أنا وأخي إلى رسولِ الله
*، قلت: يا رسول الله إن أمنا كانت في الجاهلية تقري الضيف، وتصل الرحم:
هل ينفعها؟ قال: ((لا))، قال: فإنها وأدت أختاً لها (لفظ النسائي، ولفظ أحمد
والطبراني: أختاً لنا) في الجاهلية لم تبلغ الحنث، فقال رسولُ الله ◌َ﴾: ((الموءودة
والوائدة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإِسلام)» وهذا إسناد على شرط مسلم إلا أن
داود بن أبي هند قال فيه أبو داود: خولف في غير حديث، وقال أحمد كما في
((العلل)» ١٢٥/١: يختلف عنه، ووصفه الحافظ في ((التقريب» بأنه كان يهم بأخرة . =
١٥٤

= ورواه أبو داود (٤٧١٧)، وابن حبان (٧٤٨٠)، والطبراني (١٠٠٥٩) من
طريقين عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عامر
الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي 9َّ، قال: ((الوائدة والموءودة في
النار)). وهذا سند ضعيف، أبو إسحاق - وهو السبيعي - اختلط بأخرة، وزكريا بن أبي
زائدة سماعه منه بعد الاختلاط، ثم إن زكريا بن أبي زائدة وصفه بالتدليس غير
واحد .
ورواه ابن أبي حاتم فيما نقله عنه ابن كثير في ((تفسيره)» ٣٥٧/٨ عن أحمد بن
سنان الواسطي، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة
وأبي الأحوص، عن ابن مسعود، وإسرائيل سمع من أبي إسحاق بأخرة.
ورواه أحمد ٣٩٨/١-٣٩٩ عن عارم بن الفضل، عن أبي سعيد، عن أبي
يزيد، عن علي بن الحكم البناني، عن عثمان بن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن
ابن مسعود، وفيه: ((أمكما في النار) ولم يذكر الموءودة. وهذا سند ضعيف أيضاً فيه
عثمان: وهو ابن عمير بن عمروبن قيس البجلي، ضعّفه أحمد وابن معين وابن
مهدي وابن القطان والنسائي وغيرهم.
ورواه الطبراني (١٠٢٣٦) عن علي بن عبد العزيز، عن يحيى الحماني، عن
محمد بن أبان (ضعفه أبو داود وابن معين، وقال البخاري: ليس بالقوي)، عن
عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود.
وانظر لزاماً ((علل الدارقطني)) ١٦٠/٥-١٦٣.
ثم إن في متن الحديث نكارة شديدة، فإنه يفيد أن الموءودة غير البالغة في النار
مع أن الإِجماع قائم على أنه لا تكليف قبل البلوغ، والمذهب الصحيح المختار
عند المحققين من أهل العلم أن أطفال المشركين الذين يموتون قبل الحنث هم من
أهل الجنة، وقد استدلوا بما أخرجه ابن أبي حاتم فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير
في «تفسیرہ) ٣٥٧/٨ عن أبي عبد الله الطهراني - وهو محمد بن حماد- حدثنا
١٥٥

ففي هذا الحديثِ أن الإِسلامَ لا ينفعُ إلا من أدركه، أي: فأسلم،
ودخل فيه، وكانت المنفعةُ المذكورةُ في هذا الحديث محتملةً أن تكون
هي المنفعةَ بالإِسلام لا بما سواه مما قد تقدمه في الجاهلية من الأمور
المحمودةِ، ومحتملة أن تكون نافعة لأهلِها في غير الإِسلام، كما ينفعُهم
لو عَمِلوها في الإِسلام غير أن جملة ما رويناه في هذا الباب يَرْجِعُ
إلى مرادِ عاملي الأشياء بإعمالهم إيَّها ما عَمِلُوها له، كما قال ◌ِّ:
((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِىٍ ما نَوى، فَمَنْ كانَت هِجرَتُهُ
إلى اللهِ عز وجل وإلى رسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت
هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُها أو امرأةٍ يَتَزَوَّجُها، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليه))،
= حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس:
أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار، فقد كذب، يقول الله عز
وجل: ﴿وإذا الموءُودةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾، قال: هي المدفونة، وبقوله تعالى:
﴿وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رسولاً﴾ فإذا كان لا يعذِّبُ العاقل بكونه لم تبلغه
الدعوةُ، فلأن لا يعذب غير العاقل مِن باب الأولى.
وقال الإِمام النووي في ((شرح مسلم)) ٢٠٧/١٦-٢٠٨: وأما أطفال المشركين
ففيهم ثلاثة مذاهب، قال الأكثرون: هم في النار تبعاً لآبائهم، وتوقفت طائفة فيهم،
والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة، ويستدل له
بأشياء منها حديث إبراهيم الخليل 18 حين رآه النبي ◌َله في الجنة وحوله أولاد
الناس، قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: ((وأولاد المشركين)) رواه البخاري
في (صحيحه)) (٧٠٤٧)، ومنها قوله تعالى: ﴿وما كُنَّا مُعذّبين حتّى نبعث رسولاً﴾،
ولا يتوجه على المولود التكليف، ويلزمه قول الرسول حتى يبلغ، وهذا متفق عليه
والله أعلم.
١٥٦

وسنذكر ذلك بأسانيده فيما بعدُ مِن كتابنا هذا إن شاءَ الله تعالى.
وإذا كانت الأعمالُ في الإِسلام لا تَنْفَعُ عامِليها إلا بنيّتهم بها الله
عزَّ وجَلّ، فيكونون بها مريدينَ له، وقاصِدِين إليه، فيُثيبهم عليها ما
يُثيبهم عليها، وإذا عَمِلُوها لما سوى ذلك مِن أمورِ دُنياهم لم يكونوا
كذلك، ولم يكن لهم في ذلك من شيء، كان ما عملوه في الجاهلية
مِن الخير الذي ليس معهم من الإِسلام ولا النياتُ التي يُريدون
بأعمالهم فيها الله عز وجل، أحرى أن لا يُثابُوا عليها، وأن لا يؤتوا
بها إلَّ ما قَصدوا بها إليه في دُنياهم من أسباب دُنْياهم، فقد ائتلفَتْ
هذه الآثار التي رويناها في هذا الباب، وصدق معاني بعضها بعضاً،
ولم يَخْرُجْ شيءٌ فيها عن شيءٍ إلى ما يُضادها، وبالله التوفيق.
١٥٧

٦٧٤ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله وَّه
فيما يَدُلُّ على مرادِ اللهِ عز وجل بقوله
في آية المُكاتَبِين: ﴿وَآتُوهُم
مِن مال الله الذي آتكُم﴾
[النور: ٣٣]
٤٣٦٦ - حدثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، حدَّثنا عبدُ الله بنُ وهب،
قال: أخبرني رجالٌ مِن أهلِ العلمِ، منهم يونُسُ بنُ يزيد، والليثُ بنُ
سعد، عن ابن شهاب، عن عُروة بن الزبير
عن عائشة زوج النبيِّينَ﴿ رَضِيَ الله عنها، قالت: جاءت بريرةُ
إليَّ، فقالت: يا عائشةُ إني قد كاتبتُ أهلي على تسعِ أواقٍ في كُلّ
عامٍ أوقية، فأعينيني، ولم تَكُنْ قَضَتْ مِن كتابتها شيئاً، فقالت لها
عائشة: ارجعي إلى أهلِكِ، فإن أحبُّوا أن أُعْطِيَهُم ذلك جميعاً، ويكون
ولأُؤكِ لي، فعلتُ، فَذَهَبَتْ إلى أهْلِها، فعَرَضَتْ ذُلك عليهم، فَأَبُوا،
وقالُوا: إن شاءَت أن تحتسِبَ عليكِ، فَلْتَفْعَلْ ويكونُ ولأُؤْكِ لنا، فذكرتُ
ذلك لرسولِ اللهِ وَلِ﴾، فقال: ((لا يَمْنَعَكِ ذُلك منها، ابتَاعِي، فأعتِقي،
فإنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))، وقام رسولُ اللهِ وَّهِ فِي النَّاس، فحَمِدَ الله،
وأثنى عليه، قال: ((أما بَعْدُ: فما بَالُ أَنَاسٍ يشترطُون شُروطاً ليست
في كتاب اللّهِ، مَنْ شَرَطَ شرطاً لَيْسَ في كتاب الله عز وجَلْ، فهو
١٥٨

باطلٌ، وَإن كانَ مئة شَرْطٍ، قضاءُ اللهِ أَحقُّ، وشَرْطُ اللهِ أوثقُ، وإنَّما
الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))(١).
٤٣٦٧ - حدثنا يونسُ، أنبأنا ابنُ وهب، قال: أخبرني عمرو بنُ
الحارث والليثُ بنُ سعد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤٣/٤
بإسناده ومتنه .
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٥٠١٦) من طريق يونس بن عبد الأعلى، بهذا
الإسناد.
ورواه مسلم (١٥٠٤) (٧) عن أبي الطاهر، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة))
(٢٣٣) عن سليمان بن داود، كلاهما عن ابن وهب، به. ورواية مسلم بالقصة دون
الخطبة، ورواية النسائي بالخطبة فقط، ودون قوله: ((الولاء لمن أعتق)).
ورواه أحمد ٨١/٦-٨٢ و٢٧١-٢٧٢، والبخاري (٢٥٦١) و(٢٧١٧)، ومسلم
(١٥٠٤) (٦)، والبيهقي ٣٣٨/١٠ من طرق عن الليث، به.
ورواه البخاري (٢٥٦٠) تعليقاً، قال: قال الليث: حدثني يونس، عن ابن
شهاب، قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: (إن بريرة دخلت عليها
تستعينها ... فذكره. قال الحافظ في ((الفتح)) ١٧٨/٥: ووصله الذهلي في
((الزهريات)) عن أبي صالح كاتب الليث، عن الليث، والمحفوظ رواية الليث له عن
ابن شهاب نفسه بغير واسطة.
ورواه أحمد ٣٣/٦، والبخاري (٢١٥٥) من طريق شعيب بن أبي حمزة، وعبد
الرزاق (١٦١٦١) عن معمر، كلاهما عن الزهري، به.
ورواه أحمد ١٠٣/٦ و١٢١ من طريق أبي سلمة، عن عائشة مختصراً جداً
بلفظ: ((الولاء لمن أعتق)).
ورواه مرسلاً مختصراً عبد الرزاق (١٦١٦٣) من طريق عبد الله بن أبي مليكة .
١٥٩

عن النبيِّ ◌ِ دٌ بذلك(١).
٤٣٦٨ - وحدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهْبٍ أن مالكاً أخبره عن
هشام بنِ عُروة، عن أبيه
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جاءت بريرةُ إلى عائشةً
رضي الله عنها، فقالت: إني كاتبتُ أهلي على تسعَ أَوَاقٍ فِي كُلِّ
عامٍ أوقيةً، فقالت عائشة: إن أَحَبَّ أهلُك أن أَعُدَّهَا لهم، ويكون
ولاؤُكُ لي، فعلتُ، فَذَهَبَتْ بريرةُ إلى أهلِها، فقالَتْ لهم ذلك فأَبُوا ذلك
عليها، فجاءت مِن عِنْدِ أَهلِها ورسولُ اللهِ وَ﴿ جالِسٌ، فقالت: إنّ
قد عَرَضْتُ ذلك عليهم، فَأَبُوْا إلا أن يكونَ الوَلاءُ لهم، فَسَمِعَ ذُلك
رسولُ اللهِ مَِّ، فسألها، فأخبرته عائشة، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((خُذيها
واشتَرِطي الوَلَاَءَ لهم فإِنَّ الوَلَاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)) ففعلت عائشةُ، ثم قام
رسولُ الله ◌َ في الناسِ، ثم ذكر بقية الحديث(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه مطولاً ومختصراً عبد الرزاق (١٦١٦٤)، وابن أبي شيبة ١٣٧/٧، وأحمد
٢٠٦/٦ و٢١٣، والبخاري (٢٥٦٣)، ومسلم (١٥٠٤) (٨)، وابن ماجه (٢٥٢١)،
والبيهقي ٣٣٦/٥ و٣٣٨، والخطيب في ((تاريخ بغداد)» ٣٢/٣ من طرق عن هشام،
بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو عند المصنف في ((شرح معاني
الآثار)) ٤٥/٤ بإسناده ومتنه.
وهو في ((الموطأ)) ٧٨٠/٢، ومن طريق مالك أخرجه الشافعي ٧٠/٢ و٧٠-٧١
و٧١-٧٢، والبخاري (٢١٦٨) و(٢٧٢٩)، ومسلم (١٥٠٤)، وأبو يعلى (٤٤٣٥)،
والمصنف في ((شرح معاني الآثار) ٤٥/٤، وابن حبان (٤٣٢٥)، والبيهقي =
١٦٠