النص المفهرس
صفحات 121-140
أولَ مَنْ سمعت منه هذا الحديث أبو قلابة. ٣٩٦٤ - حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا عاصم الأحولُ، ومِسْعَرٌ عن عمرو بن سَلِمَة، قال: لما وَفَدَ قومي إلى رسولِ الله ◌ِصَّـ، قال لهم: (لِيؤمَّكُم أكْثَرُكُمْ قِراءةً للقرآن))، فجاؤوا فعلّموني الركوعَ والسجودَ، فكنتُ أُصلي بهم، وعليَّ بُرْدَةٌ مفتوقة، فكانوا يقولون [لأبي]: ألا تُغطّي عنا اسْتَ ابْنِكَ(١). فكان في هذا الحديث إمامةُ الصبي المذكورِ فيه بقومه، فذهبَ قومٌ، منهم الشافعيُّ، إلى إجازة إمامة الصبي الذي لم يَبْلُغْ في الصلاة إذا عَقَلَها من الصلوات الخمس الرجالَ البالغين، واحتجُوا في ذلك بهذا الحديث. وخالفهم في ذلك آخرون، منهم أبو حنيفة وأصحابُه، فلم يُجيزوا صلاةَ مَنْ عليه تلك الصلاةُ خلفَ مَنْ ليست عليه، وكان مِن الحُجة لهم على أهلِ القولِ الأول في هذا الحديث أن ذلك الفعلَ من تقديم ذلك الصبي والائتمام به لم يكن بأمر النبيِّ وَّ بذلك بعينه، وإنما (١) إسناده صحيح على شرط البخاري رجاله رجال الشيخين غير عمروبن سلمة، فمن رجال البخاري. ورواه ابن سعد ٣٣٧/١ و٩٠/٧، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٥٤) وفي ((المجتبى)) ٧١/٢ من طريق يزيد بن هارون، عن عاصم الأحول، عن عمروبن سلمة . ١٢١ كان مِن فعل الذين قدَّموه مما قد دخل على قِلة علمهم بأحكام الصلاة ائتمامُهم بمكشوف العورة فيها، وذلك مما تمنعُ منه الشريعةُ وليس لأنَّه كان في عهد النبيِّ نَّهُ يكونُ حجةٌ، إذ كان النبيُّ لَّه لم يَقِفْ عليه، فيُمِضِيَه، وهذا عُمَرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه قد ذكر له رفاعةُ بنُ رافع الأنصاري - وهو رجلٌ من جِلَّة أصحاب رسولِ الله ◌ِّر، ومن نُقباء الأنصار، وممن شهد بدراً - أنهم كانوا على عهد رسولِ الله وَالاله ٣٩٦٥ - كما حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا محمدُ بنُ عبد الله بن نمير، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة، عن عُبيد بنِ رِفاعة بنِ رافع عن أبيه، قال: إني لجالس عن يمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ جاء رجلٌ، فقال: يا أميرَ المؤمنين: هذاَ زِيدُ بنُ ثابتٍ يُفتي الناسَ في الغُسلِ مِن الجنابة برأيه، فقال عُمَرُ: اعْجَلْ عليَّ به، فجاء زيدٌ، فقال عمر: بَلَغَ مِن أمرك أنَّك تُفتي الناسَ بالغُسل من الجنابة في مسجدِ رسولِ اللهِ وَّه برأيك، فقال له زيدٌ: أما واللهِ يا أميرٌ المؤمنين ما أفتيتُ برأيي، ولكني سَمِعْتُ مِن أعمامى شيئاً، فقلتُ به، فقال: مِن أيِّ أعمامك؟ فقال: من أَبَيِّ بن كعب، وأبي أيوب، ورِفاعة بن رافع، فالتفت إليَّ عُمَرُ، فقال: ما يقولُ هذا الفتى؟ قلتُ: إن كنا لنفعلُه على عهدٍ رسولِ اللهِ ﴿ُ ثم لا نَغْتَسِلُ، قال: أفسألتم النبيَّ نَّهَ عن ذلك؟ فقلتُ: لا، فقال: عليَّ بالناس، فَأَصْفَقَ الناسُ: ١٢٢ أن الماءَ لا يكونُ إلا مِن الماءِ، إلا ما كان مِن عليٍّ ومُعاذٍ عليهما السَّلامُ، فقالا: إذا جاوزَ الخِتانُ الخِتانَ، فقد وجب الغسلُ، فقال أميرُ المؤمنين: لا أجد أحداً أعلمَ بهذا من أمر رسولِ الله وَّهِ مِن أزواجه، فأرسل إلى حفصةَ، فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة، فقالت: إذا جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتانَ، فقد وجب الغسلُ، فَتَحَطَّمَ عُمَرُ، وقال: لَئِنْ أَخْبِرْتُ بأحدٍ يفعلُه، ثم لا يغتسِلُ، لُأَنْهكنَّهُ عقوبةً(١). (١) معمر بن أبي حبيبة روى له الترمذي وهو ثقة، وعبيد بن رفاعة روى له البخاري في ((الأدب المفرد)) وأصحاب السنن، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وباقي رجاله ثقات من رجال الشيخين غيرَ محمد بن إسحاق، فقد روى له مسلمٌ متابعة، واحتجَّ به أصحابُ السنن وهو صدوق إلا أنه موصوف بالتدليس وقد عنعن. وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٥٨/١ - ٥٩ بإسناده ومتنه. ورواه أحمد ١١٥/٥ عن يحيى بن آدم، حدثنا زهيرُ وابنُ إدريس عن محمد بن إسحاق، بهذا الإِسناد. ورواه ابن أبي شيبة ٨٧/١، وعنه عبدالله بن أحمد في ((زوائد المسند)) ١١٥/٥ عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، به. ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٤٥٣٦) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن یزید بن أبي حبيب، به. وقوله: ((فأصفق الناس)) أي: اتفقوا. وقوله: ((فتحطم عمر)) جاء تفسيره في رواية أحمد: يعني تغيظ. قلت: مأخوذ من الحطمة: وهي النار التي تحطم كل شيءٍ وتجعله حُطاماً. قلت: كان المجامع في أول الإِسلام إذا لم ينزل لا يجب عليه الاغتسال، وإنما يكفيه الوضوء، ثم نسخ ذلك بوجوب الاغتسال إذا جاوز الختان الختان سواء = ١٢٣ فهذا عُمَرُ لم يَرَ ما حدَّثه به رِفاعةُ - مِمَّا كانوا يفعلونه على عهدٍ رسول الله وَ﴿ مما لم يذكروه له، فيحمده منهم - حجةً، فإذا كان ذلك مِن رِفاعة مع جلالة مقداره، وعلوِّ منزلته في ذلك، كذلك كان مثلُه فيمن ليس له مِن النَّصْرةِ كُنُصرته، ولا مِن الصُّحبة لِرسول الله: (وَله كصُحبته، ولا من شُهود بدرٍ، وما سواها من مغازي رسول الله صل9 كما لَهُ أحرى أن يكونَ مما قصَّرَ فِعْلُهُم ذلك عن رسول الله صل ◌ّ كذلك لا حُجَّةَ فيه، فعادَ بذلك هذا الحديثُ لا حجة فيه لأحدٍ من أهلِ هذين القَوْلَيْنِ على أحدٍ من أهلِ القولِ الآخر منهما، والله عز وجل نسأله التوفيق . = أكان معه إنزالٌ أو لم يكن، والدليل على النسخ قولُ أبي بن كعب: إن الفتيا التي كانوا يفتون: أن الماء من الماء كان رخصة في أول الإِسلام ثم نهي عنها)) وهو حديث صحيح مخرج في ابن حبان (١١٧٣) و(١١٧٩) بتحقيقنا، وانظر ((شرح معاني الآثار)) ٥٣/١ - ٦٢. ١٢٤ ٦١٩ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله وح لول مما سأل ربَّه عز وجل ثم ودّ. أنَّه ما سأله إِيَّاه ٣٩٦٦ - حدثنا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ عبد الوهّاب الحجبي، وحدثنا أحمدُ بن داود بن موسى، قال: حدثنا أبو الربيع الزهرانيُّ، قالا: حدثنا حمادُ بنُ زَيدٍ، قال: حدثنا عطاءُ بنُ السائب، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((سألتُ ربِّي عز وجلَّ مسألة وَدِدْتُ أَنِّي لم أكن سألتُه، قُلْتُ: أيْ ربُّ قد كانت قبلي أنبياء، منهم مَنْ سَخَّرْتَ له الريحَ، ثم ذكر سليمان بن داود وَّة، ومنهم من كان يُحيي الموتى، ثم ذكر عيسى ابن مريمِ لِ لّه ومنهم ومنهم يَذْكُرُ ما أُعْطُوا، قال: أَلَمْ أَجِدْكَ يتيماً فآويتُ؟ قلتُ: بلى، أي ربِّ، قال: ألم أجدْك ضالاً فهديتُ؟ قلت: بلى، أي رَبِّ، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتُ؟ قلت: بلى، أي ربّ، قال: ألم أشرح لَكَ صدرَكَ، وَوَضَعْتُ عنكَ وِزْرَكَ؟ قلت: بلى، أي رَبِّ))(١). (١) إسناده حسن. رجاله ثقات رجال الشيخين غيرَ عطاء بن السائب فقد روى له البخاري متابعة، وأصحابُ السنن وهو صدوق، ورواية حماد بن زيدعنه قبل الاختلاط. ١٢٥ = ٣٩٦٧ - وحدثنا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حدثنا إسحاقُ بنُ هشامِ التمارُ، وحدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس، قال: حدثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيل، قالا: حدثنا حمادُ بنُ زيد، قال: حدثنا عطاءُ بنُ السائب، قال محمد بن علي في حديثه، قال حماد: وأظنه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال إسحاق بن إبراهيم في حديثه، قال حماد: وأكثر ظني أنه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ثم ذكر هذا الحدیث(١). ففي هذا الحديثِ ما يدلُّ أنَّه ◌ِهِ كان سأل ربَّه أن يُّؤْتِيه شيئاً يُبَيِّنُ به من الأنبياء قبلَه صلواتُ الله عليهم مِن جنس ما آتاه من تقدَّمه منهم مما أبانه به مِن سائر الأنبياء صلوات الله عليهم سواه. منهم سليمانُ وََّ لما سأله أن يُؤْتيه ملكاً لا ينبغي لأحدٍ مِنْ بعده، فسخِّر له الريحَ تجري بأمره رُخَاءً حيثُ أصاب، والشياطين كُلّ بناءٍ = ورواه ابن أبي حاتم فيما نقله عنه ابن كثير ٤٥٢/٨ عن أبي زرعة، حدثنا أبو عمر الحوضي، حدثنا حماد بن زيد، بهذا الإِسناد. ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٦٢/٧ من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا عارم وسليمان بن حرب، قالا: حدثنا حماد بن زيد، به. (١) إسناده حسن. إسحاق بن هشام التمار لم أقف له على ترجمة وهو متابع بإسحاق بن أبي إسرائيل، وهو صدوق، روى له البخاري في ((الأدب المفرد)) وأبو داود والنسائي . وهو مكرر ما قبله. ١٢٦ وغواص، وآخرين مُقَرَّينَ في الأصفادِ. ومنهم عيسى ابنُ مريم ◌ََّ آتاه أن يُبرىء الأكمه والأبرصَ بإذنه، وأن يُخرج الموتى بإذنه. فكان مِن الله عز وجل إعلامُه إيَّه أنَّه قد آتاه ما هو فوقَ ذلك مما قد اقتصَّ في الحديث ومما لم يقتصَّ فيه مما هو مذكورٌ في سورة (ألم نشرَحْ لَكَ) مما خاطبه به من قوله عزَّ وجلَّ له وَِّ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، حتى جعله مذكوراً في الأذان الذي يُدعى به إلى الصلواتِ التي افترضها على خلقه، وتعبَّدهم بها، ولم يُؤتِ ذلك أحداً ممن تقدمه من الأنبياء صلواتُ الله عليهم، ومِن سليمانَ، ومِن عيسى، وممن سواهما منهم، وجعله مع ذلك مما لم يُذكر في تلك السورةِ، ولا في هذا الحديث مذكوراً في الصلوات بعدَ ذكره عز وجل فيها ومُصَلّى عليه فيها في التشهد لها، فودَّ وََّ لما وقفه الله عزَّ وجَلَّ على ذلك أنه لم يكن سأله ما سأله أن يُعْطِيَهُ إِيَّاه مما قد كان أعطاه ما هو فوقَه، وما هو أفضلُ منه، ثم روي عنه ◌َّر مما قد أحطنا علماً أنه لم يَقُلْهُ إلا بعدَ ذلك ٣٩٦٨ - ما قد حدَّثنا فهدُ بنُ سليمان، ومحمدُ بن جعفر المعروف بابن الإِمام، قالا: حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن يونس الكوفي، قال: حدثنا زهيرُ بنُ معاوية، قال: حدثنا أبو خالد يزيد الأسدي، عن عون بن أبي جُحيفة السوائي، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي عن عبد الرحمن بن أبي عقيل، قال: انطلقتُ في وَقْدٍ إلى رسولِ اللّهِ الَّ فأتينا، فأنخنا بالباب، وما في الناسِ أبغضَ إلينا مِن رجل ١٢٧ نَلِجُ عليه، فما خرجنا حتَّى ما في الناس أحبُّ إلينا من رجل دخلنا عليه، فقال قائلٌ منا: يا رسولَ الله، ألا سألتَ ربَّك مُلكاً كُمُلْكِ سُليمان؟ قال: فضَحِكَ ثم قال: ((فلعلَّ لِصاحبكم عند الله عز وجل أفضلَ من مُلك سليمان، إنَّ اللَّه لم يَبْعَثْ نبياً إلا أعطاهُ دَعْوَةً، فمنهم من اتّخذها دنيا فأعطيها، ومنهم مَنْ دعا بها على قومِهِ إذا عَصَوْا، فَأَهْلِكوا بها، وإنَّ الله عز وجل أعطاني دعوةً، فاخْتَبَتُها عندَ ربِّي عز وجل شفاعةً لُأُمَّتي يومَ القِيامَةِ»(١). فعقلنا بذلك أن منزلتَه وَ﴿ مِن رَبِّه عز وجل فوقَ منزلةٍ سليمانَ وَّر، ثم زاده الله عز وجل بعثتَه إِيَّه إلى النَّاس جميعاً وإنزاله عليه: ﴿قُلْ يَا أَيُّها النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ولم يكن غيره من الأنبياء يُبْعَثُ إلا إلى قومِه، أو إلى خاص من النَّاسِ دونَ بقیتھم. وخصَّه عز وجل بما أتى لنا به على لسانِه بَّ مِن قوله. ٣٩٦٩ - ما قد حدثنا المزنيُّ، قال: حدثنا الشافعيُّ، قال: حدثنا (١) إسناده ضعيف. أبو خالد يزيد الأسدي - وهو أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني الأسدي - كثير الخطأ، وعبد الرحمن بن علقمة الثقفي يقال: له صحبة، وذكره ابن حبان في ((ثقات التابعين)) . ورواه البخاري في ((تاريخه)) ٢٤٩/٥ - ٢٥٠، والبزار (٣٤٥٩)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) من طريق أحمد بن عبدالله بن يونس، بهذا الإِسناد. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٣٧١/١٠ ونسبه إلى البزار والطبراني، وقال: ورجالهما ثقات! ١٢٨ سفيانُ بنُ عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((أُعطيتُ خمساً لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي: جُعِلَتْ لِي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وأُرْسِلْتُ إلَىَ الْأَحْمَرِ والْأبْيَضِ، وأَعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ)). سمعتُ المزني يقولُ: سمعتُ محمدَ بنَ إدريس، يعني الشافعيَّ، يقولُ: جلستُ إلى سفيانَ، فذكر هذا الحديث، فقال الزهري عن أبي سلمة، أو سعيد عن أبي هريرة، ثم ذكره(١). ولم يكن غيرُه من الأنبياءِ بَّهَ يُصلي إلا في مواضِعَ خاصة، وخص أيضاً أن جَعَلَ له الطهورَ بالصعيد الذي هو مِن الأرض طهوراً يقومُ مقامَ الطهورِ بالماء إذا أعوزَ الماءُ حتى يؤديَ به الفرائضَ، كما كان يؤديها بالطهور وبالماء لو كان وجده ولم يّؤْتِ ذلك أحداً قبلَه من الأنبياء (١) إسناده صحيح. مَن فوق الإِمام الشافعي ثقات من رجال الشيخين. وهو عند الشافعي في ((السنن المأثورة)) (١٨٥) برواية المؤلف عن خاله المزني. ورواه مسلم في ((صحيحه)) (٥٢٣) (٦) من طريقين عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، بهذا الإِسناد. ورواه أيضاً من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله وَّل قال: ((فضلت على الأنبياء بست: أعطيتُ جوامع الكلم، ونُصرتُ بالرعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعِلَتْ لي الأرضُ طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلقِ كافَّة، وخُتِمَ بي النبيون)). وانظر ابن حبان (٢٣١٣) و(٦٤٠١) و(٦٤٠٣). ١٢٩ صلوات الله عليهم، وفَضَّلَهُ عز وجل بإحلالِه له الغنائِمَ ولم تكن حلالاً لأحدٍ من الأنبياءِ قبلَه، وإنما كانت نارٌ تَنْزِلُ من السماء فتأكلها. ففي ذلك ما قد دَلَّ على فضله على جميع الأنبياءِ صلى الله عليه وعليهم، وزاده شرفاً وفضلاً، وجزاه عنا أفضلَ ما جزى به أحداً من خلقه عن أحدٍ منهم. والله نسأله التوفيق. ١٣٠ ٦٢٠ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول اللهمح له من نهيهِ عن الصَّلاةِ بعدَ طلوع الشمس حتى ترتفع، وبعد قيامها حتى تميل، وبعد تغيرها حتى تغرب، وهل كان ذلك على سائر الأيام، وهل كان ذلك على فرائض الصلوات ونوافلها أم لا؟ ٣٩٧٠ - حدثنا سليمانُ بنُ شعيب الكيساني، قال: حدثنا عليُّ بن معبد، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصمٍ، عن زِرُّ، قال: قال لي عبدُ اللهِ: كنا نُنْهَى عنِ الصَّلاةِ عندَ طلوع الشمس، وعِنْدَ غُروبها، ونِصْفَ النَّهارِ(١). (١) إسناده حسن. عاصم: هو ابنُ بهدلة وهو صدوقٌ، وحديثه في ((الصحيحين)) مقرون، وباقي رجاله ثقات. ورواه الطبراني في ((الكبير)) (١٠٢٣٨) عن محمد بن عبدالله الحضرمي، حدثنا أبو نعيم ضراربن صرد، حدثنا أبو بكربن عياش، بهذا الإِسناد. وضرار بن صرد - وإن كان فيه ضعف - قد تابعه عند المصنف علي بن معبد الرقي وهو ثقة. ١٣١ ٣٩٧١ - حدَّثْنا بحرُ بنُ نصر الخَوْلاني، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ وهب، قال: حدثني مُعاويةُ بنُ صالح الحمصي، قال: حدثني أبو يحيى، - قال أبو جعفر: وهو سُليمُ بنُ عامرِ الخبائري - وضمرةُ بنُ حبيبٍ، وأبو طلحةً، عن أبي أمامةَ الباهِلِيٍّ، قال: حدثني عمرو بنُ عَبَسَةَ السُّلَمِي، قال: قال لي رسولُ الله ◌ِّ: ((إِنَّ أَقْرِبَ ما يكونُ الرَّبُّ عزَّ وجَلَّ مِن العبد جَوْفُ الليلِ الآخِرِ، فإن اسْتَطَعْتَ أن تكونَ مِمَّن يَذكُرُ اللَّه عزَّ وجَلَّ في تلك الساعة، فافعل، فإنَّ الصلاةَ محضورةٌ مشهودةٌ إلى طلوع الشمس، فإذا طَلَعَتْ، فإنّها تَطْلُعُ بِينَ قَرْنَي شيطانٍ، وهي ساعةُ صلَاةِ الكفار، فَدَع الصلاةَ حتى ترتفِعَ، ويَذْهَبَ شُعَاعُها)) - قال معاوية: وأما ضمرةُ، فقال: ((حتى ترتفع قيد رمح - ثم الصلاةُ محضورة مشهودة إلى أن ينْتَصِفَ النهارُ، وانها ساعة تُفتحُ أبوابُ جهنَّمَ وتُسْجُرُ، فَدَع الصَّلاةَ حتى يفيءَ الفيُ، ثم الصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ إلى غروب الشمس، فإنها تَغْرُبُ بَيْنَ قرني شيطانٍ، وهي ساعة صلاةٍ الكفار))(١). (١) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو طلحة: هو نعيم بن زياد الأنماري روى له النسائي وهو ثقة، وأبو أمامة الباهلي: هو صدي بن عجلان صحابي مشهور، وحديثه في ((الصحيحين)). ورواه النسائي في ((الكبرى)) (١٤٦٠) وفي ((المجتبى)) ٢٧٩/١ عن عمروبن منصور، عن آدم بن أبي إياس، عن الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، بهذا الإِسناد. ورواه أبو داود (١٢٧٧) عن الربيع بن نافع، عن محمد بن المهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، به. = ١٣٢ ٣٩٧٢ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا أبو عامر العقديُّ، عن موسى بن عُلي، عن أبيه، قال: سمعتُ عُقبة بنَ عامر الجهنيَّ، قال: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كان رسولُ اللّهِ وَ ينهانا أن نُصَلَّ فيهن، أو نَقْبُرَ فيهن موتانًا: حِين تَطْلُعُ الشَّمْسُ بازغةُ حتَّى ترتَفِعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظهيرة حتى تمِيلَ، وحين تَضَيَّفُ الشمسُ لِلغروب حتى تَغْرُبَ (١). ٣٩٧٣ - حدثنا يونس بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وهب، قال: حدثني عياضُ بنُ عبد الله القرشي، عن سعيد بن أبي سعيدٍ المقبري = ورواه مختصراً الترمذي (٣٥٧٩) عن عبدالله بن عبد الرحمن، عن إسحاق بن عيسى، عن معن، عن معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي أمامة، حدثني عمرو بن عبسة أنه سَمِعَ النبي ◌َّهِ يقول: ((أقربُ ما يكونُ الربُّ من العبد في جوفِ الليل الآخِرِ، فإن استطعتَ أن تكونَ ممن يذكر الله في تلك الساعةِ، فكن)) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. (١) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو عامر العقدي: هو عبدُ الملك بن عمرو القيسي. ورواه أحمد ١٥٢/٤، والطيالسي (١٠٠١)، وابن أبي شيبة ٣٥٣/٢، والدارمي ٣٣٣/١، ومسلم (٨٣١)، وأبو داود (٣١٩٢)، والنسائي ٢٧٥/١ - ٢٧٦، و٨٢/٤، والترمذي (١٠٣٠)، وابن ماجه (١٥١٩)، وابن حبان (١٥٤٦)، وأبو يعلى (١٧٥٥)، والطبراني ١٧ / (٧٩٧)، والبيهقي في ((السنن)) ٤٥٤/٢ ٣٢/٤، والبغوي (٧٧٨) من طرق عن موسى بن علي، بهذا الإِسناد. وقوله: ((وحين تضيَّف)) أي: تميل. ١٣٣ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أتى رسولَ الله وَلِّ، فقال: يا رسولَ اللهِ أَمِنْ سَاعاتِ الليل والنهارِ ساعةٌ تَأْمُرُني أن لا أُصَلِّيَ فيها؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهَ: ((نَعَمْ إِذا صَلَّيْتَ، فَأَقْصِرْ عَن الصَّلاةِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فإِنَّها تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي شَيْطَانٍ، ثُمَّ الصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ مُتَقَبََّةٌ حَتَّى يَنْتَصِفَ النَّهَارُ، فإِذا انْتَصَفَ النَّهَارُ، فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حتّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، فإِنَّه حِينئذٍ تُسَعَّرُ جَهَنَّهُ، وشِدةُ الحَرِّ مِنَ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فإِذا مَالَتِ الشَّمسُ، فالصلاةُ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ حتى تُصَلِّي العَصْرَ، فإِذا صَلَّيْتَ العَصْرَ، فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ثُمَّ الصَّلاةُ مَشهُودَةٌ مَحْصُورةٌ مُتَقَبَّلَةٌ حَتَّى تُصَلِّي الصُّبْحَ))(١). ٣٩٧٤ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهب، أن مالكاً حدَّثه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار (١) حديث صحيح. عياض بن عبدالله القرشي ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج له مسلم في ((صحيحه)) وقال الذهبي في ((الكاشف)): وثق، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وليِّنَهُ الحافظُ في ((التقريب)). وقد تابعه عليه الضحاك بن عثمان عند ابن ماجه وغيره، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين. ورواه ابن خزيمة (١٢٧٥) عن يونس بن عبد الأعلى، بهذا الإِسناد. ورواه أبو يعلى (٦٥٨١)، وعنه ابن حبان (١٥٥٠)، عن أحمد بن عيسى المصري، عن ابن وهب، به. ورواه ابن ماجه (١٢٥٢)، وابن حبان (١٥٤٢)، والبيهقي ٤٥٥/٢ من طرق عن إسماعيل بن أبي فُديك، عن الضحاك بن عثمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وهذا سند حسن كما قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ورقة ٧٩ و٨٠ فإنَّ الضحاكَ بنَ عثمان مختلفٌ فيه، وحديثُه ينزل عن رتبة الصحيح إلى الحسن. ١٣٤ عن عبدِ الله الصُّنابحي أن رسولَ اللهِ وَ قال: ((إن الشمس تَطْلُعُ ومَعَها قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فإذا ارْتَفَعَتْ، فَارَقَها حتى إذا اسْتَوَتْ قَارَنَها، فإذا زَالَتْ فَارَقَها، فإذا دَنَتْ لِلِغُروب قَارَنَها، فإذا غَرَبَتْ فَارَقَها))، ونهى رسولُ اللّه وَسِّ عن الصَّلاةِ في تِلك السَّاعاتِ(١). ٣٩٧٥ - حدثنا عليُّ بنُ شيبةَ، قال: حدثنا روحُ بن عبادة، قال: حدَّثنا مالك وزُهير بن محمد، قالا: حدثنا زيدُ بنُ أسلم عن عطاء بن يسار، قال: سمعتُ عبدَ الله الصُّنابحي يقول: سمعتُ رسولَ اللهَ وََّ يقولُ، ثم ذكر مثلَه(٢). فأما سائر الأنبياء فهذه الأوقات قد لحقها هذا النهيُ المذكورُ في هذه الآثارِ، ولا اختلاف بَيْنَ أهلِ العلم أن التطوعَ كُلُّه قد دَخَلَ في ذلك، غيرَ أن مالكاً ذهب إلى أن الصلاةَ عند قيامِ الشمس غيرُ منهي عنها، إذ كانت عندَه مما لا تتهيأُ الصَّلاةُ فيه، لأنها إنما تقومُ ثم تميلُ بلا وقتٍ من الزمان قبل مثلها، فلا تتهيأ الصلاةُ فيه. ورسولُ الله ◌َِلتِ، (١) إسناده صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين غيرَ صحابيه عبد الله الصنابحي، فقد روى له النسائي . وهو في ((الموطأ)) ٢١٩/١، ورواه من طريقه الشافعي في ((الرسالة)) (٨٧٤)، وأحمد ٣٤٩/٤، والنسائي ٢٧٥/١، وأبو يعلى (١٤٥١) ويعقوبُ بنُ سفيان في ((تاريخه)) ٢٢١/٢. (٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله. ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٤٢٦/٧ عن سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، بهذا الإِسناد. ١٣٥ فهو الحجةُ على النَّاس جميعاً، ولم ينه إلا عن مُمْكِنٍ ممن إذا فعلَه كان عاصياً، وقد وجدناها تقومُ، وتكون شِبْهَ المضطربة مدَّةً ما، ثم تزولُ بَعْدَ ذلك، فتلك المدةُ هي التي نهى رسولُ اللهِ وَّر عن الصلاةِ فيها، وقوله: إنه ما نهى عن الصلاة فيها ابتداءً أنه يدخل في ذلك النهي الدخولُ في الصلاة التي يطرأ عليه ذلك الوقتُ الذي نُهيَ عن الصلاةِ فيه، لأنَّ المصلين يحتاجُ منهم إلى أن يكونوا مِن حين يَدْخُلُونَ في صلاتهم إلى أن يخرجوا منها على الأحوالِ التي لا يجوزُ أن يدخلوا فيها إلا عليها: مِن الطهارة ومِن ستر العورة، ومِن استقبال القبلة، فبمثل ذلك هُمْ في الوقت الذي قد نُهوا أن يُصَلُّوا فيه هم فيه كذلك أيضاً. غير أن أبا يوسف والشافعي قد أخرجا يومَ الجمعةِ مِن ذلك في الصلاة فيه عندَ قيام قائم الظهيرة، وخالفا بَيْنَ الجمعةِ في ذلك وبينَ سائرِ الأيام، واحتجا في ذلك بآثار روياها فيه باستثناء يومِ الجُمُعَةِ مِن النهي المروي في ذلك، وذلك مما لم نجده صحيحاً، ولا مروياً عن ثبتٍ من الأثباتِ الذين يُؤْخَذُ العِلْمُ عنهم، وإنما وجدناه في آثارٍ منقطعة، وفي آثار لا أسانيدَ لها تقومُ بها الحُجةُ عند أهلِ الأسانيدِ، وما كان مثلَ هذا لم يَجِبْ أن يُخرج به مما قد عمَّه رسولُ الله ◌َله. شيءٌ، ومما لا يجب أن يستعملَ فيه مما يخرج منه شيئاً إلا بمثل ما جاءَ مما يَدْخُلُ فيه سائرُ الآثار في ذلك غير أن قوماً قد احتجُوا لهما في ذلك بأن قالوا: قد رأينا رسولَ الله ◌َِّ أمر بالإِبرادِ لِصلاةِ الظهر في الحرِّ، وأخبر مع ذُلك أن شدةَ الحرِّ مِن فيحٍ جهنم، ولم يأمر لذلك بالإِبراد بالجمعة، قالوا: فدلَّ ذلك أن يومَ الجمعة مخصوصٌ في ذلك بمعنىِّ بان به مِن سائرِ الأيامِ سواه. ١٣٦ فتأملنا ما قالُوا من ذلك، فلم نجد له معنى، لأن الوقتَ الذي يَبْرُدُ بصلاةِ الظهر فيه هو بعدَ زوال الشمس، والوقتَ الذي نُهِيَ عن الصلاةِ فيه عندَ قيامِ الشمس وقبلَ زوالها، فهما وقتانٍ مختلفانٍ قد كان من رسولِ اللهِ وََّ فِي كُلِّ واحدٍ منهما غيرَ ما كان منه في الآخر. فالواجبُ علينا التمسكُ بأمره، والانتهاءُ عندَ نهيه، وأن لا نجعل شيئاً مِنْ أمره ونهيه مخالفاً للآخر منهما حتَّى نستعمِلَ جميعَ ما أُمَرَنَا به، وحتى لا نخرج عن شيء من أمره ولا مِن نهيه. ثمَّ تكلمَ أهلُ العلم في قضاءِ الصلاة - يعني الفرائضَ - في هذه الساعات المنهي عن الصلاة فيها. فقال بعضُهم: لا يجوزُ أن يُصلي فيها صلاةً من الصلواتِ المفروضاتِ على حالٍ من الأحوال. وقال بعضُهم: لا يجوزُ أن يُصلي فيها صلاةً من الصلواتِ المفروضات غَيْرَ عصر اليوم الذي يُصلي فيه، فإنها تُصلى في حال تغير الشمس وقبلَ مغيبها، وممن قال ذلك منهم: أبو حنيفة وأصحابُه، وذهبوا في ذلك إلى أن آخِرَ وقتِ العصر هو غروبُ الشمس وإلى أن النهي عن الصلاة بعد تغيرها إلى مغيبها قد جاء عن رسول الله وسلّم كما ذكرنا، فأخرجوا ما هو وقتُ لها من ذلك فيها، وأدخلوا فيه ما سواها مِن الصلوات. وكان القياسُ عندنا من ذلك يوجب أن آخر وقتها هو تغيُّرُ الشمس، لأنا قد وجدنا كُلَّ وقت سوى ذلك الوقت يجوزُ أن تُصلى فيه الفرائضُ يجوز أن تُصلى فيه النوافل، وكُلُّ وقتٍ لا يجوز أن تُصلَّى فيه الفرائضُ ١٣٧ لا يجوز أن تُصلى فيه النوافل، وهذا قول قد رُوي عن أبي بكرة صاحب رسول الله وَالته . حدثنا عُبَيْدُ بنُ رجالٍ ، قال: حدثنا حسينُ بنُ الحسن المروزي، قال: حدثنا يزيدُ بن زريع، عن يونس بنِ عُبيد، عن محمد بنِ سیرین، عن يزيد بن أبي بكرة، قال: واعَدَنا أبو بكرة إلى أرضٍ له فسبقنا إليها، فأتيناه، ولم نُصَلِّ العصرَ، فوضعَ رأسَه فنام، ثم استيقظ وقد تَغَيَّرَتِ الشمسُ، فقال: أصلَّيْتُم العصرَ؟ قلنا: لا، فقالَ: ما كنتُ أنتظر غيركم، فَأُمْهَلَ عن الصلاة حتى غابت الشمسُ، ثم صلاها(١). فهذا هو القياسُ في هذا الباب . وقد كان مالك بن أنس، ومحمدُ بنُ إدريس الشافعي يذهبان إلى أن النهي الذي ذكرناه في هذه الآثار إنما هو على التطوع من الصلوات لا على الصلواتِ المفروضات منها. فتأملنا ما اختلفوا فيه من ذلك، فوجدنا رسولَ الله وَّ قد قصد بنهيه عن الصلاة في هذه الآثار إلى أوقاتٍ من الأيام التي ذكرها منها فيها، فأردنا أن نَنْظُرَ هَلْ تدخلُ في ذلك الفرائض مع النوافل، أو ما تدخل معها فيه، فوجدناه وَّ﴾ قد نهى عن صيام أيامٍ من السَّنَةِ وهي (١) حسين بن الحسن المروزي روى له الترمذي وابن ماجه وهو صدوق، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير يزيد بن أبي بكرة، فقد ذكره ابنُ حبان في (الثقات)) ٥٣٤/٥، وقال: عداده في أهل البصرة، روى عنه أهلها. ١٣٨ يومُ الفِطر ويومُ النحر، وأيام التشريق، فوجدناهم جميعاً قد جعلوا ذلك على الصيامِ المفروضِ من قضاءٍ رمضان ومِن الكفارات، وعلى التطوع من الصِّيام، فلم يجعلوا لأحدٍ أن يصومَها عن شيء من ذلك، ولم يجعلوا صومَه إِيَّاها إن صامها جوازِيَ عنه عما صامها عنه، ولم يُرِدْ بذلك صيام المتمتع أيام التشريق إذا لم يجدِ الهديَ، لأن ذلك مما قد اختلف فيه أصحابُ رسولِ الله ◌َّ فأطلقه بعضهم، وحظره بعضُهم، ولكنا أردنا ما سواه مِن قضاءٍ رمضان، ومن الصومِ عن الكفارات وعن الظهارات، ولما كان النهيُ قد دخل ذلك كُلّه فيه، كان مثلَ ذلك النهيُ عن الصلوات في الأوقات المذكورِ النهيُ عن الصلوات فيها في هذه الآثار التي قد رويناها تَدْخُلُ فيه فرائِضُهَا وسننها. فقال قائل: قد كان ينبغي لك أن ترد النَّهي عن الصلوات في هذه الأوقات إلى النهي عن الصلواتِ بعدَ صلاة الصبح حتى تَطْلُعَ الشمسُ، وبعدَ العصر حتى تَغْرُبَ، وأهلُ العلم جميعاً يُبيحونَ قضاءَ الصلوات الفائتاتِ فيهما، وأحكام الصلوات بأحكام الصلواتِ أشبه من أحكام الصلوات بأحكام الصيام . فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ الناهيَ عن الصلاةِ بعدَ صلاة الصبح حتى تَطْلُعَ الشمسُ، وبَعْدَ صلاةِ العصرِ حتى تغيبَ الشمسُ هو الصلاةُ لا نفسُ الوقت، ألا ترى أنَّ رجلين إذا حضرا وقد صلَّى الناسُ صلاةَ الصبح، ولم تَطْلُعِ الشمس، وأحدُهُما لم يُصَلِّ الصبحَ والآخر قد صلاها أنَّا نأمُرُ الذي لم يُصَلِّها أن يُصَلِّيَها، وننهى الآخر عن الصلاة لِسواها مما دخل في نهي النبيِّ وَّ إِيَّه عنه، وأنهما لو حضرا بعدَ صلاة العصر ولم تغير الشمسُ ١٣٩ وأحدهما قد صلَّى العصر، والآخر لم يُصلها، فأرادا أن يُصليا تطوعاً مع سَعة الوقت أنا نبيح ذلك للذي يُصلي صلاة العصر منهما، ونمنع من ذلك الذي قد صلاها منهما. فعقلنا بذلك أنَّ الناهيَ عن الصلاةِ في ذينك الوقْتَيْن هو الصلاةُ لا الوقتان، وكان النهي عن الصلاة في الأوقاتِ المذكورات في الآثار التي رويناها في هذا الباب يستوي فيها الناسُ جميعاً، ولا يتباينونَ فيها، فعقلنا بذلك أن الناهيَ عن الصلواتِ فيها هو زمانُها لا ما سِواها، وكانت الأيامُ التي نُهِيَ عن صيامِها مما يستوي فيه الناسُ جميعاً فيما قد أجمعوا على دخوله في النهي عن صيامها عنه، فكان ذلك النهي عن الصلوات فيه من الزمان للزمان لا لما سواه نظيره النهي عن الصيامِ في الزمان للزمان لا ما سواه، فلذلك رددنا حُكْمَ الصلاة في هذه الأوقات إليه، لا إلى الصلاة بعدَ الصبحِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ، وبعد العصر حتى تغرب الشمسُ، فقال هذا القائل: فللذين يذهبون إلى إباحةِ الصلوات المفروضات في هذه الأوقات مِن الحجة على مَنْ خالفهم في ذلك ما قد رُوِيَ عن رسول اللهِ الصّه فيه. ٣٩٧٦ - فذكر ما قد حدثنا عليّ بن معبدٍ، قال: حدثنا عبد الوهّاب بنُ عطاء، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن خِلاسٍ ، عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَةِ الغَدَاةِ رَكْعَةً قَبْلَ أن تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فليُصَلِّ إليها أُخرى))(١). (١) إسناده صحيح على شرط مسلم. عبد الوهَّاب بنُ عطاء هو الخفاف من رجال مسلم، وقد سَمِعَ من سعيد - وهو ابن أبي عروبة - قبل الاختلاط، وباقي = ١٤٠