النص المفهرس

صفحات 401-420

علامةٌ لهم، كما قال تعالى في وصفه أصحابَ نبيه: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَاءُ
عَلَى الكُفَّارِ ... . إلى قولِهِ - سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِن أَثَرِ السُّجُودِ﴾
[الفتح. ٢٩]، وأثرُ السجود فيما قد رُوِيَ عن المتقدمين:
ما قد حدثنا إبراهيم بن مَرْزُوق، حدثنا أبو عامر العَقَدي، عن
سفيان، عن حُميدٍ الأعرجِ، عن مجاهد ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمٍ مِن أَثَّرِ
السُّجُودِ﴾ قال: الخشوع والتواضع(١).
وبه عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿سِيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ
أَثَرِ السُّجُودِ﴾، قال: الخشوع(٢).
وما قد حدثنا ابن مرزوق، حدثنا حَبَّان بن هلال، عن أبانَ بنِ
يزيدَ، عن مالك بن دينار، عن مجاهد، قال ﴿سيماهُمْ فِي وُجُومِهِمْ﴾،
قالَ: أَثَرُ التراب(٣).
وما قد حدثنا ابن مرزوق، حدثنا هارون بن إسماعيل الخَزَّاز، عن
ابن المبارك، عن مالك بن دينار، قال: سمعت عِكْرمةً، وسُئِلَ ﴿سِيمَاهُمْ
فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، قالَ: أَثَرُ التراب (٤).
قال أبو جعفر: وكلَّ هذا، صفاتُ أصحابٍ رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فكيفَ نَظُنُّ أنَّ هذه الصفات تُرْفَعُ عنهم، وكان فيما ذكرْنَا
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو عامر: هو عبدالملك بن عمرو، وحميد الأعرج:
هو حميد بن قيس الأعرج المكي أبو صفوان الأسدي.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٨٣/٦، ونسبه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد،
وابن نصر، وابن جرير.
(٢) رجاله ثقات، وهو مكرر ما قبله.
(٣) رجاله ثقات.
(٤) رجاله ثقات.
٢٨٢

مما يقوي التأويلَ الذي تأوَّلْنا عليه، ما رواه عوفٌ عن رسول الله عليه
السلام مما حملنا عليه ما قد روي عن شداد فيه من الدليل على رَفْعِ العلمِ
في الأوانِ الذي يُرفعُ فيه، ونعوذُ باللَّهِ منه، لأنه هو الزمانُ الذي
لا خشوعَ فيه مع الناس، وإذا لم يكنْ معهم الخشوعُ، كانت معهم القسوةُ
والاستكبارُ، ونعوذُ باللَّهِ من ذلك.
وفي حديث يحيى بن أيوب الذي يَعُودُ إلى عَوفٍ وشدَّادٍ من قول
رسول الله عليه السلام في ذهاب العلمِ أنَّه ذهابُ أَوْعِيَتِهِ، ومثلُ ذلك
ما قد رُوِيَ عن رسولِ اللَّهِ عليه السلام.
٣٠٦ - كما قد حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، حدثنا عبدالله بن
تُمير، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه
عن عبدالله بن عمرو، عن النبي عليه السلام، قال: ((إِنَّ اللَّهَ
لا يَقْبِضُ العِلْمَ بأن ينتزِعَهُ انْتِزَاعاً، ولكنْ يَقْبِضُهُ بِقْضِ العُلَماءِ حتى إِذَا
لم يُبِقِ عالمً الَخَذَّ الناسُ رُؤُوساً جُهَّالاً سُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا
وَأَضَلُّوا))(١).
٣٠٧ - وكما حدثنا علي بن مَعْبَد، حدثنا أبو يحيى الأسَدِيُّ
محمد بن عبدالله بن كُنَاسة، حدثنا هشام بن عُرْوَة، ثم ذكر بإسناده
مثله(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣)،
والترمذي (٢٦٥٢)، وابن ماجه (٥٢)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة))
٣٦١/٦، وأحمد ١٦٢/٢ و١٩٠، والبغوي (١٤٧)، والحميدي (٥٨١) من طرق عن
هشام، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقوله: ((حتى إذا لم يُبْقِ عالمً): هو بضم الياء وسكون الباء، أي: لم يُبق اللّه عالماً،
وروي بفتح الياء والقاف ورفع ((عالم)) على الفاعلية، وفي رواية مسلم: ((حتى إذا لم يترك
عالماً)).
(٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله.
٢٨٣

٣٠٨ -- وكما قد حدثنا عبدُالملك بن مروان الرَّقي، حدثنا شُجاع بنُ
الوليد، عن هشام بن عروة، ثم ذكر بإسناده(١).
٣٠٩ - وكما حدثنا فَهْدٌ، حدثنا أبو غَسَّان، حدثنا زُهير،
أخبرني هِشام بن عُروة، ثم ذكر بإسناده نحوه(٢).
٣١٠ - وكما حدثنا يونس، وعبدالغني بن أبي عَقيل جميعاً، قالا:
حدثنا ابنُ وهب، حدثنا مالك، عن هشام بن عُروةَ، ثم ذكر بإسناده
مثله(٣) .
٣١١ - وحدثنا فهد، حدثنا سعيدُ بنُ كثيربن عُفَيْرِ، حدثنا
ابنُ وهب، عن يونس، عن ابنِ شِهاب، قال: وأخبرني عُروةُ، عن
عائشةَ، عن رسولِ الله عليه السَّلامُ مثلَه(٤).
(١) إسناده حسن. شجاع بن الوليد: صدوق، له أوهام، وباقي رجاله ثقات، وهو مكرر
ما قبله.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو غسان: هو مالك بن إسماعيل، وزهير:
هو ابن معاوية. وهو مكرر.
(٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري (١٠٠) من طريق إسماعيل بن
أبي أويس، عن مالك، بهذا الإسناد.
قال الحافظ في ((الفتح)) ١٩٥/١: قال الدارقطني: لم يروه في الموطأ إلا معن بن عيسى،
ورواه أصحاب مالك كابن وهب وغيره، عن مالك خارج ((الموطأ))، وأفاد ابن عبدالبر
أن سليمان بن يزيد. رواه أيضاً في ((الموطأ))، والله أعلم.
قال الحافظ: وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة، فوقع لنا من رواية أكثر
من سبعين نفساً عنه من أهل الحرمين، والعراقين، والشام، وخراسان، ومصر،
وغيرها. ووافقه على روايته عن أبيه عروة أبو الأسود المدني، وحديثه في ((الصحيحين))،
والزهري، وحديثه في النسائي، ويحيى بن أبي كثير، وحديثه في ((صحيح
أبي عوانة)»، ووافق أباه على روايته عن عبدالله بن عمرو عمرُ بن الحكم بن ثوبان،
وحديثه في مسلم.
(٤) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البزار (٢٣٣) من طريق عبدالله بن صالح،
عن يونس، بهذا الإسناد.
٢٨٤

قال أبو جعفر: هكذا قال يونس بن يزيدَ في هذا الحديث: عن
عائشةَ، مكانَ: ابن عمرو فيما رويناه قبلَه، وقد خالفه في ذلك معمرٌ، عن
الزهري، فقال فيه: عن ابنِ عمرٍو.
٣١٢ - كما حدثنا عُبَيْدُ بن رِجَال، حدثنا مؤمَّلُ بنُ بهابٍ، حدثنا
عبدُالرزاق، عن مَعمر، عن الزُّهري، عن عُروة، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرو،
عن رسول الله عليه السلام، فذكر هذا الحديث(١).
ولما وقع في هذا الحديث هذا الاختلاف في إسناده، بحثنا عن
ذلك لنقف على الصحيح منه.
٣١٣ - فوجدنا الربيع بن سليمان الأزدي قد حدثنا، قال: حدثنا
طَلْقُ بنُ السَّمْحِ اللَّخْمِي، حدثنا أبو شُريح عبدالرحمن بن شُریح، حدثنا
أبو الأسود، عن عُروةً
عن عائشة، أنها قالت له: يا ابنَ أخي، إنّ قد أُخْبِرْتُ أنَّ
عبدَاللَّهِ بنَ عمروبنِ العاص حاجٌّ في عامي هذا، وأنّه قد حفظ عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديثَ كثيرة، فلقي عروةُ عبدَالله بن
(١) مؤمَّل بن إهاب ـ ويقال: يهاب -: كرماني الأصل، قال ابن يونس: قدم مصر، وكتب
عنه، ثم خرج، فمات بالرملة في رجب سنة ٢٥٤ هـ، قال أبو حاتم: صدوق، وقال
النسائي: لا بأس به، وقال مرة: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال مسلمة بن
قاسم: حدثنا عنه غير واحد، وهو ثقة صدوق. ومن فوقه من رجال الشيخين، وهو في
(((مصنف عبدالرزاق)) (٢٠٤٧١).
ورواه من طريقه النسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٦١/٦.
ورواه عبدالرزاق أيضا (٢٠٤٧٧) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة بن
الزبير، عن عبدالله بن عمرو . ..
٢٨٥

عمرو فأخبرَهُ، فقال: سمعتُ رسولَ الله عليه السلام يقول: ثم ذكرَ
هذا الحديث(١).
فَقَوِيَ في قلوبنا أن يكونَ هذا الحدیث یَرْجِعُ إلی عبدالله بن عمرو،
لا إلى عائشة حتى وقفنا على ما هو أولى من ذلك.
٣١٤ - وهو ما قد حدثنا أحمدُ بن شُعيب، أخبرني هارونُ بن سعيد
الآيلي، حدثني خالد بن نزار الْأَيْلي، حدثني قاسم بن مَبْرورٍ، عن يونسَ،
عن ابن شِهابٍ، أخبرني مُروةُ بنُ الزُّبير، عن عبدالله بن عمرو، وعن
عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢)، ثم ذكر هذا الحديث.
(١) طلق بن السمح: روى عنه جمع كثير، وقال أبو حاتم: شيخ مصري، ليس بمعروف،
وقال الإِمام الذهبي: وقال غيره: محله الصدق إن شاء الله، ومن فوقه من رجال
الشیخین.
ورواه البخاري (٧٣٠٧)، ومسلم (٢٦٧٣) من طريق عبدالرحمن بن شريح، بهذا
الإِسناد.
وفي رواية مسلم قالَ عروةُ: فلمَّا حدثتُ عائشةَ بذلكَ أَعْظَمَتْ ذلك وأنكرَتْهُ، قالتْ:
أُحدِّثَك أنَّهُ سَمِعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقولُ هذا؟ قالَ عروةُ: حتى إذا كان
قابلٌ، قالت له: إن ابن عمرو قد قَدِمَ، فَالْقَهُ، ثم فَائِهُ حتى تسألَهُ عن الحديث الذي
ذكرَهُ لك في العلم، قال: فلقيته، فسألته، فذكره لي نَحْوَ ما حدَّثني به في مرَّته الأولى.
قال عروة: فلمّا أخبرتُها بذلك، قالت: ما أحسبه إلا قد صدق، أَراه لم يزِدْ فيه شيئاً
ولم ينقُصْ.
ولفظ البخاري: ((والله لقد حفظ عبدالله بن عمرو)).
(٢) خالد بن نزار الأيلي: صدوق يخطىء، وباقي رجاله ثقات.
ولما أخرج الترمذي الحديثَ من رواية هشام (٢٦٥٢) قال بإثره: وقد روى هذا الحديث
الزهري، عن عروة، عن عبدالله بن عمرو، وعن عُروة، عن عائشة، عن النبيِّ صلى
الله عليه وسَلَّم مثل هذا . .
قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٨٥/١٣: وهذه الرواية التي أشار إليها رواية يونس بن يزيد،
عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أخرجه أبو عوانة في صحيحه، والبزار من طريق
شبيب بن سعيد، عن يونس، وشبيب: في حفظه شيء، وقد شذ بذلك.
٢٨٦

فَوَقَفْنَا بذلك على أنَّ الحديثَ كان عند عُروة، عن عائشةً، وعن
ابن عمرو جميعاً، وقد رَوَى يحيى بن سعيد الأنصاريُّ هذا الحديثَ عن
عُروة، فَرَدَّهُ إلى ابن عمرو، لا إلى عائشة.
٣١٥ - كما حدثنا المطلبُ بنُ شعيب بن حبَّان الْأَزْدِي، وَفَهْدٌ،
قالا: حدثنا عبدُالله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يحيى بن سعيد،
عن عُروةَ، عن ابن عَمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(١). فذكر
هذا الحدیثَ.
وقد رُوِيَ في هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً عن
غير عائشةَ، وغيرِ ابنِ عَمرو.
٣١٦ - ما قد حدثنا ابن مَعْبد، حدثنا عُبيد الله بن موسى، أخبرنا
الأعمش، عن شَقيقٍ، قال: كنت مع عبدالله، وأبي موسى في المسجد،
فقالا: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ
أَيَّاماً يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، ويُرْفَعُ فِيها العِلْمُ، ويَكْثُ فِيهَا المَرْجُ، والخَرْجُ
القَتْلُ))(٢).
٣١٧ - وما قد حدثنا فَهْد، حدثنا علي بن مَعبد، حدثنا عُبيد الله بن
عمروٍ ، عن زيدٍ بن أبي أَنَّيْسَة، عن عَبيدة، عن أبي وائل، قال:
جَلَسَ ابنُ مَسعود، وعبدالله بن قَيْس في ناحيةٍ من المسجدِ الأيمنِ،
(١) عبدالله بن صالح: هو كاتب الليث، في حفظه شيء، وباقي رجاله ثقات. وانظر
ما قبله.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري (٧٠٦٢) و (٧٠٦٣) و (٧٠٦٤)
و (٧٠٦٥)، ومسلم (٢٦٧٢)، وأحمد ٣٨٩/١ و٤٠٢ و٤٠٥ و٤٥٠ ٣٩٢/٤ من
طرق عن الأعمش، بهذا الإسناد.
٢٨٧

فقالَ ابنُ مسعودٍ: حدِّثْنا يا أبا موسى، حدِّثْنا عنِ الأيامِ التي سَمِعْتَ من
رسولِ اللَّهِ عليه السلام تكونُ بينَ يدي الساعةِ، فقالَ أَبو موسى:
سَمِعْتُ رسول الله عليه السلام يقولُ: ((يَأْتِ عَلَيْكُمْ أَيَّامَ يُقْبَضُ فِيهِنْ
العِلْمُ، ويَنْزِلُ فِيهِنَّ الْجَهْلُ، ويَكْثُرُ فِيهِنْ الْخَرْجُ)»، فقالَ ابنُ مسعود:
وما الفَرْجُ؟ قال: هو القتلُ بالحبشيةِ (١).
٣١٨ - وما قد حدثنا فَهْدٌ، حدثنا أبو نعيم، حدثنا جعفر بن
بُرْقَان، عن يزيدَ - يعني ابن الأصم -
عن أبي هُريرةً قَالَ: قَالَ رسول الله عليه السلام: ((تَظْهَرُ الفِتْنُ
وَيَكْثُرُ الَرْجُ))، قُلنا: وَمَا المَرْجُ؟ قال: ((القَتْلُ، ويُقْبَضُ العِلْمُ))، فقال عمرُ
لمَّا سَمِعَ أبا هريرةً يَأْثُرُهُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَمَا إِنَّ
قَبْضَ العِلْمِ ليسَ بشيءٍ يُنتزع من صدور الرجال، ولكنه فَناءُ العُلماءِ(٢).
٣١٩ - وما قد حدثنا أبو أُميَّةَ، حدثنا عُبيد اللّهِ بنُ موسى، حدثنا
شَيْبَانُ - يعني النَّحْوي - عن عاصم، عن زياد بن قَيْسٍ
عن أبي هُريرة، قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((وَيْلٌ
للعربِ مِنْ شَرِّ قَدِ اقْتَرَبَ، يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَكْثُرُ الَرْجُ))، قلتُ: يا رسولَ
(١) إسناده صحيح علي بن معبد: ثقة، أخرج له النسائي وأبو داود، ومن فوقه من رجال
الشيخين. عبيدالله بن عمرو: هو الرّقي، وعَبيدة: هو ابن عمرو السلماني. وأبو
وائل: هو شقيق بن سلمة.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو نعيم: هو الفضل بن دكين.
ورواه أحمد ٤٨١/٢ من طريق وكيع، و٥٣٩ من طريق كثيربن هشام؛ كلاهما عن
جعفر بن برقان بهذا الإسناد.
٢٨٨

الله، وما المَرْجُ؟، قال: ((القَتْلُ))(١).
٣٢٠ - وما قد حدثنا يونسُ، حدثني ابن وَهب، حدثني يحيى بن
أيُّوبَ، عن زَبَّانَ بنِ فائد، عن سَهْلِ بن مُعاذ
عن أبيه أَنَّ رسولَ الله عليه السلام قال: ((لَا تَزَالُ الْأُمَُّ عَلَى شَرِيعَةٍ
ما لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ ثَلاَثٌ: يُقْبَضُ مِنْهُمُ العِلْمُ، ويَكْثُ فِيهِمْ وَلَدُ الحِنْثِ،
ويَظْهَرُ فِيهِمُ الصَّقَّارِونَ))، قالوا: وما الصَّقَّارِونَ يا رسولَ الله؟، قال:
((نَشْءُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمانِ، تَحَُّهُمْ بَيْنَهُمْ إِذا التَقَوُا الَّلاَعُنُ)) (٢).
ففيما رَوَينا عن رسول الله عليه السلام من هذه الآثارِ ما قد دَلَّ على
(١) زياد بن قيس (وقد تحرف في الأصل إلى: زياد بن بشر): ذكره ابن حبان في ((الثقات))
٤ /٢٥٨، والراوي عنه - وهو عاصم بن أبي النجود - حسن الحديث. وباقي رجاله
ثقات .
ورواه أحمد ٥٣٦/٢ و٥٤١ من طريقين، عن شيبان، بهذا الإسناد. وقد تحرف
(زياد)) في الرواية الأولى من ((المسند)) إلى ((يزيد))، وجاء على الصواب في الثانية.
(٢) إسناده ضعيف لضعف زبان بن فائد. وأخرجه أحمد ٤٣٩/٣، والطبراني في ((الكبير))
٢٠ / (٤٣٩) من طريق زبان بن فائد، بهذا الإسناد.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٠٢/١، وأعله بزبان.
قال الخطابي في ((غريب الحديث)) ٥٣٩/١: قوله: ((الصقارون)): قد جاء مِن تفسيره
في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كفى وأَقْنَعَ، وذكره أبو العباس
ثعلب، عن سلمة، عن الفراء أنه قال: الصَّقَّار: اللَّان لغير المستحقين، والصاد مع
القاف قد تبدل سيناً. وأما أولاد الحِنْث، فهم الذين ولدوا لغير رِشْدة، وأصل الحِنْث:
الذَّنب العظيم، ومنه قيل: بلغَ الغلامُ الحِنْثَ، أي: صار إلى حدٍّ يجري عليه القَلَمُ،
ويُؤاخذ بالذنوب، وذكر ابن لَنْكَك عن بعض فُصحاء الأعراب، وذكر اسمَه إلا أني
نَسِيتُه، قال: سألتُه عن الحِنْث، فقال: هو العِدْل الثقيل، قال: والأحناث عندنا:
الأعدال الثقال، فَشُبَّهَ الذنبُ العظيمُ بالعدل الثقيل، والزنى كبيرة، فَسُمِّيَ حِنْثاً.
والنَّشْءُ: القَرْنُ الذين ينشؤون بعد قرن مضى، فأمَّا النَّشَأ فأحداثُ الناس، واحدهم
ناشىء، تقديره خادم وخَدَم.
٢٨٩

أنَّ أوانَ رفعِ العلمِ هو على زمانٍ لم يكنْ حين قالَ رسولُ اللَّهِ عليه
السلام فيه ما قَالَ، وإنما هو على زمانٍ يكونُ بينَ يديِ الساعة، فقد اتَّفقتْ
آثارُ رسول الله عليه السلام كلّها التي روينا في هذا البابِ، ويَصْدُقُ بعضُها
بعضاً وباللَّهِ التوفيق.
1
٢٩٠

٥١ - بابُ بيانٍ مُشكِل ما رُوِيَ عن رسولِ الله عليه
السلام فِيمَن كانَ يَنْزِلُ عليه الوحيُّ وهو في لِحَافِها
٣٢١ - حدثنا إبراهيم بن مَرْزوق، حدثنا عَفَّان، حدثنا حمادُ بن
سَلَمَة، عن هشام بن عُروة، حدثني عَوْف بن الحارث، عن أخته رُمَيْئَةَ ابنة
الحارث
عن أمِّ سَلَمَةَ أَنْ النِّسَاءَ قُلْنَ لها: إِنَّ النَّاسَ يَتَحَرُّوْنَ بهداياهُم يومَ
عائشةَ، وإِنَّا نُحِبُّ الخيرَ كما تُحِبُّهُ عائشةُ، فإذا جاءكِ النبيُّ عليه السلام،
فقولي له: إِنَّ الناسَ يَتَحَرِّوْنَ بهداياهم يومَ عائشةً، وإنَّا نُحِبُّ الْخَيْرَ
كما تُحِبُّه عائشةُ، فلو أمرتَ الناسَ يَهْدُونَ لَكَ حِيثُ كُنْتَ، قَالَتْ: فلما جاءَ
النبيُّ عليه السلام، قلتُ لهُ، فَأَعْرَضَ عَنِّ، فلما خَرَجَ، قُلْنَ لها:
ما فَعَلْتِ؟ قالتْ: قد قُلْتُ له، فَأَعْرَضَ عِنِي، فَقُلْنَ: عاوِدِيهِ، فعاوَدْتُهُ،
فأعرضَ عنّ، ثم قال: ((يا أمُّ سلَمَةَ لاَ تُؤْذِينِ فِي عَائِشَةَ، فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُنَّ
امرأةٌ يَنْزِلُ عليَّ الوَحْيُ وأنا في ◌ِحَافِهَا لَيْسَ عَائِشَةَ))(١)، قالَتْ: قُلْتُ:
لا جَرَمَ واللَّهِ لا أُوذِيكَ فيها أَبَداً (٢).
(١) ((ليس) هنا: أداة استثناء بمنزلة ((إلا)) انظر ((المغني)) ٢٩٤/١.
(٢) حديث صحيح. رُمَيْثَة بنت الحارث: ذكرها ابن حبان في ((الثقات)) ٢٤٤/٤، وباقي
رجاله ثقات.
ورواه النسائي ٦٨/٧ - ٦٩ عن محمد بن آدم، عن عبدة، عن هشام، به.
ورواه البخاري (٣٧٧٥)، والترمذي (٣٨٧٩)، والنسائي ٦٨/٧، وفي ((فضائل
الصحابة)) (٢٧٦) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
٢٩١

فقال قائلٌ: فقد رُوِيَ عن أُمِّ سلمة في غير هذا الحديث ما يُضادُ
ما في هذا الحديث.
٣٢٢ - وذكر ما قد حدثنا إبراهيمُ بن مَرْزوق، حَدَّثنا أبو داودَ
الطيالسي، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزّهْرِي، عن عبد الرحمن بنٍ
عبدِالله بن كعب - وكان قائدَ كعبٍ حين عَمِيَ -
قالَ: سألتُ كَعْباً عن حديثه حين تَخَلَّفَ عن رسولِ الله عليه
السَّلامُ في غزوة تبوكَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ حدَّثَهُ إِيَّاهُ، وقالَ فيه: قال كعبٌ:
وَأَخْبَرَتْنِي أُمُّ سَلَمَة زوجُ النبيِّ عليه السلامُ وكانت مُحْسِنَةً في شأني أنَّ
رسولَ اللَّهِ عليه السلام كان عندَها تلك الليلةَ - تعني التي نَزَلَتْ فيها
توبتُه - قالتْ: فَلَمَّا بَقِيَ ثُلُثْ مِنَ الليلِ، نَزَلَتْ عليه تَوْبَتْنَا، فقالَ: ((يا أُمَّ
سَلَمَة، تِيبَ عَلَى كَعْبِ وصَاحِبَيْهِ) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يا رسولَ اللّهِ،
أفلا أرسِلُ إليهِ أُبَشِّرُهُ؟ قَال: ((إذاً يَحِطِمُكُم النَّاسُ، وَمْنَعُونَكِ النَّوْمَ سَائِرَ
اللَّيْلَةِ))، وأَخْبَرَ رسولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا بَعْدَمَا
صَلَّى الصُّبْحَ(١).
(١) حديث صحيح. صالح بن أبي الأخضر: ضعيف، يعتبر به، وباقي رجاله ثقات.
ورواه الطبراني ١٩/(٩٨) من طريق محمد بن المثنى، حدثنا عبدالغفار الكريزي،
حدثنا صالح بن أبي الأخضر، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري في ((صحيحه)) (٤٦٧٧)، والطبراني ١٩ / (١٠٢) من طريق أحمد بن
أبي شعيب، حدثنا موسى بن أعين، حدثنا إسحاق بن راشد، عن الزهري، به.
وحديث توبة كعب مطولاً ومختصراً روي من طرق عن الزهري به، في: البخاري
(٢٩٤٧) و(٢٩٤٨) و(٢٩٤٩) و(٢٩٥٠) و(٣٠٨٨) و (٣٥٥٦) و(٣٨٨٩)
و (٣٩٥١) و (٤٤١٨) و (٤٦٧٣) و (٤٦٧٦) و (٤٦٧٧) و (٤٦٧٨) و (٦٢٥٥)
و (٦٦٩٠) و(٧٢٢٥)، ومسلم (٢٧٦٩)، وأبي داود (٢٢٠٢)، والنسائي ١٥٢/٦
و ١٥٣ و١٥٤، وعبدالرزاق (٩٧٤٤)، والترمذي (٣١٠٢)، وأحمد ٤٥٤/٣ و ٤٥٦ -
٤٦٠ و٣٨٧/٦ - ٣٩٠، وابن جرير (١٧٤٤٧) و (١٧٤٤٨) و (١٧٤٤٩) =
٢٩٢

فكانَ جَوابُنا له عن ذلك بتوفيق اللَّهِ أنَّ ما في هذا الحديثِ غيرُ
مضادٌّ لِما في الحديث الْأُوِّل، لأنَّ الذي في هذا الحديث إنّما هو إِخبارُ أُمِّ
سلمةَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أُنزِلَتْ عليه توبةُ كعبٍ وصاحبيهِ
في بيتها، وفي ليلتِها، لا ما سِوى ذلك، وقد يجوزُ أَنْ يَكونَ نزلَ ذلك على
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في غيرِ لِحَافِها.
وفي الحديث الأول إثباتُ أمِّ سلمة عن رسولِ الله صلى الله عليه
وسلم بقوله: ((واللّهِ مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةً يَنْزِلُ عَلَيَّ الوَحْيُ وأنا (١) في ◌ِحَافِها لَيْسَ
عائِشَةَ)). ففي ذلك إثباتُ [أن](٢) نزولَ الوحي كان عليه وهو في ◌ِجَافٍ
عائشةً، وليس ذلك في الحديثِ الثاني الذي ذكرناه في هذا الباب، واللّه
نسألُهُ التوفيقَ.
و (١٧٤٥٠)، والطبراني ١٩/(٩٠) و(٩١) و(٩٢) و(٩٣) و(٩٤) و(٩٥) و (٩٦)
۔
و (٩٧) و(٩٩) و (١٠٠) و(١٠١) و(١٠٣) و(١٠٤) و (١٠٥).
(١) في الأصل: ((أنا).
(٢) سقطت في الأصل.
٢٩٣

٥٢ - بابُ بيانِ مُشكلٍ ما رُوِيَ عِنْ رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم مِنْ نهِهِ عنْ تقليد الخيلِ
الأوتار
٣٢٣ - حدَّثنا محمدُ بن علي بن داود البغداديّ، حدثنا حِبَّانُ بن
موسى، أخبرنا عبدُالله - يعني ابنّ المبارك - أخبرني عُتبة بن
أبي حكيم، حدثني الحُصينُ بن حَرْمَلَةً، عن أبي مُصَبِّحٍ
عن جابر بن عبدالله، قال: قالَ رسولُ الله عليه السلام: ((الخَيْلُ
مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَأَهْلُهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا، وامْسَحُوا
نَوَاصِيَهَا، وَادْعُوا لَمَا بِالْبَرَكَةِ، وَقَلِّدُوهَا، ولاَ تُقَلِّدُوهَا الأوْتَارَ))(١).
وهذا - أعني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَلاَ تُقَلِّدوها
الْأَوْتَارَ)) - مما تَكَلَّم الناسُ في مرادِ رسول الله صلى الله عليه وسلم به.
فكان ما قالوه في ذلك ممّا أجازه لنا عليّ بن عبد العزيز، عن
أبي عُبيد كأنَّه يحكيهِ عن قائلٍ سواه، قال: الأوتارُ ها هنا: الذُّحُولُ:
يقولُ: لا تَطلبوا عليها الذُّحولَ التي وُتِرْتُمْ بها في الجاهلية.
(١) عتبة بن أبي حكيم: مختلف في توثيقه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به،
وحصين بن حرملة: ذكره ابن حبان في (الثقات)) ٢١٣/٦، وأورده ابن أبي حاتم
١٩١/٣، ولم يذكر فيه جرحاً، وباقي رجاله ثقات.
ورواه أحمد ٣٥٢/٣ من طريق ابن المبارك، به.
ورواه الطبراني في «الأوسط) من طريق آخر، قال الهيثمي ٢٥٩/٥: وفيه ابن لهيعة،
وفيه ضعف، وحديثه حسن، فيتقوى به الطريق السابق، فيحسن به.
٢٩٤

قال أبو عُبيدٍ: وغير هذا أشبهُ عندي بالصواب، سمعتُ محمد بن
الحسن(١) يقولُ: معناه الأوتار، وكانوا يُقَلِّدُونَها إِيَّها فَتُخْتَقُ بها، قال: ومًّا
يُصَدِّقُ ذلك حديثُ هُشيمٍ، عن أبي بشر(٢)، عن سليمانَ اليَشْكُري،
عن جابر أنَّ النبي عليه السَّلامُ أَمَرَ بِقَطْعِ الْأَوْتَارِ مِنْ أَعْنَاقِ الْخَيْلِ .
قال أبو عُبيد: ويَلَغني عن مالكِ أنَّهُ قال: إنّما كانَ ذلك يُفْعَلُ بها
نحافةَ العَين عليها، حدثني به عنه أبو المنذر الواسِطي إسماعيلُ بن عمر،
فأمرَهُم النبيُّ عليه السَّلامُ بقطعِها، لأنَّها لا تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ عز وجلَّ
شيئاً .
قال أبو عبيد: وهذا يُشبهُ ما كانوا يفعلونَهُ بالتَّمائم (٣).
قال أبو جعفر: فأمَّا ما حكاه أبو عُبيد، عن أبي المنذر، عن
مالك في تأويل هذا الحديث، فإِنّما أخذه فيما نَرَى - والله أعلم - من
حديثه الذي :
٣٢٤ - حدثناه يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب أنَّ مالكاً حدثه عن
عبد الله بن أبي بكر، عن عبَّاد بن تميم
أن أبا بشيرِ الأنصاريَّ أخبرَهُ أنَّهُ كان مع رسول الله عليه السلام في
بعض أسفارِهِ، قال: فَأَرْسَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رَسُولاً - قال
(١) هو العلامة فقيه العراق أبو عبدالله محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة
المتوفى سنة ١٨٩ هـ كان مع تبحره في الفقه والاستنباط يضرب بذكائه المثل، قال الإمام
الشافعي: كتبت عن محمد بن الحسن وقر بعير وما ناظرت سميناً أذكى منه، ولو أشاء
أقول نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلت لفصاحته. مترجم في ((السير» ١٣٤/٩ -
١٣٦.
(٢) هو جعفر بن إياس أبو بشر بن أبي وحشية اليشكري الواسطي.
(٣) انظر ((غريب الحديث)) ٢/٢ لأبي عبيد.
٢٩٥

عبدُ اللَّهِ بنُ أبي بكر: حَسِبْتُ أنَّهُ قالَ: والنَّاسُ في مبيتِهم -: ((أَلَا لَا تَبْقَيَنَّ في
رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ وَلَ وَتَرُ إِلَّ قُطِعَتْ))(١).
قال مالك: أرى ذلك من العينِ.
٣٢٥ - حدثناه إبراهيمُ بن مَرْزوق، حدثنا عثمانُ بن عُمر بن
فارسٍ ، عن مالكٍ، عن عبد الله، عن عباد
عن أبي بَشيرٍ أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في بعض أسْفارِهِ بَعْثَ
رَجُلاً، وقال: ((لَا تَدَعْ قِلَادَةَ وَتَرِ، ولَ قِلَادَةٌ فِي عُنُقٍ)) يعني إلا قطعته(٢).
قال أبو جعفر: فتأمَّلْنا حديثَ جابر الذي ذكرناه في أول هذا
الباب، فوجدْنا فيه أمر النبي عليه السلام بتقليدِ الخيلِ بقوله:
((وَقَلِّدُوهَا))، فكان ذلك معقولاً أنه أرادَ التقليدَ الَّذي يَفْعَلُهُ الناسُ،
وهو تقليد الخيل في أعناقها، ثم أتبعَ ذلك بقوله: ((ولاَ تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ))،
فانْتَفَى بذلك أن يكونَ أراد التّرات (٣) وثَبَتَ به أنَّ ما يُقَلِّدُهُ فِي أَعنَاقِهَا مِمّاً
أُمر بتقليدِها إيَّهُ هُو ما لا يخافُ عليها منه كما يخاف عليها من الأوتارِ إذا
قَلَّدَ بها، فبان بذلك صحةُ ما قال محمد بن الحسن في تأويله هذا المعنى،
والله نسأله التوفيقَ.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو في (الموطأ)) ٩٣٧/٢، ومن طريقه رواه
البخاري (٣٠٠٥)، ومسلم (٢١١٥)، وأبو داود (٢٥٥٢)، وأحمد ٢١٦/٦، والبغوي
(٢٦٧٩).
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر ما قبله.
(٣) تصحف في الأصل إلى: ((التراب)).
٢٩٦

٥٣ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله
عليه السلام من قوله: ((نحنُ أَحَقُّ بالشكُّ من
إبراهيم)»، وما ذكر معه سواء في الحديثِ المذكور
ذلك فيه
٣٢٦ - حدثنا يونسُ، أخبرنا ابن وهبٍ، أخبرني يونسُ، عن
ابنِ شِهاب، عن أبي سَلَمَة، وسعيدٍ بن الْمُسَيْبِ
عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله عليه السلام قال: ((نَحْنُ أَحَقُّ بالشَّكُّ
من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِفِي كَيْفَ تُخْبِيِ المَوْتَ ... - إلى قوله -
قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ويَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ،
وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ كَمَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ))(١).
٣٢٧ - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان أبو علي، حدثنا سعيدُ بن
عيسى بن تَليدٍ، حدثنا عبدالرحمن بن القاسم، حدثني بكرُ بن مُضَرَ، عن
عمرو بنِ الحارث، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ،
وابن المسيب
عن أبي هُريرة، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ... ، فذكر
مثلَه، إلاّ أنَّه قالَ: ((﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْبِي المَوْتَى﴾))، ولم يقل: ((إِذْ قالَ:
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري (٣٣٧٢) و(٤٥٣٧)، ومسلم
(١٥١)، وابن ماجه (٤٠٢٦)، والبغوي (٦٣) من طريق ابن وهب، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٣٢٦/٢ من طريق جرير بن حازم، عن يونس، به.
٢٩٧

﴿رَبَّ أَرِفِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْقَ﴾(١))).
٣٢٨ - حدثنا محمد بن علي بن داود، حدثنا سعيدُ بن داود بن
أبي زَنْبَر، حدثنا مالك، عن الزهري أنَّ ابن المُسَيِّب، وأبا عُبَيْدٍ أخبراه
عن أبي هريرة، عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر مثلَ
حديث زكريا أيضاً سواء(٢).
٣٢٩ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، حدثنا عبدُالله بن محمد بن
أسماء، حدثنا عمي جُوَيْرِيَةُ بنُ أسماء، عن مالكٍ، عن الزهريِّ أنَّ
سعيد بن المُسَيّبِ، وأبا عُبَيْدٍ أخبراه، عن أبي هريرة، عن رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر مثلَ حديث زكريا أيضاً سواء(٣).
فتأمُّلْنا قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نَحْنُ أَحَقُّ بالشكُّ مِنْ
إبراهيمَ، إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِ كَيْفَ تُحْيِي المَوْقَ﴾)).
فوجدْنا إبراهيم عليه السلام قد رأى مِنْ آياتِ الله في نفسه الآية
التي لم يَرَ مثلها، وهو إلقاءُ أعدائه إِيَّاهُ في النار، فلمْ تعملْ فيه شيئاً لوحي
اللَّهِ إليها: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إبراهيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت
آيَةٌ معجزةً لم يُرَ مثلها قبلها ولا بعدها، فقال النبيُّ عليه السلام لينفيَ
الشكُ عن إبراهيمَ عند قوله: ﴿رَبِّ أَرِ كَيْفَ تُحْبِي المَوْقَ﴾
(١) إسناد صحيح على شرط البخاري. ورواه البخاري (٤٦٩٤) عن سعيد بن عيسى بن
تلید، بهذا الإسناد.
(٢) سعيد بن داود بن أبي زنبر: له مناكير عن مالك، لكنه متابع، وباقي رجاله ثقات.
وأبو ◌ُبيد: هو سعد بن عبيد الزهري مولى عبدالرحمن بن أزهر: ثقة روى له الستة،
وقد تحرف في الأصل إلى: ((أبي عبيدة)).
(٣) إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. ورواه البخاري (٣٣٨٧) و (٦٩٩٢)،
ومسلم (١٥١) من طريق عبدالله بن محمد، بهذا الإسناد.
٢٩٨

[البقرة: ٢٦٠] أي: إِنَّا وَلَمْ نَرَ من آيات الله الآية التي أُربها إبراهيمُ في نفسِهِ
لا نَشُكْ، فإبراهيمُ مع رؤيته إِيَّاها في نفسه أَحرى أَنْ لَا يَشُكْ، وأما قولُهُ
تعالى له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ: بَلَى﴾ وقد حقَّق ذلك أنَّ قوله كان: ﴿رَبِّ
أَرِنِي كَيْفَ تُحْبِي المَوْقَ﴾ لَمْ یکنْ على الشكّ منه، ولکن لِما سوى ذلك
من طلبه إجابةَ اللَّهِ تعالى في مسألته إِيَّاه ذلك لَيَظْمَئِنَّ به قلبُهُ، ويعلم
بذلك علوً منزلته عنده(١).
وأما قولُه عليه السلام: ((وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطاً، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ
شَدِيدٍ))، أي: قولُه لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لٍ بِكُمْ قُوَةٌ﴾ أي: كقوة أهل الدنيا،
أي: ينتصِفُ بها بعضُهم من بعض، ﴿أَوْ آَوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ﴾
[هود: ٨٠]، أي: من أركان الدنيا التي كانوا يُؤْذونه بمثلها، وله مع ذلك
الركن الشديد من الله تعالى الذي لا رُكْنَ مثله، ولكنَّه جل وعزَّ إِذْ كانَ
(١) قال ابن قتيبة في ((تأويل مختلف الحديث)) ص ٦٦:
فأمَّا قوله: ((أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم عليه السلام))، فإنه لما نزل عليه:
﴿وإذ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي الموق قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن
قلبي﴾ قال قوم سمعوا الآية: شك إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ولم يشك نبينا صلى
الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم
عليه السلام)) تواضعاً منه، وتقديماً لإبراهيم على نفسه، یرید أنا لم نشك ونحن دونه،
فکیف یشك هو؟
وتأويل قول إبراهيم عليه السلام: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ أي: يطمئن بيقين النظر،
واليقين جنسان، أحدهما: يقين السمع، والآخر: يقين البصر، ويقين البصر أعلى
اليقينين، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس المخبَرُ كالمعاين)) حين ذكر
قوم موسى وعكوفهم على العجل. قال: أعلمه الله تعالى أن قومه عبدوا العجل،
فلم يُلق الألواح، فلما عاینهم عاكفين، غضب، وألقى الألواح حتى انكسرت، وكذلك
المؤمنون بالقيامة والبعث والجنة والنار، مستيقنون أن ذلك كله حق، وهم في القيامة عند
النظر والعيان أعلى يقيناً، فأراد إبراهيم عليه السلام أن يطمئن قلبه بالنظر الذي
هو أعلى الیقینین.
٢٩٩

لا يخافُ الفوت ربما أَخْرَ بعضَ عقوبات المذنبين لِمَا يشاء أنْ يؤخّرَها له من
إملاء أو من استدراجٍ لهم من حيثُ لا يعلمونَ حتى يُنْزِلَهَا بهم عند مشيئته
ذلك فيهم، كما أنزلَ بذوي معاصيه من فرعونَ وسائرِ الأمم التي خالفت
عليه، وخرجت عن أمره، وعَنَدَتْ عمّا جاءَتْهم به رسلُه صلوات الله
عليهم.
وقد وجدنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَجْهاً يدُلُّ على أَنَّ
سببَ قول لوط هذا كان من أجله
٣٣٠ - وهو ما قد حدثنا الحَسَنُ بنُ غُلَيْبِ، حدثنا يوسف بن
عَدِي، حدثنا عبدالرحيم بن سليمان، عن محمد بن عمرو، حدثنا
أبو سلمةً
عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((رَحْمَةُ
اللَّهِ على لُوطٍ، إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴿لَوْ أَنَّ لِی بِكُم قُوَّةٌ أَوْ آوي
إلى رُكْنِ شَدِيدٍ﴾ وما بعثَ اللُّهُ من بعدِهِ مِنْ نَبِيٍّ إلَّ فِي ثَرْوَةٍ من قومِهِ))(١).
فَدَلَّ ذلك أن قول لوط هذا كان لأنّه لم يكنْ في ثروة من قومه
یکونون له رُکناً یأوي إليهْم.
(١) إسناده حسن. محمد بن عمرو: هو ابن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق، له
أوهام،. أخرج له البخاري مقروناً بغيره وتعليقاً، وأما مسلم فمتابعة، وروی له أصحاب
السنن، فهو حسن الحديث، وباقي السند رجاله ثقات. وقد تحرف في الأصل:
((عبدالرحيم)) إلى عبدالرحمن.
ورواه الترمذي (٣١١٦)، والحاكم ٥٦١/٢، وابن جرير في ((تفسيره)) (١٨٣٩٧)
و (١٨٣٩٨) و(١٨٣٩٩) من طرق عن محمد بن عمرو، به. وقال الترمذي: حديث
حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ولم يخرجاه بهذه الزيادة، وإنما اتفقا على
حديث الزهري، عن سعيد، وأبي عبيد، عن أبي هريرة مختصراً، وأقره الذهبي.
وفي الطبري: قال محمد - يعني ابن عمرو -: والثروة: الكثرة والمنعة.
٣٠٠

وأما قوله عليه السلام: ((وَلَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ مِثْلَ ما لَبِثَ يُوسُفُ
لَأَجْبْتُ الدَّاعِيَ)) أي لأنَّ يوسف لما جاءه الدَّاعي، قال له: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ
فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النُّسْوَةِ ... ) الآية [يوسف: ٥٠] أي: كنتُ أجبتُ الداعي،
لأنَّ في ذلك خروجي من السجن الذي كنت فيه.
٣٠١