النص المفهرس

صفحات 361-380

٤٥ - بابُ بيانِ مُشكلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ الله
عليه السلام فيمَنْ صَلَّتْ عليهِ من الموتى جَمَاعةٌ مِنَ
المسلمينَ فَشَفَعُوا له أنهم يَشْفَعُونَ فيه إذا كانَ لَهُم
عددٌ، فُکِرَ مقدارُہ فیما رُوِيَ عَنْهُ في ذلك
٢٦٤ - حدثنا يونسُ، أخبرنا ابن وَهْبٍ، أخبرني ابن جُرَيْجٍ ، أنَّ
أيوبَ بن أبي تَميمة حدَّثه، أنَّ أبا قِلَابَةً أَخْبَرَهُ، أَنَّ عبدَاللَّهِ بنَ يزيدَ رضيعَ
عائشةَ أُخبره
أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ عليه السلام أخبرتْهُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم قال: ((مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يموت فَيُصَلِّ عليه أُمَّةٌ
مِن الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِئةً، فَيَشْفَعُوا لَّهُ إلا شُفِّعُوا فيهٍ)(١).
٢٦٥ - حدثنا حُسينُ بن نُصير، حدثنا علي بن مَعْبَد، حدثنا
عُبيدالله - يعني ابن عمرو - عن أيوب، عن أبي قِلَابةَ، عن عبدِ الله بن
یزید
عن عائشةً، عن النبيِّ عليه السلام قال: ((لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنْ
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. وانظر رقم (٢٧٢).
ورواه مسلم (٩٤٧)، والترمذي (١٠٢٩)، وأحمد ٣٢/٦ و٤٠ و٩٧ و٢٣١،
وابن أبي شيبة ٣٢١/٣ والبيهقي ٣٠/٤، والبغوي (١٥٠٤)، من طرق عن أيوب،
بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
٢٤٢

المُسْلِمِيْنَ فَتُصَلِّ عليه أُمّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِثَةً فَيَشْفَعوا (١) له
إلا شفعوا فيه))(٢).
٢٦٦ - حدثنا أحمدُ بنُ شُعيب، حدثنا عمروبن زُرَارَة، حدثنا
إسماعيل - وهو ابن إبراهيم - عن أيوب، عن أبي قِلَابَةً، عن
عبدِ الله بنِ يزيدَ رضيع عائشة [عن عائشة] عن النبي عليه السلام
مثله(٣) .
٢٦٧ - حدثنا محمدُ بن خُزيمةً، حدثنا حجاج بنُ مِنْهال، حدثنا
حَّادُ بنُ سَلَمَة، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن عبدالله بن يزيد
الخَطْمِيِّ
عن عائشة أنَّ رسولَ اللَّهِ عليه السلام قالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ،
فَيُصَلِّيَّ عَلَيْهِ أُمّةً مِنَ النَّاسِ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِثَةً إِلَّ شُفِّعُوا فِيهِ))(٤).
قال أبو جعفر: هكذا يقولُ حماد في إسناد هذا الحديث: عن
عبد الله بن يزيد الخَطْمِيِّ، والناسُ يُخالفونه في ذلك، ويقولون: عبدالله بن
يزيد رضيع عائشة، وهو أشبهُ بالصوابِ في ذلك، واللهُ أعلم.
وعبدالله بن يزيد الخَطْمِيُّ هو رجلٌ من أصحاب النبيِّ صلى الله
عليه وسلم(*) قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديث منها:
(١) في ((الأصل)): ((يبلغوا أن يكونون مئة فيشفعون))، والجادة ما أثبت، ورواية
ابن أبي شيبة: ((لم يبلغوا أن يكونوا مئة فيشفعوا)).
(٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله.
(٣) إسناده صحيح. وهو في ((سنن النسائي)) ٧٦/٤، وما بين الحاصرتين منه.
(٤) رجاله ثقات، لكن أخطأ حماد بن سلمة في عبدالله بن يزيد، فلقبه الخَطمي، كما نبه عليه
المؤلف.
(٥) نقل الحافظ في ((الإصابة)) ٣٧٥/٢ عن الدارقطني قوله: له ولأبيه صحبة، وشهد بيعة =
٢٤٣

٢٦٨ - ما حدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا محمد بن عبدالله بن نُمير،
حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حَصين.
عن أبي برْدَة قال: كنت جالساً عند أمير قد سماه، فجعل يتردّدُ
عليه برؤوس الخوارج، قال: فَجَعَلْتُ كلَّما رأيتُ رَأْساً منها، قلت: إلى
النار، فقال عبدُالله بن يزيد: يا ابْنَ أُخي، سَمِعْتُ رسول الله عليه
السلام يقولُ: (يَكُونُ عَذَابُ هذِهِ الأُمَّةِ فِي دُنْيَاهَا))(١).
قال أبو جعفر: وذكره محمد بنُ سعد في كتاب ((الطبقات))(٢)،
وقال: عبدالله بن يزيد الخَطْمِي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم مِمِنْ نَزَلَ الكوفةَ واخْتَطَّ بها داراً، ووَلَّهُ عليها عبدُالله بنُ الزبير.
ثم رجعنا إلى ماكنا فيه من عددِ المصلينَ على الجنازة الشُّفَّعَاءِ
لصاحبها .
= الرضوان وهو صغير، وانظر مروياته في ((تحفة الأشراف)) ١٨٤/٧ - ١٨٦، و((مسند
أحمد، ٣٠٧/٤.
وقال الآجري: قلت لأبي داود: وعبدالله بن يزيد له صحبة؟ قال: يقولون: له رؤية،
سمعت ابن معين يقول ذلك.
وقال الأثرم: قلت لأحمد: لعبدالله بن يزيد صحبة صحيحة؟ قال: أما صحيحة، فلا،
ذاك شيء يرويه أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي بردة، عن عبدالله بن
يزيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ...
وقال أبو حاتم: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان صغيراً، فإن صحت رؤيته،
فذاك .
قال البغوي: سكن الكوفة، وابتنى بها داراً، ومات في زمن ابن الزبير.
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري.
ورواه الحاكم ٤٩/١ - ٥٠ و٢٥٤/٤، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٠٠٠)،
والخطيب في ((تاريخه)) ٢٠٥/٤ من طريق أبي بكر بن عياش، بهذا الإسناد. وقال
الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. والأمير المبهم في رواية
الطحاوي: هو عُبيد الله بن زياد، كما ورد مصرحاً به عند الحاكم والخطيب والقضاعي.
(٢) ١٨/٦.
٢٤٤

٢٦٩ - حدثنا ابنُ معبد، حدثنا عليّ بنُ الحسن بن شقيق، حدثنا
أبو حمزة - يعني السكري، واسمه: محمد بن ميمون(١) - عن الأعمش،
عن أبي صالح
عن أبي هُرَيرة، عن النبيِّ عليه السلامُ قالَ: ((مَنْ صَلَى عليهِ مِثَةٌ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ، غُفِرَ لَهُ))(٢).
٢٧٠ - ووجدنا أبا أمية قد: حدثنا قال: حدثنا عبيد الله بن
موسى، حدثنا شَيْبان - يعني أبا معاوية بن عبدالرحمن النحوي - عن
الأعمش، عن أبي صالح
عن أبي هُريرة، عن النبيِّ عليهِ السَّلامُ، قالَ: ((مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِثَةٌ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ، غُفِرَ لَهُ)(٣).
وقد روى ابنُ عباس عن رسول الله عليه السلام في عدد الجماعة
المُشَفِّعِينَ في هذا المعنى:
٢٧١ - ما قد حدثنا عيسى بن إبراهيم الغَافِقي، حدثنا ابنُ وَهْب،
حدثني أبو صَخْرِ حُميدُ بن زياد، عن شَريكِ بنِ عبدالله بن أبي نَمرٍ، [عن كُرَيب]
عن ابنِ عباسٍ أَنَّهُ ماتَ ابنُ له بقُدَيْدٍ أو بَعُسْفَانَ،
فقالَ لكُريب: انظُرْ ما اجتمعَ له مِنَ النَّاسِ؟ قال: فخرجْتُ فإذا ناسٌ قد
اجتمعوا، قال: أَخْرِجُوهُ، فإنّ سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه
(١) تحرف في الأصل و (ر) إلى: (منصور)).
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه ابن ماجه (١٤٨٨) من طريق الأعمش، بهذا الإسناد. وقال البوصيري في
((الزوائد)» ٩٦/ب: إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيحين.
(٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر ما قبله.
٢٤٥

وسلم، يقولُ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ على جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ
رَجُلّ لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئاً إِلَّ شَفْعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ)(١).
ووجدنا عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُوافق
ما رويناه في هذا البابِ عن عائشةً، وأبي هُريرةَ، عن رسول الله عليه
السلام، ويخالف ما رَوَيْنَاهُ فيهِ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم:
٢٧٢ - كما حدثنا أحمد بن شُعيبٍ، أخبرنا سُوَيْدُ بن نَصْرِ، أُخبرنا
عبدالله - يعني ابن المبارك - عن سَلامِ بنِ أبي مُطيعٍ، عن أيوب، عن
أبي قلابة، عن عبدالله بن يَزِيدَ رضيعٍ عائشةَ
عن عائشة، عن النبي عليه السلام، قال: ((مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلَّى عليهِ
◌َاعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِثَةً يَشْفَعُونَ إِلاّ شُفِّعُوا فِيهِ».
قال سلام: فَحدَّثْتُ به شعيبَ بنَ الحَبْحَاب، فقال: حَدَّثني به
أنس، عن النبي عليه السلام(٢).
فقال قائل: من أينَ جاء هذا الاختلافُ في هذه الروايات؟
فكان جوابُنا عن ذلك بتوفيق الله أنه يَحْتَمِلُ أن يكونَ اللَّهُ جادَ
(١) إسناده على شرط مسلم. ورواه مسلم (٩٤٨)، وأبو داود (٣١٧٠)، وأحمد ٢٧٧/١،
والبيهقي ٣٠/٤، والبغوي (١٥٠٥) من طرق عن ابن وهب، بهذا الإسناد.
ورواه ابن ماجه (١٤٨٩) من طريق حميد بن زياد، عن كريب، عن ابن عباس، به.
وقديد: موضع في الطريق بين مكة والمدينة، بينها وبين الجحفة - ميقات أهل الشام -
سبعة وعشرون ميلاً، وعُسفان: موضع على مرحلتين من مكة على طريق المدينة.
(٢) إسناده صحيح، وانظر رقم (٢٦٤)، وهو في سنن النسائي ٧٥/٤.
ورواه مسلم (٩٤٧)، والبيهقي ٣٠/٤ من طريق ابن المبارك، بهذا الإسناد.
٢٤٦

لعباده المؤمنين بالغفران لمن صلّى عليه مئةً منهم بشفاعتهم له، ثم جادَ له
بالغفران بشفاعة أربعين منهم.
فكان خبر ابن عباس بذلك هو آخر ما كان منه عز وجل مما جاد
بسببه بالغفران للمصلَّى عليه من المؤمنين بشفاعتهم.
وكان خبر عائشة، وأبي هريرة متقدِّمَيْنْ لذلك.
فقال: ولِمَ حملتَ ذلك على ما ذكرتَ، ولم تحملْه على أن حديث
عائشةَ، وأبي هريرة هما المتأخرانٍ، وحديثَ ابنِ عباسٍ هو المتقدمُ؟
فكان جوابنا له عن ذلك بتوفيق الله وعونه أنَّ الله ليسَ من صفته أن
يُودَ بغفران بمعنى، ثم يَرْجِعُ عن الغفران بذلك المعنى، وقد يُجُوزُ أن يجودَ
بالغفران بمعنى، ثم يُجُودُ بالغفران بأقلَّ من ذلك المعنى وبأيسرِهِ على خلقه
الذين جادَ بذلك عليهم، فبانَ بما ذكرنا الوجهُ الذي جاء منه اختلافُ
العَدَدَيْنِ في الآثار التي رويناها، واللَّهَ نسألُهُ التوفيقَ.
٢٤٧

٤٦ - بابُ بيانٍ مُشْكِلٍ ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
عليه السلام من قوله: ((إنَّ للقبرِ لَضَغْطَةٌ، لَوْنَجًا
مِنْها أَحَدٌ، نَجَا منها سعدُ بنُ مُعاذٍ)) رضي الله عنه
٢٧٣ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا وَهْبُ بن جریر، حدثنا
شُعبةُ، عن سعدٍ بن إبراهيمَ، عن نافع
عن أمِّ المؤمنينَ، أَنَّ رسول الله عليه السلام، قال: ((إنَّ لِلْقَبْرِ
لَضَغْطَةً، لَوْ كانَ أَحَدٌ نَاجِياً مِنْها، نَجَا مِنْها سَعْد بنُ مُعاٍ)(١).
هكذا حدثناه ابنُ مَرْزُوقٍ بغير إدخال منه بين نافع، وبين أمِّ المؤمنين
أَحَداً.
٢٧٤ - وحدثنا سليمانُ بنُ شُعيب بن سليمان الكَيْساني أبو محمد،
حدثنا عبدالرحمن بن زياد، حدثنا شُعبة، عن سعد، قال: سمعتُ نافعاً
يحدث عن امرأة ابن عمر، عن عائشة، عن النبي عليه السلام مثله(٢).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين، لكنه منقطع بين نافع وعائشة، وسيرد موصولاً فيما بعد
عند المؤلف.
(٢) إسناده صحيح، رجاله ثقات. عبدالرحمن بن زياد - وهو الرصاصي من أهل العراق،
سكن مصر -: قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن
يونس: ثقة. وامرأة ابن عمر: اسمها صفية بنت أبي عبيد الثقفية، وهي أخت المختار
بن أبي عبيد، وثقها العجلي وابن حبان، وأخرج حدیثها مسلم في ((صحیحه))، وروی
عنها جمع، ولم يعرفها الشيخ ناصر في ((صحيحته)) ٢٦٩/٤، إلا أنه حسن الظن بها، =
٢٤٨

٢٧٥ - وحدثنا محمدُ بنُ إسماعيل بنِ سالمٍ الصائغُ المكي
أبو جعفر، حدثنا يحيى بنُ أبي بُكير الكَرْماني قاضي کَرْمان، حدثنا شعبة، قال
سعد: أخبرني، قال: سمعتُ نافعاً، عن امرأة ابن عمر، عن عائشة
تَرْفَعُهُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم ذَكَرَ مثلَهُ(١).
وقد خالف سُفيانُ بنُ سعيد شعبةً في إسنادٍ هذا الحديث عن سعد،
فرواه عنه.
٢٧٦ - كما حدثنا فَهْدٌ، حدثنا أبو حُذَيْفة، حدثنا سفيانُ، عن
سعدٍ، عن نافعٍ
عن ابن عُمَرَ، قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لَوْ أَنَّ
أَحَدأَ نَجَا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، لَنَجَا مِنْهُ سَعْدٌ)) ثم قالَ بأَصابِعِهِ الثلاثة يجمعُها
كأَنَّهُ يَقْلِبُها، ثم قالَ: ((لَقَدْ ضُغِطَ، ثُمَّ عُوفِيَ))(٢).
= وباقي رجال السند ثقات على شرط الشيخين.
ورواه أحمد ٥٥/٦ و٩٨ من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن
إنسان، عن عائشة.
(١) رجاله ثقات على شرط مسلم، وهو مكرر ما قبله.
(٢) أبو حذيفة: هو موسى بن مسعود النهدي، وهو على صدقه سيىء الحفظ، روى له
البخاري ثلاثة أحاديث متابعة، وباقي رجاله ثقات.
ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ١٧٣/٣ - ١٧٤ من طريق أبي حذيفة، بهذا الإسناد.
وقال بإثره: كذا رواه أبو حذيفة، عن الثوري، عن سعد. ورواه غندر وغيره، عن
شعبة، عن سعد، عن نافع، عن إنسان، عن عائشة رضي الله عنها ... مثله.
قلت: غندر: هو محمد بن جعفر، وروايته في ((مسند أحمد)) ٥٥/٦ و ٩٩.
وفي الباب عن ابن عمر عند ابن سعد في ((الطبقات)) ٤٣٠/٣ من طريق إسماعيل بن
أبي مسعود، والنسائي ١٠٠/٤ - ١٠١ من طريق عمروبن محمد العنقزي، قالا:
أخبرنا عبد الله بن إدريس، أخبرنا عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب
السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضُمَّ ضمة، ثم أفرج عنه)) يعني سعد بن =
٢٤٩

فقال قائلٌ: أفيكونُ هذا مُضادّاً لِما قد رُوِيّ عن عبدالله بن عمرو بن
العاص في هذاالمعنى؟ فذكر:
٢٧٧ - ما حدثنا ابن مرزوق، حدثنا أبو عامر العَقَدِيُّ، حدثنا
هشام بن سعد، حدثنا سعيدُ بنُ أبي هلال(١)، عن ربيعةَ بنِ سَيْفٍ
عن عبدِاللَّهِ بنِ عمرو بن العاص، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ عليه
السلام، يقولُ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، أَوْ لَيْلَةِ الجُمُعَةِ إِلَّ
بَرِىءَ مِنْ فِتْنَةِ القَّبْرِ)(٢).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه أنَّ هذا حديثٌ منقطع،
فإنَّ ربيعةَ بن سَيْفٍ لم يَلْقَ عبدَالله بن عمرو، وإنما كان يحدث عن
أبي عبدالرحمن الحُبُلي عنه(٣).
معاذ. وهذا سند صحيح على شرط الشيخين غير إسماعيل بن أبي مسعود، وهو ثقة،
=
وعمرو بن محمد، من رجال مسلم فقط.
ورواه الحاكم ٢٠٦/٣ من طريق محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد،
عن ابن عمر، وصححه ووافقه الذهبي.
(١) تحرف في الأصل إلى: ((يزيد بن أبي بلال)).
(٢) ضعيف فيه انقطاع، سيبينه المصنف، وربيعة بن سيف؛ له مناكير، وباقي رجال
ثقات. أبو عامر العقدي: هو عبدالملك بن عمرو القيسي.
ورواه أحمد ١٦٩/٢، والترمذي (١٠٧٤) من طريق هشام بن سعد، بهذا الإسناد.
(٣) وقال الترمذي: حديث غريب ليس إسناده بمتصل، إنما يروي عن أبي عبدالرحمن
الحبلي، عن عبدالله بن عمرو، ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعاً من عبدالله بن عمرو.
ورواه أحمد ١٧٦/٢ و٢٢٠ من طريقين عن بقية، عن معاوية بن سعيد التجيبي،
سمعت أبا قبيل المصري يقول: سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص يقول: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكره. وقد صرح بقية بالتحديث في الرواية
الثانية .
ومعاوية بن سعيد بن شريح: ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وروى عنه جمع.
وأبو قبيل: هو حيي بن هانىء. صدوق يهم، فالسند حسن.
٢٥٠
=

والدليلُ على ذلك:
٢٧٨ - أن الربيع بن سليمان الجْزِيِّ قد حدثنا قال: حدثنا
أبو زُرْعَةَ، أخبرنا حَيْوَةُ، حدثني رَبيعةُ بنُ سَيْفِ الْمَعَافِرِيُّ، عن
أبي عبدالرحمن الحُبُلي
عن عبدالله بن عمرو، عن رسول الله عليه السلام أنَّه رأى ابنتَهُ
فاطمة عليها السلام، فقال لها: ((مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ، يا فاطمةُ؟))، فقالَتْ:
أَقْبَلْتُ من وراءِ جِنازةٍ هذا الرجلِ، فقالَ لَها رسولُ اللَّهِ عليه السَّلام:
((هَلْ بَلَغْتِ الكُدَى))، قالَتْ: وكيفَ أبلُغُها، وقد سمِعتُ مِنْكَ ما سَمِعْتُ؟
فقال: ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ بَلَغْتِ الكُدَى ما رَأَيْتِ الجَنَّةَ حَتَى بَرَاهَا جَدُّ
أَبِيكِ))(١).
وله شاهد من حديث أنس عند أبي يعلى كما في ((المجمع)) ٣١٩/٢، وفي سنده يزيد
=
الرقاشي، وهو ضعيف، ومن حديث جابر عند أبي نعيم في ((الحلية)) ١٥٥/٣ -
١٥٦، فيتقوى الحديث بطرقه وشواهده.
(١) ضعيف ربيعة ين سيف: له مناكير، وقال ابن حبان في ((الثقات)) ٣٠١/٦: يخطئ كثيراً.
وأخرجه النسائي ٢٧/٤ - ٢٨ من طريقين عن عبدالله بن يزيد المقرىء، عن سعيد بن
أبي أيوب، عن ربيعة بن سيف، بهذا الإسناد. وقال: ربيعة ضعيف. وهو في ((المسند))
١٦٨/٢ - ١٦٩ من طريق سعيد، به.
ورواه الحاكم ٣٧٤/١، والبيهقي ٧٧/٤ - ٧٨ من طريق عبدالله بن يزيد المقرىء، عن
حيوة بن شريح، عن ربيعة، به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه
الذهبي مع أن ربيعة بن سيف لم يخرجا له، ولا أحدهما، ثم هو ضعيف لسوء حفظه.
ورواه أبو داود (٣١٢٣)، وابن عبدالحكم في ((فتوح مصر)) ص ٢٥٩ من طريق
المفضل بن فضالة .
ورواه ابن عبدالحكم أيضاً، والحاكم ٣٧٣/١ - ٣٧٤ من طريق نافع بن يزيد، كلاهما
عن ربيعة بن سيف، به.
قال الخطابي في «معالم السنن)) ٣٠٢/١: والكُدى: جمع كُدية، وهي القطعة الصلبة
من الأرض، والقبور إنما تحفر في المواضع الصلبة لئلا تنهار، والعرب تقول : =
٢٥١

ثم عُدْنَا إلى طلب مَنْ بينَ ربيعةً بنِ سَيْفٍ، وبينَ عبدالله بن
عمرو في هذا الحديث.
٢٧٩ - فوجدنا يونس قد حدثنا قال: حدثنا عبدُالله بن وهب،
حدثني الليثُ بنُ سعد، عن رَبيعةَ بنِ سَيْفٍ، أنَّ عبدالرحمن بن قَحْزَم
أخبرَهُ أن ابناً لِفياض بن عُقبة تُوُنِّ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فاشْتَدَّ وَجْدُهُ عَلَيْهِ، فقالَ لَهُ
رجلٌ من أهل(١) الصدق: يا أبا يحيى، أَلَا أَبَشِّرُكَ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ من
عبدِ الله بن عمرو، سمعتُه يقولُ:
سَمِعْتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم يقولُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ
فِي يَوْمِ جُعَةٍ أَوْ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ إِلَّ بَرِىءَ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ)(٢).
٢٨٠ - حدثنا محمدُ بنُ عبدالله بن عبدالحَكَمِ، حدثنا أبي،
وشُعيب بنُ الليث، عن الليث، حدثنا خالد - يعني ابن يزيد - عن
ابن(٣) أبي هلالٍ، عن ربيعةً بن سَيْفٍ، أنَّ عبدالرحمن بنَ فَحْزَم أخبرَهُ
أنَّ ابناً لفيَّاضِ بن عُقبة، ثم ذكر مثله سواء.
وزاد على يونس في إسنادِهِ إدخالَه بينَ الليثِ، وبين ربيعةَ بنِ سَيْفٍ
= ما هو إلا ضَبُّ كُدية، إذا وصفوا الرجل بالدهاء، والْأُرَب، ويقال: أكدى الرجل: إذا
حفر، فأفضى إلى الصَّلابة، ويُضرب به المثل فيمن أخفق، فلم ينجح في طَلِبَتِه.
تنبيه: ذكر المصنف رحمه الله هذا الحديث مع أنه لا تعلق له به بما هو آخذ بسبيله، ليثبت
أن ربيعة بن سيف لا يروي عن عبدالله بن عمرو إلا بواسطة.
(١) سقطت من الأصل.
(٢) إسناده ضعيف. وانظر (٢٧٨). عبدالرحمن بن قحزم: ذكره ابن ماكولا في ((الإكمال))
١٠١/٧ - ١٠٢، فقال: عبدالرحمن بن عمرو بن الحارث بن صعب بن قحزم الخولاني
أبو معاوية: روى عنه ربيعة بن سيف. والرجل من أهل الصدق لا يُعرف.
(٣) سقطت من الأصل.
٢٥٢

خالدَ بنَ يزيدَ، وسعيدَ بنَ أبي هلال، وهو أشبهُ عندَنا بالصواب، واللّهُ
أَعلَمُ.
فَوَقَفْنا بذلك على فساد إسناد هذا الحديثِ، وأنَّه لا يَجُوزُ لِثله إخراجُ
شَيءٍ مما يُوجِبُ حديثُ عائشةَ دخولَهُ فيه، ونسألُ اللَّهَ العونَ على ذلك،
ونَسْتَوْثقُه فيما أمّلَنا.
٢٥٣
٠

٤٧ - بابُ بيانِ مُشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله عليه
السلام فيما تَغْرُبُ فيه الشمسُ
٢٨١ - حدثنا عبدالملك بن مروان الرَّقيُّ، حدثنا أبو مُعاويةً
الضريرُ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ التّيميِّ، عن أبيهِ
عن أبي ذَرٍّ، قال: دخلتُ المسجد، فإذا النبيُّ صلى الله عليهِ
وسلم جالسٌ، فَلَّا غَابَتِ الشَّمْسُ، قالَ: ((يا أبا ذرِ، تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ
هذه؟)) قالَ: قُلْتُ: اللَّهُ ورسولُه أَعْلَمُ، قال: ((فإنّها تَذْهَبُ تَسْتَأْذِنُ في
السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وكأنَّهَا قَدْ قِيلَ لَمَا: اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فتطلُعُ
مِنْ مَغْرِبِهَا))، قال: ثم قرأ في قراءة عبدِ الله: ((ذلِكَ مُسْتَقَرَّ لَهَا))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو معاوية: هو محمد بن خازم الضرير، وإبراهيم
التيمي : هو ابن يزيد بن شريك بن طارق.
ورواه البخاري (٣١٩٩) و(٤٨٠٢) و (٤٨٠٣) و (٧٤٢٤) و(٧٤٣٣)، ومسلم
(١٥٩)، والترمذي (٢١٨٦) و (٣٢٢٧)، والنسائي كما في ((التحفة)» ١٨٩/٩، والبغوي
(٤٢٩٢) من طرق عن الأعمش، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن
صحيح .
ورواه مسلم (١٥٩)، وأبو داود (٤٠٠٢)، وأحمد ١٤٥/٥ من طريق إبراهيم بهذا
الإِسناد.
قال الإِمام البغوي في ((شرح السنة)) ٩٥/١٥: قال أبو سليمان الخطابي في قوله
عز وجل: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾: إن أهل التفسير وأصحاب المعاني قالوا فيه
قولين، قال بعضهم: معناه: أي: لأجلٍ قُدِّرَ لها، يعني انقطاع مدَّة بقاء العالم، وقال
بعضهم: مستقرّها: غايةُ ما ينتهى إليه في صعودها وارتفاعها لأطول يوم في الصيف، ثم =
٢٥٤

ففي هذا ما يدلُّ على أن الشمسَ تغرُبُ في السَّماءِ.
وقد رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً فيما تغرُب فيه:
٢٨٢ - ما حدثنا علي بن عبدالرحمن بن محمد بن المغيرة، حدثنا
تأخذ حتى تنتهي إلى أقصى مشارق الشتاء لأقصر يوم في السنة.
=
وأما قوله عليه السلام: ((مستقرها تحت العرش))، فلا ننكر أن يكون لها استقرار تحت
العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده، وإنما أخبر عن غيب، فلا نكذّب به،
ولا نكيفه، لأن علمنا لا يُحيط به، ويحتمل أن يكون المعنى: أنَّ علم ما سألتَ عنه من
مستقرِّها تحت العرش في كتاب كتب فيه مبادىء أمور العالم ونهاياتها، والوقت الذي
تنتهي به مدتها، فينقطع دوران الشمس، وتستقرُّ عند ذلك، فيبطل فعلها، وهو اللوح
المحفوظ.
وقال أبو سليمان: وفي هذا - يعني في الحديث الأول - إخبارٌ عن سجود الشمس تحت
العرش، فلا ينكر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها، وليس في سجودها تحت
العرش ما يعوّقها عن الدأب في سيرها، والتصرف لما سُخّرت له. وأمّا قوله عز وجل:
﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾ فهو نهاية مدرك البصر إياها
حالة الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنما هو بعد الغروب وليس معنى قوله:
﴿تغرب في عين حمئة﴾ أنها تسقط في تلك العين، فتغمرها، وإنما هو خبر عن الغاية التي
بلغها ذو القرنين في مسيره حتى لم يجد وراءها مسلكاً، فوجد الشمس تتدلى عند غروبها
فوق هذه العين، وكذلك يتراءى غروب الشمس لمن كان في البحر، وهو لا يرى
الساحل كأنها تغيب في البحر، والله أعلم.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿الشمس والقمر بحسبان﴾ وقوله عز وجل: ﴿والشمس والقمر
حسباناً﴾ أي يجريان بحساب معلوم، وعلى منازل ومقادير لا يجاوزانها، قال الله سبحانه
وتعالى: ﴿والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعُرجون القديم﴾، وقيل: حُسبان جمع
حساب، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وجدها تغرب في عين حمئة﴾ أي: في رأي العين،
فمن قرأها: حامية - بلا همز - أراد: الحارة، ومن قرأ: حمثة - بلا ألف مهموزاً -
أراد: عيناً ذات حمأة، يقال: حمأتُ البئر، إذا نزعتَ منها الحمأة، وأحماتها: إذا ألقيت
فيها الحمأة.
وانظر لزاماً رسالة شيخ الإسلام ((في قنوت الأشياء كلها لله)) ٤/٣ - ٤٥ ت. د.رشاد
سالم.
٢٥٥

عبدُ الغفار بن داود الحَرَّاني، حدثنا حَّدُ بنُ سَلَمَة، عن عبدالله بن
عثمان بن خُئیم، عن سعيد بن جُبیر
عن ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ عليه السلام، أنَّه قَرَأَ ﴿فِي عَيْنِ
حَمَثَةٍ﴾(١) [الكهف: ٨٦٠].
وكأن هذا الحديث مما لم يرفعه أحد من حديث حماد بن سَلَمَة غيرُ
عبد الغفار بن داود، وهو مما يُخطئه فيه أهلُ الحديث، ويقولون: إنَّه موقوفٌ
على ابنِ عباسٍ، وقد خالفه فيه أصحابُ حماد، فلم يرفعوه، فَمِمِّنْ خالَفَهُ
فيه منهم خالدُ بن عبدالرحمن الخُرَاسانيُّ، وحجاجُ بن مِنْهال الْأَتْمَاطِيُّ .
كما قد حدثنا محمد بن الحجاج بن سليمان الحَضْرَمِيُّ أبو جعفر،
حدثنا خالد بن عبدالرحمن، حدثنا حمادُ بنُ سلمة، عن عبدِ اللَّهِ بن
عثمان، عن سعيد بن جُبير، عن ابنِ عباس أنه كان يقرؤها ﴿في عَين
حَمَثَةٍ﴾ (٢) [الكهف: ٨٦] يَهْمِزُها.
وکما قد حدثنا محمدُ بنُ خُزْمَةً، حدثنا حجاج بن مِنْهَال، حدثنا
حمادٌ، عن عبدِالله بن عثمان(٣)، فذكر بإسنادِهِ مثلَه، ولم يَرْفَعْه.
وقد روي هذا الحديثُ عن عبدالله بن عباس، عن أبي بن كعب،
عن رسولِ الله عليه السلام بموافقة هذا المعنى:
(١) إسناده على شرط الصحيح. ورواه الطبراني في ((الكبير) (١٢٤٨٠)، وفي (الصغير))
١٢٤/٢ من طريق الوليد بن العباس العداس المصري، عن عبدالغفار بن داود، بهذا
الإسناد. وقال في ((الصغير)): لم يرو عن ابن خثيم إلا حماد، تفرد به أبو صالح
عبدالغفار.
وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وحفص عن عاصم.
(٢) إسناده قوي. خالد بن عبدالرحمن: هو الخراساني أبو الهيثم.
ورواه ابن جرير ١٠/١٥ من طريق آخر عن سعيد بن جبير، به.
(٣) إسناده صحيح على شرط مسلم.
٢٥٦

٢٨٣ - کما قد حدثنا عليّ بنُ مَعْبَد، حدثنا معلی بن منصور، حدثنا
محمد بن دينارٍ - يعني الطاحي - عن سعدٍ بنٍ أوْسٍ، عن مِصْدَعٍ
أبي یجیی
عن ابنِ عباس، قال: أقرأني أَبَيَّ كما أقرأه النبي صلى الله عليه
وسلم ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنْ حَمِثَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] مخففةً (١).
٢٨٤ - وكما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مَرْزُوقٍ، حدثنا أبوداود
الطَّيَالِسِيُّ، حدثنا محمد بن دِينار، ثم ذكر بإسناده مثلَه، ولم يَقُلْ:
«مخففة)»(٢)،
٢٨٥ - وكما قد حدثنا أبو أمية، حدثنا قيس بن حَفْصٍ الدارميُّ،
حدثنا محمد بن دينار، ثم ذكر بإسناده مثلَه، ولم يَقُلْ: ((مخففة))(٣).
ففيما روينا في حديث ابن عباس، عن أَبَيٍّ هذا ما يُثْبِتُ قراءة من
قرأ هذا الحرف، كما قد ذكرناه فيه، وهي قراءةُ نافع، وأكثر أهل المدينة،
وقد شَدَّ ذلك:
مَا قَدْ حدثنا يونسُ، أخبرنا سفيانُ بنُ عُيَّيْنَةَ، عن عمرٍو، عن
عَطَاءٍ، عن ابنِ عباس، قال: خالفني عمروبنُ العاص ونحن عند
معاوية، فقال ابنُ عباس: ﴿عين حَمَثَةٍ﴾، وقال عمرو: ﴿حامِيَةٍ﴾ قال:
فَسَأَلْنَا كَعْباً، فقالَ: إِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمنْزَلِ: لَتَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ (٤).
(١) إسناده ضعيف، محمد بن دينارسيىء الحفظ، وقد تغير قبل موته .
ورواه أبو داود (٣٩٨٦)، والترمذي (٢٩٣٤)، والطبري ١٠/١٥ من طريق محمد بن
دينار، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
(٢) إسناده ضعيف كسابقه، وهو في ((مسند الطيالسي)) (٥٣٦).
(٣) إسناده ضعيف، وهو مكرر ما قبله.
(٤) رجاله ثقات. عمرو: هو ابن دينار، وعطاء: هو ابن أبي رباح. ورواه الطبري في
((تفسيره) ١٠/١٥ من طريق عمرو بن دينار، به.
=
٢٥٧

حدثنا يونسُ، حدثنا عمروبن خالد في شاهد ((حَّةٍ»، حدثنا
محمدُ بن سَلَّمَةً، عن ابنٍ إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن أبي حاضر
الجِمْيْرِيِّ، عن ابنِ عباسٍ ، قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوية، وعندَه عبدُالله بنُ
عمرٍو، فقال مُعَاويةُ لعبدالله: كيف تَقْرَأُ هذا الحرفَ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ في
عين﴾، قال: ﴿في عَيْنْ حَامِيَةٍ﴾، فقال ابنُ عباس: فقلْتُ لمعاوية: أَتَسْأَلُ
هذا عَنِ القرآنِ، وإِّمَا نَزَلَ في بيتي، فقالَ: كيفَ تقرؤها يا ابنَ عباسٍ؟
فقلتُ: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنْ حَثَّةٍ﴾(١).
قال الترمذي ١٨٨/٥: ويروى أن ابن عباس، وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه
=
الآية، وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك، فلو كانت عنده رواية عن النبي صلى الله
عليه وسلم، لاستغنى بروايته، ولم يحتج إلى كعب.
وكعب الأحبار: هو كعب بن ماتع الحميري اليماني، أسلم بعد وفاة النبي صلى
الله عليه وسلم، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر رضي الله عنه، فجالس أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يحدثهم بعجائب وغرائب عن الكتب الإسرائيلية.
وقد أخرج البخاري ٢٨١/١٣ - ٢٨٢ في الاعتصام، باب: قول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)) من طريق حميد بن عبدالرحمن أنه سمع
معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة لما حج في خلافته، وذكر كعب الأحبار، فقال:
إنْ كان مِنْ أصدقٍ هؤلاء المحدثين الذين يُحُدُّثون عن أهل الكتاب، وإنْ كُنَّا لنبلو مع
ذلك عليه الكذب.
وما يحكيه كعب عن الكتب القديمة، فليس بحجة عند أحد من أهل العلم، وهذا عمر
رضي الله عنه يقول له - فيما أخرجه أبو زرعة الدمشقي في ((تاريخه)) ٥٤٤/١ بسند
صحيح عنه -: لتتركّنَّ الأحاديث، أو لألحقنك بأرض القردة.
وأخطأ من زعم أنه خرج له البخاري ومسلم، فإنهما لم يسندا من طريقه شيئاً من
الحديث، وإنما جرى ذكره في (الصحيحين)) عرضاً، وليس يُؤْثَرُ عن أحد من المتقدمين
توثيقه إلا أن بعض الصحابة أثنى عليه بالعلم.
على أن كل ما نسب إلى كعب من الأخبار في الكتب ليس بثابت عنه، فإن الكذابين من
بعده قد نسبوا إليه أشياءَ كثيرة لم يَقُلْهَا.
(١) رجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق. أبو حاضر: هو عثمان بن حاضر الحميري،
ويقال الأزدي .
٢٥٨

قال أبو حاضر: فقلتُ لابن عباس: أنا أَشُدُّ قولَك بقولٍ صاحبنا
تُبْع:
قَدْ كَانَ ذُو القَرْنَيْنْ قَبْلِي مُسْلِماً
مَلِكاً تَدِينُ لَهُ المُلُوكِ وَتَحْشِدُ
بَلَغَ الَشَارِقَ وَالْغَارِبَ يَبْتَغِي
أَسْبَابَ عِلْمٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ
وأتى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوِها
في عَيْنَّ ذِي خُلُبٍ وَتَأْطِ حِرْمِدِ(١)
فالخُلُب في لغتنا: الطينُ، والشاط: الحَمْأَةُ، والحِرْمِدُ: الأسودُ.
فذكرتُ ذلك لأبي محمد بن سلامة رحمه الله، فقال لي: هذه
قوافي (٢) مختلفة، وقد رأيتُ أهلَ العلمِ بالشعر، منهم: أبو بِجَاد الحارثي
البَصْري وغيرُه من أهل العلم بالشعر يُنشِدون الأولَ من هذه الأبيات بغير
ما ذکرت لي عن يونس، وهو:
قَدْ كَانَ ذُو القَرْنَيْنْ خالي قَدْ أَتَی
طَرَفَ البِلاَّدٍ مِنَ الْمَكَانِ الْأَبْعَدِ
قال أبو جعفر: وهذا هو الصوابُ حتى تلتئمَ قوافي هذه الأبيات،
وتعود كلُّها إلى الحرف، ولا تختلفُ.
= ورواه ابن جرير في (تفسيره)) ٩/١٦ - ١٠ بنحوه من طريق ابن حاضر، عن
ابن عباس ...
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور) ٢٤٨/٤، وزاد نسبته لعبد الرزاق، وسعيد بن
منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(١) الثاني والثالث في ((اللسان)): ((ثأط))، والثالث في ((حرمد)) لأمية بن أبي الصلت، ونسب
الثالث في ((خلب)) إلى تُبَع أو غيره، وانظر («ديوان أمية)) ص ٢٦ .
(٢) الجادة: ((قوافٍ))، وما هنا له وجه.
٢٥٩

وحدثنا يوسُفُ بن يزيدَ، حدثنا نُعيمٌ، حدثنا عَبْدةُ
- وهو ابنُ سليمانَ الكِلابي - عن عمرو بنِ مَيمون، أخبرنا ابن حاضر،
أو أبو حاضر، عن ابن عباس، قال: قرأ معاويةُ في الكهف ﴿وَجَدَهَا
تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَامِيَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، فقلت: إنَّا نَقْرَؤُها ﴿حمثة﴾، فسألَ
معاويةُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرو عَنْها، فقالَ: كما قرأتُها، قالَ ابنُ عباس: فقلت:
في بيتي نَزَلَ القرآنُ، قالَّ: فبعث معاويةُ إلى كعب يسألُهُ، أينَ تَجِدُ الشمسَ
تَغْرُبُ في التوراةِ؟ قالَ: في ماءٍ وطينٍ، قَالَ: فقَلْتُ لابنِ عباس: لو كنتُ
عندَكُم لَرَفَدْتُكَ بما تزدادُ بهِ بصيرةً في: ◌َمئة، قالَ ابنُ عباس: وماذا هو؟
قال: قلت: نَجِدُ فيما كانَ من قولِ تُبَّعٍ ما ذكره في ذي(١) القرنينِ مِنْ
كَلَفِهِ بالعلمِ وإمعانِهِ إياه.
بَلَغَ المَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي.
أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدٍ
فَرَأَى مَغَابَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها
في عَيْنْ ذِي خُلُبٍ وتأطٍ حِرْمِد
قال ابنُ عباس: ما الخُلُبُ؟ قالَ: قُلتُ: الطينُ في كلامهم، قال:
فما الثأطُ؟ قلتُ: الحَمْأةُ، قال: فما الحِرْمِدُ؟ قلتُ: الأسود، فقال ابن
عباس لرجل: اكْتُبْ ما يقولُ هذا الرجلُ (٢).
فقال قائل: حديثُ ابن عباس عن أبي هذا، يخالف(٣) حديثَ
(١) في الأصل: ((ما ذكره ذو القرنين)) وهو خطأ، صوابه من المطبوع.
(٢) نعيم: هو ابن حماد بن معاوية الخزاعي المروزي نزيل مصر: صدوق كثير الخطأ، وباقي
رجاله ثقات .
(٣) ليس ثمة خلاف بين الآية وبين الحديث، لأن المراد من قوله تعالى: ﴿وجدها تغرب في
عين حمئة﴾ نهاية مدرك البصر إليها حال الغروب بحسب نظر الرائي، لا بحسب =
٢٦٠

أبي ذَرِّ الذي رويته في أوَّلِ الباب، لأن في حديث أبي ذَرِّ غروبَ
الشمس في السماء، وفي هذا غروبُها في طينة سوداء، والطينُ فإنّما يكون في
الأرضِ ، لا في السماءِ.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله أَنَّ الطينَ قد يكونُ في السماء كما
يكون في الأرض، وقد دَلَّ على ذلك قولُ الله تعالى مما ذكره عن أَضْیافٍ
إبراهيمَ عليه السلام، مما كانَ جواباً منهم لإبراهيمَ من قوله: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ
أَيُّهَا الْمُرسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَومٍ مُجرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ
طِينٍ﴾ [الزمر: ٣١]، فَدَلَّ ذلك على أنَّ الطين في السماء كما هو في الأرض.
فقال هذا القائل: ففي شعر تُبِّع الذي رويْتَه: ((فرأى مغيب
الشمس)) فذلك مما قَدْ دَلَّ أنَّه قد رَأَى مغيبَها، وأنه في الأرض لا في
السماء .
فكان جوابُنا له عن ذلك أنَّ الذي رويناه عن أبي ذرّ هو عن رسول
اللّه عليه السلام، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم هو الحُجَّةُ في اللغةِ،
وفيما سِواها، ومع هذا فقد يجوزُ أن تكونَ تلك الرؤيةُ التي أرادها تُبُّع
رؤيةَ يقينٍ وعلمٍ بالقلب، لا رؤيةً عينٍ، كما قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ
تَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾
[آل عمران: ١٤٣] فكان ذلك على رؤية القلوب ويقينها، لا على رؤيةٍ
الأبصارِ، فَخَرَجَ بذلك جميعُ ما ذكرناه عن رسولِ الله صلَّى اللَّهُ عليه
وسلم في هذا البابِ على الالتئامِ بغير تضادٌّ فيه ولا اختلافٍ.
وقد قرأَ هذا الحرفَ - أعني ﴿حمئة﴾ - غيرُ ابنِ عباسٍ بخلافٍ
ما قرأه ابنُ عباس، وهو ﴿حامية﴾، منهم: ابنُ مسعود:
= الحقيقة والواقع، كما هو معلوم لكل من له إلمام بعلم الهيئة، وقد تقدم كلام الإمام
الخطابي في ذلك.
٢٦١