النص المفهرس
صفحات 241-260
فأخبر عثمانُ أنّهم كانوا يُؤْمَرُونَ أن يجعلوا بعض الآي المنزلِ عليهم في سُورةٍ متكاملة قَبْلَ ذلك، وكان في قوله - رضي الله عنه - وكانت قصتُها شبيهةً بقصتها ما قد دَلَّ على أنهم إنما كانوا يُؤمرون أن يجعلُوا ما تَأَخَّر نزولُه من الآي عندَ الذي يُشبهه مما قد تقدَّم نزولُه منها، وفيما ذكرنا ما قد دلَّ على احتمال ما وصفنا مما أحلنا به التأويلَ الذي ذكرنا عنه ما ذكرنا، واللَّهَ نسألُه التوفيقَ. قال السيوطي في ((تدريب الراوي)) ص ٩٩ في الكلام على أمارات الحديث الموضوع: = أن يكون منافياً لدلالة الكتاب القطعية، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي. وقال الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ٤٣٢: ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل، وحكم القرآن الثابت المحكم، والسنة المعلومة، والفعل الجاري مجرى السنة، وكل دليل مقطوع به ... ١٢٢ ٢٠ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوي عن رسول الله عليه السلام في المراد بقولِ الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] ١٣٢ - حدثنا يونس، أخبرني أنسُ بنُ عِياضِ اللَّيْثِي، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ عَلْقَمَةَ، عن يحيى بنِ عبدِ الرحمن بنِ حاطبٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبير عن الزُّبير قال: لما نَزَلَتْ هذه الآيَةُ ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وإِنَّهُم مَيِّتُونَ﴾ إلى قوله ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠ -٣١]، قال الزبير: يا رسول الله، أَيُكَرَّرُ علينا ما كانَ في الدُّنيا مع خواصِّ الذُّنوبِ، قال: ((نَعَمْ حَتَّ يُؤَدِّى إلى كُلِّ ذِي حَقٌّ حَقّهُ))(١). حدثنا أبو أُمَيَّة، حدثنا منصورُ بنُ سَلَمَةَ الْخُزاعي، حدثنا يعقوبُ القُمِّي، عن جعفر بنِ أبي المغيرة، عن سعيدِ بنِ جُبَيْ عن ابنِ عُمَرَ، قال: نَزَلَتْ هذه الآيَةُ، وما نَعْلَمُ في أي شيءٍ نَزَلَتْ (١) إسناده حسن، رجاله رجال الشيخين غير محمد بن عمرو بن علقمة، روى له البخاري مقروناً، ومسلم في المتابعات، وقال عنه الحافظ: صدوق له أوهام. ورواه الترمذي (٣٢٣٦)، وأحمد ١٦٧/١، والحاكم ٤٣٥/٢ من طريق محمد بن عمرو، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٧/ ١٠٠، ونسبه للطبراني، وقال: رجاله ثقات. ١٢٣ ﴿ثُمَّ إِنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. قال قائِلٌ: مَنْ نُخاصِمُ، وليسَ بيننا وبينَ أهلِ الكتاب خصومة فمن نُخاصِمُ، حتى وقعتِ الفتنةُ، فقال ابنُ عمر: هذا ما وَعَدَنا رَبُّنَا نَخْتَصِمُ فيه(١). قال أبو جعفر: فتوهّم متوهِّمُ أنَّ ما في هذين الحديثين قد أوجب تضادّاً، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السَّبَبِ الذي كان فيه نزولُ هذه الآية، فتأمُّلْنا ذلك، فوجدناه بحمد الله ونِعمته خالياً مِن ذلك، لأن حديثَ ابنِ عُمَرَ منهما إنما فيه ما كان مِنْ قَوْلهِمْ عند نزولِ الآية، وما تبين به عندَ حُدُوثِ الفتنة أنه المرادُ فيها، وكان ذلك تأويلاً منه لا حكايةً منه إياه سماعاً من رسولِ الله عليه السَّلامُ، وكان ما في حديث الزبير جواباً مِنْ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إياه لما سأله عما ذكر مِن سؤاله رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم عما يسألُه إِيَّاه عنه في حديثه، وجوابُ رسول الله عليه السلام عنه مما أجابه به، ولم يُضاده غيرُه مما في حديثِ ابنِ عمر ولا مما سواه فيما علمناه، واللَّهَ نسألُه التوفيقَ. (١) إسناده حسن، يعقوب القمي: هو يعقوب بن عبدالله بن سعد الأشعري، حسن الحديث، وكذا شيخه جعفر بن أبي المغيرة، وباقي رجاله ثقات. ورواه النسائي في التفسير من ((الكبرى)) (٤٦٧) وابن جرير ٢/٢٤، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٨٩/٧ من طريقين عن يعقوب القمي بهذا الإسناد. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٠٠/٧، ونسبه إلى الطبراني، وقال: رجاله ثقات. ١٢٤ ٢١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله عليه السلام من قوله: ((وحدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرج)» ١٣٣ _ وحدثنا يونس، حدثنا بِشْرُ بنُ بكرٍ وحدثنا الربيعُ الْمُرادِيُّ، حدثنا بشرٌ، عن الأوزاعيِّ، حدثنا حسانُ بنُ عطيّةً، حدَّثني أبو كبشةَ السَّلُولِي قال: سمعتُ عَبْدَ الله بنَ عمرو يقول: سمعتُ رسولَ الله عليه السلام يقول: ((بَلِّغُوا عَنِّ ولو آية، وحَدِّثوا عن بَنِي إِسْرائِيلَ ولا حَرَجَ، ومَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) (١). ١٣٤ - حدثنا بكارُ(٢) بنُ قُتَيْبَةَ، وإبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قالا: حدَّثنا أبو عاصِمٍ، عن الأوزاعيِّ، عن حسان بنِ عطيّة، عن أبي كَبْشَةً السَّلُولي، عن عبدِالله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا مثله(٣) . (١) إسناده صحيح على شرط البخاري، وبشر: هو ابن بكر التّنيسي. ورواه أحمد ١٥٩/٢ و٢٠٢ و٢١٤، وابن أبي شيبة (٧٦٠/٨)، والقضاعي (٦٦٢)، والخطيب ١٥٧/١٣، والبغوي (١١٣) من طرق عن الأوزاعي، بهذا الإسناد. (٢) تحرف في الأصل إلى ((ركان)). (٣) إسناده صحيح على شرط البخاري. ورواه البخاري (٣٤٦١)، والترمذي ٥ /٤٠ من طريق أبي عاصم (الضحاك بن مخلد)، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح . ١٢٥ = ١٣٥ - حدثنا يونس، أخبرنا ابنُ وهبٍ، حدثني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن محمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ عِلقَمَة، عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةً أن رسولَ الله عليه السَّلامُ قال: ((حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ولا حَرَجَ))(١). فتأمِّلنا ما في هذا الحديثِ مِنْ قولِه لِأمته: ((وحدِّثُوا عَنْ بني إسرائيلَ ولا حَرَجَ))، فكان ذلك عندنا - والله أَعْلَمُ - إرادَةً منه أن يعلموا ما كانَ فيهِم من العجائِبِ التي كانت فيهم، ولِأنَّ أمورَهُمْ كانت الأنبياء تَسُوسُها. ١٣٦ - كما حدَّثنا ابنُ أبي داود، حدثنا أبو معمرٍ عَبْدُالله بنُ عمرو بنِ أبي الحجاج المِنْقَرِي، حدثنا عبدُالوارث بنُ سعيد، عن محمد بن جُحادة، عن فُرات القَزَّاز، عن أبي حازم. عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَى الله عليه وسلَّم: ((إنَّ بِنِي إِسْرائِيلَ كان يسوسُهُم الْأَنْبِياءُ، كُلَّما ماتَ نَبِيٍّ، قَامَ نَبِيَّ))(٢). قال أبو جعفر: وكان فيما يتحدَّثُون به مِن ذلك ما عسى أن يَعِظَهُمْ ويُحذرهم مِن الخروج عن التمسُّكِ بدينِ اللَّهِ، كما خَرَجَتْ عنه بنو إسرائيل فَيُعاقِبهم بمثلِ ما عاقبهم به، وكان مع ذلك عليه السلامُ ◌ُحدثهم منها. = ورواه الترمذي (٢٦٦٩) من طريق ابن ثوبان، عن حسان بن عطية، به. وقال: هذا حديث حسن صحيح . (١) إسناده حسن. ورواه أبو داود (٣٦٦٢) من طريق محمد بن عمرو، بهذا الإسناد. (٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأبو حازم: هو سلمان الأشجعي الكوفي. ورواه البخاري (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢)، وابن ماجه (٢٨٧١)، وأحمد ٢٩٧/٢ من طريقين عن فرات، بهذا الإِسناد. ١٢٦ ١٣٧ - كما قد حدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ الواشِحِيّ، حدثنا أبو هلال الرَّاسِبي، عن قتادةً، عن أبي حَسَّان عن عِمْرانَ بنِ حُصين قال: كان رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلْمَ عامَّةَ ليله يُحَدِّثُ عن بني إسرائيل، ما يقومُ إلا لعُظْمِ صَلاةٍ(١). وقال أبو جعفر: وكان قولهُ عقيباً لما أمرهم به مِن الحديثِ عن بني إسرائيلَ ((ولا حرج)) أي: ولا حرج عليكم أن لا تُحَدِّثُوا عنهم، كمثل ما قال مما قد رُوي عنه فيما سوی ذلك. ١٣٨ - كما حدثنا بكار، وإبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا أبو عاصِمٍ ، حدثنا ثورُ بنُ يزيد، عن حُصَيْنْ الْحُبْراني، عن أبي سعيدٍ الخير عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ عليه السَّلامُ: ((مَنِ اكْتَحَلَ، فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ، فَقَدْ أَحْسَنَ، ومَنْ لا فَلا حَرَجَ، ومَنْ اسْتَجْمَرَ، فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ، ومَنْ أَتَ الخَلَاءَ، فَلْيَسْتَتْ، وإِنْ لَمْ يَجِدْ إلا كَثِيبَ رَمْلٍ فَلْيَجْمَعْهُ، فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَلْعَبُ بِقَاعِدٍ بِنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لا، فَلا حَرَجَ، ومَنْ أَكَلَ طَعاماً، فِما تَخَلَّلَ فَلْيُلْقِها، وما لاَكَ بِلِسانِهِ، فَلْيَبْلَعْ، مَنْ فَعَلَ، فَقَدْ أَحْسَنَ، ومَنْ لَ فَلا حَرَجَ))(٢) . (١) إسناده حسن. أبو هلال: هو محمد بن سليم، صدوق، فيه لين، وباقي رجاله ثقات. أبو حسان: هو الأعرج مشهور بكنيته، واسمه مسلم بن عبدالله . ورواه أحمد ٤٣٧/٤ و٤٤٤ من طريقين عن أبي هلال، بهذا الإسناد. وله شاهد عند أبي داود (٣٦٦٣)، وأحمد ٤٣٧/٤ من حديث قتادة، عن أبي حسان، عن عبدالله بن عمرو قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، ما يقومُ إلا إلى عُظُمِ صلاةٍ. واللفظ لأبي داود. (٢) إسناده ضعيف، فيه مجهولان، وهما حصين الحبراني، وأبو سعيد - أو أبو سعد - الخير الحبراني، وقيل عن الثاني: إنه صحابي، ولا يصحُ. ١٢٧ = قال: فَكانَ ما أمر بهِ مِن هذه الأشياءِ المذكورةِ في هذا الحديثِ مما أَتْبَعَ أمرَه بكُلُّ واحدٍ منها قولَه: ((ولا حَرَجَ)) أي: ولا حَرَجَ عليكم أن لا تفعلوا ما أمرتُكم به مِن ذلك، إذ كانَ ما أمرهم به منه على الاختيارِ لا على الإِيجابِ، فكان مِثْلُ ذلك ما أمرهم به مِن الحديث عن بني إسرائيل مما أتبعه قولَه: ((ولا حَرَجَ)) مثلَ ذلك أيضاً على التوسعة منه عليهم أن لا يُحَدِّثُوا عنهم إن شاؤوا، لأنَّ ما أمرهم به إنما كان على الاختيارِ، لا على الإِيجابِ، وكان تلك مِنَّةً مَنَّ الله عليه عقيباً لقوله لهم: ((بَلِّغُوا عَنِّ وَلَوْ آيَةً)) ما أمرهم به إيجاباً عليهم، فَأَتْبَعَ ذلكَ في أمره ما أمرَهُم به مِن الحديثِ عن بني إسرائيلَ ببيانٍ(١) مخالفة ذلك لِما قبلَه، إذ كان ما قَبْلَه على الوجوب والذي بَعْدَه على الاختيارِ. ٠ = ورواه أحمد ٣٧١/٢، وأبو داود (٣٥)، وابن حبان (١٣٢)، وابن ماجه (٣٣٧) و (٣٤٩٨)، والدارمي ١٦٩/١ - ١٧٠، والبيهقي ٩٤/١، والبغوي (٣٢٠٤) من طرق عن ثور بن يزيد، بهذا الإسناد. (١) في الأصل: ((بينات))، وهو خطأ، والمثبت من (ر). : ١٢٨ ٢٢ - بابُ بيان مشكل ما روي عن رسول الله عليه السلام مِن نهيه عن بيعِ النُّيًّا ١٣٩ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا سليمانُ بنُ حرب، حدثنا حمادٌ - وهو ابن زيد - عن أيوب، عن أبي الزُّبير، وسعيد بن ميناء عن جابرِ أنَّ النبيَّ عليه السلامُ نهى عن المحاقَلَةِ، والُزابَنَّةِ، والمخابَرَةِ، وقال أحدُهما: والمعاوَمَة، وقال الآخر: بيع السِّنين، ونهى عن النُّنيًّا، قال: ورَخّصَ في العَرايا(١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو الزبير: هو محمد بن مسلم بن تدرس. ورواه مسلم (١٥٣٦)، وأبو داود (٣٣٧٥)، وابن ماجه (٢٢٦٦)، والبغوي (٢٠٧٢)، وأحمد ٣٦٤/٣ من طريق حماد بن زيد بهذا الإسناد. ورواه مسلم (١٥٣٦)، وأحمد ٣٩١/٣ من طريق سليم بن حيان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر، به. ورواه مسلم (١٥٣٦)، والترمذي (١٣١٣)، وأحمد ٣١٣/٣ و٣٥٦ من طريق أبي الزبير، عن جابر، به. ((المحاقلة)): مختلف فيها، قيل: هي اكتراءُ الأرض بالحنطة هكذا جاء مفسراً في الحديث، وهو الذي يُسميه الزراعون المحارثة. وقيل: هي المزارعةُ على نصيب معلوم كالثلثِ والربع ونحوهما. وقيل: هي بيعُ الطعام في سنبله بالبُرِّ. وقيل: بيعُ الزرع قبل إدراكه. وإنما نهي عنها، لأنها من المكيل، ولا يجوزُ فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مِثلا بمثل ويداً بيد، وهذا مجهول لا يدرى أيُّهما أَكْثُرُ. و (المزابنة)»: بيعُ الرُّطَبِ في رؤوس النخلِ بالتمر، وأصله من الزِّبْنِ، وهو الدفع، كأن = ١٢٩ ١٤٠ - حدثنا جعفرُ بنُ محمد الفريابيُّ، حدثنا محمدُ بن أبي بكر المُقَدَّمِيُّ، حدثنا حمادٌ - وهو ابنُ زيد - عن أيوبَ، عن أبي الزُّبيرِ، وسعید بن میناء عن جابرٍ، عَنِ النبيّ عليه السلامُ أنَّه نهى عن المُزَابَنَةِ، وعن كُلَّ واحدٍ من المتبايعين يَزْبِنُ صاحبه عن حقه بما يزدادُ فيه، وإنما نهي عنها لما يقع فيها = من الغبن والجهالةِ . و((المخابرة)): اكتراء الأرضِ ببعض ما يخرج منها، والخبرُ: النصيب، وسمي الأكار خبيراً، لأنه يُخابر الأرضَ، وكان ابن الأعرابي يقول: أصلُ المخابرة من خيبر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أقرّها في أيدي أهلِها على النصف من محصولها، فقيل: خابرهم، أي: عاملهم في خيبر. و ((المعاومة)): هي بيعُ السنين، يقال: عَاوَمَتِ النخلةُ: إذا حملت سَنَّةً ولم تَحْمِل أُخرى، وهو مفاعلة من العام، وهو أن يبيع ثَمَرَ نخيله سنين ثلاثاً أو أربعاً أو أكثر، فهو فاسد، لأنه بيعُ ما لم يخلق، هذا في بيوع الأعيان، أما في بيوع الصفات فهو جائز، وهو أن يُسلم في شيء إلى أجل معلوم، وذلك الشيء منقطعٌ في الحال، وسيوجد عند المحل غالباً. و ((بيع النُّنيًّ)»: هِو أن يبيعَ ثَمَرَ حائطِه، ويستثنى منه جُزءاً غيرَ معلوم، فلا يصح لأنَّ المبيع يصيرُ مجهولاً باستثناء غير المعلوم منه. و ((العرايا)): اخْتُلِفَ في تفسيرها، فقيل: إنه لما نهى عن المزابنة - وهو بيعُ الثمر في رؤوس النخل بالتمر - رخّصَ في جملة المزابنة في العرايا، وهو أن من لا نخل لَهُ من ذوي الحاجة يُدْرِكُ الرُّطبَ ولا نقدَ بيده يشتري به الرطبَ لعياله، ولا نخلَ له يُطعِمُهم منه، ويكون قد فَضَل له من قوته تمر، فيجيء إلى صاحب النخلِ ، فيقول له: بِعْني ثمر نَخلة أو نخلتين بِخَرْصِها من التمر، فيعطيه ذلك الفاضل من التمر بثمر تلك النخلات ليُصِيبَ من رُطَبِهَا مع الناس، فرخص فيه إذا كان دونَ خمسة أوسق. والعَرِيَّة: فعيلة بمعنى مفعولة من عراه يعروه: إذا قصده، ويحتمل أن تكون فعيلة بمعنى فاعلة من عَرِيّ يَعْرَى: إذا خَلَعَ ثوبه كأنها عُرِّيَتْ من جملة التحريم، فعريت، أي: خَرَجَتْ. انظر ((النهاية)) ٤١٦/١، و٧/٢ و٢٩٤ و٣٢٣ و٢٢٤/٣ - ٢٢٥. و((شرح السنة)) ٨٢/٨-٨٩. ١٣٠ المُحاقَلَةِ، والمُعاوَمَةِ، والمُخابَرَةِ، قال أحدُهما: وعن بيعِ السُّنين، وعن الثّيًّا، ورخّصَ في بَيْعِ العَرايا(١). فكان ظاهرُ الحديثِ النِّيَ عن ◌َيْعِ الثُنيًا مطلقاً، وكان في ذلك إن لم يَكُنْ حقيقةً بخلافِ ظاهره المنعُ مِن البيع الذي يكونُ فيه الثُّنْيًّا. فتأمُّلْنا ذلك ما رُويَ عن رسولِ اللَّهِ عليه السلامُ في هذا المعنى سوى هذا الحديثِ: هَلْ نَجِدُ فيه ما يَدُلُّ على إيضاحٍ حقيقة مراده في ذلك. ١٤١ - فوجدنا ابنَ أبي داود قد حدثنا قال: حدثنا سعيدُ بنُ سليمان الواسطي، حدثنا عَبَّادٌ - وهو [ابنُ] العوام - عن سفيانَ بنِ حُسَين، قال: حدثني الثقةُ يونُسُ بنُ عبيدٍ، عن عطاء عن جابر أن النبيِّ عليه السَّلامُ نهى عن بَيْعِ الثنيًّا حتى تُعْلَمَ (٢). فانكشفَ لنا بذلك حقيقةُ ما وقع عليه النهيُ في حديث أبي الزبير، وسعيد مِن بيع الثّنيًّا، وأنها الثنيا ليست بمعلومةٍ، وأن الثنيا المعلومةَ بخلافها، وأن المستثناة فيه جائز، إذ كانت معلومةٌ، وإذ كان ما يبقى بَعْدَها مِن البيع معلوماً بثمنٍ معلوم، وأن عطاء بن أبي رباحٍ حَفِظَ عن جابرٍ فيما حدَّثهم به من ذلك عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ما لم يحفظُهُ (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر ما قبله. (٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. يونس بن عبيد: هو ابن دينار العبدي، وعطاء: هو ابن أبي رباح. رواه النسائي ٢٩٦/٧، وأبو داود (٣٤٠٥)، والترمذي (١٢٩٠) من طريق عباد بن العوام بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ١٣١ أبو الزبير، ولا سَعِيدٌ، فكان بذلك ما روى فيه عن جابر أولى مما روياه فيه عنه . وقد اختلف أهلُ العلم في البَيْعِ إذا كانت جُزْءاً مِن أجزاء مبيعٍ ، فكان مالك بن أنس يقول في ذلك: ما حدثنا يونُس، أخبرنا ابنُ وهب قال: قال مالك: الأمرُ المجتمعُ عليه عندنا أن الرجلَ إذا باع ثمر حائِطه أن [له أن] يستثنيّ منه ما بينه وبينَ ثلث الثَّمَرِ لا يُجاوِزُ ذلك، وما كان مِنْ دون الثُّلُثِ، فلا بأسَ بهِ إذا كان يرى أنه الثلثُ فأدنى(١). وقد خالفه في ذلك أكثرُ العلماءِ، منهم أبو حنيفة، وزُفَرُ، وأبو يوسف ومحمد، والشافعي، فأجازوا البيعَ بهذا الاستثناء، ولم يُفَرِّقُوا في ذلك بينَ المستثنى منه إذا كانَ دونَ الثُّلُث، أو الثلث، أو أكثرَ منه، إذ كان ثمر(٢) ما يبقى بعدَه معلوماً. وفي حديث النبيِّ عليه السلامُ الذي قد رويناه في هذا البابِ من حديث عطاء، عن جابرٍ مِن نهيه عن بَيْعِ الثَّنَّا حتى تُعْلَمَ ما قد دَلَّ على ما قالُوا من ذلك إذا كان ما دخلَ في البَيْعِ بعدَ الثنيا معلوماً، وكان ثمرُه(٣) معلوماً، وكان هذا القولُ أولى القولَيْنْ عندنا في ذلك لموافقةِ أهل العلم ما قدِ رويناه عن رسولِ الله عليه السلامُ فيه . (١) هو في ((الموطأ)) ٦٢٢/٢. (٢) في الأصل: ((ثمن)). (٣) في الأصل: ((ثمنه)). ١٣٢ ٢٣ - بابُ بيان مشكل ما روي عن رسول الله عليه السلام في أفضل بناته مَنْ هي منهن ١٤٢ - حدثنا الربيعُ الجيزيُّ، ويوسفُ بن يزيد أبو يزيد، وفهد، قالُوا: حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، حدثنا يحيى بنُ أيوب، حدثنا ابنُ الهادِ، حدثني عُمَرُ بنُ عبدالله بن عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ بنِ الزبير عن عائشةً أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لما قَدِمَ المدينة، خرجتِ ابنتُهُ مِن مكة مع بني كِنانة فَخَرَجُوا في أَثَرِهَا، فأدركها مَبَّارُ بنُ الأسودِ(١)، فلم يَزَلْ يَطْعُنُ بَعِيرَها حتى صَرَعَها، فألقت ما في بطنها واهريقَتْ دماً، فانطلق بها، واشتجر فيها بنو هاشِمٍ، وبنو أُميَّة، فقال بنو أمية: نحنُ أحقُّ بها، وكانت تَحْتَ ابنِ عمهم أبي العاص بن ربيعة بنِ عبدِشمس(٢)، فكانت عند هندٍ بنتِ ربيعة، وكانت تقولُ لها هِنْد: هذا في سبب أبيك، فقال رسولُ الله عليه السلام لِزَيْدِ بنِ حارثة: ((ألا تَنْطَلِقُ فَتَجِيءَ بِزَيْنَبَ؟))، فقال: بلى يا رسولَ الله، قال: ((فَخُذْ خَاتَي هذا، فأعطها إِيَّاه))، قال: فانطلق زيدٌ، فلم يَزَلْ (١) هو هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى بن قصي القرشي، وأمه: فاختة بنت عامر بن قرظ القشيرية، وأخواه لأمه: هبيرة، وحزن ابنا أبي وهب المخزوميان، وقد أهدر النبيُّ صلى الله عليه وسلم دمه، فقال: ((إن ظفرتم بهبار بن الأسود، فأحرقوه بالنار)»، ثم قال: ((اقتلوه، فإنه لا يُعذب بالنار إلا ربُّ النار))، فلم يلقوه، ثم أسلم بعد الفتح، وحسن إسلامه، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم. انظر ((أسد الغابة)) ٢٨٤/٥، و((الإصابة)) ٥٦٥/٣ - ٥٦٧، والطبراني ٢٠٠/٢٢ - ٢٠١. (٢) هو أبو العاص بن الربيع - أو ابن ربيعة - ابن عبدالعزى بن عبدشمس بن عبدمناف بن قصي بن كلاب القرشي العبشمي، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، زوج بنته زينب، وهو والد أمامة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها في = ١٣٣ يَلْطُفُ وَتَرَكَ بعيرَه حتى أتى راعياً، فقال: لِمَنْ ترعى؟، فقال: لأبي العاصِ بنِ ربيعة، قال: فَلِمن هذه الغنمُ؟، قال: لزينبَ بنتٍ محمد عليه السَّلامُ، فسار معه شيئاً، ثم قال له: هَلْ لك أن أُعطِيكَ شيئاً تُعطيها إياه، ولا تَذْكُرُهُ لأحد؟ قال: نعم، فأعطاه الخاتمَ، فانطلق الرَّاعي، فأدخل غَنَمَه، وأعطاها الخاتم فَعَرَفَتْهُ، فقالت: مَنْ أعطاك هذا؟، قال: رجل، قالت: وأين تَرَكْتَهُ؟ قال: مكانَ كذا وكذا، فسكنت حتى إذا كان الليلُ خَرَجَتْ إليه، فقال لها: اركبي بينَ يَدَيِّ، قالت: لا ولكن ارْكَبْ أنتَ، فَرَكِبَ ورَكِبَتْ وراءَه حتى أَتَتِ النبيَّ عليه السَّلامُ، فكان رسولُ اللَّهِ عليه السلامُ يقول: ((هِيَ أَفْضَلُ بَنَّاتِي أُصِيبَتْ فِي)). فبلغ ذلك عليٍّ بن حسين بن علي(١)، فانطلق إلى عُروة بن الزبير فقال: ما حديثٌ بلغني عنك أنك تُحَدِّثُه تَنْتَقِصُ فيه حَقِّ فاطمة، فقال عروةُ: ما أُحِبُّ أن لي ما بَيْنَ المشرق والمغرب وإني أنتقِصُ فاطمة حقاً هو لهما وأما بعد، فلك عليَّ أن لا أُحَدِّثَ به أبداً (٢). قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ مما يَجِبُ تأملُه، والوقوفُ = صلاته، أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر، ولما هاجر، ردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم زوجته زينب بعد ستة أعوام على النكاح الأول. انظر «السير)) ٣٣٠/١ -٣٣٤. (١) هو السيد الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي المدني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، تُوفي سنة أربع وتسعين بالمدينة، وقبره بالبقيع، ولا بقية للحسين بن علي إلا من قِبَلِ ابنه زين العابدين هذا. مترجم في ((السير) ٣٨٦/٤ - ٤٠١. (٢) إسناده حسن على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الشيخين غير يحيى بن أيوب - وهو الغافقي - فمن رجال مسلم وفيه كلام ينزل عن رتبة الصحيح. ابن الهاد: هو يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد. ورواه الحاكم ٤٣/٤-٤٤، والبزار (٢٦٦٦) من طريق سعيد بن أبي مريم، بهذا الإسناد. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال البزار: لا نعلم رواه عن عروة بهذا اللفظ إلا = ١٣٤ على المعنى فيه مِن قولِ رسولِ الله عليه السَّلامُ لزيد بن حارثة: ((ألا تنطلِقُ فتجيء بزينب؟))، وزيد ليس بمحرمٍ منها، ولا بزوجٍ لها، وقد نهى صلَّى الله عليه وسلم أن تُسَافِرَ امرأة إلا مع ذي مَحْرَمٍ. ورُوِيَتْ عنه في ذلك آثارٌ بعضُها مُطْلَقٌ بلا ذكرِ وقتٍ معلومٍ لذلك السفرِ، وبعضُها فيه ذكرُ مقدارٍ ذلك السفرٍ من الزمان، وفي بعضِها: إلا ومعها زوج أو ذو محرم منها. وسنذكر هذا البابَ، وما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فيما بعدُ مِن كتابنا هذا إن شاءَ اللَّهُ. غير أنَّا تأملنا ما كان مِنْ رسول الله عليه السلام في هذا الحديثِ من إطلاقه لزيدٍ السفر بزينب، فوجدنا زيداً قد كان حينئذٍ في تبني رسولِ الله إياه، حتى كان يُقال له بذلك: زيدُ بنُ محمد، ولم يزل بَعْدَ ذلك كذلك إلى أن نسخ اللّهُ ذلك، فأخرجه مِن بُنُوَّته، وردّه إلى أبيه في الحقيقة بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النُّبِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وبقوله لزيد وأمثاله من المُتَبَنِينَ ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِم هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُم فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وبما أنزل في زيدٍ خاصةٌ في إباحته تزويجَ زينبَ بنت جحشٍ التي كانت قَبْلَ ذلك زوجاً لزيد، وبما أنزل في ذلك: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ إلى قوله ﴿وَطَرَأْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. فوقفنا على أنَّ ما كان أمر به عليه السَّلامُ زيداً قبلَ ذلك في زينب = عمر، وقال الهيثمي ٢١٣/٩: رواه الطبراني في ((الأوسط)) و ((الکبیر»، والبزار، ورجاله رجال الصحيح. ١٣٥ وفي إباحته لها وله السُّفَرَ من كل واحدٍ منهما مع صاحبه، كان على الحُكْمِ الأول، وفي الحالِ التي كان زيدٌ فيها أخاً لزينبَ، فكان بذلك تَحْرَماً لها، جائزاً له السفرُ بها، كما يجوزُ لأخٍ لو كان لها مِن النُّسَبِ مِن السفر بها، فهذا وجه هذا المعنى من هذا الحديث، واللَّهُ أعلمُ. وأما ما ذُكِرَ فيه من تفضيل رسول الله عليه السلامُ زينبَ على سائر بناتِهِ، فإن ذلك كان ولا ابنةَ له يومئذٍ، فتستحِقّ الفضيلة غيرُها لِما كانت عليه من الإِيمانِ به، والاتباعِ له، ولِمَا نَزَلَ بها في بدنها مِن أجله مما قد ذكرنا، ثم كان بعدَ ذلك مما وهبه اللَّهُ له، وأقرَّ به عينَه في ابنته فاطمةً ما كان منه فيها من توفيقه إيَّها للأعمال الصَّالِحَةِ الزاكيةِ، وما وَهَبَ لها مِن الولد الَّذِينَ صاروا له ولداً وذُرِّيَّةً مما لم يَشْرَكْهَا في ذلك أحدٌ مِن بناته سواها، وكانت قبلَ ذلك في الوقت الذي استحقت زينبُ ما استحقت مِن الفضيلة صغيرةً غيرَ بالغ ممن لا يجري لها ثوابُ بطاعاتها، ولا عقابُ بخلافها، والدليلُ على ذلك مِن صغر سنها حينئذٍ، وتقصيرها عن البلوغ: ما حدثنا أحمدُ بنُ سهلٍ الرازي، حدثنا أبو عبدالله، حدثنا موسى بنُ عبدِالله بنِ موسى بنِ عبدالله بنٍ حسن بنٍ حسن بن علي بن أبي طالب، حدثني أبي عبدُالله بنُ موسى، حدثني أبي موسى بنُ عبد الله، عن أبيه عبدِ الله بنٍ حسن قال: دخلتُ أنا، وابنُ شهابِ الزُّهري على عبدالملك بن مروانَ، فسأله عن سِنِّ فاطمة، فبدرني ابنُ شهاب بالجواب عن ذلك، فقلتُ له: سَلْ هذا عن أُمِّه، وسَلني عن أُمِّي، ثم قُلتُ له: كان سِنُها - يعني الذي ماتت عليه - خمساً وعشرين سنةً (١). (١) أحمد بن سهل الرازي لا يعرف، ولم يرو له أبو جعفر سوى هذا الأثر، وكذا شيخ شيخه، وشيخ شيخ شيخه، وموسى بن عبدالله، مترجم في ((الميزان)) وثقه ابن معين، وقال البخاري: فيه نظر، وأبوه عبدالله بن حسن: ثقة من رجال التهذيب . : ١٣٦ ثم تأملنا الوقت الذي كانت فيه وفاتُها، أيّ وقتٍ كان مِن الزمان: ١٤٣ - فوجدنا أحمدَ بن عبدالرحمن بن وَهْبٍ قد حدثنا قال: حدثنا عمِّي عَبْدُ الله بنُ وهب، وحدثنا إبراهيم بن ابي داود، حدثنا عبدالله بن صالح ثم اجتمعا، فقال كُلُّ واحد منهما: حدثني الليثُ بنُ سَعْدٍ، عن عُقيلٍ ، عن ابنِ شهاب، عن عُروة بنِ الزبير عن عائشةَ أنها أخبرته أنَّ فاطمة بنتَ رسول الله عليه السلام أَرْسَلَتْ إلى أبي بكرِ تسألُه مِيرَاثَها من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وفَدَك، وما بقِي مِنْ خْسٍ خَيْبَرَ، فقال لها أبو بكر: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)) إنما كان يأكلُ آلُ محمد في هذا المال، وإني واللهِ لا أُغَيِّرُ شيئاً مِن صدقة رسولِ الله عليه السلامُ عن حالها التي كانت عليها في حياة رسولِ الله عليه السَّلامُ، ولأعملَن فيها بما عَمِلَ به رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفعَ إلى فاطمة منها شيئاً، فَوَجَدَتْ فاطمةُ على أبي بكر في ذلك، فَهَجَرَتْهُ، فلم تُكلمه حتى تُوفيت، وعاشت بَعْدَ رسولِ الله عليه السلام ستةَ أشهر، فلما توفيت دفنها زوجُها علي بن أبي طالب ليلاً، ولم يُؤْذِنْ بها أبا بكر، وصلى عليها علي(١). قال أبو جعفر: ثُمَّ كان مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن إبانته لِلنَّاسِ فَضْلَ فاطمةَ على سائر بناتِه، وعلى سائرِ نساء المؤمنين سواها وسواهُنَّ : (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. عقيل: هو ابن خالد. ورواه البخاري (٣٠٩٢) و(٣٧١١) و(٤٠٣٥) و (٤٢٤٠) و (٤٢٤١)، ومسلم (١٧٥٩)، وأبو داود (٢٩٦٨) و(٢٩٦٩) و (٢٩٧٠)، والنسائي ١٣٢/٧، وأحمد ٤/١ و ٦ و٩ من طرق، عن ابن شهاب، بهذا الإسناد. ١٣٧ ١٤٤ - ما قد حدثنا بكارٌ، حدثنا أبو داود صاحب الطَّيالسة، وما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا يحيى بنُ حماد، ثم اجتمعا فقال بكار: قال حدثنا أبو عوانة، وقال إبراهيمُ: قال حدثنا أبو عَوَانَةً، عن فِراسٍ عن الشَّعبيِّ، عن مسروقٍ حدثتني عائشة: أن النساءَ كُنَّ اجتمعنَ عند رسولِ الله عليه السلامُ لم تُغَادِرْ منهن واحدة، فجاءت فاطمةُ تمشي ما تُخْطِىءُ مِشْيَتُهَا مِشْيَةَ رسولٍ اللّه عليه السَّلامُ، فلما رآها رَحَّبَ بها، وقال: ((مرحباً بابنتي)) وأخذها، فأقعدها عن يمينه، أو عن يسارِهِ، فسارَّها، فَبَكَتْ، ثم سارَّها الثانية فضحِكَتْ، فلما قامَ رسولُ اللَّهِ عليه السَّلامُ، قلتُ لها: إنَّ لك مِن بين نسائه فضلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن بيننا بالسِّرارِ، وأنتِ تَبْكِينَ!، عزمتُ عليكِ بما لِي عَلَيْكِ مِن حقِّ مم بَكَيْتٍ ومِمَّ ضَحِكْتِ، فقالت: ماكُنْتُ لأُغْشِيَ سِرَّ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم، فلما تُوفَّ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم، قلتُ لها: عَزَمْتُ عليكِ بما لي عليكِ من حَقٌّ إلا أخبرتِني، قالت: أما الآن، فنعم، إنه لما سَارَّني في المرة الأولى ، قال: ((إن جبرِيلَ كان يُعَارِضُنِي بِالقُرآنِ في كُلِّ عَامٍ مَرَّةٌ، وإنه عَارَضَني العَامَ مَرَّتَيْنْ، وإنّ لا أظن إلَّ أجلي قد حضر، فاتَّقِي اللَّهَ، فَنِعْمَ السَّلَفُ لكِ أَنَا))، قالت: فَبَكَيْتُ بُكائي الذي رأيْتِ، ثم سارَّني الثانية، فقال: ((أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ هذه الْأُمَّةِ، أو سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ))؟ قالت: فضحكت(١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو داود: هو سليمان بن داود، وأبو عوانة: هو الوضاح بن عبدالله اليشكري، وفراس: هو ابن يحيى الغَمْذَاني الكوفي، صاحب الشعبي، وثقه أحمد، ويحيى بن معين، والنسائي، والعجلي، وابن عمار وآخرون، احتج به الجماعة . ١٣٨ = ١٤٥ _ وما قد حدثنا فَهْدٌ، حدثنا أبو نُعيم، حدثنا زكريا بنُ أبي زائدةً، عن فِراسٍ ، عن الشعبيِّ عن عائشةَ قالت: أَقْبَلَتْ تَمْشِي - تعني فاطمةَ ـــ كأن مِشيتَها مِشْيَةُ رسولِ الله عليه السَّلامُ، ثم ذَكَرَ بقية هذا الحديثِ، كما في حديث بَكَّار، وإبراهيم سواء، ولم يَذْكُرْ ما في حديثهما قبلَ ذلك(١). ١٤٦ - وما قد حدثنا يوسفُ بنُ يزيد قال: حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، عن نافعِ بنِ يزيدَ، حدثني ابنُ غَزِيَّةَ - يعني عُمارة - عن محمدِ بنِ عبدالله بنِ عمرو بنِ عثمان، أنَّ أُمُّه فاطمةَ بنت الحسين حدثته أن عائشةَ كانت تقولُ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي قُبِضَ فيه لِفاطمة: ((يا بُنَّةَ أَحْنِي عليَّ))، فَأَحْنَتْ عليه، فناجاها ساعةً، ثم انْكَشَفَتْ عنه وهي تبكي، وعائشةُ حاضِرةٌ، ثم قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم بعدَ ذلك بساعة: ((أحْني عليَّ يَا بُنَّةُ))، فأحنت عليه، فناجاها ساعةً ثم كشفت عنه تَضْحَكُ، فقالت عائشة: أيْ بُنَّةُ، ماذا ناجاكِ أبوك؟، قالت فاطمة: أُوشِكُ أُبَيِّئُهُ، ناجاني على حالِ سِرِّ ثم رأيتٍ أني أُخبرك بِسِرِّه وهو حي؟! فَشَقَّ ذلك على عائشةً أن يكونَ سِرِّ دونها، فلما قبضه اللَّهُ، قالت عائشةُ لِفاطمة: ألا تُخبريني ذلك الخبرَ؟، فقالت: أما الآن، فَنَعَمْ، ناجاني في المرة الأولى، فأخبرني أن جبريلَ عليه السَّلامُ كان يُعارِضُه القرآنَ في كُلَّ عام مرةً، وإنه عارضني العامَ مرتين، وأخبرتني أنه ١ ورواه البخاري (٣٦٢٣) و(٦٢٨٥) و(٦٢٨٦)، ومسلم (٢٤٥٠)، وابن ماجه = ٠ (١٦٢١)، والبغوي (٣٩٦٠) من طرق عن فراس، بهذا الإسناد. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأبو نعيم: هو الفضل بن دكين، وهو مكرر ما قبله. ١٣٩ أخبرها أنه لم يكن نبيّ كان بعدَه نبيٌّ إلا عاش نصفَ عمر الذي كان قبلَه، وأخبرني أن عيسى عليه السَّلامُ عاش عشرين ومئة سنة، ولا أُراني إلا ذاهبٌ على سِتِّينَ، فأبكاني ذاك، وقال: ((يا بُنيَّةُ إِنَّه لَيْسَ مِن نساء المسلمين امرأةٌ أعظمُ رزيةً منك، فلا تكوني أدنى امرأةٍ صبراً))، ثم ناجاني في المرةِ الْأُخرى، فأخبرني أنّ أوَّلُ أهله لُوقاً به، وقال: ((إنَّكِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجنَّةِ إلا ما كَانَ مِنَ البُتُولِ مَرْيَمَ ابنةِ عِمْرَان))، فضحكتُ لذلك(١). ١٤٧ - وما قد حدثنا عليُّ بنُ عبدِ الرحمن بنِ محمد بنِ المغيرةِ أبو الحسن، قال: حدثنا يحيى بنُ معينٍ، حدثنا عبدُالرزاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ عن أنسٍ أن النبيَّ عليه السلام قال: ((حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَلمينَ مَرْيَمُ بنتُ عِمْرَانَ، وَحَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآَسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ))(٢). ١٤٨ _ وما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا عليُّ بنُ عُثمان اللَّحِقي البصري، حدثنا داودُ بنُ أبي الفرات، عن عَلْبَاءَ بنِ أَحْمَرَ، عن عكرمة عن ابنِ عباس قال: خَطَّ النبيُّ عليه السَّلامُ أربعةً خطوطٍ، ثم قال: ((أَتَدْرُونَ ما هذا؟))، قالُوا: اللَّهُ ورسُولُه أَعْلَمُ، قال: ((أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، ومَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، (١) إسناده ضعيف لضعف محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان، وانظر تخريجه في الجزء الخامس من هذا الكتاب برقم (١٩٣٣). (٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو في (المصنف)) (٢٠٩١٩). ورواه الترمذي (٣٨٧٨)، وابن حبان (٢٢٢٢)، وأحمد ١٣٥/٣، والحاكم ١٥٨/٣ من طرق عن عبدالرزاق، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. ١٤٠ وَآَسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ))(١). ١٤٩ - وما قد حدثنا محمدُ بنُ علي بنِ داود، حدثنا مُثَنّ بنُ معاذٍ بن معاذٍ، حدثنا ليثُ بنُ داود البغدادي، قال مبارك بن فضالة: حدثنا عن الحسنِ قال عمرانُ بنُ حصين خرجتُ يوماً فإذا أنا برسولِ اللَّهِ عليه السَّلامُ فقال لي: ((يا عِمْرَانُ إِنَّ فَاطِمَةَ مَرِيضَةٌ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَعُوَدَها؟))، قال: قلتُ: فِداك أبي وأمي، وأُّ شرفٍ أشرفُ من هذا؟ قال: ((انْطَلِقْ))، فانطلق رسولُ الله عليه السلام وانطلقتُ معه حتى أتى البابَ، فقال: ((السَّلامُ عَلَيْكُم، أَدْخُلُ؟))، فقالت: وعليكم، ادْخُلْ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أَنَا وَمَنْ مَعِي))؟ قالت: والذي بعثك بالحقِّ ما عليَّ إلا هذه العباءةُ، قال: ومعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مُلاءة خَلَقَة فرمى بها إليها، فقال لها: ((شُدِّيهَا على رَأْسِكِ)) ففعلت ثم قالت: ادخُلْ، فدخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ودخلتُ معه، فَقَعَدَ عند رأسها، وقعدت قريباً منه، فقال: ((أيْ بُنيَّةُ كَيْفَ تَجدِينَكِ؟))، قالت: واللَّهِ يا رسولَ الله إني لَوَجِعَةٌ، وإنه ليزيدُني وجعاً إلى وجعي أنَّه ليس عندي ما آكُلُ، فبكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وبَكَتْ فاطمةٌ عليها السلامُ، وبَكَيْت معهما، فقال لها: ((أيْ بُنيّةُ، تَصَبَّرِي)) مَرّتين أو ثلاثاً، ثم قال لها: ((أيْ بُنَيَّةُ، أما تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ (١) إسناده صحيح. علي بن عثمان اللاحقي: وثقه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في ((الجرح والتعديل)) ١٩٦/٦، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٤٦٥/٨، وباقي رجاله رجال الصحيح . ورواه أحمد ٢٩٣/١، والطبراني (١١٩٢٨)، والحاكم ٥٩٤/٢ و١٦٠/٣ و١٨٥ من طريق داود بهذا الإسناد. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. ١٤١