النص المفهرس

صفحات 61-80

وقد صرَّحَ في مقدمة كتاب الشروط ٢١/١ بأنه لا يتقيد بقول أحد
إلا بدليل، فقال: وقد وضعتُ هذا الكتاب على الاجتهاد منّي الإصابةِ
ما أَمَرَ الله عز وجَلَّ به مِن الكتاب بينَ الناس بالعدلِ على ما ذكرتُ
في صدرِ هذا الكتابِ مما على الكاتب بَيْنَ الناس، وجعلتُ ذلك
أصنافاً، ذكرتُ في كُلِّ صنفٍ فيها اختلافَ الناس في الحُكم في ذلك،
وفي رَسْم الكتابِ فيه، وبينت حُجَّةَ كلِّ فريقٍ منهم، وذكرت ما صَحّ
عندي مِن مذاهبهم، ومما رَسمُوا به كتبهم في ذلك، والله أسأله
التوفيق، فإنه لا حولَ ولا قُوَّة إلا به.
وانظر على سبيل المثال ما خالف فيه أبو جعفر أئمة المذهب
الحنفي من المسائل في كتابه هذا ١٨٩/٢ و٢١٤-٢١٥ و٢٥٩ و
٢٦٢ -٢٦٤ و١٣١/٣-١٣٢ و٢٠٢/٤ و٢٣٣-٢٣٦ و ٣٠١-٣٠٣.
وما يَمنَعُه من الاجتهادِ وقد تحققت له أدواتُه، واكتملت له عِدَّتُه،
فهو حَافِظٌ، واسع الاطلاع، دقيقُ الفهمِ ، متنوِّعُ الثقافة، جَمَّعَ إلى معرفة
الحديثِ ونقلتِه، والعلمِ بالروايات وعللها علماً بالفقه والعربية، وتمكّناً
منها كلُّها، وتبحراً فيها، فقد حَدَّثَ عبدُ الله بن عمر الفقيه - فيما رواه
عنه ابنُ زولاق - قال: سمعتُ أبا جعفرِ الطحاويُّ يقولُ: كان لمحمد بنِ
عبدة القاضي مَجْلِسٌ للفقه عشيةً الخميسِ ، ويَحْضُرُه الفقهاءُ وأصحابُ
الحديث، فإذا فَرَغَ، وصَلَّى المغربَ، انصرف الناسُ ولم يَبْقَ أحدٌ
إلا مَنْ تكونُ له حاجة فَيَجْلِسُ، فلما كانَ ليلةٌ رأينا إلى جنبِ القاضي
شيخاً عليه ◌ِمَامَةٌ طويلةٌ، وله لِحية حسنةٌ لا نعرفه، فلما فرغ المجلسُ،
وصَلَّى القاضي، التفتَ، فقال: يتأخر أبو سعيد - يعني الفِريابي ـ(١)،
(١) هو كما في ((طبقات السبكي)) ٢٤٣/٢: مُحَمَّدُ بنُ عُقيل الفِريابي أبو سعيد، مِن
أصحاب إسماعيل المزني، والربيع بن سليمان، حَدَّث بمصر عن قتيبة بن سعيد،
٦١

وأبو جعفر، وانصرفَ الناسُ، ثم قام يركع، فلما فَرّغَ، استندَ، ونُصِبَتْ
بَيْنَ يديه الشموعُ، ثم قال: خُذُوا في شيءٍ. فقال ذلك الشيخ: أَيشٍ
روى أبو عبيدةً بنُ عبدِالله بن مسعود، عن أُمِّه، عن أبيه، فلم يَقُلْ
أبو سعيد الفِريابي شيئاً، فقلتُ أنا: حدثنا بكارُبنُ قتيبة، حدثنا
أبو أحمد، حدثنا سفيانُ، عن عبدِ الأعلى الثعلبي، عن أبي عبيدة بنِ
عبدالله، عن أُمِّه، عن أبيه، أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنْ
ء
اللَّهَ لَيَغَارُ للمؤمِنِ فَلْيَغَرْ)). قال: فقال لي ذلك الشيخُ: أتدري ما تَتَكَلَّمُ
به؟ فقلتُ له: أيشِ الخبرُ؟ فقال: رأيتُك العشيةَ مع الفقهاء في
ميدانهم، ورأيتُك الساعةَ في أصحابِ الحديث في ميدانِهم، وقَلَّ مَرْ
يجمع بين البابين. فَقُلْتُ: هذا مِنْ فضلِ الله وإنعامه. فأُعجِبَ القاضي
في وصفه لي، ثم أخذنا في المذاكرة(١).
وأما قولُ ابن كمال باشا في بعض رسائله: إن الطحاويَّ في طبقة
مَنْ يَقْدِرُ على الاجتهادِ في المسائل التي لا رِوَايَة فيها، ولا يَقْدِرُ على
مخالفةِ صاحبِ المذهب، لا في الفروع ولا في الأصولِ. فقد ردِّه الإِمامُ
اللكنوي المتوفى سنة (١٣٠٤)هـ في ((الفوائد البهية))، ص ٣١ فقال:
إن الإِمام الطحاوي لَهُ دَرَجَةٌ عالية، ورُتْبَةٌ شامِخَةٌ، قد خالف بها
صاحِبَ المذهبِ في كثيرٍ من الأصولِ والفروع، ومَنْ طالع ((شرح
معاني الآثار» وغيره من مصنفاته يجده يختارُ خلاف ما اختاره صاحبُ
وداود بن مِخْرَاق وجماعة، وعنه عليّ بنُ محمد المصري الواعظ، وأبو محمد بن الورد،
وأبو طالب أحمدُ بنُ نصر، وغيرُهم. وكان من الفقهاء الشافعيين بمصر، تُوفي بها في صفر
سنةً خمس وثمانين ومئتين.
(١) ((تذكرة الحفاظ)) ٨٠٩/٣ - ٨١٠،" و((السير)) ٣٠/١٥، و((لسان الميزان)) ٢٧٨/١ -
٢٧٩، وانظر تخريج الحديث في ((السير)).
٦٢

المذهب كثيراً إذا كان ما يَدُلُّ عليه قوياً، فالحقُّ أنه من المجتهدين
المنتسبين الذين ينتسبون إلى إمامٍ مُعَيْنٍ مِن المجتهدين، لكن لا
يُقَلِّدُونِه لا في الفروع ولا في الأصولِ، لِكونهم متصفينَ بالاجتهاد،
وإنما انتسبُوا إليه لِسُلُوكِهم طريقَه في الاجتهاد، إن انحطّ عن ذلك،
فهو مِن المجتهدين في المذهب القادرين على استخراج الأحكام مِن
القواعد التي قررها الإِمامُ ولا تَنْحَطُّ مرتبته عن هذه المرتبة أبداً على
رَغْمِ أَنْف مَنْ جعله منحظاً.
وما أحسنَ كلامَ المولى عبدِ العزيز المُحَدِّث الدّهلوي في ((بستان
المحدثين» حيث قال ما مُعَرَّبُهُ: إن مختصرَ الطحاوي يَدُلَّ على أنه كان
مجتهداً، ولم يكن مُقْلِّداً للمذهب الحنفي تقليداً محضاً، فإنَّه اختار فيه
أشياءَ تُخَالِفُ مذهب أبي حنيفة لِما لَاحَ له مِن الأدلة القوية. انتهى.
وبالجملة فهو في طبقة أبي يوسف ومحمد لا ينحطّ عن مرتبتهما في
القول المُسَدَّدِ.
وقال شهابُ الدين المرجاني المتوفى سنة (١٣٠٦)هـ كما في
(حُسن التقاضي)) ص ١٠٩ تعليقاً على مقالة ابن كمال باشا في عدِّ
الطحاويِّ والخصاف والكرخيِّ من الطبقةِ الثالثةِ الذين لا يَقْدِرُونَ على
مخالفةٍ أبي حنيفة لا في الأصولِ ولا في الفروع: إنَّهُ لَيْسَ بشيءٍ،
فإنَّ ما خالفُوه فيه مِن المَسَائِلِ لا يُعد ولا يحصى، ولهم اختياراتٌ
في الأصولِ والفروع ، وأقوالٌ مُسْتَنْبَطَةٌ بالقياسِ والمسموع ،
واحتجاجاتٌ بالمعقول والمنقول على ما لا يَخْفَى على مَنْ تتبعَ كُتُبَ
الفقهِ والخِلافيات والأصولِ .
وقال صاحبُ الحاوي المتوفى سنة (١٣٧١)هـ في ((الاشفاق)) ص
٦٣

٤١: وهو لا شَكَّ ممن بلغ مرتبةَ الاجتهادِ المطلق وإن حافظَ على
انتسابه إلى أبي حنيفة .
أقوالُ أهلِ العِلْمِ في الإِمامِ الطّحاوي:
H
قال ابنُ يونس، فيما نَقَلَه عنه ابنُ عساكر في ((تاريخه)) ٣٦٨/٧:
كان ثقةً، ثبتاً، فقيهاً، عاقلاً، لم يُخَلَّفْ مِثْلَهُ.
وقال مسلمةُ بنُ القاسم في ((الصِّلَة)» فيما نقله عنه ابنُ حجر في
((اللسان)) ٢٧٦/١: كان ثقةً، ثبتاً، جليلَ القَدْرِ، فقيهَ البدنٍ، عالماً
باختلافِ العلماء، بصيراً بالتصنيف.
وقال ابن النديم في ((الفهرس)) ص ٢٦٠: وكان أَوْحَدَ زمانِه علماً
وزهداً.
وقال ابنُ عبدالبر - كما في ((الجواهر المضية)) -: كان مِنْ أَعْلَمِ
النَّاسِ بِسِيْرِ الكوفيين وأخبارِهم وفِقْهِهِم، مع مشارَكَةٍ في جميعٍ مَذَاهِبٍ
الفُقَهاءِ .
وقال الإِمامُ السُّمعانيُّ في ((الأنساب)) ٢١٨/٨٠: كان إماماً، ثقةٌ،
ثبتاً، فقيهاً، عالماً، لم يُخَلِّفْ مِثْلَه.
وقال ابنُ الجوزي في ((المنتظم)) ٢٥٠/٦: كان ثَبْتاً، فَهْماً،
فَقِيهاً، عاقِلًا. وكذا قال سِبْطُه وزادَ: واتَّفَقُوا على فَضْلِهِ وصِدْقِهِ وزُهْدِهِ
وورعه.
وقال ابنُ الأثير في ((اللباب)) ٢٧٦/٢: كانَ إماماً، فقيهاً مِن
الحنفيين، وكان ثِقَةً ثبتاً.
٦٤
.

وقال الإِمامُ الذهبيُّ في ((سِيْرِ أعلام النبلاء)) ٢٧/١٥: الإِمامُ،
العلامةُ، الحافِظُ الكبيرُ، مُحَدِّثُ الديارِ المصرية وفقيهها ... ثم قال:
ومن نظر في تَوالِيفِ هذا الإِمامِ عَلِمَ مَحَلَّه مِن العِلْمِ، وسَعَة مَعارِفِه.
وقال في ((تاريخه الكبير)) في الطبقة (٣٣): الفقيهُ، المُحَدِّثُ،
الحافِظُ، أحدُ الأعلام، وكان ثقةً، ثبتاً، فقيهاً، عاقِلاً. وترجم له في
((تذكرة الحفاظ)) ص ٨٠٨.
وقال الصَّغَدِي في ((الوافي بالوفيات)) ٩/٨: كَانَ ثِقَةً، نبيلاً، ثبتاً،
فقيهاً، عاقلاً، لم يُخَلِّفْ بَعْدَهُ مِثْلَه.
وقال اليافعي: بَرَعَ في الفِقْهِ والحديثِ، وصَنّف التَّصانِيفَ
المُفيدَةَ .
وقال ابنُ كثير في ((البداية)) ١٨٦/١١: الفقيه الحنفيّ صاحِبُ
التصانيف المفيدةِ، والفوائد الغزيرة، وهو أَحَدُ الثقاتِ الأثباتِ، والحُفَّاظِ
الجَهَاِذَةِ .
وقال البَذْر العيني في ((نُخَبِ الأفكارِ)) فيما نَقَّلَه صاحب
(الحاوي)) ص ١٣: أما الطحاويُّ، فإنه مُجْمَعٌ عليه في ثقته ودِيانته
وأمانته، وفضيلته التامة، ويدِه الطُّولى في الحديثِ وعِلله وناسِخه
ومنسوخِه، ولم يَخْلُقْهُ في ذلكَ أحدٌ، ولقد أثنى عليه السَّلَفُ والخلف ..
ثم أورد كثيراً مِن النصوص عن الأئمة بالثناءِ عليه، ثم قال: ولقد أثنى
عليه كُلُّ مَنْ ذَكَرَه مِن أهل الحديث والتاريخ كالطبراني، وأبي بكر
الخطيب، وأبي عبدِ الله الحميدي، والحافظِ ابنِ عساكر، وغيرهم من
المتقدمين والمتأخرين كالحافِظ أبي الحجاج المزِّي، والحافظِ
الذهبي، وعماد الدين بن كثير، وغيرهم من أصحاب التصانيف.
٦٥

ولا يَشُكُّ عَاقِلٌ مُنْصِفٌ أن الطحاوي أثبتُ في استنباط الأحكام مِن
القرآن ومن الأحاديث النبوية، وأقعدُ في الفقه من غيره ممن عاصره سناً،
أو شاركه رواية من أصحاب الصِّحاح والسنن، لأن هذا إنما يظهر بالنظر
في كلامه وكلامهم، ومما يَدُلِّ على ذلك، ويقوي ما ادعيناه تصانيفُه
المفيدةُ الغزيرة في سائر الفنون من العُلُوم النقليةِ والعقلية، وأما في رواية
الحديثِ ومعرفة الرجالٍ، وكثرة الشيوخ، فهو كما ترى إمامٌ عظيمٌ ثبتٌ
حُجة كالبخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح والسنن. يَدُلُّ
على ذلك اتساعُ روايته، ومشاركتُه فيها أئمةً الحديث المشهورين كما ذكرناهم.
وقال السيوطيُّ في ((طبقات الحفاظ)) ص ٣٣٧: الإِمامُ، العلامة،
الحافِظُ، صاحبُ التصانيف البديعة ... وكان ثقةً ثبتاً فقيهاً، لم يخلف بعده.
وقال الداوودي في ((طبقات المفسرين)) ٧٤/١: الإِمامُ، العلامةُ،
الحافظ ...
وقال محمود بن سليمان الكفوي في ((طبقاته))، فيما نقله عنه
اللَّكنوي في ((الفوائد البهية)) ص ٣١: إمامٌ جليل القدرِ، مشهورٌ في
الآفاق، ذِكْرُهُ الجميل مملوءٌ في بُطون الأوراق ... وكان إماماً في
الأحاديث والأخبار ... وله تصانيفُ جليلة معتبرة.
كلام بعض الناس في الطحاوي ورده:
وبالرغم من هذه الصفاتِ العظيمة التي أسبغها عليه أهلُ العلم
بحقِّ، فإنَّه رحمه الله لم يسلمْ ممن ينتقصُ قدرَه، ويصفُه بقلةِ المعرفة،
ویتھمه بما هو بريءٌ منه.
فقد ذكر الإِمامُ البيهقي في كتابه (معرفة السنن والآثار)) ٣٥٣/١
أن عِلْمَ الحديثِ لم يكن مِن صناعة أبي جعفر، وإنما أخذ الكلمةَ بَعْدَ
٦٦

الكلمة من أهله، ثم لم يُحْكِمْها، ويتهمه بتسوية الأخبارِ على مذهبه،
وتضعيفٍ ما لا حِيلَةً له فيه بما لا يَضْعُفُ به، والاحتجاج بما هو ضعيف
عندَ غيره.
وفي هذا تجريحُ قاسٍ لأبي جعفر، وطعن بعدالته، واتهامٌ له
بالجهل في صناعة الحديث، وقد تولّى غَيْرُ واحدٍ من أهل العلم الردّ
على هذا الطعن، وبيانَ أنه صادِرٌ عن عصبية وهوى، فقد قال الحافظ
عبدُالقادر القرشي، المتوفّى سنة (٧٧٥هـ) في ((الجواهر المضية))
ص ٤٣١ بعد أن أورد كلام البيهقي: هكذا قالَ. وحاشا لِلَّهِ أن
الطحاويَّ رحمه الله يَقَعُ في هذا، فهذا الكتابُ الذي أشار إليه
هو الكتابُ المعروف بـ («معاني الآثار))، وقد تكلمتُ على أسانيدِه،
وعزوتُ أحاديثَه وإسنادَه إلى الكتب الستة، و((المصنف)) لابن
أبي شيبة، وكتبٍ الحفاظ، وسميتُه بـ ((الحاوي في بيان آثار الطحاوي))،
وكان ذلك بإشارة شيخنا العلامة الحُجَّةِ قاضي القضاة علاء الدين
المارديني والد شيخنا قاضي القضاة جمال الدين، لما سأله بَعْضُ الأمراءِ
عن ذلك، وقال له: عندنا كتابُ الطحاوي، فإذا ذكرنا لِخصمنا الحديثَ
منه يقولون لنا: ما نَسْمَعَ إلا مِنَ البخاري ومسلم. فقال له قاضي القضاة
علاء الدين: والأحاديثُ التي في الطحاوي أَكْثَرُهَا في البخاري ومسلم
والسُّنن، وغيرِ ذلك مِن كتب الحفاظ. فقال له الأميرُ: أسألُك أن
تُخَرِّجَه، وتَعْزُوَ أحاديثَه إلى هذه الكتب. فقال له قاضي القضاة:
ما أتفرَّغُ لذلك، ولكن عندي شخصٌ من أصحابي يَفْعَلُ ذلك. وتكلّم
معه رحمه الله في الإِحسان إلي، وأمدَّني الأميرُ بكتب كثيرة ((كالأطراف))
للمزي، و((تهذيب الكمال)) له، وغيرهما، وشرعتُ فيه، وكان ابتدائي
فيه في سَنَةِ أربعين، وأمدَّني شيخنا قاضي القضاة بكتاب لطيفٍ فيه
٦٧

" ..
أسماء شيوخ الطحاوي، وقال لي: يكفيكَ هذا من عندي، فَحَصَلَ لي
النفعُ العظيمُ به، ووجدتُ الطحاويَّ قد شارك مسلماً في بعض شيوخه
كيونسَ بنِ عبدالأعلى، فوقع لي في كثيرٍ من الأحاديث أن الطحاويَّ
یروي الحديث عن يونس بن عبدالأعلى ويسوقُه، ومسلم يرويه بعينه عن
يونس بن عبدالأعلى بسندِ الطحاوي، وواللهِ لم أَرَ في هذا الكتاب شيئاً
مما ذَكَرَه البيهقيُّ عن الطحاوي، وقد اعتنى شيخُنا قاضي القضاة
علاء الدين، ووضع كتاباً عظيماً نفيساً على ((السنن الكبير)) له، وبَيِّن فيه
أنواعاً مما ارتكبها من ذلك النوع الذي رمى به البيهقيُّ الطحاويِّ، فیذکر
حديثاً لمذهبه وسنده ضعيفٌ فَيُوثّقُه، ويَذْكُرُ حديثاً على مذهبنا وفيه ذلك
الرجل الذي وثقه فُضعفه، ويَقَعُ هذا في كثيرٍ من المواضع، وبَیْنَ هذین
العملين مقدارُ ورقتين أو ثلاثة، وهذا كتابُه موجودٌ بأيدي الناسِ ، فمن
شَكّ في هذا فلينظُرْ فيه، وكتابُ شيخنا كتابٌ عظيم، ولو رآه منْ قبله من
الحُفّاظِ لسأله تقبيلَ لسانه الذي تفوّه بهذا، كما سأل أبو سليمان الدَّاراني
أبا داود صاحب ((السنن)) أن يخرج إليه لسانَه حتى يقبله. انتهى ما في
((الجواهر)» بحذف یسیر.
وهذا الكتابُ الذي أشارَ إليه هو «الجوهر النقي في الرد على سنن
البيهقي)) طبع أولاً وحده في دائرة المعارف حيدر آباد الدكن، ثم طبع مع
((السنن الكبرى)).
٢ - وذكر شيخ الإسلام في ((منهاج السنة)) ١٩٤/٤ -
وهو بِصَدَدِ الطعن في حديثٍ رجوع الشمسِ إلى علي، الذي صَحِّحَهُ
الإِمامُ الطحاوي - بأنه لم يَكُنْ معرفته بالإِسنادِ كمعرفةٍ أهل العلم به.
وهذا الحكم من شيخ الإسلام تُعوِزُه الدَّقَّةُ، فإنه مَا مِنْ حافظٍ من
٦٨

الحفاظ يُنَزَّهُ عما وقع فيه الإِمامُ الطحاوي، وهذه مؤلفاتهم بَيْنَ أيدينا،
فيها أحاديثُ توثّقُوا من صحتها، وانْتُقِدَت عليهم، ولم نسمع أحداً من
أهل العلم أصدرَ في حقهم هذا الحكم القاسي الذي انتهى إليه شيخٌ
الإِسلام، وكيف يُتهم هذا الإِمامُ بأنه لا معرفة له بالإِسناد كمعرفة أهلٍ
العلم، وقد وصفه الأئمة المشهودُ لهم ببراعة النقدٍ بأنه حافِظُ للحديث،
عارفٌ بِطُرُقِهِ، خبيرٌ بنقده سنداً ومتناً، مُذْرِك للخفي مِن علله، بارع في
الترجيح والموازنة، ونحن وإن كنا نُوافقه في تضعيف هذا الحديث كما
هو مبين في مكانه في هذا الكتاب فإننا لا نسلم له بهذه النتيجة التي
انتهى إليها، فإن من المجانبة للصواب أن يوصف العالم بالجهل في
العلم الذي يتقنه ويدريه لمجرد وقوعه في الخطأ في مسألة من مسائله.
قال صاحب ((أماني الأحبار)) وهو ممن يزكي ابن تيمية ويعجب به:
ظاهِرُ كلامِ العلامة ابن تيمية على أنه حَكَمَ هذا الحُكْمَ على الإِمام
أبي جعفر الطحاوي، وأخرجه مِن أئمة النقد، لأنه صحح حديثَ رَدِّ
الشمس لعلي، رضي الله عنه، والإِمامُ الطحاوي ليس بمتفرد بتصحيح
هذه الرواية، وقد وافقه غَيْرُ واحد من الأئمة المتقدمين والمتأخرين،
ورجحوا قوله على قول ابن تيمية ... وما ذكرنا في الفائدة العاشرة من
أقوال الإِمام الطحاوي في الرِّجال، وكلامِه في نقدِ الأحاديث كنقد أَهْلِ
العلم مِن كتابيه ((معاني الآثار)) و((مُشكل الآثار)) وكُتُبِ أسماء الرجال،
يَرُدُّ كُلَّ الرِّدِّ، ويدفع كُلِّ الدفع قَوْلَ ابن تيمية هذا، ويثبت صحةً
ما اختاره الذهبيُّ من ذكره في الحُفَّاظِ الذين يُرجع إلى أقوالهم،
والسيوطي مِن ذكره فيمن كان بمصر مِن حُفاظ الحديث ونُقَّاده، وقد شهد
له الأئمةُ المتقدمون بجلالة قدره، کابن يونس، ومسلمة بن القاسم وابن
عساكر، وابن عبدالبر، وأضرابهم، وهؤلاء أقربُ بالطحاوي من ابن
٦٩

تيمية، ومنهم من هُوَ أعلمُ منه بحالٍ علماء مصر، فإنّ صاحب البيت
أدرى بما فيه، فجرح ابن تيمية بغيرِ دليلٍ لم يُؤثّرْ في الإِمامِ الطحاوي
مع شهادة هؤلاء الأعلام.
وقد قال التاج السبكي في ((طبقاته))(١): الحَذَّرَ كُلَّ الحَذَرِ أن تَفْهَمَ
مِن قاعدتهم: أن الجرحَ مُقَدَّمٌ على التعديلِ على إطلاقها، بل الصوابُ
أن من ثبتت عدالتُه وإمامتُه، وكَثُرَ مادِحُوهِ وَمُزَكُوهِ، ونَدَرَ جارحُه، وكانت
هناك قرينةٌ دالةٌ على سبب جرحه مِن تَعصُّبٍ مذهبي أو غيره، لم يُلتفت
إلى جرحه .. ثم قال بَعْدَ كلامٍ طويل: قد عرفناك أن الجارحَ لا يُقْبَلُ
جَرْحُهُ - وإن فسره - في حقٌّ من غلبت طاعتُه على معصيته، ومادِحُوه
على ذامِّيه، ومُزَكَّوه على جارحيه إذا كانت هناك قَرِينَةٌ دالةً يشهدُ العقلُ
بأن مثلَها حامِل على الوقيعة.
على أن ابن تيمية - كما في ((الدُّررِ الكامنة))(٢) عن الذهبي: كان
مع سَعَةٍ علمه، وفرطِ شجاعته، وسَيلانٍ ذهنه، وتعظيمِه لحرمات الدين
بشراً من البشر تعتريه حِدَّةً في البحث، وغَضَبُ وشَظَفٌ للخصم، تَزْرَعُ
له عداوةٌ في النفوسِ ، وإلا لو لاطف خُصُومَهُ، لَكَانَ كلمةً إجماع، فإنّ
كبارَهم خاضعون لعلومه، معترفون بشُنُوفه، مُقِرُّون بندورٍ خطئه، وأنّه
بحر لا ساحِلَ له، وكنزٌ لا نظير له، ولكن يَنْقِمُون عليه أخلاقاً وأفعالاً،
وكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ويُتْرَكُ.
٣ - وجاء في ((لسان الميزان)) ٢٧٦/١ للحافظ ابن حجر: وقال
مَسْلَمَةُ بنُ القاسم في كتاب ((الصلة)): وقال لي أبو بكرٍ محمدُ بنُ
(١) ٩/٢ و ١٢.
(٢) ١٥١/١.
٧٠

معاوية بنِ الأحمر القرشي: دخلتُ مِصْرَ قَبْلَ الثلاث مئة، وأهلُ مصر
يَرْمُونَ الطحاوي بأمرٍ عظيم فظيع. ويُفَسِّرُ ابنُ حجر هذا الأمرَ بقوله:
يعني من جهةٍ أمور القضاء، ومن جهة ما قيل: إنه أفتى به أبا الجيش مِن
أمر الخصيان.
قال صاحبُ ((أماني الأحبار)): ولعلَّ كلامَ الحافظ یکمل مِن قولٍ
ابن النّديم حيث قال في (الفهرست)) ص ٢٦٠: ويقال: إنه تَعَمَّلَ
لأحمد بن طولون كتاباً فيه نكاحُ ملك اليمين، يُرَخِّصُ له في نكاحٍ
الخدم. وهذا عجيبٌ مِنْ مِثْل الحافظ، فقد أسَّسَ بنيانَه على رواية
لم يلتفت إليها أَحَدٌ غيره، ومَسْلَمَةُ بن قاسم هذا ضعُّفه الذهبي في
((الميزان)) ونسبه إلى المشبهة(١)، وذكر الحافظُ في ترجمة مسلمة هذا:
سُئِلَ القاضي محمد بن يحيى بن مفرج عنه، فقال: لم يكن كذاباً،
ولكن كان ضَعِيفَ العَقلِ. وعن عبدالله بن يوسف الأزدي - يعني ابن
الفرضي - قال: كان مَسْلَمَةُ صَاحِبَ رأي وسِر وكِتاب، وحُفِظَ عليه كلامُ
سوء في التشبيهات. وقد ألزم مسلمة بن القاسم هذا في كتاب ((الصلة))
الإِمامَ البخاريَّ بسرقة كتاب شيخه علي بن المديني، كما ألزم ها هنا
الإمام الطحاوي، ولكن الحافظ لم يَرْضَ بما قاله في البخاري، ورضي
عنه ها هنا بما قال في الطحاوي (٢)، وابنُ الأحمر الذي روى عنه
(١) لكن قال الحافظ في ((اللسان)) ٣٥/٦: ما نسبه إلى التشبيه إلا من عاداه.
(٢) فقد جاء في (تهذيب التهذيب)) ٥٤/٩: قال مسلمة: وألف عليّ بن المديني كتاب
(العلل)) وكان ضنيناً به فغاب يوماً في بعض ضياعه، فجاء البخاريُّ إلى بعض بنيه
وراغبه بالمال على أن يرى الكتاب يوماً واحداً، فدفعه إلى النساخ فكتبوه له ورده إليه،
فلما حضر علي تكلم بشيء، فأجابه البخاري بنص كلامه مراراً، ففهم القضية واغتم
لذلك فلم يزل مغموماً حتى مات بعد يسير، واستغنى البخاري عنه بذلك الكتاب.
فتعقبه الحافظ بقوله: فإن هذه القصة التي حكاها مسلمة فيما يتعلق بالعلل لابن =
٧١

مَسْلَمَةُ بنُ قاسم لم يُوجَدْ في كتب الرجال فلعلُّه مجهول(١)، وأَهْلُ مِصْرَ
الذين روى عنهم ابنُ الأحمر مجاهيلُ، وما ذكره عنهم من أمر فظيع جَرْحٌ
غَيْرُ مفسْر.
ثم ما ذكره شارحاً لكلامه - يعني من جهة أمور القضاء - فإن كان
مرادُه أنه ولي القضاءَ، فساء في أموره، فلم يَثْبُتْ أنه ولي القضاء حتى
يصح رميه بأمور تتعلَّق بالجَوْرِ في القضاء. وهو الذي حضّ القاضي
أبا عبيد على محاسَبَةِ الْأمناء، وناظره في ذلك، وإن كان مرادُه ما أشاع
حُسَّادُه من الأمناء، فأغروا به نائبَ هارون بن أبي الجيش حتى اعتقل
أبا جعفر الطحاوي بسبب اعتبارِ الأوقاف، وأوقعوا بين أبي عُبيد
القاضي، وأبي جعفر الطحاوي حتى تُغَيِّرَ كُلٌّ منهما للآخر، فالحقُّ مع
أبي جعفر الطحاوي نال ما نالَ مِن الحساد الذين يتعسَّفون عليه بالعدالة
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله يجزيه على ذلك إن شاء
الله تعالى.
وأما قولُه: أو من جهة ... الخ. فالقائلُ مجهول، ولا يكون الجرح
المديني، غنية عن الرد لظهور فسادها، وحسبك أنها بلا إسناد، وأن البخاري لما مات
=
علي كان مقيماً ببلاده، وأن العلل لابن المديني قد سمعها منه غير واحد غير البخاري
فلو كان ضنيناً بها لم يخرجها، إلى غير ذلك من وجوه البطلان لهذه الأخلوقة، والله الموفق.
(١) قال شعيب: بل هو معروف: واسمه محمد بن معاوية بن عبدالرحمن الأموي الأندلسي،
من أهل قرطبة، يُعرف بابن الأحمر، سمع بالأندلس على كثيرٍ من الشيوخ، ثم رحل إلى
المشرق سنة ٢٩٥هـ، فَسَمِعَ بمصر ومكة وبغداد والكوفة، ودخل أرضَ الهندِ تاجراً،
وخرج منها ومعه ما قيمتُه ثلاثون ألف دينار، غَرِقَتْ منه كُلُّها، وقَدِمَ الأندلس سنة
٣٢٥، وروى عن النسائي ((السنن الكبرى))، وحملها معه إلى الأندلس، وعنه انتشرت.
قال ابنُ الفرضي في ((تاريخ علماء الأندلس)»: كان شيخاً حليماً ثقة فيما روى، صدوقاً،
توفي سنة ٣٥٨هـ.
٧٢

عند أهل النقد هكذا، والظاهر أنه أخذ ذلك عن ابن النديم، فإنه أخذ
كلامه كُلُّه، ولكن حَذَفَ هذه الجملة من أثناء كلامه، ثم شرح قولَ ابن
الأحمر بقول ابن النديم، وابنُ النديم لم يَجْزِمْ على ما قال، بل ذكر
بصيغةِ التمريض بدون التحقيق على ما هو عادةً المؤرِّخين في الجمع بين
الرَّطب واليابس، والصحيح والسَّقيم، ويمثل هذا لا يثبت جرحُ مَنْ ثبتت
إمامته وأمانته وديانته وتثبته وثقته، ومن اتَّفِقَ على فضله وصِدقه وزُهده
وورعه، وقد أعرضَ المتقدمون والمتأخرون عن ذكر ما ذكره الحافظُ،
فلم يذكروا ذلك، لا في ترجمة أبي جعفر، ولا في ترجمة أبي الجيش،
فهذا دليلٌ قوي على بطلانه، وقد تركَ الحافظ ها هنا في الكلام على
الإمام الطحاوي ما ذكره في مقدمة ((اللسان) ١٦/١ عن ابن عبد البر: مَنْ
صَحَّتْ عدالتُه، وثبتت في العلم إمامتُه، وبانت همتُه وعنايتُه بالعلم
لم يُلْتَفَتْ فيه إلى قولِ أحد، إلا أن يأتي الجارِحُ في جرحه بِيَِّةٍ عَادِلٍ،
يَصحُّ بها جرحُه على طريق الشهادات، والعمل بما فيها من المشاهدة
لذلك ما يوجب قبولُه.
تلاميذه :
وقد رحل إلى الطحاوي عدد غير قليل من أهل العلم، وفيهم كثير
من الحفاظ المشهورين، فسمعوا منه، وانتفعوا به، ورووا عنه، فمن
هؤلاء :
١ - الحافِظُ الأوحدُ، أبو الفرج أحمدُ بنُ القاسم بن عُبيدالله بنِ
مهدي البغدادي، ابن الخشاب، نزيل ثَغْرِ طَرَسُوس، المتوفّى سنة
٣٦٤هـ.
حدَّث عن الطحاوي في دمشق. ((السير)) ١٥١/١٦.
٧٣

٢ - الإِمامُ الفقيهُ القاضي، أبو بكر أحمدُ بنُ محمد بن منصور
الأنصاريُّ الدَّامغاني، أَحَدُ الفُقهاءِ الكبارِ من أصحاب الرأي.
دَرَسَ على الإِمام الطحاوي بمصر، وأقام عِنْدَه سنينَ كثيرةٌ، ثم
قَدِمَ بغداد، فدرس على أبي الحسن الكَرْخِي، ولما فُلِجَ الكرخي،
جعل الفتوى إليه دُونَ أصحابه، فأقامَ ببغداد دهراً طويلاً يُحَدِّثُ عن
الطحاوي ويُفتي .
وكان إماماً في العلم والدين، مشاراً إليه في الوَرَعِ والزِّهادة، ولي
القضاء بواسط، لأنه ركبته ديونٌ، فخرج إليها. ((تاريخ بغداد)) ٩٧/٥.
٣ - إسماعيلُ بنُ أحمد بن محمد بن عبدالعزيز، أبو سعيد
الجُرجاني الخلال الوَرَّاق، نزيلُ نَيْسَابور، المتوفى سنة ٣٦٤هـ.
رَحَلَ إلى البلادِ في طلب الحديث، وأخذه عن أبي يعلى
المَوْصِلِي وأبي جَعْفرِ الطحاوي، وجماعة غيرهما.
قال البيهقيُّ: سكن نيسابور، وبها وُلِدَ له، وبها ماتَ، وكان أَحَدّ
الجوَّالِينَ فِي طَلَبِ الحديث، والورَّاقين في بلادٍ الدنيا، والمفيدين،
سَمِعَ في بلده، ونيسابور، وبغداد والكُوفة، والبصرة، والجزيرة،
والشام، ومصر، ثم عُقِدَتْ له المجالسُ، فكان يُملي بها أصولَه، وكان
يُحْسِنُ إلى أهل العلم، ويَقُومُ بحوائجهم، وصار مُوَسَّعاً عليه في
تجارته. ((تاريخ جرجان)) ص ١٥١، و ((تهذيب تاريخ دمشق)) ١٤/٣.
٤ - المُحَدِّثُ الحافظُ الجَوَّالُ المصنف، أبو عبدالله الحسينُ بنُ
أحمد بن محمد بن عبدالرحمن بن أسد بن شماخ الشمّاخيَّ الهَرَويُّ
الصَّفَّارُ، صاحبُ ((المستخرج على صحيح مسلم))، المتوفى سنة
٣٧٢ هـ.
٧٤

سَمِعْ أبا الحسن بن جوصا، ومحمدَ بنَّ يوسف الهروي،
وعَبْدَالرحمن بن أبي حاتِم، وأبا العباس بن عُقدة، وأبا جعفرِ الطحاوي،
وطبقتهم. قال البَرْقَاني: كتبتُ عنه الكثيرَ، ثم بانَ لي أنه لَيْسَ بحجة.
وقال أبو عبدالله بنُ أبي ذهل: ضعيف. ((السير)) ٣٦٠/١٦.
٥ - المُحَدِّثُ الإِمامُ، أبو علي الحسينُ بنُ إبراهيم بن جابر بن
أبي الزمزام الدمشقيُّ الفرائضيَّ الشاهِدُ، المتوفى سنة ٣٦٨هـ.
وثقه الكتاني. ((السير)) ١٤٠/١٦.
٦ - حُمَيْدُ بنُ ثَوابة أبو القاسم الجذاميُّ، مِن أهل وَشْقة
بالأندلس.
كانت له عنايةٌ بالعلم، ورحلة، دخل فيها العراق، فسمع ببغدادَ
مِن أبي بكر بن أبي داود السِّجستاني، ومن أبي بكر أحمد بن
محمد بن أبي شيبة وغيرهما، ودخل الشام، وسَمِعَ بدمشق من أحمد بن
عمير، وأبي الجهم أحمد بن الحسين بن طلاب المشغراني، وسمع
بمصر من أبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن المهراني ونظرائهما
سماعاً كثيراً، وكان عالماً بالحديث، بصيراً به. ((تاريخ علماء الأندلس))
١٢٤/١ لابن الفرضي.
٧ - الإِمامُ الحَافِظُ الثقةُ الرَّحَّالُ الجوَّال، مُحدِّث الإِسلامِ، علم
المعمَّرين، أبو القاسم سليمانُ بنُ أحمد بن أيوب بن مُطير اللخميُّ
الشَّامي الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة ((الكبير)) و((الأوسط))
و((الصغير))، ولد سنة ٢٦٠ هـ، ومات سنة ٣٦٠هـ.
كان أوَّلُ ارتحاله لطلب العلم في سنة ٢٧٥، فبقي في الارتحالِ
٧٥

ستةَ عشر عاماً، وكَتّبَ عمِّن أقبلَ وأدبرَ، وبرع في هذا الشأنِ، وجَمْعَ
وصَنَّفَ، وعُمِّر دهراً طويلاً، وازدحم عليه المحدثون، ورحلُوا إليه مِن
الأقطار. (السير)) ١١٩/١٦.
٨ - الإِمامُ الحافِظُ الناقِدُ الجوال، أبو أحمد عَبْدُالله بنُ عدي بنِ
عبدالله بن محمد بن المبارك بن القطان الجُرجاني، صاحب كتاب
((الكامل)) وقد طُبعَ طبعة رديئة في سَبْع مجلدات.
مَوْلِدُه في سنةٍ سبعٍ وسبعين ومئتين، وأول سماعه كان في سنة
٩٠، وارتحاله في سنة سبع وتسعين، وزاد ما في معجم شيوخه على
ألفٍ شيخ .
قال حمزةُ السهميُّ: كان ابنُ عدي حافظاً متقناً، لم يكن في زمانه
أَحَدٌ مثلَه، مات في جمادى الآخرة سنة خمسٍ وستين وثلاث مئة.
وقال الذهبي: وطال عُمْرُهُ، وعلا إسنادُه، وجرَّح وعدَّل، وصَحْحَ
وَعَلَّلَ، وتَقَدَّمَ في هذه الصناعةِ على لَحْنٍ فيه يَظْهَرُ في تأليفه. ((السير))
١٦ / ١٥٤.
قلت: وكتابه ((الكامل في الضعفاء)) جليلٌ حافل لا نَظِيرَ له، يَذْكُرُ
في ترجمة كُلِّ واحِدٍ ما هو مُستَنْكَرٌ مِن حديثه، لكنه في بعض الأحيان
یتعنت، فیورد من تكلم فيه - مع ثقته وجلالته - بأدنی لین.
٩ - الإِمامُ الحافِظُ المتقن، أبو سعيد عبدُ الرحمن بنُ أحمد بنٍ
يونس بن عبدالأعلى الصَّدَفِي المصري، صاحب ((تاريخ علماء مصر))،
المتوفى سَنَّةَ ٣٤٧هـ.
وكان إماماً فهماً، متيقظاً بصيراً بالرجال، ولم يَرْتَجِلْ عن مصر،
ولا سَمِعَ بغيرها. ((السير)» ٥٧٨/١٥.
٧٦

١٠ - الإِمامُ الحَافِظُ الثقةُ الجَوَّالُ، أبوبكر محمد بن جعفر بن
الحسين البغدادي الوَرَّاق، يُلَقَّبُ بِغُنْدَر. سَمِعَ الحسنَ بنَ علي
المعمري، وأبا بكر الباغندي، وأبا عروبة، والطحاوي، وخلقاً.
قال أبو عبدالله الحاكم: أقام سنين عندنا يُفِيدُنا، وخرج لي أفرادَ
الخراسانيين من حديثي، ثم دَخَلَ إلى أرض التركِ، وكتب ما لا يُوصَفُ
كثرةً، ثم اسْتُذْعِيَ من مرو إلى الحضرة ببخارى لِيحدث بها، فأدركه
الأجلُ في المفازة سنة سبعين وثلاث مئة. ((السير)) ٢١٤/١٦.
١١ - الشيخُ العالِمُ الحافِظُ، أبو سليمان محمدُ بنُ القاضي
عبدِالله بن أحمد بن ربيعة بنِ زَبْرِ الرَّبَعِيُّ، محدثُ دمشق، وابنُ قاضيها
أبي محمد، المتوفّى سنة ٣٧٩هـ.
له مصنفاتٌ كثيرة منها كتاب ((الوفيات)» على السنين.
قال الكتاني: حدثنا عنه عِدَّةٌ، وكان يُملي بالجامع، وكان ثقةً
مأموناً نبيلاً.
قال أبو سليمان محمد: كان أبو جعفر الطحاوي قد نظر في أشياء
مِن تصانيفي، وباتت عنده، وتصفّحَها، فأعجبتْه، فقال لي:
يا أبا سليمانَ، أنتمُ الصيادِلَةُ ونحن الأطباء.
وهُوَ الذي روى عن أبي جعفر قولَه: أَوَّلُ مَنْ كتبتُ عنه الحديثَ
المزنيُّ، وأخذتُ بقولِ الشافعي، فلما كان بَعْدَ سنين قَدِمَ أحمدُ بنُ
أبي عمران قاضياً على مصر، فصحبته وأخذتُ بقوله، وكان يتفقَّه
للكوفيين، وَتَرَكْتُ قولي الأولَ، فرأيتُ المزني في المنام وهو يقولُ لي:
يا أبا جعفر اغتُصِبْتُك، يا أبا جعفر اغتُصِبْتُكَ. ((السير)» ٤٤٠/١٦.
٧٧

١٢ - الشَيْخُ الحافِظُ المجوِّدُ، محدثُ العراقِ، أبو الحسين
محمدُ بنُ المظفر بنِ موسى بنِ عيسى بنِ محمد البغداديُّ، المتوفى سَنَّةَ
٣٧٩ هـ.
ارتحلَ إلى واسط والكوفة والرَّقة وحَرَّان، وحِمص وحَلَبَ ومِصر
وأماكِنَ.
قال الخطيبُ: كان فهماً حافِظاً صَادِقاً مكثراً.
وقال الذهبي: تَقَدَّمَ في معرفة الرجالِ، وجمع وصَنَّفَ، وعُمِّرَ
دهراً، وبَعُدَ صيتُه، وأكثر الحُفَّظُ عنه مع الصِّدْقِ والإِتقان، وله شُهْرَةٌ
ظاهرة، وإن كان ليس في حفظ الدارقطني .
وهو أَحَدُ من روى عن الإمام الطحاوي ((سنن الشافعي)) الذي
جمعه من مسموعاته عن خاله المزني عن الشافعي. ((السير)) ٤١٨/١٦،
ومقدمة ((سنن الشافعي)» ص ٢ - ٣ طبع سنة ١٣١٥هـ.
١٣ - المُحَدِّثُ الرَّحَّال، أبو القاسم مَسْلَمَةُ بنُ القاسم بنِ
إبراهيم الأندلسي القُرْطُبِيُّ، المتوفّى سنة ٣٥٣هـ.
جمع تاريخاً في الرجال شَرَطَ فيه أن لا يَذْكُرَ إلا مَنْ أغفله البخاريُّ
في ((تاريخه))، وهو كثيرُ الفوائد، في مجلد واحد.
قال أبو محمد بنُ حَزْمِ: كان أَحَدَ المكثرين مِن الرواية والحدیثِ،
سَمِعَ الكثيرَ بقرطبة، ثم رَحَلَ إلى المشرق قَبْلَ العشرين وثلاث مئة،
فَسَمِعَ بالقيروان وطرابلس والإسكندرية وإقريطش ومصر والقلزم وجدة
ومكة وواسط والأُبُلَّة وبغداد والمدائن وبلاد الشام، وجمع علماً كثيراً،
ثم رجع إلى الأندلس، فَكُفَّ بَصَرُهُ. ((السير)) ١١٠/١٦.
٧٨

١٤ - مُحَدِّثُ أَصْبَهَانَ الإِمامُ الرَّحَالُ الحافِظُ الصَّدُوقُ، مسندُ
الوقت، أبو بكر محمدُ بنُ إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان
الأصبهاني، المشهور بابنِ المقرىء، صاحب ((المعجم)) والرحلة
الواسِعَةِ، والمتوفى سنة ٣٨١هـ. وهو الذي روى عن الإمام الطحاوي
كتاب ((شرح معاني الآثار))، و ((سنن الشافعي)» بروايته.
قال أبو نعيم: مُحَدِّثٌ كبير، ثقةٌ، صاحبُ مسانيد، سمع
ما لا يُحصى كثرةً. ((السير)» ٣٩٨/١٦.
١٥ - عليّ بنُ أحمد بن محمد بن سلامة أبو الحسن الطحاوي
ابنه، راوي كتاب ((السنن)) عن النسائي كما في ترجمة النسائي من
((التهذيب))، المتوفّى سنة ٣٥١ كما في ((الأنساب)) ٢١٩/٨.
روى عن أبيه، وتفقّه عليه كما في ((الجواهر المضية)) ٣٥٢/١،
وذَكَرَ له قصةٌ في تورعه.
١٦ - أبو عثمان أحمدُ بن إبراهيم بن حماد بن إسماعيل بن
حماد بن زيد الْأُزْدِيُّ، وَلِيَ قضاء مصر سنة ٣١٤هـ، وخرج إليها، ثم
عُزِلَ سنة ٣١٦هـ، فأقام بها إلى أن تُوفي سنة ٣٢٩ هـ.
حدَّث عن عمِّ أبيه إسماعيلَ بن إسحاق وطبقته، وكان ثقةٌ كثيرَ
الحديث، وكان يسمعُ على أبي جعفر تصانيفه بقراءة الحسن بن
عبدالرحمنِ.
قال ابن زولاق: حدثني الحسينُ بن عبدالله القرشي قال: وكان
أبو عثمان أحمدُ بنُ إبراهيم بن حماد في ولايته القضاءَ بمصر يُلازِمُ
أبا جعفرٍ الطحاوي يَسْمَعُ عليه الحَدِيثَ، فدخل رجل من أهل أُسوان
٧٩

فسألَ أبا جعفر عن مسألة، فقال أبو جعفر: مِن مذهب القاضي أَيَّدَهُ اللّهُ
كذا وكذا. فقال له: ما جئتُ إلى القاضي إنما جئتُ إليك. فقال له:
يا هذا مِن مذهب القاضي ما قُلْتُ لك. فأعادَ القولَ، فقال أبو عثمان:
تُفتيه أَعَزَّكَ اللَّهُ. فقال: إذا أذِنْتَ - أيُّدكَ الله - أفتيهِ. فقال: قد أَذِنْتُ،
فَأَفْتَاهُ، وكانَ ذلكَ يُعدُّ في فَضْلِ أبي جعفرٍ وأدبه. ((تاريخ بغداد))
٤ /١٥، و((لسان الميزان)) ٢٨١/١ - ٢٨٢.
مصنفاته :
يُعَدُّ الإِمامُ الطحاويُّ مِن أقدرِ الناسِ على التأليف، وأمهرِهم في
التصنيف بما وَهَبَه اللَّهُ مِن وفرة المحفوظ، وتنوعِ المعارف، وسُرْعَةٍ
الاستحضار، وكمالٍ الاستعداد، وقد صَنَّف كتباً متنوعة في العقيدة
والتفسير والحديث والفقه والشروط والتاريخ، هي في غاية الحسن
والجمعِ والتحقيقِ وكثرة الفوائد.
وقد أحصى المؤرخون مِن تصانيفه ما يَزِيدُ على ثلاثين كتاباً ..
وفيما يلي ذكر أسماء مصنفاته، والتعريف ببعضها:
١ - ((شرح معاني الآثار)). وهُوَ أوَّلُ تصانيفه، يقول في صدرِه:
((سألني بعضُ أصحابِنا من أهل العلم أن أضَع له كتاباً أَذْكُرُ فيه
الآثارَ المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام التي
يتوهّمُ أهلُ الإِلحاد والضعفةِ من أهل الإِسلام أنَّ بعضَها يَنْقُضُ بعضاً لِقِلَّةٍ
علمهم بناسخها مِن منسوخها، وما يَجِبُ به العَمَلُ منها، لما يشهدُ له مِن
الكتاب الناطِقِ، والسنةِ المجتَمَعِ عليها، وأجعلُ لِذلك أبواباً أَذْكُرُ في
كُلُّ كتابٍ منها ما فيه مِن الناسخ والمنسوخِ ، وتأويلِ العلماء، واحتجاجٍ
٨٠