النص المفهرس

صفحات 441-460

البالغِ كمن سِواها مِنْ أوليائِها، وأنَّه لا يجوزُ له أن يعقِدَ التزويجَ عليها
قَبْلَ رِضاها بذلك.
ولقد روى جريرُ بنُ حازِمٍ في هذا المعنى
٥٧٤٦ - ما قد حدَّثنا أبو أُمية ومحمدُ بنُ علي بن داود، قالا:
حدثنا الحسينُ بنُ محمد المُرُّوذي، حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ ، عن أيوب،
عن عِكرمة
عن ابن عباس: أن رجلًا زَوَّجَ ابنته وهي بكرٌ، وهي كارهة فأتت
النبيَّ وَ لّ فخيَّرها (١).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
عكرمة، فمن رجال البخاري.
أيوب: هو ابن أبي تميمة السختياني .
ورواه أحمد (٢٤٦٩)، وأبو داود (٢٠٩٦)، وابن ماجه (١٨٧٥)، وأبو يعلى
(٢٥٢٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٣٨٧)، والدارقطني ٢٣٥/٣، والبيهقي
١١٧/٧، والخطيب ١١٨/٨ من طرق، عن الحسين بن محمد المروذي، بهذا
الإسناد.
ورواه أبو داود (٢٠٩٧) عن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب،
عن عكرمة، عن النبي زَلها.
قال أبو داود: لم يُذكر ابن عباس، وكذلك رواه الناس مرسلاً معروف.
يريد تعليل الموصول بالمرسل، وكذلك صوب إرساله أبو حاتم، والدارقطني،
والبيهقي، وقد ردَّ العلامة ابن القيم هذا التعليل في ((تهذيب السنن)) ٤٠/٣-٤١،
فقال: وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء وجميع أهل الأصول، هذا حديث صحيح،
لأن جريربن حازم ثقة ثبت، وقد وصله، وهم يقولون: زيادة الثقة مقبولة، فما بالها =
٤٤١

= تقبل في موضع، بل في أكثر المواضع التي توافق مذهب المقلد، وتُرَدُّ في موضع
يخالف مذهبه؟! وقد قبلوا زيادة الثقة في أكثر من مئتين من الأحاديث رفعاً ووصلًاً،
وزيادة لفظ ونحوه، هذا لو انفرد به جرير، فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب
زید بن حبان، ذكره ابن ماجه في «سننه».
وأما حديث جابر فهو حديث يرويه شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن
عطاء، عن جابر: ((أن رجلاً زوج ابنته وهي بكر من غير أمرها، فأتت النبي وضّ،
ففرق بينهما)).
رواه النسائي في ((الكبرى)) (٥٣٨٤)، ورواه أيضاً (٥٣٨٥) من حديث أبي
حفص التنيسي: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني إبراهيم بن مرة، عن عطاء بن أبي
رباح، قال: ((زوج رجل ابنته وهي بكر))، وساق الحديث، وهذا الإِرسال لا يدل على
أن الموصول خطأ بمجرده.
وأما حديث جرير الذي أشار البيهقي إلى أنه أخطأ فيه على أيوب، فرواه
النسائي أيضاً من حديث جرير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((أن جارية
بكراً أتت النبي #1، فقالت: إن أبي زوجني - وهي كارهة-، فردَّ النبي ◌َّ
نكاحها))، ورجاله محتج بهم في الصحيح، وقد تقدم قول النبي ◌َلاتر: ((لا تنكح
البكر إلا بإذنها))، وهذا نهي صريح في المنع، فحمله على الاستحباب بعيداً جداً.
وفي حديث ابن عباس: ((والبكر يستأمرها أبوها)) رواه مسلم، وسيأتي، فهذا خبر في
معنى الأمر على إحدى الطريقتين، أو خبر محض، ويكون خبراً عن حكم الشرع،
لا خبراً عن الواقع، وهي طريقة المحققين.
فقد توافق أمره وَ له، وخبره ونهيه على أن البكر لا تُزوَّج إلا بإذنها، ومثل هذا
يقرب من القاطع، ويبعد كل البعد حمله على الاستحباب.
وروى النسائي من حديث عكرمة عن ابن عباس، قال: ((أنكح رجل من بني
المنذر ابنته وهي كارهة، فأتى النبي بَّي فرد نكاحها)).
٤٤٢

.
= وروى أيضاً من حديث عبد الله بن بريدة، عن عائشة: ((أن فتاة دخلت عليها، =
فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه، ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة، قالت: اجلسي
حتى يأتي النبي ◌َّه، فجاء رسول الله وَرَ، فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل
الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد اخترت ما صنع أبي، ولكني أردت أن أعلم
أن للنساء من الأمر شيء؟)).
وروى أيضاً عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: ((أنكح رجل من
بني المنذر ابنته وهي كارهة، فأتي النبي # فرد نكاحها)).
وحمل هذه القضايا وأشباهها على الثيب دون البكر خلاف مقتضاها، لأن النبي
وَ لم يسأل عن ذلك، ولا استفصل، ولو كان الحكم يختلف بذلك لاستفصل،
وسأل عنه، والشافعي ينزل هذا منزلة العموم، ويحتج به كثيراً.
وقد صحّح حديث ابن عباس هذا ابن القطان الفاسي، نقله عنه الحافظ
الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٩٠/٣.
وقال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) ١١٧/٧: جريربن حازم ثقة، جليل،
وقد زاد الرفع فلا يضره إرسال من أرسله، کیف وقد تابعه الثوري، وزید بن حبان،
فروياه عن أيوب كذلك مرفوعاً.
5
قلت: متابعة الثوري رواها الدارقطني ٢٣٤/٣، والبيهقي ١١٧/٧، والخطيب
١٥٦/٥ من طريق عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري (وهو صدوق)، حدثنا سفيان
الثوري، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي
و* رد نكاح بكر وثيب أنكحهما أبوهما، وهما كارهتان، فرد النبي ﴿ نكاحهما.
ومتابعة زيد بن حبان رواها ابن ماجه بإثر (١٨٧٥) دون رقم، والنسائي في
((الكبرى)) (٥٣٨٩)، والدارقطني ٢٣٥/٣ من طريق مُعَمَّرِ بن سليمان الرقي، عن
زيد بن حبان، (وثقه ابن معين، وقال ابن عدي: لا أرى برواياته بأساً) عن أيوب
السختياني، عن عكرمة، به.
=
٤٤٣

فكان في هذا الحديثِ ما قد دَلَّ على أنَّ أبا البكر ليسَ له العقدُ
على بضعها بغيرِ رِضاها بذلك.
فقال قائلٌ: فإن سُفيانَ قد روى هذا الحديثَ عن أيوب، فخالف
جریراً فیه.
٥٧٤٧ - وذكر ما قد حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، حدثنا عبدُ الرحمن بنُ
عبد الوهّاب، حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أيوب السّختياني
عن عكرمة: أن النبيََّ ◌ٌّ فَرَّقَ بين رجلٍ وبَيْنَ امرأتِه، زَوَّجَها أبوها
وهي كارِهَةٌ، وكانت ثيباً(١).
= وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ١٩٦/٩: الطعن في الحديث لا معنى له،
فإن طرقه تقوى بعضها ببعض.
(١) عبد الرحمن بن عبد الوهاب ـ وهو العَمِّ البصري - روی له ابن ماجه،
وهو ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير عكرمة، فمن رجال البخاري.
وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٣٦٥/٤ بإسناده ومتنه.
وروى عبد الرزاق (١٠٣٠٥) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي
سلمة، وأيوب، عن عكرمة أن ثيباً أنكحها أبوها فجاءت النبي ◌َّر ... فجعل النبي
أمرها إليها.
وروى أبو داود في ((المراسيل)) (٢٣٢) من طريق حماد، عن أيوب، عن عكرمة
أن رجلًا زوج ابنته وهي كارهة، فأتت النبي له، فذكرت ذلك له، فقال: أتكرهينه،
قالت: نعم، فجعل أمرها بيدها.
وانظر حديث خنساء بنت خدام عند البخاري (٥١٣٨)، وأحمد ١٣٦/٦،
والنسائي ٨٧/٦.
٤٤٤

ففي ذلك ما يجبُ فيه فسادُ هذا الحديث في إسناده ومتنه، أما
في إسنادِهِ، فانقطاعُه وتقصيرُه عن ابن عباس، وأما في متنه: فذكره
أنها كانت ثيباً، وفي حديث جريرٍ: أنها كانت بكراً.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن الأولى بنا إذا وجَدْنَا الرِّوايات ما
يُوجب تصحيحَها، وما يُوجِبُ تضادها أن تُحمل على تصحيحها لا على
تضادِّها، وكان حديثُ جريرٍ على أنَّه بِكْرٌ، وحديثُ سفيان على أنَّه
ثَّيِّبٌ، فقد يحتمِلُ أن يكونَ هذا في معنى، وهذا في معنى حتى لا
يتضادا، ولا يتنافيا.
وكان بعضُ من يذهبُ في تزويج الأب البكرَ المذهب الذي ذكرناه
في هذا الباب يحتجُّ لِقوله فيه أيضاً
٥٧٤٨ - بما قد حَدَّثنا أحمد ابنُ أبي عمران، وإبراهيمُ بنُ أبي
داود، وعليُّ بنُ عبد الرحمن، قالوا: أخبرنا أبو صالحِ الحكمُ بنُ
موسى، أخبرنا شعيبُ بنُ إسحاق الدمشقي، عن الأوزاعيّ، عن عطاء
عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا زَوَّج ابنته وهي بِكْرٌ بغيرِ أمرها
فأتتِ النبيَّ ◌َّهِ فَفَرَّقَ بينهما (١).
(١) أبو صالح الحكم بن موسى ثقة من رجال مسلم، ومن فوقه ثقات من رجال
الشيخين، وقد أعله المصنف، وكذا الدارقطني بالإِرسال.
وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٣٦٥/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٥٣٨٤)، والدارقطني ٢٣٣/٣، والبيهقي ١١٧/٧
من طرق عن الحكم بن موسى، بهذا الإسناد.
قال الدارقطني : الصحيح المرسل، وقول شعيب وهم!
٤٤٥
=

ولم يكن هذا الحديثُ مما يجوزُ له أن يحتجّ به، إذ كان أصلُه
٥٧٤٩ - كما حدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا عمرو بنُ أبي سلمة،
حدثنا الأوزاعي، عن إبراهيم بن مُرة
عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن النبيِّ بَِّ، بذلك(١). فَفَسَد هذا
الحديثُ بدخولِ إبراهيمَ بنِ مُرَّة فيه بَيْنَ الأوزَاعِيِّ، وعطاء، وحقّق أيضاً
اتفاقه على عطاء لا يتجاوزُ به إلى جابٍ (٢).
وإذا كان الأمرُ كما ذكرنا في الآثار، وجدنا النظرَ ما يوجبُ ما ذكرنا
= ونقل عن الأثرم، قال: ذكرت لأبي عبد الله حديث شعيب بن إسحاق، عن
الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر، عن النبي وَ #، فقال: حدثناه أبو المغيرة، عن
الأوزاعي، عن عطاء مرسلاً، مثل هذا، عن جابر كالمنكر أن يكون.
ونقل البيهقي عن الحاكم قال: سمعت أبا علي النيسابوري، قال: لم يسمعه
الأوزاعي من عطاء، والحديث في الأصل مرسل لعطاء.
وقال البيهقي: وقد روي من وجه آخر ضعيف عن أبي الزبير، عن جابر، وليس
بمشهور.
وانظر التعليق على الحديث (٥٧٤٦).
(١) مرسل، وعمرو بن أبي سلمة - وهو التنيسي، وإن روى له الشيخان -،
ضعفه ابن معين، والساجي، وقال أبو حاتم: یکتب حديثه، ولا يحتج به، وقال
العقيلي: في حديثه وهم.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٥٣٨٥) من طريق أحمد بن عبد الواحد
الدمشقي، عن عمروبن أبي سلمة، بهذا الإِسناد.
ورواه الدارقطني ٢٣٣/٣ من طريق عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، به.
(٢) في الأصل: ابن عباس، وهو خطأ.
٤٤٦

أيضاً مِن ارتفاع أمر أبي البكر عن البكر في العقدِ على بُضْعِها بغير
أمرها أنَّه لما كان لَيْسَ له أن يعقِدَ عليها في مالها بعد بلوغها كما
كان ذلك قبل بلوغها، كان في العقد على بضعها ليس له ذلك أيضاً
بعد بلوغها، فكان حكمه فيه بعدَ بلوغها بخلافٍ حُكمه فيه كان قبلَ
بلوغها .
وقد وجدنا كتابَ الله تعالى قد دَلَّنا على ذلك بقولِ الله فيه: ﴿فإِنْ
طِبْنَ لكُمْ عَنْ شَيءٍ منه نفساً فكُلُوه هنيئاً مَرُيئاً﴾ [النساء: ٤].
فكان لها بهذه الآية أن تطيبَ نفسها لِزوجها بما شاءَتْ مِنْ
صَداقها، ولم يَكُنْ لأبيها الاعتراضُ عليها في ذلك، فدل ذلك: أنه
ليس لأبيها الاعتراض أيضاً عليها في. بُضعها في عقده التزويج بغيرِ
إذنها، وفي كتاب الله عَزَّ وجَلَّ أيضاً ما قد دَلَّ على ذلك وهو قولُه:
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما ترك أزواجُكم إنْ لم يكن لهن ولد﴾ [النساء: ١٢]،
ثم قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مما تركْنَ من بعد وصيةٍ
يُوصِينَ بها أو دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، وإذا كُنَّ في وصاياهُنَّ في
أموالهن كالرِّجال في وصاياهم في أموالهم، كُنَّ كالرجال في وصاياهم
وفي أموالهم، وفي جواز ذلك منهن وارتفاع الأيدي عنهن فيه ما قد
دلَّ على ارتفاعِها عنهن في أبضاعهن.
فقال قائلٌ: فقد رويتُم عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ نَ ◌ّر في البكر
وفي الثَّيِّب ما قد رويتُم في هذا الباب مما فيه: ((أنَّ الأُيِّمَ أَحقُّ بنفسها
من وليِّها))، وفي ذلك ما ينفي أن يَكُونَ لِوليها معها حقٌّ في بُضعها،
وذكرتُم ذلك بما رويتُموه في حديث معمر، عن صالح بن كيسان: أن
٤٤٧

النبيَّ ◌َّ، قال: ((لَيْسَ لِلأَبِ مَعَ الثَّيِّب أمرٌ في بُضعها))(١).
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ من قولِهِ بعدَ النبيِّ عليه السَّلامُ ما
یُخالِفُ ذلك، وذکر
ما قد حدثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريم،
قال: أخبرنا محمدُ بنُ مسلم الطَّائفي، حدثني عبدُ الله بنُ عثمان بن
خُثيم، عن سعيد بن جُبير، قال:
قلتُ لِعبد الله بن عباس: هل تُنْكَحُ المرأة بغير إذنٍ ولِيِّها؟ فقال
ابنُ عباس: لا تُنكحُ المرأةُ إلا بإذنِ وليٍّ أو السُّلطانِ. قال: قلتُ:
لَيْسَ لها مولى، أو هَلَكَ مولاها. قال: فالسلطانُ. قال: فرجعتُ ذُلك
عليه حتَّى غضب(٢).
فكان في هذا ما قد دَلَّ؛ أنَّ حديثَ ابن عباس الذي قد رويتموه
عنه، عن النبيِّ وَّ إن كان صحيحاً، فقد نسخه ما في هذا الحديثِ،
لأنَّ ابنَ عباس لا يُخالِفُ ما قد أخذه عن النبيِّ وَ هَ إلا ما هُوَ أولى
منه مما قد أخذه عنه.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن الأمرَ في ذلك لَيْسَ كما توهَّمَه،
(١) سلف برقم (٥٧٣٥).
(٢) رجاله ثقات رجال الصحيح غير محمد بن مسلم الطائفي، فقد روى له
مسلم حديثاً واحداً متابعة، وضعفه أحمد، ووثقه ابن معين، وقال ابن مهدي: كتبه
صحاح، وقال أبو داود: لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن عدي:
صالح الحديث لا بأس به، لم أر له حديثاً منكراً.
٤٤٨

ولكن ما إلى المرأة مما في حديث نافع بن جُبَيْربنِ مُطعم، عن ابن
عباس على أنه إليها كما تُحِبُّ أن تكونَ تفعلُه فيه مما قد جعل إليها
أن تُوليه غيرَها مِن الرجال القَوَّامِينَ عليها حتى يكونَ مِن توليه منهم
ذلك يعقدُه عليها بأمرها ممن يرضاهُ، فيكونُ ذلك العقدُ منه عليها
بأمرها عقداً منها إيَّاهُ على نفسها، لأن عقودَ المُؤَكَّلينَ في هذا مضافاتٌ
إلى آمريهم، كما يقولُ الرجل: فعلتُ كذا، لما فعل بأمره.
فخرج بحمد الله ونعمتِه أن يكونَ شيءٌ مما ذكرناه عن ابن عباس،
عن النَّبِيِّ وََّ، ومما ذكرناه عنه مما قاله بعدَ النبي ◌َّ أن يكونَ فيه
تضادٌّ ولا اختلافٌ، ويكونَ حِقُّ الولي فيما رُوِيَ عن ابن عباس فيما
قاله بعدَ النبيِّ وَّ هو الذي جعلته المرأةُ إليه مما جعل لها أن تجعلَه
إليه ومما ليس له اعتراضٌ عليها فيه من عقد بغيرِ أمرها.
١
لله تعالى
٤٤٩

٩٢١ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله صلحول
في قبوله من العباس تزويجه إيَّاه ميمونة
٥٧٥٠- قال أبو جعفر: حدثنا جعفرُ بنُ محمد الفِریابي، حدثنا
إبراهيمُ ابنُ الحجاج، حدثنا وهيبُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ جُريج، عن
عطاء
عن ابن عباس: أن النبيَّ وََّ نَّكَحَ ميمونة وهو حرامٌ، جَعَلَتْ أَمْرَها
إلى العباس ، فأنكحها إيَّاهُ(١).
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير إبراهيم بن الحجاج، فقد
روى له النسائي، وهو ثقة.
ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١٣٥/٨، أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن ابن
جريج، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري (١٨٣٧)، والنسائي ١٩٢/٥، والبيهقي ٢١٢/٧، والبغوي
(١٩٨١) من طريق الأوزاعي، وابن سعد ١٣٥/٨، والمصنف في ((شرح معاني
الآثار)) ٣٦٩/٢ من طريق رباح بن أبي معروف، وابن سعد ١٣٥/٨ من طريق ليث،
والطيالسي (١٠٣٢) من طريق حجاج بن أرطاة أربعتهم عن عطاء، به.
ورواه ابن حبان (٤١٣٣) من طريق ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي
نجیح، وأبان بن صالح، عن عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، عن ابن عباس.
ورواه ابن سعد ١٣٥/٨ و١٣٦، والبخاري (٤٢٥٨) و(٤٢٥٩)، وأبو داود
(١٨٤٤)، وأحمد ٢٤٥/١ و٣٣٦ و٣٤٦ و٣٥١ و٣٥٤ و٣٥٩ و٣٦٠، والترمذي =
٤٥٠

فقال قائلٌ في هذا الحديث: إنَّ النبيَّ بَ قَبِلَ تزويجَ العباسِ
إيَّه ميمونة، وليس بولي لها، وفي حديث نافع بن جُبير عنه مما قد
تأولتموه في الباب الأوَّلِ على ما تأولتموه عليه، ومما قد صححتموه،
وحديث سعيد بن جُبير عنه عليه، وهذا مما يُخالِفُ ذلك من انفرادٍ
المرأة بعقدها التزويج على نفسها بغيرِ أمرٍ وليها.
وكان جوابنا له في ذلك: أنه قد يحتملُ أن تكونَ ميمونةٌ لم يكن
أحدٌ من أوليائها حاضراً، ولم يكن لها ولي حينئذٍ من قومها لِخلاف
أديانهم دينها، فعادَ أمرُها إلى مَنْ إليه ولاية بُضعها، وهو رسولُ الله
وَ*، فاحتمل أن تكونَ هي ابتدأت ذلك بجعلها إِيَّه إلى العَبَّاسِ،
فعقده العباسُ عليها، وقَبلَهُ منه رَسُولُ اللهِ وَلّ، فكان ذلك إمضاءً منه
لما كان مِن جعلها إيَّه إلى العَبَّاسِ، وكان في ذلك ما قد دَلَّ على
إجازةِ العقودِ للأشياءِ التي كانت إلى غيرِ مَنْ عقدها الإِجازة مَنْ كانت
إليه كما يقولُ ذُلك مَنْ يقولُه من أهل العلمِ ، منهم: أبو حنيفة،
ومالكٌ، والثوريُّ، وأصحابُهم.
= (٨٤٢) و(٨٤٣)، والنسائي ١٩١/٥، وابن حبان (٤١٢٩)، والطبراني في ((الكبير))
(١١٠١٨) و(١١٧٦٨) و(١١٨٦٣) و(١١٩١٩) و(١١٩٧١) و(١١٩٧٢)، والمصنف
في ((شرح معاني الآثار)) ٢٦٩/٢، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٨٩/٨، وفي ((أخبار
أصبهان)) ٢٦٠/٢، والدارقطني ٢٦٣/٣، والخطيب ٣٣٤/٤ و١٢١/٥
و٢١/١١-٢٢، من طرق، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وله طرق أخرى عن ابن عباس عند ابن سعد ١٣٤,١٣٣/٨ و١٣٥ و١٣٦،
وأحمد ٢٥٢/١، والمصنف ٢٦٩/٢، وأبو يعلى (٢٧٢٦)، والطبراني في ((الأوسط))
(١٨٣١)، وانظر (٥٧٩٧).
:
٤٥١

٩٢٢ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسول اللهِ وَ﴾ من
قوله لُأَمِّ سلمة لما خطبها، فقالت: إنَّه لَيْسَ
أحدٌ من أوليائي شاهداً. ليس عمر، وهو
صغيرٌ لم يَبلُغْ، [فزوَّجَها
رسولَ الله ◌ُپے] بأمرها.
٥٧٥١ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا آدم بن أبي إياس،
حدثنا سليمانُ بنُ المغيرة، عن ثابت البنانيِّ، قال: حدثني ابنُ أُمِّ
سلمة :
أنَّ أُمَّ سَلَمَة لما انقضتَ عِدَّتُها، أَرْسَلَ إليها رَسُولُ اللهِ وَلَهُ
فخَطَبها، فقالت: مرحباً برسولِ الله، إنَّ فيَّ خِلالاً ثلاثاً: أنا امرأةٌ
شديدةُ الغَيْرَةِ، وأنا امرأةٌ مُصْبِيَةٌ، وأنا امرأةٌ لَيْسَ مِنْ أوليائي أحدٌ شاهداً
يزوجني. فَغَضِبَ عُمَرُ رضي الله عنه لِرسول اللهِ وَص ◌َ، فَأَتَاها، فقال:
أنتِ تَرُدِّينَ رسولَ الله. فقالت: يا ابنَ الخطاب، فيَّ كذا وكذا. فأتاها
رسولُ اللهِ وَجِ، فقال: ((أما ما ذَكَرْتٍ مِنْ غَيرتك، فإنِّي أدعو الله أن
يُذْهِبَهَا عَنْكِ، وأما ما ذَكَرْتٍ مِن صِبيتك، فإنَّ الله تعالى سَيَكْفِيهِمْ،
وأما ما ذكرتِ مِنْ أَنَّه ليس أحدٌ من أوليائكِ شاهداً فيزوِّجكِ، فإنَّه لَيس
أحدُ أوليائك شاهداً ولا غائباً يَكِرَهُني)). فقالت لابنها: زوِّجْ رَسُولَ الله.
فزوَّجه(١).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير آدم بن =
٤٥٢

فقال قائل في هذا الباب: إنَّ أمَّ سلمة قد قالَتْ للنبيِّ عليه
السَّلامُ: إنَّه ليسَ أحدٌ من أوليائها شَاهِداً. فلم يُنْكِرْ ذلك مِن قولها،
ولم يَقُلْ لها: وهل لَكِ ولي غير نفسك؟ ففي ذلك ما قد دَلَّ على
خلافٍ ما صححتُم عليه حديثَ ابن عباس من نفي الولي عن ((الثيب».
فكان جوابُنا له في ذلك: أنه ليسَ في ذلك ما يُخَالِفُ تصحيحَ
حديث ابن عباس على ما قد صححناه عليه، وأنَّ ذلك مما ينفي أن
يكونَ للمرأة أن تعقدَ النكاحَ على نفسها وإن كانت أيّماً حتى توليه
غيرها مِن الرجالِ .
٥٧٥٢ - وحدثنا عليُّ بنُ شيبة، حدثنا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا
حمادُ بنُ سلمة
٥٧٥٣۔ وحدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا
حمادُ بنُ سلمة، عن ثابت البناني، حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أبيه،
عن أمه أم سلمة، ثم ذكر هذا الحديث(١).
= أبي إياس، فمن رجال البخاري.
ابن أم سلمة: هو عمر بن أبي سلمة المخزومي، ربيب النبي 198.
ورواه أبو يعلى (٦٩٠٨) من طريق هدية بن خالد، حدثنا سليمان بن المغيرة،
عن ثابت، حدثني ابن أم سلمة أن أبا سلمة ...
ورواه أحمد ٣٢٠/٦-٣٢١ و٣٢١ من طريق وكيع، عن إسماعيل بن عبد
الملك، عن عبد العزيزابن بنت أم سلمة، عن أم سلمة.
وهذا سند حسن في المتابعات.
(١) ابن عمر بن أبي سلمة، قيل: اسمه محمد، لم يوثقه غير ابن حبان
٣٦٣/٥، وفي ((التقريب)): مقبول، وأورده البخاري في ((تاريخه)) فلم يذكر فيه جرحاً
٤٥٣

فقال قائل: في هذا الحديث إدخالُ حماد بن سلمة في إسناده
رجلاً لا يُعرَفُ، وهو ابنُ عمر بن أبي سلمة.
فكان جوابنا له في ذلك: أن أصلَ الحديثِ على أخذٍ ثابت إياه
من عمربن أبي سلمة سماعاً لا دَخِيلَ بينهما، كذلك رواه جعفرُ بنُ
سليمان الضَّبَعي
٥٧٥٤ - كما حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس، حدثنا محمد بنُ
عبد الملك بن زنجويه، حدثنا عبدُ الرزّاق، أخبرنا جعفرُ بنُ سليمان،
حدثنا ثابت البنانيُّ، حدثني عُمَرُ بنُ أبي سلمة، عن أمِّه أم سلمة
= ولا تعديلاً، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة، فمن رجال
مسلم.
ورواه أبو يعلى (٦٩٠٧)، ومن طريقه ابن حبان (٢٩٤٩)، وابن السني
(٥٨٠)، والبيهقي ١٣١/٧ عن إبراهيم بن الحجاج، وأحمد ٣١٣/٦، وابن سعد
٨٩/٨-٩٠ من طريق عفان بن مسلم، كلاهما عن حماد بن سلمة، بهذا الإِسناد.
ورواه أبو داود (٣١١٩)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (١٠٧٢)، والطبراني
٢٣/(٥٠٦) و(٥٠٧) من طرق، عن حماد بن سلمة، به مختصراً لم يذكر فيه ابن
عمربن أبي سلمة.
ورواه كذلك أحمد ٣١٧/٦، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) مختصراً
(١٠٧١)، والبيهقي ١٣١/٧ من طريق يزيد بن هارون، عن حماد، به.
ورواه أحمد ٢٧/٤ من طريق روح، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني،
عن ابن عمر، عن أبيه، عن أم سلمة، عن أبي سلمة.
وانظر الحديث الآتي.
٤٥٤

عن زوجها أبي سلمة، قال: سمعتُ النَّبِّ وَه يقولُ: (ما مِنْ أَحَدٍ
من المُسلِمِينَ يُصَابُ بمصيبةٍ، فيقولُ: إِنَّا للهِ وإِنَّا إليه راجِعُونَ، اللهمَّ
إِنِّي احْتَسَبْتُ مُصِيبتي عندَك، فأبدِلْنِي خَيْراً منها إلا أَبْدَلَهُ الله خيراً
منها)). فلما تُوقِّي أبو سلمة، قلت: إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجِعُونَ، اللهمَّ
إِنِّي احتَسَبْتُ في مُصيبتي، فأبدِلْني به خَيْراً منه. قَالَتْ: وجعلتُ
أقولُ في نفسي: مَنْ خيرٌ مِنْ أبي سَلَمَة، فجاءَ رسولُ الله ◌ِ﴾،
فخطبني فتزوجتُه(١).
فدلَّ هذا الحديث: أن أصل الحديث هو عن عمرَ بن أبي سلمة
(١) إسناده صحيح. محمد بن عبد الملك بن زنجويه روى له أصحاب السنن،
وهو ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير جعفربن سليمان، فمن رجال
مسلم.
ورواه الترمذي (٣٥١١)، والطبراني ٢٣/(٤٩٧)، وفي ((الدعاء)) (١٢٣٠)،
والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (١٠٧٠)، وابن عبد البر في ((التمهيد))
١٨٦/٣-١٨٨ من طرق، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عمر بن أبي سلمة،
به .
وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.
ورواه ابن ماجه (١٥٩٨)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٨٥/٣، وابن سعد
٨٧/٨-٨٩، والطبراني في ((الدعاء)) (١٢٢٩) من طريق يزيد بن هارون، عن عبد
الملك بن قدامة (وهو ضعيف)، عن أبيه (وهو مقبول)، عن أم سلمة، عن أبي
سلمة .
ورواه أحمد ٢٧/٦-٢٨ من طريق يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن
عمروبن أبي عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة، عن أبي سلمة.
٤٥٥

لا دخيلَ بينهما، وقد وافق زهيرُبنُ العلاء جعفربن سليمان في إسناد
هذا الحديث أيضاً أنه عن ثابت، عن عُمَرَ بن أبي سلمة
٥٧٥٥ - كما حدثنا عليُّ بنُ الحسين بن حرب، حدثنا أحمدُ بنُ
المِقدام، حدثنا زهيرُبنُ العلاءِ، حدثنا ثابتٌ الْبُناني، عن عمر بن أبي
سلمة
عن أمِّ سلمة، ثم ذكر هذا الحديثَ بمعناه إلَّ أنه قال: قالت:
قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذا أَصابَ أَحدَكُم مُصيبةٌ، فليَقُلْ: إِنَّا للهِ وإِنَّا
إليه رَاجِعونَ))(١) بغير ذكر منه أبا سلمة في ذلك، وبقية هذا الحديث على
مثلٍ حديث حماد بن سلمة في متنه سواء.
فكان الذي في هذا الحديث من عقد عمر ابنها عليها التزويج،
وليس بولي لها، لأنَّه كان طفلاً، هو على معنى ما كانَ مِن رسولِ
الله وَّ في تزويجه ميمونة، وعلى أنَّه لما لم يكن لُمِّ سلمة وليّ
حَاضِرها، وأمرها إلى رسولِ الله ◌َّهَ، فيحتمل أن يكونَ جَعَلَ إليها
أن تجعلَ ذلك إلى مَنْ رأت فجعلته إلى ابْنِها، واحتملَ أن تكونَ فعلت
(١) زهير بن العلاء - وهو العبدي - ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: من أهل
البصرة، وقد توبع، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح.
ورواه الحاكم ١٧٨/٢-١٧٩ من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة،
عن ثابت البناني، بهذا الإِسناد. وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
ورواه مالك ٢٣٦/١، والطيالسي (٨٠٩)، وأحمد ٣٠٩/٦، ومسلم (٩١٨)،
والطبراني في (الكبير)) ٢٣/(٥٥٠) و(٦٩٢) و(٩٥٧) و(٩٥٨) و(١٠٠١) وفي
((الدعاء)) (١٢٣١) و(١٢٣٢) و(١٢٣٣) و(١٢٣٤) من طرق، عن أم سلمة، به.
٤٥٦

ذلك ابتداءً فقبله رسولُ الله ◌َِّ مِن ابنها، فكان ذلك إمضاءً منه له.
وفي هذا الباب مِن الفقه دليلٌ على أن عقودَ الصِّبيان للأشياء بأمورٍ
البالغين جائزةٌ كما يقولُ أبو حنيفة وأصحابُه، لأنَّ عمربن أبي سلمة
كان صغيراً يَوْمَ عقد التزويجَ على أُمِّهِ، وقد قبله رسولُ الله ◌ِوَلِ .
فقال قائلٌ: عسى أن يكونَ عُمَرُ كان بالغاً يومئذ.
فكان جوابنا له في ذلك: أن في حديثٍ أمِّ سلمة الذي ذكرنا ما
قد نفى ذلك بقولها للنبيٍّ وَّهِ: لَيْسَ أحدٌ من أوليائي شاهداً، لأنَّه لو
كان بالغاً، لكان من أوليائها، إما بأن يكونَ لأنه ابنُها كما يقولُه مِن
أهل العلم، منهم: أبو يوسف، وإما لأنَّه ابنُ ابن عمها، فكان ولياً
لا محالة.
ففي تركِ النبيِّي ◌َّ﴿ إنكاره قولَها ذُلك ما قد دَلَّ على أنه غيرُ بالغ
وقد دلَّ على ذلك أيضاً ما قد ذكرناه فيما تَقَدَّمَ منا في كتابنا (١)
هذا من حديث حماد بن زيد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عبد
الله بن الزُّبير، قال: كنتُ أنا وعُمَرُ بن أبي سلمة في أُطُم حسان، فكان
يتطأطأُ لي، فأنظر، وأتطأطأً له، فينظر، فقلت لأبي: إنِّي قد رأيتُك
تجولُ حينئذ، فقال: يا بُني، لقد كان جَمَعَ النبيُّ عليه السَّلام في
ذلك لي أبويه.
ففي ذلك ما قد دَلَّ على أنه كان صغيراً، وقد زَعَمَ بعضُ أهل
(١) صحيح، وقد تقدم في هذا الجزء برقم (٥٧٥١).
٤٥٧

العلمِ بالأنساب أنه من المولودين بأرض الحبشة، والله أعلمُ بحقيقة
ذلك.
فقال قائلٌ: وأُّ عقدٍ يجوزُ من الصَّبيِّ، وهو ممن لا أُمْرَ له في
ذلك في نفسه، فهو بأن لا يكونَ له أمرٌ في غيره أولى، وهو مما يحتجّ
به من ذَهَبَ إلى معنى قولِ الشافعي في هذا المعنى.
وجوابنا له في ذلك: أن ما كان مِن أمورِ الصِّبيانِ، فلم يجعل
كلها كلا أمور، وكيفَ يكونُ ذلك كذلك، والمحتجُّ علينا بهذه العِلَّةِ
ممن يخير الصَّبِيَّ إذا بَلَغَ سبعَ سنين، وأُمُّه مطلقة بَيْنَ أبيه وأُمِّه، ويروى
في ذلك ما رُوي مما تَقَدَّمَتْ روايتنا له فيما تقدَّمَ مِن كتابنا هذا(١)، ولم
يجعل رَسُولُ اللهِ وَله له الخيارَ إلا ولاختياره حُكم. وفي هذا ما قد
أجمع المسلمونَ عليه في الصَّبيِّ إذا كانت عليه يَدٌ، وهو ممن لا يُعَبِّرُ
عن نفسِه. فقال ذو اليَدِ عليه: هو عبدي، ثم بَلَغَ الصبيُّ، فَرَفَعَ ذُلك
أن رِفْعَهُ إِيَّاه كلا رفعٍ، وأنه عبدُه، وأنه لو كان يُعبر عن نفسه إلا أنَّه
غيرُ بالغ، فدفع ذلك عن نفسه، وادَّعى لها الحرية أن القولَ قولُه.
ولقد قال مالكُ بنُ أنس في وصيةِ اليفاعِ الذي لم يبلغ: إنها جائزةً،
وروى في ذلك ما قد رواه فيه، ولم يجعلها كلا وصيةٍ لِتقصيره عن
البلوغ.
وقد رُويَ عن رسول الله وَّرِ في أمرِ عبدِ الله بن جعفر ما قد وكَّدَ
ما قد ذَهَبْنا إليه.
٥٧٥٦ - كما حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، حدثني نصرُ بنُ علي،
حدثنا عبدُ الله بنُ داود، عن فطر - يعني ابنَ خليفة -، قال: سمعتُ
(١) في الجزء الثامن، الباب (٤٩٠).
٤٥٨

أبي يُحدِّثُ، قال:
سمعتُ عمرو بنَ حُرِيث يُحَدِّثُ، قال: انطلقتُ مع أبي إلى النبيِّ
﴿ فخطَّ لي داراً بقوسٍ، قال: ومَرَّ بعبد الله بن جعفر وهو يبيعُ بعضَ
ما يبيعُ الغِلمان. فقال: ((بَارَكَ الله لك في صَفقتك، أو في صفقةٍ
یمینك))(١).
(١) خليفة والد فطر، ذكره الذهبي في ((الميزان)) ٦٦٦/١، وقال: ما روى عنه
سوى ابنه فطربن خليفة، ذكره ابن حبان على قاعدته في ((الثقات))، وخبره عن
عمروبن حريث ... منكر، لأن عمروبن حريث، يصبو عن ذلك، مات النبي ◌َ﴾
وهو ابن عشر سنين أو نحوها.
وقال الحافظ ابن حجر في ((التهذيب)) معقباً على الذهبي ١٦٣/٣: ((وهذا
الكلام تلقفه الذهبي من أبي الحسن بن القطان، فإنه ضعف هذا الحديث بها لما
تعقبه على عبد الحق، وأعله بأن خليفة مجهول الحال))، وباقي رجاله ثقات.
نصر بن علي: هو الجهضمي، وعبد الله بن داود: هو الخُريبي.
ورواه أبو داود (٣٠٦٠)، والطبراني كما في (تهذيب الكمال)) ٣٢٥/٨، من
طريق مسدد، وأبو يعلى (١٤٦٤) من طريق القواريري، و(١٤٦٧) من طريق أبي
سعيد، ثلاثتهم عن عبد الله بن داود، بهذا الإسناد، بعضهم بأوله، وبعضهم بالدعاء
فقط .
ورواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٧١٤) من طريق ابن نمير، عن
فطر، به .
وذكره الهيثمي ٢٨٦/٩ في ((المجمع)) عن أبي يعلى والطبراني، وقال:
ورجالهما ثقات.
ورواه بأطول مما هنا ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٧١٥) من طريق
محمد بن بشير، سمعت فطراً، به.
وقد سلف الحديث (٥١٦٩) وفيه دعاء النبي * لعبدالله دون هذه القصة.
٤٥٩

وهذا قد يحتملُ أنَّه كان بيعه بإطلاق النبيِّ رَلي ذلك له، وفيما
قد ذكرنا ما قد دلَّ على أن الصفقة لو كانت لا تكونُ منه لِصغره حتى
يَبْلُغَ، فكان في دعاءِ النبيِّ وََّ له بالبركةِ في صفقةِ يمينه ذكر ذلك
إذا بلغ، وفي تركِ رسول الله بَّ ذلك ما قد دلَّ على أن له صفقةً،
وإن لم يُبْلُغْ، بإطلاقِ مَنْ إليه الولايةُ عليه له ذلك، فقد ثَبَتَ بما ذكرنا
جوازُ عقودِ الصِّبيانِ الذين يعقِلُونَ بأمورِ مَنْ إليه الولاية عليهم وإطلاق
العقود فيما عقدوه فيه على مَنْ عقدوها عليه مِن مالكيها، وأن القولَ
في ذلك كما ذكرنا عن مجيزي ذلك، لا على ما ذكرناه عن مخالفيهم
فيه، والله أعلم.
الله تعالى
الله
S
٤٦٠