النص المفهرس

صفحات 21-40

٥٠٢٣ - حدثنا المزنيُّ، قال: حدثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا عبدُ
الوهاب بن عبد المجيد، قال: سمعتُ يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني
نافعٌ
عن ابن عمر: أن عمر تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ له في زمن رسولِ الله،
وأنه وَجَدَه يُّبَاعُ، فَذَكَرَ ذُلك لرسول الله وَلَ، فقال: ((لا تَشتَرِيهِ، ولا
تَقْرَبِنَّهُ))(١).
قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار نَهى رسولُ اللهِ وَِّ عُمَرَ عن ابْتِياع
صَدَقته، وأَن ذُلك عَوْدٌ منه فيها، فاحتمل أن يكونَ ذلك يُوقِعُ الكراهةً
لِمِلْكِها من الوجوه كلُّها، واحتمل أن يكونَ على الكراهةِ لِمِلْكِها من
بعضِ الوجوه دونَ بعضٍ ، فَنَظَرْنا في ذلك
٥٠٢٤ - فَوَجَدْنا إبراهيم بن أبي داود قد حدَّثنا قال: حدثنا عبدُ
الله بن صالحٍ، قال: حدثني الليثُ، قال: حدثني عُقَيلٌ، عن ابن
ورواه بنحوه الحميدي (١٥)، وأحمد في ((المسند)) (١٦٦) بتحقيقنا،
=
والبخاري (٢٦٣٦) و(٢٩٧٠)، ومسلم (١٦٢٠) من طريق سفيان بن عيينة، بهذا
الإِسناد.
ورواه الطيالسي (٤٦) و(١٣٤)، وأحمد (٢٥٨)، ومسلم (١٦٢٠) (٢)، وابن
ماجه (٢٣٩٠)، وأبو يعلى (١٦٦) و(٢٢٥) من طرق، عن زيد بن أسلم، به.
وسيأتي في الباب التالي من طريق مالك ومحمد بن جعفربن أبي كثير، عن زيد بن
أسلم.
ورواه الحميدي (١٦) عن سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمر.
(٤) إسناده صحيح. وهو في ((السنن المأثورة)) (٣٨٤).
٢١

شهاب، قال: أخبرني سالمُ بن عبد الله بن عمر:
أن ابن عمر كان يُحَدِّث: أن عمر رضي الله عنه تَصَدَّقَ بفرسِ
في سبيل الله، فَوَجَدَه يُباعُ بعدَ ذلك، فَأَرادَ أن يَشتَرِيَه، ثم أتى رسولَ
اللّهِ وَ﴿، فَاسْتَأْمَرَه في ذلك، فقال له رسول اللهِ وَّه: ((لا تَعُدْ في
صَدَقَتِكَ))(١).
فبذلك كان ابنُ عمر يتركُ أن يَبْتَاعَ شيئاً تَصَدَّقَ به، أو يرثُه، إلا
جَعَلَه صدقةً، ففي هذا ما قد دَلَّ أن ابن عمر كان يرى أن رجوع
الصدقة إلى المتصدِّقِ بها بالميراثِ، مكروهٌ له احتباسُها في مِلكٍ،
حتى يردِّها إلى الصدقة.
ثم نَظَرْنا: هل رُوِيَ عن رسول الله وََّ ما يدفَعُ هذا القولَ، أم لا؟
٥٠٢٥ - فَوَجَدْنا يونسَ قد حدثنا، قال: حدثنا عليُّ بن مَعْبَدٍ،
قال: حدثنا عبيدُ الله بن عَمْرو، عن عبد الكريم بن مالكٍ، عن
عمروبن شعيب، عن أبيه
عن جَدِّه: أن رجلاً أَتى رسولَ الله ◌َه، فقال: يا رسولَ الله،
(١) حديث صحيح، وعبدالله بن صالح كاتب الليث، قد توبع، ومن فوقه ثقات
من رجال الشيخين. الليث: هو ابن سعد، وعُقيل: هو ابن خالد.
ورواه البخاري (١٤٨٩)، والبيهقي ١٥١/٤ من طريق يحيى بن بكير،
والنسائي ١٠٩/٥ من طريق حجين بن المثنى، كلاهما عن الليث، بهذا الإسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٦٥٧٢)، وأحمد ٧/٢ و٣٤، ومسلم (١٦٢١) (٤)،
والترمذي (٦٦٨)، والنسائي ١٠٩/٥ من طريق معمر، عن الزهري، به.
٢٢

إِنِّي أَعْطَيْتُ أُمي حديقةٌ، وإنها ماتَتْ ولم تَتْرُكْ وارِثاً غيري، فقال رسولُ
اللهِ اَلِ: ((وَجَبَتْ صَدَقَتُكَ، وَرَجَعَتْ إِليكَ حَدِيقَتُكَ)) (١).
فكان في هذا إباحةُ رسول الله وَّهِ للمتصدِّق ملكَ صدقته
بالميراث، وإباحتُه ذلك له، وفيما روينا قبلَه مَنْعُه عمرَ من ابتياع
صدقته، فَوَجَبَ بتصحيح هذه الآثار عن رسول الله وَ ﴿ أن تكونَ إعادةُ
المتصدِّقِ صدقَتَه بالابتياع، وبما أُشْبَهَهُ من الأشياءِ التي تكون منه،
كالقَبُولِ لها في هِبةٍ له، أو في صدقةٍ عليه، أو فيما سوى ذلك من
وجوه التَّمليكاتِ، مكروهاً له، وأن إعادةً الله عز وجل إياها إلى ملكه
بتَّوْرِيثٍ له إياها عن من تصدَّق بها عليه، غيرُ مكروهٍ له، إذ لم يكن
ذُلك بارْتِجَاعِه إياها وإنما كان ذلك بإعادةِ الله عز وجل إياها إليه.
وقد رُوي أيضاً في الرُّجوعِ في الصَّدقة بالابتياعِ لها نَهْيٌّ من
رسول الله وَ﴿ غير عمر عن مِثْل ذلك أيضاً.
٥٠٢٦ - كما قد حدثنا عليُّ بن شَيْبَة، قال: حدثنا يزيدُ بنُ
(١) إسناده حسن. يونس: هو ابن عبد الأعلى الصَّدَفي المصري، وعلي بن
معبد: هو ابن شداد الرقي، وعبيد الله بن عمرو: هو ابن أبي الوليد الرقي، وعبد
الكريم بن مالك: هو الجزري. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٨٠/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ١٨٥/٢، والبزار (١٣١٣ - كشف الأستار) من طريق زكريا بن
عدي، وابن ماجه (٢٣٩٥) من طريق عبد الله بن جعفر الرقي، كلاهما عن عبيد
الله بن عمرو الرقي، بهذا الإِسناد.
وفي الباب عن بريدة الأسلمي عند أحمد ٣٤٩/٥، وابن ماجه (٢٣٩٤).
وعن جابر بن عبد الله عند أحمد ٢٩٩/٣.
٢٣

هارون، قال: حدثنا سليمان التَّيْمي، عن أبي عثمان النَّهْدِي، عن عبد
الله بن عامٍ
عن الزّبير بن العَوَّمِ رضي الله عنه: أَنه حَمَلَ على فرسٍ في
سبيلِ الله عز وجل، فتَزَا فرساً أو مُهراً، فأراد شِراءَها، فنُهِيَ عنها(١).
٥٠٢٧ - وكما حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا سُرَيْج بنُ النُّعمان،
قال: حدثنا حمادٌ، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي عثمان النَّهْدِي
عن ابن عباس: أن الزُّبِيرَ حَمَلَ على فرسٍ في سبيلِ الله، فَوَجَدَ
فرساً يُباعُ من ضِئْضِئِها - يعني ولد ولدها-، فتُهِي أن يَشترِيَها(٢).
قال أبو جعفرٍ: فاختَلَفَ سليمانُ وعاصمٌ في الرجل الذي حَدَّثَ
أبو عثمان بهذا الحديث عنه كما ذَكَرْنا من اختلافهما فيه، وقد روي
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. سليمان التيمي: هو سليمان بن
طرخان أبو المعتمر البصري، أبو عثمان النَّهدي: هو عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو،
وعبد الله بن عامر: هو ابن ربيعة العنزي.
وأخرجه أحمد في ((المسند)) (١٤١٠) بتحقيقنا، وابن ماجه (٢٣٩٣) من طريق
يزيد بن هارون، بهذا الإِسناد. وعند أحمد: أن رجلاً حَمَل على فرسٍ ... فنسب
الزبير الحادثة إلى غيره.
(٢) إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح. حماد: هو ابن سلمة، عاصم
:
الأحول: هو ابن سليمان.
وأخرجه البزار (١٣١٢ - كشف الأستار) عن محمد بن عبد الرحيم، والطبراني
(١٢٧٧٤) عن محمد بن العباس المؤدب، كلاهما عن سريج بن النعمان، بهذا
الإِسناد.
٢٤

عن أسامة بن زيد مثلُ ذلك أيضاً.
٥٠٢٨ - كما حدثنا إبراهيمُ بن مَرْزوق، قال: حدثنا وَهْب بن
جَرير، قال: حدثنا شعبة، عن الحَكْم، عن عبد الله بن مَعْقِلٍ
عن أسامة أو زَيْد: أَنه حَمَلَ على فرسٍ في سبيلِ الله عز وجل،
فَأَرادَ أن يشتريَ فَلُوَّها، فَنَهَاهُ النبيُّ ◌ِ(١).
٥٠٢٩ - وكما حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: حدثنا لَيْث بن
داود، قال: حدثنا شعبةُ، عن الحَكَم بن عُتَيْبة، عن يحيى بن الجَزَّار،
عن عبد الله بن مَعْقِل، عن أسامة بن زيد أو زيد بن حارثة، ثم ذكر
مثله (٢).
(١) حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن ليث بن داود رواه عن شعبة كما
سيأتي في الحديث التالي، فذكر فيه يحيى الجزار بين الحكم وبين عبد الله بن
معقل، ويحيى بن الجزار ثقة من رجال مسلم، وعبد الله بن معقل - وهو ابن مقرِّن
المزني - إن كان رواه عن أسامة بن زيد، فهو متصل، وإن كان رواه عن زيد بن
S
حارثة، فمرسل.
وأخرجه بنحوه الطبراني (٤٦٦٨) من طريق زياد بن خيثمة، عن داود بن أبي
هند، عن أبي العالية، عن زيد بن حارثة. ورجاله ثقات إلا أنه منقطع، أبو العالية
لم يدرك زيداً.
وأخرجه مختصراً الطبراني أيضاً (٤٦٦٧) من طريق جابر الجعفي، عن
الشعبي، عن هذيل بن شرحبيل، عن زيد بن حارثة. وهو منقطع أيضاً، وفيه جابر
الجعفي، وهو ضعيف.
(٢) حسن، رجاله ثقات رجال الصحيح غير ليث بن داود، فقد ترجم له
الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) ١٤/١٣-١٥ فقال: ليث بن داود أبو محمد القيسي، =
٢٥-

فزاد ليثُ بن داود عن شعبة على وَهْب بن جرير في إسنادٍ هذا
الحديث بين الحكم وبين عبدِ الله بن معقل يحيى بنَ الجَزَّارِ، ففي
حديثي الزُّبير وأسامة كراهةُ ما وَلَدَ الفرسُ المتصدَّقُ به ككراهة الفرس
بِعَيْنِهِ، فقد بانَ بحمد الله عز وجل ونعمته أن لا تَضادَّ في شيءٍ مما
رويناه في هذا الباب عن رسول الله ﴿، وأن لكلِّ معنىّ مذكورٍ فيه
وجهٌ، يتوجَّه فيه غيرُ الوجه الذي يتوجّه فيه ما يَظُنُّ من لا عِلْمَ له أنه
يخالفُه، والله عز وجل نسأله التوفيق.
الله تعالى
الله
C
= حدَّث عن شعبة بن الحجاج والمبارك بن فضالة، روى عنه يوسف بن محمد بن
صاعد ومقاتل بن صالح وأحمد بن علي الخراز أحاديث مستقيمة. وذكره الذهبي في
((الميزان)) ٤٢٠/٣، وقال عن مبارك بن فضالة: أتى بخبر منكر جداً في ((معجم ابن
الأعرابي)). قلت: ولعل النكارة في ذلك الخبر من غيره، والله أعلم.
٢٦

٧٩٦ - بابُ بيانِ مُشكل ما رُوي عن رسول الله وَّة
في رَدِّه حكمَ العائِدِ في صدقته إلى
العائدِ فِي قَيْئِهِ، مَنْ هو؟
قد رَوَيْنا في الباب الذي قبلَ هذا الباب منعَ رسولِ اللهِوَّ من
العَوْدِ في الصدقة بما مَنَّعَ من العَوْدِ فيها به، فاحتمل أن يكونَ ذُلك
على أنه لا يَحِلّ للمتصدِّق بها مِلْكُها، واحتمل أن يكون مِلكُها يَحِلُّ
له مع الكراهة التي فيه، فاحتَجْنا إلى الوقوف على الحقيقة في ذلك،
ما هي؟
٥٠٣٠ - فوجدنا المزنيَّ قد حدثنا، قال: حدثنا الشافعيُّ، قال:
حدثنا مالكٌ، عن زيد بن أُسْلَمَ، عن أبيه، قال:
سمعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: حَمَلْتُ على فرسٍ فِي سَبِيلٍ
الله، فأضاعَه الذي كان عندَه، فأردتُ أن أَبتاعَه منه، وظننتُ أَنه بائعُه
بُرُخْصٍ، فقال: ((لا تَبْتَعْهُ، وإنْ أَعطاكَهُ بِدِرْهَمٍ واحدٍ، ولا تَعُدْ في
صَدَقَتِكَ، فإنَّ العائِدَ في صدَقَتِهِ، كالكلب يَعُودُ فِي قَيْئِهِ))(١).
(١) إسناده صحيح. وهو في ((السنن المأثورة)) للشافعي (٣٨٣).
والحديث في ((الموطأ)) ٢٨٢/١، ومن طريق مالك أخرجه أحمد في ((المسند))
(٢٨١) بتحقيقنا، والبخاري (١٤٩٠) و(٢٦٢٣) و(٣٠٠٣)، ومسلم (١٦٢٠) (١)، =
٢٧

٥٠٣١ - ووجدنا يزيدَ بن سِنان قد حدَّثنا، قال: حدثنا سعيدُ بنُ
أبي مَرْيم، قال: حدثنا محمد بن جعفر - يعني ابن أبي كثيرٍ
الأنصاري - قال: حدثني زَيْد بن أسلم، قال: حدثني أبي، عن عمر بن
٤
الخَطَّاب، ثم ذكر مثلَه(١).
فكان في هذا الباب ردُّ رسول اللهِ وَّهِ حُكمَ العائدِ في صدقته
إلى الكلب يعودُ في قَيْئِهِ، والكلبُ فغيرُ متعبَّدٍ بتحريمٍ ولا تحليلٍ كبني
آدم المتعبَّدين بالتحريم والتحليل، ومما تُعُبِّدوا به تحريمَ قيئِهم عليهم،
وكان الكلبُ ليس كُهُمْ فِي ذُلك، لأن عَوْدَهُ فِي قَيْتِهِ إنما هو كعوده
في قذر لا عَوْدٌ في محرَّمٍ عليه، وفي ذلك ما قد دَلَّ أن عَوْدَ المتصدِّق
في صدقته إنما هو عَوْدٌ في قذرٍ، لا عودٌ في حرامٍ، ولا أنه لا يقعُ
مِلكُه على ما تصدَّق به من ذلك بعَوْده فيه، كما لا يقعُ مِلكُه على
الأشياء المحرَّمات عليه بأعيانها.
وقد رُوي عن رسول الله ﴿ من غير هذا الوجه أيضاً
٥٠٣٢ - كما حدثنا بَكَّار بن قُتيبة، قال: حدثنا رَوْح بن عُبادة،
قال: حدثنا عوفٌ، عن خِلاسٍ بن عمرو
عن أبي هريرة، عن النبي وَل﴿، قال: ((مَثَلُ الذي يَعُودُ في عطائِه،
كمَثّلِ الكلبِ أَكْلَ حتى إِذا شَبِعَ قاءَ، ثم عادَ في قَيْئِهِ، فَأَكَلَه))(٢).
= والبزار (٢٦٦)، والنسائي ١٠٨/٥، وابن حبان (٥١٢٥)، والبيهقي ١٥١/٤،
والبغوي (١٧٠٠). وانظر الباب السالف.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وانظر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. عوف: هو ابن أبي جميلة الأعرابي . =
٢٨

فَبَانَ بحمد الله بما وَصَفْنا مُرادُ رسول اللهِ ◌ّرَ بما نهى عنه عمَرَ،
ومَن ذَكَرناه معه في الباب الذي قبلَ هذا الباب، عن ما نَهاهم عنه،
والله عز وجل نسألُه التوفيقَ.
= وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٧٨/٤ بإسناده ومتنه.
وأخرجه ابن أبي شيبة ٤٧٧/٦، وأحمد ٢٥٩/٢ و٤٣٠ و٤٩٢، وابن ماجه
(٢٣٨٤) من طرق، عن عوف بن أبي جميلة، بهذا الإِسناد.
وأخرجه أحمد ٤٩٢/٢ من طريق عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي
هريرة .
وأخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٧٨/٤ عن بكار بن قتيبة، عن
روح بن عبادة، عن عوف، عن الحسن، عن النبي وَله، مرسلاً. وانظر الباب
التالي .
قال الإِمام النووي في ((شرح مسلم)) ٦٤/١١-٦٥: هذا المثلُ ظاهرٌ في تحريم
الرجوع في الهبةِ والصدقةِ بعد إقباضهما وهو محمولٌ على هبةِ الأجنبي، أما إذا وهب
لولده وإن سفل، فله الرجوعُ فيه كما صرَّح به في حديث النعمان بن بشير، ولا رجوع
في هبة الإِخوة والأعمام وغيرهم من ذوي الأرحام، وهذا مذهبُ الشافعي، وبه قال
مالك والأوزاعي، وقال أبو حنيفة رحمه الله وآخرون: يرجعُ كلُّ واهبٍ إلا الولد وكل
ذي رحم محرم.
٢٩

٧٩٧ - بابُ بيانِ مُشْكِلِ ما رُوي عن رسول الله وَله
في الرُّجُوعِ في الهِبة ومِن تشبيهه إيَّه
برجوعِ الكُلْبِ فِي قَيْئِه
٥٠٣٣ - حدثنا محمد بن خُزَيْمة، قال: حدثنا مُعَلَّى بن أسد،
قال: حدثنا وُهَيْب بن خالد، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه
عن ابن عباس، عن النبيِّ وَ ◌َّ، قال: ((العائِدُ فِي هِبَتِهِ، كالكَلْب
يَقِيءُ، ثم يُعُودُ في قَيْئِه))(١).
٥٠٣٤ - حدثنا فهدّ، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني،
قال: حدثنا عبد الله بن المبارَكِ، عن خالدٍ، عن عِكْرمة
حَ﴿، قال: ((ليسَ لنا مَثَلُ السَّوْءِ،
عن ابن عباس، عن النبي
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٧٨/٤
بإسناده ومتنه .
ورواه أحمد في ((المسند)) (٣٠١٣) بتحقيقنا، والبخاري (٢٥٨٩)، ومسلم
(١٦٢٢) (٨)، والنسائي ٢٦٧/٦، والطبراني (١٠٩١٠)، والبيهقي ١٨٠/٦ من
طرق، عن وهيب بن خالد، بهذا الإِسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٦٥٣٨) عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه مرسلاً.
وانظر تمام تخريجه في ((المسند)).
وانظر الباب الذي سيأتي بعد ثلاثة أبواب.
٣٠

الرَّاجِعُ في هِبَتِهِ كالكلبِ يَرْجِعُ في قَيْئِهِ)) (١).
٥٠٣٥ - حدثنا إبراهيمُ بن مَرْزوق، قال: حدثنا أبو عامرِ العَقَدِيُّ،
قال: حدثنا شعبةُ وهشامٌ، عن قتادة، عن سعيد بن المُسَيِّب
عن ابن عباس: أن رسول الله وََّ، قال: ((العائِدُ فِي هِبَتِه،
كالعائِدِ في قَيْئِهِ))(٢).
ففي هذا الحديثِ تشبيهُ رسول اللهِ وَ﴿ العائدَ في هبتِهِ كالعائدِ في
قَيْئِهِ، بغير ذكرٍ منه ذلك العائدَ مَنْ هو، مِنَ المتعبَّدِين أو من غيرهم؟
وفي الحديثين اللَّذَيْن رويناهما قبلَه في هذا الباب أنه من غير
المتعبَّدِين، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أن الرجوعَ في الهِبَةِ ليس بحرامٍ،
(١) صحيح، يحيى بن عبدالحميد الحماني - وإن اختلف فيه - قد توبع، ومن
فوقه ثقات من رجال الصحيح. خالد: هو ابن مهران الحذَّاء. وهو في ((شرح معاني
الآثار)) ٧٨/٤ بإسناده ومتنه .
ورواه النسائي ٢٦٧/٦ من طريق حِبّان بن موسى المروزي، والطبراني
(١١٩٥٩) من طريق عتبة بن حميد، كلاهما عن خالد الحذاء، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد في ((المسند)) (١٨٧٢) بتحقيقنا عن إسماعيل ابن عُلية، عن
أيوب، عن عكرمة، به. وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو عامر العَقَدي: اسمه عبد
الملك بن عمرو، وهشام: هو ابن أبي عبد الله الدستوائي. وهو في ((شرح معاني
الآثار)) ٧٧/٤ بإسناده ومتنه .
ورواه البخاري (٢٦٢١)، والطبراني (١٠٦٩٢)، وأبو نعيم في ((الحلية))
٢٨١/٦، والبيهقي ١٨٠/٦ من طريق مسلم بن إبراهيم، عن شعبة وهشام - زاد
الطبراني وأبو نعيم: وأبان وهمام-، بهذا الإِسناد.
٣١
=

ولكنَّه قَذرٌ وخُلُقٌ دَنيءٌ ليس بمحرَّم، ومما قد دَلَّ على ذلك ما قد رُوِيَ
عن أصحاب رسول الله مَ ر في ذلك.
كما قد حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، أن مالكاً حدَّثه،
عن داود بن الحُصَيْن، عن أبي غَطَفان بن طَرِيف المُرِّي، عن مَرْوان بن
الحَگم
أن عمر بن الخَطَّاب، قال: مَنْ وَهَبَ هبةٌ لِصِلَةِ رَحِمٍ، أو على
وجهِ صدقةٍ، فإنه لا يَرْجِعُ فيها، ومَنْ وَهَبَ هبةً يرى أنه إنما يُرادُ بها
الثَّوَابُ، فهو على هبتِهِ، يَرْجِعُ فيها إن لم يُرْضَ منها (١).
وكما حدثنا إبراهيمُ بن مَرْزوق، قال: حدثنا مكيُّ بن إبراهيم،
قال: حدثنا حَنْظَلَة، عن سالم ، قال: سمعت ابنَ عمر يقول:
= ورواه الطيالسي (٢٦٤٩)، وأحمد في ((المسند)) (٢٥٢٩) بتحقيقنا، ومسلم
(١٦٢٢) (٧)، وأبو داود (٣٥٣٨)، وابن ماجه (٢٣٨٥)، والنسائي ٢٦٦/٦، وأبو
القاسم البغوي في ((الجعديات)) (٩٧٧)، وابن حبان (٥١٢١)، وأبو محمد البغوي
في ((شرح السنة)) (٢٢٠٠) من طرق، عن شعبة، به.
ورواه أحمد (٣٢٢١) عن وكيع وأبي عامر العقدي، وابن أبي شيبة ٤٧٨/٦ عن
وكيع، كلاهما عن هشام الدَّستُوائي، به. وانظر تمام تخريجه في ((المسند)).
(١) صحيح، مروان بن الحكم روى له البخاري جملة أحاديث، وقد توبع،
وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي غطفان بن طريف، فمن رجال مسلم.
وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٨١/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه البيهقي ١٨٢/٦ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن
وهب، بهذا الإِسناد.
٣٢

سمعت عمر بن الخطاب يقول: مَنْ وَهَبَ هبةً، فهو أحقُّ بها حتى
يُثابَ منها بما يرضاهُ(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ ذكرُ عمر أن الواهب أحقُّ بهبته
حتى يُثابَ منها بما يَرْضى، وفي الحديث الأوَّل ذكرُ ذلك الواهب أيُّ
الواهِبين هو، وأنه الذي يرى أنه إنما يريدُ بها الثَّوابَ لا مَنْ سواه من
الواهِبین .
وقد حدثنا صالحُ بن عبد الرحمن، قال: حدثنا حجاجُ بن إبراهيم
الأزرق، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن الأسود
عن عمر، قال: مَنْ وَهَبَ هبةً لذي رَحِمٍ، جازَتْ، ومَنْ وَهَبَ
هبةً لغير ذي رَحِمٍ، فهو أحقُّ بها ما لم يُثَبْ منها (٢).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. حنظلة: هو ابن أبي سفيان الجمحي،
وسالم: هو ابن عبد الله بن عمر. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٨١/٤.
ورواه البيهقي ١٨١/٦ من طريق ابن وهب، عن حنظلة بن أبي سفيان، بهذا
الإِسناد.
ورواه الدارقطني ٤٣/٣، والحاكم ٥٢/٢، والبيهقي ١٨٠/٦-١٨١ من طريق
عبيد الله بن موسى، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي
وَالر. قال الدارقطني: لا يثبت هذا مرفوعاً، والصواب: عن ابن عمر، عن عمر،
موقوفاً.
ورواه البيهقي ١٨١/٦ من طريق سفيان، عن عمروبن دينار، عن سالم، عن
أبيه، عن عمر.
(٢) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حجاج بن إبراهيم =
٣٣

قال أبو جعفر: ولا نعلَمُه روي عن عمر في هذا غير ما رويناه
عنه فيه، وقد روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام في ذلك
ما قد حدثنا سليمانُ بن شُعَيب الكَيْساني، قال: حدثنا عبد
الرحمن بن زياد، قال: حدثنا شعبةُ، عن جابرِ الجُعْفي، قال: سمعت
القاسمَ بن عبد الرحمن يُحدِّثُ، عن عبد الرحمن بن أَبْزَى
عن علي عليه السلام، قال: الواهبُ أُحقُّ بهبتِه ما لم يُثَبْ
منها (١).
وما قد حدثنا بكارُ بن قتيبة، قال: حدثنا أبو داود الطَّيالسي، قال:
حدثنا شعبةُ، عن جابرٍ، عن القاسم، عن عبد الرحمن بن أُبْزَى، عن
عليٍّ مثله.
= الأزرق، فمن رجال أبي داود والنسائي. إبراهيم: هو ابن يزيد بن قيس النخعي،
والأسود: هو ابن يزيد بن قيس النخعي خال إبراهيم. وهو في ((شرح معاني الآثار))
٨١/٤-٨٢ بإسناده ومتنه.
ورواه ابن أبي شيبة ٤٧٢/٦ عن أبي معاوية، عن الأعمش، بهذا الإسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٦٥٢٨) من طريق الحكم، عن إبراهيم، أن عمربن
الخطاب قال ...
ورواه أيضاً (١٦٥٢٥) عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قولَه.
(١) رجاله ثقات غير جابر الجعفي، فهو ضعيف. عبد الرحمن بن زياد: هو
الرَّصاصي، والقاسم بن عبد الرحمن: هو ابن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي .
وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٨٢/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه عبد الرزاق (١٦٥٢٦)، وابن أبي شيبة ٤٧٤/٦ من طريق سفيان
الثوري، عن جابر الجعفي، بهذا الإِسناد.
٣٤
و

قال أبو جعفرٍ: وتصحيحُ هذا الحديث، وحديثُ عمر رضي الله
عنه الذي رويناه قبلَه، أن يكون الواهبُ الذي أراده عليّ من وجوب
الرجوع في الهبة له، هو الواهبَ الذي أرادَه عمرُ في وجوب الرجوع
في الهبة له، ولا نعلَمُه رُوِيَ عن عليٍّ في هذا الباب غيرُ ما قد رويناه
عنه فیه .
وقد روي عن أبي الدرداء في ذلك.
ما قد حدثنا فهدٌّ، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني
معاويةُ بن صالح، عن راشد بن سَعْد
عن أبي الدَّرداءِ، قال: المواهبُ ثلاثةٌ: رجلٌ وَهَبَ من غير أن
يُستَوْهَبَ، فهي كسَبيلِ الصدقةِ، فليس له أن يَرْجِعَ في صدَقتِهِ، ورجلٌ
استُوهِبَ فَوَهَبَ، فله الثواب، فإن قَبِلَ على موهبتِه ثواباً، فليس له إلا
ذلك، وله أن يَرجِعَ في هبتِه ما لم يُثَبْ، ورجلٌ وَهَبَ، واشتَرَطَ
الثَّوابَ، فهو دَيْنٌ على صاحبها في حياته وبعد موتِهِ(١).
ولا نعلَمُه رُوِي عن أبي الدَّرداءِ في الهبة غير ما رَوَيناه عنه فيه.
وقد روي في ذلك عن فَضالة بن عُبَيَد.
ما قد حدثنا فهدّ، قال: حدثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدثني
معاويةُ بن صالح، عن ربيعةً بن يزيد، عن عبد الله بن عامر، أنه قال:
(١) راشد بن سعد - وهو المَقْرَئي الحمصي - ثقة، إلا أن في روايته عن أبي
الدرداء نظراً فيما قاله الحافظ ابن حجر في ((التهذيب))، وهو كثير الإِرسال،
وعبدالله بن صالح سبىء الحفظ.
وهو في ((شرح معاني الآثار)» ٨٢/٤-٨٣ بإسناده ومتنه.
٣٥

كنت عند فَضالَةَ بن عُبَيْد إِذ جاءَه رجلانٍ يَخْتَصِمانِ فِي بازٍ، فقال
أحدُهما: وَهَبْتُ له بازياً، وأَنا أَرجو أن يُثَِني منه، وقال الآخرُ: نعم،
قد وَهَبَ لي بازياً، وما سألتُه، وما تَعرَّضْتُ له، فقال فضالةُ: اردُدْ
إليه هبتَه، فإِنَّما يَرْجِعُ في الهباتِ النساءُ وشِرارُ الأقوام(١).
ولا نعلمه رُوي عن فَضالة في هذا الباب غيرُ ما رويناه عنه فيه،
وفيما روينا فيه عن أصحاب رسول الله وَلجر ما قد دلَّ على الواهب
الذي أرادَه رسولُ اللهِ وَّهِ فِي ذُلك مَنْ هو، وفي حُكْمِ رُجُوعِه في
هِبْتِه ما هو، والله نسألُه التوفيقَ.
الله تعالى
لله
C
(١) حسن. عبدالله بن عامر: هو ابن يزيد بن تميم اليَخْصَبي الدمشقي.
وعبدالله بن صالح قد توبع. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٨٢/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه المؤلف فيه أيضاً ٤ /٨٢ عن أبي زرعة الدمشقي، عن عبد الله بن صالح،
بهذا الإِسناد.
:
ورواه ابن أبي شيبة ٤٧٣/٦ عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن
صالح، به.
٣٦

٧٩٨ - بابُ بيانِ مُشكِل ما رُوي عن عمر بن الخطاب
وسَهْل بن حُنَيف رضي الله عنهما، في أمرهما
بأنّهامِ الرَّأَي بما يُروى عن رسول الله
** في ذلك
حدثنا صالح بن حَكِيمِ البَصْري، قال: حدثنا يونسُ بن عُبيد الله
- يعني العُميري - قال: حدثنا مبارك بن فَضالةً، عن عبيد الله بن عمر،
عن نافع، عن ابن عمر
عن عمر، قال: اتَّهُمُوا الرأيَ على الدِّين(١).
٥٠٣٦ - وحدثنا أبو أمية، قال: حدثنا محمد بن سابقٍ، قال:
(١) إسناده حسن، وقد صرح مبارك بن فضالة بالتحديث عند أبي يعلى.
ورواه البزار (١٤٨)، وأبو يعلى كما في ((مسند الفاروق)) لابن كثير ٤٩٧/٢،
واللالكائي في ((أصول اعتقاد أهل السنة)) (٢٠٨) من طريق أبي موسى محمد بن
المثنى، والطبراني (٨٢) عن علي بن عبدالعزيز، كلاهما عن يونس بن عبيدالله
العميري، بهذا الإِسناد. قال الحافظ ابن كثير: هذا الحديث حسن، وإسناده جيد.
ورواه بنحوه البيهقي في ((المدخل)) (٢١٠)، وابن عبد البر في ((جامع بيان
العلم)) ١٣٤/٢ من طريق محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن عمر، أن عمربن
الخطاب، قال: اتقوا الرأيَ في دينكم، وهذا منقطع، عبيد الله بن عمر لم يدرك
عمر.
٣٧

حدثنا مالك بن مِغْوَل، قال: سمعت أبا حَصِين، قال: قال أبو وائلٍ :
لما قَدِمَ سَهْل بن حُنَيف رضي الله عنه من صِفِّين، أَتيناه نستخبرُه،
فقال: أنَّهموا الرأيَ، فلقد رأَيْتُني يومَ أَبي جَنْدلٍ، ولو أَستطيعُ أن أردّ
على رسول الله وَ﴿ أَمْرَهِ، لَرَدَدْتُ (١).
٥٠٣٧ - حدثنا إسحاقُ بن إبراهيم بن يونس، قال: حدثنا
(١) إسناده قوي، رجاله رجال الشيخين. أبو حصين: هو عثمان بن عاصم بن
خُصين، وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة.
ورواه البخاري (٤١٨٩) عن الحسن بن إسحاق، عن محمد بن سابق، بهذا
الإِسناد.
ورواه مسلم (١٧٨٥) (٩٦) من طريق حماد بن أسامة أبي أسامة، والطبراني
(٥٦٠٢) من طريق عمروبن مرزوق، كلاهما عن مالك بن مغول، به.
ورواه الطبراني (٥٦٠٣) من طريق أبي سعد البقال، عن أبي حصين، به.
ورواه بنحوه الطبراني (٥٦٠٥) من طريق عمروبن مرة، عن شقيق بن سلمة،
به .
قوله: ((يوم أبي جندل))، يعني به يوم صلح الحديبية، وأبو جَنْدل: قال الذهبي
في ((السير)) ١٩١/١-١٩٢: أبو جندل بن سُهيل بن عمرو العامري القرشي، واسمه
العاص، كان من خيار الصحابة، وقد أسلم وحبسه أبوه وقيَّده، فلما كان يوم صلح
الحديبية، هرب يَحجِلُ في قيوده، وأبوه حاضر بين يدي النبي ◌َّا و لكتاب الصلح،
فقال: هذا أول مَن أَقاضيك عليه يا محمد. فقال: ((هَبْه لي))، فأَبى، فردَّه وهو
يصيحُ ويقول: يا مسلمون، أُرَدُّ إلى الكفر؟! ثم إنه هَرَب، وله قصة مشهورة مذكورة
في الصحيح (انظر ((صحيح البخاري)) ٢٧٣١)، وفي (المغازي))، ثم خلصَ وهاجر
وجاهد، ثم انتقل إلى جهاد الشام، فتوفِّي شهيداً في طاعون عَمَواس بالأردنِّ سنة
ثماني عشرة.
٣٨

هارونُ بن عبد الله - يعني الحَمَّال-، قال: حدثنا أبو عامرِ العَقَدي،
قال: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، قال:
سمعتُ سهلَ بن حُنَيف يومَ الجملِ ويومَ صفين، يقول: اتَّهُمُوا
رَأَيْكُم، فلقد رَأَيْتُني يومَ أَبِي جَنْدَل، ولو استطعتُ أَن أَرُدِّ أَمَرَ رسول
الله وَلِّ، لَرَدَدْتُه (١).
٥٠٣٨ - حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا هارونُ، قال: حدثنا يَعْلى بن
عُبيد، قال: حدثنا عبدُ العزيز - يعني ابن سِيَاهٍ-، عن حَبيب بن أبي
ثابتٍ، قال: أتيتُ أبا وائلٍ فسمعتُه يقول:
قال سَهْل بن حُنَيْف: أيُّها الناسُ، اتَّهُمُوا أَنْفُسَكم، لقد رأيتُنا يومَ
الحُدَيبِيَةِ - يعني الصُّلح الذي كان بيننا وبين المشركين - ولو نَرى قِتالاً،
لقَاتَلْنا (٢).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
هارون بن عبد الله الحمَّال، فمن رجال مسلم.
ورواه أحمد ٤٨٥/٣، والبخاري (٣١٨١) و(٧٣٠٨)، ومسلم (١٧٨٥) (٩٥)،
والطبراني (٥٥٩٨) و(٥٥٩٩) و(٥٦٠٠) و(٥٦٠١)، واللالكائي (٢٠٧) من طرق،
عن الأعمش، بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم، هارون بن عبد الله من رجال مسلم، ومن
فوقه ثقات من رجال الشيخين.
ورواه ضمن حديث مطوّل أحمد ٤٨٥/٣-٤٨٦، والبخاري (٤٨٤٤)، والنسائي
في ((الكبرى)) (١١٥٠٤)، والبيهقي في ((السنن)) ٢٢٢/٩، وفي ((الدلائل))
١٤٧/٤-١٤٨ من طريق يعلى بن عبيد، بهذا الإسناد.
ورواه ابن أبي شيبة ٤٣٨/١٤ و٣١٧/١٥-٣١٨، ومن طريقه مسلم (١٧٨٥) =
٣٩

فكان ما في حديثَيْ عمرَ وسهلٍ هذين، على أن الرأي قد يُصابُ
به حقيقةُ الصواب، وقد يقصر فيه عن ذلك، وإن كان استعمالُ الرأي
في الحوادث التي لا توجَدُ الأحكام فيها في الكتاب، ولا في السنة،
ولا في إجماع الأمة منصوصاً، وإن كان قد أبيحَ اجتهادُ الرأي في
ذلك، وأُطلِقَ لنا الحكمُ به، قد يكون فيه إصابةُ الصواب في تلك
الحوادث، وقد يكون التقصيرُ عن ذلك، وإن کنا محمودِینَ في اجتهادنا
في ذُلك، إذ لا نستطيعُ غيرَ ما قد فَعَلْناه فيه، وفي ذلك ما قد رَوَيناه
عن رسول الله وَلّ فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا في الحكامِ ذوي
الخلاف، إذا حَكَموا فأصابوا، فإن لهم أَجْرين، وإذا حَكَموا فأخطؤوا
فإنَّ لهم أجراً واحداً(١)، إذ كانوا قد اجتهدوا بالآلاتِ التي يُجْتَهَدُ بمثلها،
فأصابوا حقيقةً الواجب فيما اجتهدوا فيه، أو قَصروا عنه، وهذا قولُ
أهل السَّلامة ممن يَنْتَحِلُ الفقه، فأما مَنْ سواهم ممن قد دَخَلَ في
الغُلُوُّ في ذلك حتى قال: إنه إذا حَكَم بالاجتهادِ، ومعه الآلةُ التي
لُأهلِها اجتهادٌ، أنه قد حَكَم بالحقِّ الذي لو نَزَلَ القُرآنُ، ما نَزَلَ إلا
به، ونعوذُ بالله من هذا القولِ ومن أهلِه، وإن كان بحمد الله قولاً
مُنكَسِراً، وأَهلُه محجوجونَ بما لا يستطيعون دَفْعَهُ، ولا الخروجَ منه،
فمِمِّن كان غَلا في ذلك إبراهيمُ بن إسماعيل ابن عُلَية.
فحدثني أبو جعفرٍ محمدُ بن العباس، قال: لما بَلَغَني هذا القولُ
(٩٤)، والطبراني (٥٦٠٤)، والبيهقي في ((السنن)) ٢٢٢/٩، وفي ((الدلائل))
١٤٨/٤ عن عبد الله بن نمير، والبخاري (٣١٨٢) من طريق يزيد بن عبد العزيز،
كلاهما عن عبد العزيزبن سياه، به.
(١) انظر ما سلف برقم (٧٥٣).
٤٠