النص المفهرس

صفحات 501-520

شيئاً مما يَرْجِعُ به معناه إلى معنى حديثٍ أبي إسحاق، عن أبي بردة
٤٩٧٦ - فوجدنا فهداً قد حدثنا، قال: حدثنا عليُّ بنُ معبد بن
شَدَّاد، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ الله - يعني ابنَ عمرو-، عن زيدٍ - يعني ابنَ
أبي أنيسة -، عن سعيد بن أبي بُردة، قال: حدَّثنا أبو بردة
عن أبي موسى الأشعري، قال: بعثني رسولُ اللهِ وَِّ، ومعاذَ بنَ
جبل إلى اليمن، فقلتُ: يا رسولَ الله، أَقْتِنَا فِي شَرَابَيْن كنا نصنعُهما
باليمن: البِتْعَ مِن العَسَل يُنبذ حتى يَشتَدَّ، والمَزْرَ مِنَ الشعير والذُّرة
يُنْبَذُ حتى يشتَدَّ . - قال: وكان نبيُّ الله ◌ََّ قد أُعطِيَ جوامِعَ الكَلِمِ
بخواتِمِهِ -، فقال: ((حَرَامٌ كُلُّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عن الصلاة))(١).
فكان في هذا الحديث زيادةٌ يرجعُ بها معناه إلى معنى حديثٍ
أبي إسحاق، وبيان ما رواه شعبة عن سعيدٍ في المسكر أنه الذي يُسْكِرُ
عن الصلاة، وفي ذلك ما قد دَلَّ أن المسكرَ المُحَرَّمَ في هذا الحديثِ
هو الذي يُسكر منه عن الصلاة، لا الذي لا يُسكر منه عنها، وعقلنا
(١) إسناده صحيح. علي بن معبد بن شداد روى له الترمذي والنسائي، وهو
ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين.
ورواه مسلم (١٧٣٣) (٧١) ص١٥٨٦ من طريق زكريا بن عدي، والبيهقي
٢٩١/٨ من طريق عمروبن قسيط، كلاهما عن عبيد الله بن عمرو، بهذا الإسناد.
وزاد مسلم في أول روايته قوله وَطير: «ادعوا الناس وبشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا
تعسروا)).
ورواه ابن حبان (٥٣٧٦) مطولاً من طريق أبي عبد الرحيم خالد بن يزيد
الحراني، عن زيد بن أبي أنيسة، به. وانظر (٤٩٧٢).
٥٠١

بذلك أن ما لا يُسكر منه عنها بخلافٍ ما يُسكر منه عنها في التحریم،
فعاد معنى حديث سعيد بن أبي بُردة، عن أبيه إلى معنى حديثٍ أبي
إسحاق، عن أبي بُردة، عن أبيه الذي ذكرنا مما لا يمنع من شرابه
قليل ما يسكر كثيره.
ثم نظرنا: هَلْ رَوَى هذا الحديثَ عن أبي بُردة غيرُ أبي إسحاق
وغيرُ ابنه سعيد بن أبي بردة، أم لا؟
٤٩٧٧ - فوجدنا أبا أُمية قد حَدَّثنا، قال: حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عمر
القواريريُّ، قال: حدثني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدثنا قُرَّةُ بنُ خالد،
قال: حدَّثنا سَيَّارٌ أبو الحَكم، عن أبي بُردة
عن أبي موسى، قال: قلتُ: يا رسولَ الله: إنَّ أَهلَ اليمن يَتَّخِذُونَ
شراباً مِنَ العَسَلِ والمَزْرِ من الذَّرة والشَّعِيرِ، فقال: ((أنهاكُم عن كُلِّ
مُسکِرِ))(١).
٤٩٧٨ - ووجدنا مُبَشِّرَ بنَ الحسن بن مُبِشِّرِ البصريَّ قد حدَّثنا،
قال: حدثنا أبو داود الطيالسيُّ، قال: حدثنا الحَرِيشُ بنُ سُلَيم الكوفي،
عن طلحة الإِيامي، عن أبي بُردة
عن أبي موسى، قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((كُلُّ مُسْكِرِ حَرَامٌ))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه أحمد ٤٠٧/٤، وفي ((الأشربة)) (٢٣٨)، ورواه ابن الجارود (٨٥٦)،
والبيهقي ٢٩١/٨ من طريق عبد الله بن هاشم بن حيان الطوسي، كلاهما (أحمد
وعبد الله) عن يحيى بن سعيد، بهذا الإِسناد.
(٢) حسن. مبشر بن الحسن بن مبشر: قال ابن يونس: يكنى أبا بشر، =
٥٠٢

فكان ما في هذين الحديثين نهيَه بََّ عن كُلِّ مُسكِرٍ، وكان
تصحيحُهما وتصحيحُ حديث زيد بن أبي أنيسة، عن سعيد بن أبي
بُردة، عن أبي بُردة، عن أبيه: ((كُلُّ مُسكِرٍ أُسْكَرَ عن الصَّلاةِ»، لا على
ما لا يُسكر منه عنها حتى تصِحَّ هذه الآثارُ كُلُّهَا، ولا يُضاد بعضها
بعضاً.
ثم نظرنا أيضاً هل روى هذا الحديث عن أبي موسى غيرُ ابنه أبي
بردة، أم لا؟
٤٩٧٩ - فوجدنا أبا أمية قد حَدَّثنا، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي
العباس، قال: حدثنا ابنُ المبارك، قال: حدثنا الأجلحُ بنُ عبد الله،
قال: حدثنا أبو بكر بنُ أبي موسى الأشعريُّ
عن أبيه، قال: بعثني رسولُ اللهِ وَّ إلى اليمن، فقلتُ له: يا
رسولَ الله إنَّ بها أشربةً، فما أشربُ منها، وما أُدَعُ؟ قال: ((وما هِيَ؟))
= بصري، قدم مصر، وحدث بها، وكان ثقة، وبها كانت وفاته في صفر سنة تسع
وخمسين ومئتين، قاله الخطيب في ((تاريخه)) ٢٦٨/١٣، وذكره ابن حبان في
((الثقات)) ١٩٣/٩، وقال: يروي عن أبي عاصم، والبصريين، مستقيم الحديث.
والحريش بن سليم روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو
داود الطيالسي : كوفي ثقة، وقال ابن معين: ليس بشيء، وباقي رجاله ثقات رجال
الشيخين غير أبي داود الطيالسي، فمن رجال مسلم.
وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)» ٢١٧/٤ بإسناده ومتنه.
وهو في ((مسند الطيالسي)) (٤٩٨) ومن طريقه رواه أحمد في ((الأشربة)) (١١)،
والنسائي ٢٩٨/٨-٢٩٩ و٢٩٩.
٥٠٣

قلتُ: البِتْعُ والمَزْرُ، قال: ((وما البِتْعُ؟)) قلتُ: البِتْعُ مِن العَسَلِ، والمَزْرُ
من الذُّرَةِ يشتدُّ حتى يُسكِرَ، فقال لي رسولُ اللهِ وَّ: ((لا تَشْرَبْ
مُسكِرَاً، فإِنِّي حَرَّمْتُ كُلَّ مُسْكٍِ)(١).
٤٩٨٠ - ووجدنا فهداً قد حَدَّثنا، قال: حَدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ،
قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(٢).
فكان تصحيحُ هذا الحديث مع ما قبلَه مِن الأحاديثِ التي رويناها
في هذا الباب: أن المُسْكِرَ المرادَ فيه هو المسكرُ الذي يُسكِرُ عن
الصَّلاةِ، وكان مثله بتصحيحها حديثُ عائشة الذي رويناه في هذا
الباب. وفي ذلك ما يُبيح شربَ ما لا يُسكر من هذه الأشربة ويمنعُ
مِنْ شُرْب ما يُسكِرُ منها، والله عز وجل نسأله التوفيق.
الله تعالى
(١) حسن في الشواهد. الأجلح بن عبد الله ضعيف لسوء حفظه، وباقي رجاله
ثقات رجال الشيخين غير إبراهيم بن أبي العباس، فقد روى له النسائي، وهو ثقة .
ورواه النسائي ٢٩٩/٨-٣٠٠ عن سويد، عن عبد الله بن المبارك، بهذا
الإِسناد.
ورواه أحمد ٤٠٢/٤ عن مصعب بن سلام، عن الأجلح بن عبد الله، به.
(٢) حسن. وهو مكرر ما قبله.
٥٠٤

٧٨٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن ابن عباس من قوله
في ما حَرُمَ من كلِّ شرابٍ، هل هو
السُّكر أو المُسكِرُ؟
حدثنا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: حدثنا أبو نُعيم الفَضْلُ بنُ دُكين،
قال: حدثنا مِسْعَرُ بنُ كِدام، عن أبي عونٍ الثقفيِّ، عن عبدِ الله بن
شدَّاد بن الهاد
عن ابنِ عباس، قال: حَرُمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِها، والسُّكْرُ مِنْ كُلِّ
شراب(١).
م
حدثنا فهد، قال: حدثنا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حدثنا جريرُ بنُ عبد
الحميد، عن مِسْعَرِ، عن أبي عَوْنٍ، عن عبدِ الله بن شدَّاد، قال:
قالَ ابنُ عباس: حَرُمَتِ الخَمْرُ بعينِهَا، القليلُ مِنها والكَثِيرُ، والسُّكرُ
مِنْ كُلِّ شَراب(٢).
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين.
أبو عون الثقفي: هو محمد بن عُبيد الله بن سعيد الثقفي الكوفي.
ورواه البيهقي ٢٩٧/٨ من طريق جعفر بن عون، عن مسعر، بهذا الإِسناد.
ورواه النسائي ٣٢١/٨ من طريق عباس بن ذريح، عن أبي عون، به.
(٢) إسناده صحيح. علي بن معبد: روى له الترمذي والنسائي، وهو ثقة، ومن =
٥٠٥

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله بن محمد الكِندي، قال: حدثنا عليُّ بنُ
معبد، قال: حدثنا وكيعٌ، قال: حدثنا مِسعَرٌ، ثم ذكر بإسناده مثلَه(١).
وحدثنا جعفرُ بنُ أحمد بن الوليد الأسلمي، قال: حدثنا بشرُ بنُ
الوليد الكندي، قال: أخبرنا أبو يوسف، عن أبي حنيفة، عن أبي
عونٍ، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، مثلَه(٢).
وحدثنا أحمدُ بنُ عبد الله، قال: حدثنا عليُّ بنُ معبد، قال: حدثنا
محمدُ بنُ الحسن، قال: أخبرنا أبو حنيفةً، ثم ذكر بإسنادِه مثلَه(٣).
وحدثنا ابنُ أبي مريم، قال: حدثنا الفِريابِيُّ، قال: حدثنا سُفْيانُ،
عن أبي عونٍ، عن عبدِ الله بن شداد، عن ابنِ عباس، ثم ذَكَرَ مثلَه(٤).
حدثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا أبو بكر بنُ علي، قال:
الله تعالى
= فوقه ثقات من رجال الشيخين.
مسعر: هو ابن كدام الكوفي .
وهو مکرر ما قبله.
(١) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح. بشر بن الوليد، وأبو يوسف - وهو يعقوب القاضي -، وأبو
حنيفة: هو النعمان بن ثابت الإِمام، ثلاثتهم ثقة.
وهو مکرر ما قبله.
(٣) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله.
(٤) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
الفريابي : هو محمد بن يوسف.
ورواه البيهقي ٢٩٧/٨ من طريق يعلى بن عبيد، عن سفيان، بهذا الإسناد.
وهو مكرر ما قبله.
٥٠٦

حدَّثنا سُريج بنُ يونس، قال: حدثنا هُشيم، عن ابن شُبْرُمَةَ، قال:
حدثني الثقةُ، عن عبدِ الله بنِ شداد، عن ابنِ عباس، ثم ذكر مثلَه(١).
قال أبو جعفر: ولا اختلافَ بَيْنَ أهل الرواية: أن الثقةَ الذي أراده
ابنُ شبرمة هذا في الحديث هو أبو عون الثقفيُّ، فقد عاد هذا الحديث
مِن رواية أبي عون التي رواها عنه مِسْعَرُ بنُ كدام وأبو حنيفة، وابنُ
شُبْرُمَة، والثوريُّ، إلى ذكر المسكر من كُلِّ شراب، وقد رواه شعبةُ،
عن مسعر، بهذا الإِسناد، فقال فيه: والمُسكِرُ مِن كُلِّ شَرَابٍ.
٤٩٨١ - كما قد حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ
عبدِ الله بن الحكم، قال: حدثنا محمدٌ - يعني ابن جعفر -.
وحدثنا الحسينُ بنُ منصور، قال: حدثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال:
حَدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدثنا شُعْبَةُ، عن مِسعر، عن أبي عونٍ،
عن عبدِ الله بن شداد
(١) صحيح. أبو بكر بن علي: هو الحافظ أحمد بن علي بن سعيد بن إبراهيم
المروزي، أبو بكر القاضي، المتوفى سنة (٢٩٢) هـ وله نحو تسعين سنة .. وهو
صاحب ((مسند أبي بكر الصديق)) الذي حققته وقدمت له وخرّجت أحاديثه سنة
(١٩٧٠)م، ونشره المكتب الإسلامي، وابن شبرمة: هو عبد الله بن شُبرمة الضبي
الكوفي القاضي الفقيه، ثقة من رجال مسلم، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين،
والثقة المبهم في هذا السند هو أبو عون الثقفي كما سينبه عليه المؤلف بإثره.
ورواه النسائي ٣٢١/٨ عن أبي بكر بن علي، بهذا الإِسناد.
ورواه النسائي ٣٢٠/٨-٣٢١ من طريق عبد الوارث، عن ابن شبرمة، عن عبد
الله بن شداد، عن ابن عباس. وقال النسائي: ابن شبرمة لم يسمعه من عبد الله بن
شداد .
٥٠٧

عن ابن عباس، قال: حَرُمَتِ الخَمْرُ بعينِها، قَلِيلُها وَكَثيرُها،
والمُسكِرُ مِن كُلِّ شَرابٍ(١)، قال أحمدُ بنُ شعيب: ولم يذكر أحمدُ بنُ
عبد الله بن الحكم: قليلُها وكثيرُها .
قال: وكان ما روى وكيعٌ، وأبو نعيم، وجريرٌ، عن مسعر من هذا
الحديث أولى مما رواه شعبة عن مِسعَر مما يُخالِفه، لأنَّ ثلاثةً أحفظُ
من واحد، ولأن مَنْ سِوى مِسعر قد رواه عن أبي عونٍ كما رواه هؤلاء
الثلاثة عن مسعرٍ، عن أبي عون، ولأن شعبة مع جلالته إنما كان
يُحَدِّثُ مِنْ حفظه، ولم يكن فقيهاً، وكان يُحدِّثُ بالشيء على ما يظنُّ
أنه معناه، وليس في الحقيقة معناه، فَيُحَوِّلُ معناه عن ما عليه حقيقةٌ
الحديثِ إلى ضدِّه.
مِن ذلك ما حَدَّث بهِ عن بُدَيْل بن مَيْسَرَةَ مِن حَديثِ المِقْدام بن
معدي كرب في توريثِ الخالِ ، فقال فيه: ((والخالُ وارِثُ من لا وَارِثَ
له: يَرِثُ مالَهُ، ويَعْقِلُ عنه))، وإنما هو: ((يرثُ مالَه، ويَفُُّ عانَه))،
وكذلك رواه حمَّادُ بنُ زيد، عن بديل بن ميسرة، وكذلك رواه معاويةُ بنُ
صالح، عن راشد بن سعد الذي حدَّث به عنه بديلُ بنُ ميسرة، وقد
ذكرنا ذلك فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
أحمد بن عبد الله بن الحكم، متابع أحمد بن حنبل، فمن رجال مسلم.
وهو في «سنن النسائي)) ٣٢١/٨.
ورواه البيهقي ٢٩٧/٨ من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، و٢٩٨/٨ من
طريق عبد الله بن محمد البغوي، كلاهما عن أحمد بن حنبل، بهذا الإِسناد.
(٢) في الجزء السابع برقم (٢٧٥٠).
٥٠٨

ومن ذلك ما حدَّث به عن إسماعيل ابنِ عُلية
٤٩٨٢ - كما حدثنا ابنُ أبي عِمْرانَ، وابن أبي داود جميعاً، قالا:
حدَّثنا عليُّ بنُ الجعد، قال: حدَّثني شُعبة، قال: حدثني إسماعيلُ بنُ
إبراهيمَ، عن عبد العزيزبن صُهيب
عن أنس بن مالك: أن رسول الله وَّ نهى عن التزعفر(١).
قال ابنُ أبي عمران في حديثه: قال علي: ثم لقيتُ إسماعيلَ
فسألتُه عنه، وحدَّثْتُه أن شعبةً حدثنا به عنه، فقال: لَيْسَ هکذا حدثته،
وإنما حدثتُه: أن النبي ◌َّهُ نهى أن يتزعفرَ الرَّجُلُ.
قال ابنُ أبي عمران:° وهما مختلفان، أما قوله: أن يتزعفرَ الرجلُ،
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، علي بن الجعد من رجاله، ومن فوقه
من رجال الشيخين.
وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٢٨/٢ بإسناده ومتنه.
ورواه النسائي ١٤١/٥-١٤٢ من طريق بقية، عن شعبة، بهذا الإسناد.
ورواه مسلم (٢١٠١) (٧٧)، وأبو داود (٤١٧٩)، والنسائي ١٤١/٥ و١٨٩/٨،
وابن خزيمة (٢٦٧٤)، والمصنف ١٢٧/٢ من طرق، عن إسماعيل ابن علية، به.
وفي بعضها تقييد النهي عن التزعفر بالرجال.
ورواه أحمد ١٨٧/٣، والبخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١) (٧٧)، وأبو داود
(٤١٧٩)، والترمذي (٢٨١٥)، والنسائي ١٤٢/٥ و١٨٩/٨، وابن خزيمة (٢٦٧٣)
و(٢٦٧٤)، والمصنف ١٢٧/٢ من طرق، عن عبد العزيزبن صهيب، به. وقال
الترمذي: حديث حسن صحيح. وخصَّ بعضها النهي عن التزعفر بالرجال.
٥٠٩

فإنما دَخَلَ في نهيه الرجالُ دونَ النساء، وأما قوله: نهى عن التزعفر.
فأدخل فيه الرجالَ والنساءَ.
قال أبو جعفر: وقد رواه سائرُ أصحاب عبد العزيز، عن عبد العزيز
بالنهي أن يتزعفر الرجل.
ثم تأمَّلنا حديثَ ابن عباس هذا، فلم يخلُ من أحد وجهين: أن
يكونَ على ما رواه عليه شعبةُ عن مسعرٍ، فيكون محتملاً لما قد ذكرنا
في مثله في الباب الأول، أو يكون على ما روى الآخرون عليه، فيكون
أيضاً على ما قد ذكرناه في الباب الأول، والله عز وجل نسأله التوفيقَ.
الله تعالى
٥١٠

٧٨٨ - بابُ بيانِ مُشكل ما رُوي عن رسول الله واله
من قوله: ((إنَّ بني هشام بن المغيرة استأذنوني
في أن يُنكِحُوا ابنتَهم عليّ بن أبي
طالب))، وما كان منه في ذلك
٤٩٨٣ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال: حدثنا عبدُ
الله بنُ وهب.
٤٩٨٤ - وحدثنا الربيعُ أيضاً، قال: حدثنا شعيبُ بنُ الليثِ.
٤٩٨٥ - وحدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا أحمدُ بنُ عبد الله بن
يونس، ثم اجتمعوا جميعاً، فقالوا: حدثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن عبد
الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة
عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمة، قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَّةَ، وهو يقولُ:
((إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن يُنكِحُوا ابنتَهم عليّ بن أبي
طالب، ولا آذَنُ، ثم لا آذَنُ، ثم لا آذَنُ، إلا أن يُرِيدَ ابنُ أبي طالب
أن يُطَلِّقَ ابنتي ويَنْكِحَ ابنتهم، فإنما هي بضعةٌ مني يُرِيبُني ما أرابَها،
ويُؤذيني ما آذاها))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه مسلم (٢٤٤٩) (٩٣)، وأبو داود (٢٠٧١) عن أحمد بن عبد الله بن =
٥١١

قال أبو جعفر: فاحتمل أن يكونَ ذلك كان لخطبة مِن عليٍّ كان
أتاها إليهم، واحتمل أن يكونَ ذُلك ليخطبوا علياً إلى نفسه لها، وإن
لم يكن عليٍّ قَبْلَ ذلك خَطَبَها إليهم.
فنظرنا في ذلك هل رُوِيَ في ذلك غيرُ هذا الحديث مما يكشفُ
= يونس، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد في ((المسند)) ٣٢٨/٤، وفي ((الفضائل)) (١٣٢٨)، والبخاري
(٥٢٣٠) و(٥٢٧٨)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٣)، وأبو داود (٢٠٧١)، وابن ماجه
(١٩٩٨)، والترمذي (٣٨٦٧)، والنسائي في ((الفضائل)) (٢٦٥)، وابن حبان
(٦٩٥٥)، والطبراني ٢٢/(١٠١٠)، والبيهقي ٣٠٧/٧ و ٣٠٨ و٢٨٨/١٠-٢٨٩،
والبغوي (٣٩٥٨) من طرق، عن الليث بن سعد، به. وقال الترمذي: حديث حسن
صحيح. ورواية البخاري في موضعه الثاني والطبراني والنسائي مختصرة بلفظ: ((إنما
فاطمة بضعة مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما أذاها)). ولفظ البخاري في موضعه
الثاني: ((إن بني المغيرة استأذنوا في أن ينكح علي ابنتهم، فلا آذن)).
ورواه مختصراً البخاري (٣٧١٤) و(٣٧٦٧)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٣) و(٩٤)،
والنسائي في ((الفضائل)) (٢٦٦)، والطبراني ٢٢/(١٠١٢)، والبغوي (٣٩٥٧) من
طريق عمرو بن دينار، والطبراني ٢٢/ ١٠١١١) من طريق عبد الله بن لهيعة، كلاهما
عن ابن أبي مليكة، به. بألفاظ متقاربة، ولفظ البخاري: ((أن رسول الله وَ لّ قال:
فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني)).
ورواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٢٢/(١٠١٤) من طريق أم بكر بنت
المسور، عن أبيها، بلفظ: ((إن فاطمة شجنة مني، يغضبني ما أغضبها، ويبسطني
ما يبسطها)).
ورواه بنحوه مختصراً أيضاً أحمد ٥/٤، والترمذي (٣٨٦٩)، والطبراني
٢٢/(١٠١٣) من طريق عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير.
٥١٢

عن حقيقة المعنى كان في ذلك
٤٩٨٦ - فوجدنا ابنَ أبي داود قد حدَّثنا، قال: حدثنا محمدُ بنُ
أبي بكر المقدَّمي، قال: حدثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: حدثنا أبي، قال:
سمعتُ النعمانَ بنَ راشدٍ يحدث عن الزهريِّ، عن علي بن حسين
عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ، أن علياً خَطَبَ بنتَ أبي جهلٍ، فأتت
فاطمةُ النبيّ ◌َّهِ، فَقَالَتْ: إنَّ قومَكَ يتحدَّثُونَ أَنَّكَ لا تَغْضَبُ لِناتِكَ،
وإنَّ عليّاً قد خَطَبَ ابنةَ أبي جهلٍ، فقال النبيُّ نَّهِ: ((إنَّما فاطمةُ بَضْعَةٌ
مِنِّي، وإني أكره أن يَسُوءَها))، وذكر أبا العاص بن الربيع، فَأَحْسَنَ عليه
الثَّاءَ، وقال: ((لا يُجْمَعُ بين ابنة نبي الله وبين ابنةِ عدوِّ الله))(١).
٤٩٨٧ - ووجدنا أحمدَ بن شعيب قد حدَّثنا، قال: حدثنا محمدُ بنُ
خالد بن خَلِيٍّ، قال: حدثنا بشرُبنُ شعيب، عن أبيه، عن الزّهريِّ،
قال: أخبرني عليُّ بنُ حسين
أن المِسْوَرَ بنَ مخرمةً، أخبره: أنَّ عليّ بن أبي طالب عليه السَّلامُ
5
(١) صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير النعمان بن راشد، فقد روى له
مسلم، وهو - وإن كان متكلماً فيه لسوء حفظه - متابع.
ورواه ابن حبان (٧٠٦٠) عن أحمد بن علي بن المثنى، عن محمد بن أبي
بكر المقدمي، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد في ((المسند)) ٣٢٦/٤، وفي ((الفضائل)) (١٣٣٤)، ومسلم
(٢٤٤٩) (٩٦)، والطبراني ٢٠/(٢١) من طريق وهب بن جرير، به.
ورواه أبو يعلى (٧١٨١)، وابن حبان (٦٩٥٧)، والطبراني ٢٠ /(١٨) من طريق
عبيد الله بن أبي زياد، عن ابن شهاب الزهري، به.
٥١٣

خطب ابنةَ أبي جهلٍ، وعنده فاطمةُ ابنةُ رسولِ اللهِِّ، فلما سَمِعَتْ
فاطمةُ، أتت رسولَ الله ◌َ، فقالت له: إنَّ قومَكَ يتحدَّثون: أنك لا
تَغْضَبُ لِبناتِك، وهذا عليَّ ناكِحُ ابنةَ أبي جهل، قال المِسْوَرُ: فقامَ
رسول الله وَ﴾، فسمعتُهُ حِينَ تشهَّد يقول: ((أمَّا بعدُ، فإنِّي أَنكحتُ
أبا العاص، فحدَّثَنِي، فَصَدَقَنِي، وإنَّ فاطمة ابنة محمد بَضْعَةٌ مِنِّي،
وإنما أكره أن يَفْتِنُوها، وايمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لا تجتمعُ ابنةُ رسولِ الله
﴿ ﴿ وابنةُ عدوِّ الله أبداً)) فترك عليٌّ الخطبةً(١).
٤٩٨٨ - ووجدنا أحمدَ قد حدثنا، قال: حدثنا عُبَيْدُ الله بن
سعد بن إبراهيم الزهري، قال: حدثنا عَمِّي، قال: حدَّثني أبي، عن
الوليد بن كثير، عن محمد بن عمروبن حَلْحَلَة الدُّؤلي حدثه، أن ابنَ
شھاب حدثه
أن عليَّ بنَ حُسين حدثه: أَنَّهُمْ حِينَ قدموا من عندٍ يزيد بن معاوية
مقتلَ حسين بن علي عليه السَّلامُ، لَقِيهِ الْمِسْوَرُ بنُ مخرمة، فقال: هَلْ
لَكَ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُني بها؟ قلتُ له: لا، قال: هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ
رسولِ اللهِ وَ﴾؟ فإِنِّي أَخافُ أن يَغْلِبَكَ القَومُ عليه، وايمُ الله لئن
(١) إسناده صحيح. محمد بن خالد بن خلي روى له النسائي، وهو صدوق،
ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير بشربن شعيب، فمن رجال البخاري، وهو
ـقة.
ورواه أحمد في ((المسند)) ٣٢٦/٤، وفي ((الفضائل)) (١٣٢٩)، والبخاري
(٣٧٢٩)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٦)، وابن ماجه (١٩٩٩)، والطبراني ٢٠/(١٩) من
طريق أبي اليمان الحكم بن نافع، والبيهقي ٣٠٨/٧ من طريق أبي حاتم محمد بن
إدريس الحنظلي، كلاهما عن شعيب بن أبي حمزة، بهذا الإِسناد.
٥١٤

أعطيتَنِهِ لا يخلصُ إليه أبداً حتى تَبْلُغَ نفسي. إن عليّ بن أبي طالب
خَطَبَ ابنةَ أبي جهلٍ على فاطمة، فسمعتُ رسولَ الله وَهِ يَخْطُبُ
الناسَ في ذلك، وأنا يومئذٍ كالمُحْتَلِمِ، فقال: ((إنَّ فاطِمَةً مِنِّي، وإنّي
أَتَخَوَّفُ أن تُفْتَتَنَ في دينها))، ثم ذكر صهراً مِن بني عبد شمسٍ، فأثنى
عليه في مصاهرته إيَّه فَأَحْسَنَ، قال: ((حدَّثْني، فصَدَقني، ووَعَدني،
فَوَفَى لي، وإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حلالاً، وأُحِلُّ حراماً، ولكن واللهِ لا تجتمِعُ
ابنةُ رسولِ الله وابنُ عدوِّ اللهِ في مكان واحدٍ أبداً))(١).
٤٩٨٩ - ووجدنا عبد الرحمن بن معاوية قد حدَّثنا، قال: حدثنا
إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن العلاء ابنِ زِبريق الزُّبيديّ، قال: حدثنا عمروبنُ
الحارث الحميريُّ، قال: حدثني عبدُ الله بنُ سالم، عن الزُّبيدي،
قال: حدثني محمدُ بنُ مسلم
أنَّ علي بنَ حسين، أخبره: أنَّهم لِما رَجَعُوا من الطَّفِّ، وكان أتى
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري. عبيد الله بن سعد بن إبراهيم من رجال
البخاري، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين.
عم عبيد الله بن سعد: اسمه: يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم.
وهو في ((فضائل الصحابة)) للنسائي (٢٦٧) مقتصراً على قوله: ((إن فاطمة
مني)).
ورواه أحمد في ((المسند)) ٣٢٦/٤، وفي ((الفضائل)) (١٣٣٥)، ومن طريقه
مسلم (٢٤٤٩) (٩٥)، وأبو داود (٢٠٦٩)، والطبراني ٢٠/(٢٠). ورواه البخاري
(٣١١٠) عن سعيد بن محمد الجرمي، وابن حبان (٦٩٥٦) من طريق يحيى بن
معين، ثلاثتهم (أحمد بن حنبل وسعيد ويحيى) عن يعقوب بن إبراهيم، بهذا
الإِسناد.
٥١٥

به يزيدَ بنَ معاوية أسيراً في رَهْطٍ هو رابعُهم، قال علي: فلما قَدِمْنا
المدينة، جاءَّني المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ الزُّهري، ثم ذكر مثلَه في إسناده(١)
غير أنَّه لِم يَقُلْ فيه: وإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حلالاً، ولا أُحِلُّ حراماً.
فكان في هذه الآثارُ أنَّ عليّاً عليه السَّلامُ قد كان خطب تلك
المرأةَ، فاحتمل أن يكونَ ذلك كان منه، وهو لا يرى أن ذلك يَقَعُ
مِن رسولِ اللهِ وَ ﴿ الموقعَ الذي وقع منه، فلما عَلِمَ بذلك، تركه،
وأَضْرَبَ عنه، واختارَ ما يَحْسُنُ موقعُه من رسولِ اللهِوََّ، فَلَزْمَهُ، فكان
على ذلك محموداً.
فقال قائلٌ: فقد ذكر في هذه الآثار ثناءَ رسولِ اللهِ مَ ◌ّر على أبي
العاصِ في تركه ابنةَ رسول الله وَل﴿ التي كانت عنده مثلَ الذي كان
مِن علي في ابنةِ رسولِ الله التي كانت عنده، أفيكون ذلك على موضع
له من قلبه وَ﴿ بما كان منه في ابنتِهِ يَتَقَدَّمُ به ما لِعلي في قلبه ◌َّ
في ابنتِهِ التي كانت عندَه مما يُخَالِفُ ذلك؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عزَّ وجَلَّ: أنه قد يحتملُ أن
يكونَ الذي كان مِن أبي العاصِ بتركِه ما كان ترك من ذلك في ابنةٍ
رسولِ الله ◌َّ﴿ التي كانت عندَه، أن نفسَه لم تدعه إلى ذلك من
(١) حسن. وهذا إسناد فيه ضعف. إسحاق بن إبراهيم ضعيف، وعمروبن
الحارث - وهو ابن الضحاك الزبيدي الحمصي -، قال الذهبي : تفرد بالرواية عنه
إسحاق بن إبراهيم، ومولاة له اسمها علوة، فهو غير معروف بالعدالة، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)) ٤٨٠/٨، وقال: مستقيم الحديث.
وهو مکرر ما قبله.
٥١٦

غيرها، وكانَ الذي كان مِن علي عليه السَّلامُ مما ذكر عنه في هذه
الآثار لما دعته نفسُه إليه من التي خَطَبَها، إذ لم تُحَرِّمِ الشَّريعةُ التي
هو من أهلها ذلك منها، وإن كان الأحسنُ به ترَكَ التعرض لِذلك لما
يَدْخُلُ به قلبَ ابنة رسول الله وَي التي عنده مما هو موجود في مثلها،
فلما كانَ مِن رسولِ الله ما كان مما ذكر عنه في هذه الآثار عَلِمَ به
ما كانَ عندَ رسولِ الله في ذلك، فمالَ إليه، وآثره على ما كانت نفسُه
دَعَتْهُ إليه مما يُخَالِفُ ذلك، فكان في ذلك محموداً لإِيثاره رسولَ الله
﴿* على ما مالَتْ إليه نفسُه مما لا خَفَاءَ بمثله من صُعوبة ذلك وغلظه،
فكان في ذُلك فوقَ حال أبي العاص في تركه ما لم تَكُنْ نفسُه دَعَتْهُ
إليه .
فقال هذا القائلُ: فكيف لم يذكر ◌َّ مكان أبي العاص عثمانَ بنَ
عفَّان رضي الله عنه وعنده ابنة له كما عندَ كُلَّ واحدٍ من علي ومِن
أبي العاص ابنة له؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله جَلَّ وَعَزَّ وعونِهِ: أن تركَ رسولٍ
الله ﴿ ذِكْرَ عُثمانَ كان في ذُلك، لأَنَّه كان لِعلي نظيرٌ لما لِكُلِّ واحدٍ
منهما مِن السوابقِ التي ليست لأبي العاص ، وذكر أبا العاص لِيستوفي
بذلك الحجةَ فيما خطب به، وهذا مِن أعلى مراتب الحكمة فيما خطب
به، وفيما أراد سماع علي إياه، لأن أبا العاص وإن لم يَكُنْ مثلَه،
فقد لَحِقَهُ هذا الثناء بتركه ما كان همَّ به، وعلي كان بذلك الثناء أولى
من أبي العاص لِسوابقه ولموضعه من الله عزَّ وجلَّ، ثم مِن رسولِ الله
﴿﴿ مما لَيْسَ ذُلك لأبي العاصِ، فذكر ◌َ لَ أبا العاص توكيداً لحجته
فيما أراد وقوفَ عليٍّ عليه، ولم يذكر عثمان رضي الله عنه مكانه، لأنه
٥١٧

لو ذكره كان قد ذكر له مثلاً، ولم تجب له عليه هذه الحجةُ التي وجبت
له عليه بذكره أبا العاص، ولما زالَ ذُلك مِن علي عليه السَّلامُ، وكان
كهو لو لم يَكُنْ منه في ذلك شيءٌ مما كان منه، بل زادَ بذلك في
رُتبته وفي تمسُّكِه برسولِ اللهِ وََّ، وفي إيثاره إِيَّه على نفسه رِضْوَان
الله عليه، وكيف يجوزُ أن يُظنَّ بعلي سوى ذلك، وقد تَقَدَّمَ وَعْدُ اللهِ
فيه بما أنزله في كتابه من قوله: ﴿وُهُدُوا إلى الطَّيِّب مِنَ القَوْلِ وهُدُوا
إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]، ومِن إدخاله الجنةَ مع من ذكره
معه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّه يُدْخِلُ الذينَ آمنوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ
تَجْري مِنْ تَحْتِها الأنهارُ﴾ الآية [الحج: ٢٣]، وقد ذكرنا ذلك بأسانیده
فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا ، وهذا مما لا يلحقه نسخٌ لأن النسخَ
لا يلحقُ الإِخبارَ بما يكونُ، وإنما يلحق الشَّرائعَ التي تُحول من تحریم
إلى تحليل، أو من تحليلٍ إلى تحريمٍ لا ما سوى ذلك مما قد أخبر
عز وجلَّ أنَّه يكُونُ ذلك كائناً لا محالة، ثم ما قد كان منه وَ ﴿ بعدَ
هذه القِصة في غديرِ خُمٍّ من قوله: ((مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيِّ مَولاهُ، اللَّهُمَّ
وَالٍ مَنْ وَالاهُ، وعادِ مَنْ عاداهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ))،
وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم منا في كتابنا هذا(١)، ومن قوله له
لما خَلَّفَهُ في غزوةٍ تبوكَ، وهي آخِرُ غزواته: ((أما ترضى أن تكونَ مِني
بمنزلة هارون مِنْ موسى إلا أنَّه لا نبيَّ بعدي))، ومن بعثته معه بعد
ذلك بسورة براءة لِيقرأها على النَّاسِ في مواسم الحجِّ، وقوله مع ذلك:
((إِنَّه لا يُبَلِّغُ عنِّي إلا رَجُلٌ مِنْ أَهْلي)). ومن قوله في الحسن والحسين
(١) في الجزء الخامس برقم (١٧٦١).
٥١٨

ابنيه عليهما السَّلامُ: ((إِنَّهما سَيِّدا شَبَاب أَهْلِ الجَنَّةِ، وأبوهما خير
منهما)). وقد ذكرنا ذلك فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا(١). ومن سيف الله
عزَّ وجلَّ الذي أجراه على يده بَعْدَ موتِ رسول اللهِ وَّه في قتله شرَّ
الخلق والخليقة ذا الثُّدَيَّة وأصحابه، ومن شهادة عمر رضي الله عنه له
أَنَّه ممن تُوُفِّيَ رسول الله وَ لِ﴿ وهو عنه راضٍ .
وفيما ذكرنا من هذا كفايةٌ، لإِبانة المعنى الذي زاد في فضله بغلبته
شهوته بإيثارِ رسولِ الله وَلقر عليها مع ما له من الفضائل سوى ذلك
مما ذكرناه يُغني عن ذِكرِها، ويُقيم الحُجَّةَ على من يتعلَّقُ عليه بها
في هذه الآثارِ التي روينا مما هو له فضيلةٌ نعيده إلى خلاف ذلك،
فرحمةُ اللهِ عليه، وصلواتُه، وعلى سائر أصحابه رضوان الله عليهم، والله
عز وجل نسأله التوفيق.
الله تعالى
(١) في الجزء الخامس برقم (١٩٦٧) ..
٥١٩

٧٨٩ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله وجل
مما يقضي بَيْنَ المُختلفين في الرقبة
المؤمنة، هل يُجزىء فيها مَنْ لم
يَصُمْ، ولم يُصَلِّ ممن قد
أقرَّ بالإِيمان، أم لا؟
قال أبو جعفر: قدْ رُويَ عن الحسن البصري وإبراهيمَ النخعيِّ
في هذا المعنى
ما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا أبو داود، عن أبي
حُرَّة، قال:
سمعتُ الحَسَنَ يقول: ما كان مِنْ رَقَبَةٍ مؤمنةٍ فلا يُجزىء فيها إلا
مَنْ صامَ وصَلَّى، وما كان مِن رقبةٍ غير مؤمنةٍ، أجزأ فيها الصغيرُ(١).
وحدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا عبد الحميد بن صالح، قال:
حدثنا أبو شهاب، عن الأعمش
عن إبراهيمَ، قال: لا يجوزُ في كفارةِ القتل إلا رقبةٌ قد صامَتْ
(١) أبو حُرَّة، قال أبو حاتم وغيره: اسمه حنيفة، وقال ابن منده، والطبراني،
وأبونعيم، وابن قانع، والباوردي، وجماعة: إن حنيفة ابن عم أبي حرة، وإنما هو
مشهور بكنيته. ضعفه ابن معين، ووثقه أبوداود، وقال في ((التقريب)): ثقة.
٥٢٠