النص المفهرس

صفحات 461-480

من أهل الكتاب(١).
قال أبو جعفر: فهذا يَدُلُّ على أنَّها كانت عندَ ابن عباس محكمةٌ
غيرَ منسوخةٍ .
ورُوِيَ عن أبي موسى الأشعري فيها ما يَدُلَّ على أن مذهبَه كان
فيها کمذهب ابنِ عباس
كما حدثنا سليمان بنُ شعيب الكيساني، حدثنا عبدُ الرحمن بنُ
زياد، حدثنا شُعبة، أخبرنا المغيرةُ الأزرقُ، قال: سمعت الشعبيّ يقولُ:
قضى أبو موسى الأشعري بدَقُوقاء بهذه الآية: ﴿أو آخَرانِ مِن
غیرکم﴾(٢).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير مسدد، فمن رجال البخاري.
ورواه ابن أبي حاتم كما في ((تفسير ابن كثيرً ٢١١/٣ من طريق سعيد بن
عون، عن عبد الواحد بن زياد، بهذا الإِسناد.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٢٣/٣، وزاد نسبته لأبي الشيخ وابن مردويه
والضياء المقدسي في ((المختارة)).
(٢) رجاله ثقات رجال الشيخين غير المغيرة الأزرق، وهو ابن مسلم، ذكره ابن
حبان في ((الثقات)) ٤٦٥/٧ فقال: من أهل واسط، يروي عن الشعبي، روى عنه
شعبة والثوري .
ورواه الطبري (١٢٩٢٧) من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، بهذا
الإسناد. وانظر ما بعده.
ودَقوقا - يُقصر ويمد - بلد بين إرْبِلَ وبغداد معروفة، لها ذكر في الأخبار والفتوح،
كان بها وقعة للخوارج.
: ٤٦١

وكما حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الرحمن الهرويُّ، حدثنا إسحاق بنُ
إبراهيم، حدثنا عيسى بنُ يونس، أخبرنا زكريا بنُ أبي زائدة
عن عامر، قال: خرج رجلٌ من بني خثعم، فَتُوُفِّي بِدَقُوقاء، فلم
يشهد وَصِيِّتَه إلا رجلانِ نصرانيانِ مِن أهله، فأشهدهما على وصيته،
فقدما الكُوفَةَ فأحلفهما أبو موسى الأشعري دُبُرَ صلاةٍ العصر في مسجدٍ
الكُوفة باللهِ الذي لا إله إلا هو ما خانا ولا بَدَّلا ولا كَتَما، وإنَّها
لَوَصِيَّتُه، ثم أجاز شهادَتَهُما(١).
قال أبو جعفر: فَدَلَّ ذلك على أنها كانت عنده محكمةٌ غير
منسوخة، ولا نعلم عن أحدٍ من أصحاب النبي بَلِّ خلافاً لهما - يعني
ابن عباس وأبا موسى - في ذلك، والله أعلم، ثم التابعون في ذلك
قد كان أكثرهم على مثل الذي كانا عليه في ذلك
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه أبو داود (٣٦٠٥) - ومن طريقه البيهقي ١٦٥/١٠ -، والطبري (١٢٩٢٦)
من طريقين عن هشيم، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة، بهذا الإِسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٥٥٣٩) عن سفيان بن عيينة، عن زكريا بن أبي زائدة، به.
ورواه أبو عبيد في (الناسخ والمنسوخ)) (٢٩٠) عن يحيى بن سعيد، عن زكريا،
به.
ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ٣١٤/٢ من طريق يعقوب بن سفيان، حدثنا
يحيى بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، عن غيلان بن جامع المحاربي، عن
إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي، بنحوه.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٢٤/٣ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن
المنذر، والطبراني، وابن مردويه. وانظر ما قبله.
٤٦٢

فذكر ما حدَّثنا بكارُ بنُ قتيبة، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيانُ،
عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كتب هِشَامُ بن هُبَيْرةَ إلى شُريحٍ يسأله
عن شهادةِ المشركينَ على المسلمينَ، فكتب إليه أن لا تجوزُ شهادةُ
المشركين على المسلمين إلّ في وَصِيَّةٍ، ولا تجوز في وصية إلا أن
يكونَ مسافراً (١).
وما قد حدثنا الهروي، حدثنا إسحاق بنُ إبراهيم، حدثنا ابنُ
فضيل، حدثنا الأعمشُ، عن إبراهيم، عن شُريح، قال: لا تجوزُ
شهادةُ اليهوديِّ ولا النصراني إلا في السَّفَرِ، ولا تجوزُ فِي السَّفرِ إلا
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين. أبو أحمد: هو محمد بن عبد الله بن الزبير
الأسدي، وسفيان: هو الثوري، ومنصور: هو ابن المعتمر، وإبراهيم: هو ابن يزيد
النخعي .
وهشام بن هبيرة - وهو ابن فضالة الليثي - قاضي البصرة استقضاه عبد الله بن
الزبير سنة (٦٤) هـ، وهو شاب، فكتب إلى شريح: إني استعملت على القضاء على
حداثة سني وقلة علم مني به، ولا غناءً بي عن مشاورة مثلك فيه. ثم جعل يسأله
فيما يعرض له من مسائل، وهي مثبتة بأسانيدها في ((أخبار القضاة)) لوكيع
٢٩٨/١-٣٠١، وعزل وأعيد إلى أن قتل مصعب بن الزبير سنة (٧١) هـ، فتنحى
قليلاً، وولي الحجاج بن يوسف العراق، فقدم الكوفة في رجب سنة (٧٤) هـ، ووجه
إلى البصرة الحكم بن أيوب عاملاً عليها، فاستقضى هشام بن هبيرة، فلم ينشب
هشام حتى مات قاضياً في أول إمرة الحجاج. ((طبقات ابن سعد)) ١٥١/٧، و(أخبار
القضاة)) ٣٠٣/١.
ورواه الطبري (١٢٩١٣) عن عمرو بن علي، عن أبي أحمد الزبيري، بهذا
الإِسناد، وتحرف فيه ((شريح))، إلى: ((مسلمة)).
٤٦٣

في الوصية(١) .
قال: فهذا شريحٌ وهو قاضي الخلفاء الراشدين المهديين قد كان
مذهبه فيها أيضاً أنها محكمةٌ غيرُ منسوخة.
وما قد حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا وهبُ بنُ جرير، عَنِ
شُعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب: ﴿أو آخران من غيركم﴾،
قال: مِن أهل الكتاب(٢).
فَدَلَّ ذلك على ما دَلَّ عليه ما قبلَه.
وما قد حدثنا الهرويُّ، حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، حدثنا عبدُ
الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيدةً في قوله
عزَّ وجل: ﴿َتَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قال: هي صلاةُ العصرِ، قال:
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين، ابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان
الضبي، والأعمش: هو سليمان بن مهران.
ورواه عبد الرزاق (١٥٥٣٨)، وأبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ)) (٢٩٢)، ووكيع
في ((أخبار القضاة)) ٢٨١/٢ من طريق الثوري، والبيهقي ١٦٦/١٠ من طريق هشيم.
وأبي معاوية، ثلاثتهم عن الأعمش، بهذا الإسناد.
وأورده السيوطي في (الدر المنثور)) ٢٢٤/٧، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وأبي
الشيخ .
(٢) رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه عبد الرزاق (١٥٥٤٠) عن معمر، وأبو عبيد (٢٩٥) من طريق شعبة، وابن
جرير الطبري (١٢٥٠٥) و(١٢٥٠٦) من طريق سعيد الجريري، ثلاثتهم عن قتادة،
بهذا الإِسناد.
٤٦٤

وقال معمرً: قال قتادة مثله(١).
وما قد حدثنا أحمدُ بنُ داود، حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا
حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوب، عن محمدٍ، قال: سألتُ عَبِيدَةَ عنها، فقال:
مِنْ غَيْرِ أَهْلِ المِلة(١).
فدَلَّ ذلك أيضاً على مثل ما قد دَلَّ عليه ما قبلَه.
وما قد حدَّثنا ابنُ أبي مريم، حدثنا الفِريابيُّ، حدثنا ورقاء، عن
ابن أبي نَجِيحٍ ، عن مجاهد في قوله: ﴿شَهَادَةُ بِينِكُم إِذا حَضَرَ أَحَدَكُم
المَوْتُ﴾ أن يموتَ المسلمُ، فَيَحْضُر موتَه مسلمانٍ، أو كافران، ولا
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين. أيوب: هو ابن أبي تميمة السختياني، وابن
سيرين: هو محمد، وعَبيدة، بفتح العين: هو ابن عمرو السلماني المرادي، تابعي
كبير، مخضرم فقيه ثبت، كان شريح إذا أشكل عليه شيء يسأله.
ورواه مطولاً عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢٠٠/١ عن معمر، عن أيوب، عن ابن
سيرين، عن عَبيدة، في قوله تعالى: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾، قال: استحلفا
بعد العصر ... وذكر فيه قصة.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٢٥/٧، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد،
وابن أبي حاتم.
(٢) إبراهيم بن الحجاج - وهو السامي - ثقة روى له النسائي، ومن فوقه من
رجال الشيخين. محمد: هو ابن سيرين.
ورواه الطبري (١٢٩١٥) و(١٢٩١٦) و(١٢٩١٧) و(١٢٩١٨) و(١٢٩١٩) من
طريق هشام، و(١٢٩١٤) من طريق أشهب، و(١٢٩٢٠) من طريق أبي حرة، ورواه
أبو عبيد (٢٩٤) من طريق سعيد بن عبد الرحمن أخي أبي حرة، أربعتهم عن
محمد بن سيرين، بهذا الإِسناد.
٤٦٥

يحضر غيرُ اثنين منهم، فإن رضي ورثته بما غلبا عنه مِن ترکتِهِ،
فذلك، ويحلفان: إنهما صادقانٍ، فإن عُثِرَ بِلَطْخٍ وُجِدَ، أو لبسٍ، أو
تشبيه، حَلَفَ الاثنانِ للأقربين مِن الورثة، فاستحقا، وأبطلا أيمانَ
الشاهِدینِ(١).
فَدَلَّ ذلك أنَّها كانت عندَ مجاهدٍ، كما ذكرناها على ما كانت عليه
عندَ غيره
وما قد حدثنا محمد بنُ خُزيمة، حدثنا حجاج بن مِنْهَالٍ، حدثنا
هُشيمٌ، عن المغيرةِ، عن إبراهيم، قال المغيرة: وأخبرني مَنْ سَمِعَ
سعيدَ بنَ جبير: ﴿أُو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُم﴾، قالا: من غير دينكم(٢).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين.
وهو في ((تفسير مجاهد)) ٢٠٩/١-٢١٠، ولفظه: عن مجاهد في قوله: ﴿شهادة
بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾، وهو أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو
كافران، فلا يحضر غيرهما، فإن رضي ورثته بما شهدوا عليه من تركته، فذلك،
ويحلف الشاهدان: إنهما لصادقان .﴿فإن عثر﴾، يقول: وجد لطخ أو لبس أو تشبيه،
حلف الأوليان من الورثة واستحقا، وأبطلا أيمان الشاهدين الأولين.
ورواه الطبري (١٢٩٧١) عن محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال:
حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: ﴿شهادة
بينكم﴾ أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران، لا يحضره غير اثنين
منهم، فإن رضي ورثته ما عاجل عليه من تركته، فذاك، وحلف الشاهدان إن اتهما:
إنهما لصادقان، ﴿فإن عثر﴾ وجد لطخ، حلف الاثنان الأوليان من الورثة، فاستحقا
وأبطلا أيمان الشاهدين.
(٢) الرجل الذي سمعه من ابن جبير مجهول، وباقي رجاله ثقات رجال
الشیخین .
٤٦٦
=

وما قد حدَّثنا محمد، حدثنا حجاجٌ، حدثنا أبو هلالٍ الراسبيُّ،
عن محمد بن سيرين مثلَه(١).
فدلَّ ذلك أنَّها كانت عندَ إبراهيم، وسعيد بنِ جُبِيرٍ، وابن سيرين
كذلك أيضاً.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ الذي ذكره كما ذكره، وأن القولَ
فيه هو القولُ في هذه الآثار، وقد قال به من فقهاء الأمصارِ ابنُ أبي
لیلی
كما حدَّثنا جعفرُ بنُ أحمد بن الوليد، حدثنا بشرُبنُ الوليد، قال:
سمعتُ أبا يوسف يقول: وكان ابنُ أبي ليلى يقول في ذلك، فذكر
مثلَ القولِ الذي ذكرناه عَنْ مَنْ تقدم في هذا الباب.
وقال به الأوزاعيُّ
كما أجازه لنا محمد بن سنان، عن محمود بن خالد، عن عُمَرَبنِ
عبد الواحد، قال: سمعت الأوزاعيَّ يقول في رجلٍ مسلمٍ مات في
= ورواه الطبري (١٢٩٠٢) و(١٢٩٠٣) من طريقين عن مغيرة، عن إبراهيم،
وحدَه.
ورواه الطبري أيضاً (١٢٩٠٠) عن يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبر
مغيرة، قال: حدثني من سمع سعيد بن جبير ...
ورواه أيضاً (١٢٩٠٤) عن عمرو بن علي، قال: حدثنا هشيم، عن المغيرة،
عن إبراهيم وسعيد بن جبير. فلم يجعل بين المغيرة وسعيد بن جبير أحداً.
(١) أبو هلال الراسبي - واسمه محمد بن سُليم - فيه ضعف من قبل حفظه،
وباقي رجاله ثقات.
٤٦٧

قريةٍ ليس فيها مسلمون، فأوصى، قال: يُغسلونه ويَدْفِنونه، وتجوز
شهادتهم، يعني على وصيته.
وقال به الثوري أيضاً
كما حدثنا القاسمُ بنُ عبد الرحمن الجزري، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ
الوهّاب الدَّعلَجي، عن محمد بن عليٍّ بن أبي خِداش، عن المعافى بن
عِمران، قال: وسُئِلَ - يعني الثوري - عن شهادةِ أهلِ الذُّمةِ في السفر،
هل يُعْمَلُ بذلك اليوم؟ فذكر عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن شريحٍ،
قال: لا تجوز شهادةُ اليهوديِّ ولا النصرانيِّ إلا في وصيةٍ، ولا تجوز
في وصيةٍ إلا في السفر، قال سفيان: حيث لا يُوجَدُ مسلم، قيل
لسفيان: أيؤخذ بها أو نحو ذلك، فقال: قد عَمِلَ بها أبو موسى(١).
فإن قال قائِلٌ: فقد رُوِيَ عن الحَسَن ما يُخَالِفُ أقوالَ هؤلاءِ الذين
ذكرت
(١) القاسم بن عبد الرحمن الجزري، قال الخطيب في ((تاريخه)) ٤٣٣/١٢:
ولد ببغداد، يكنى أبا هشام، كتب ببغداد عن أحمد بن إبراهيم الدورقي وأخيه
يعقوب، وزياد بن أيوب، وطبقة نحوهم، وقدم مصر، ورجع إلى بغداد، فأقام بها،
ورجع إلى مصر، فتوفي في رجوعه بالرقة سنة اثنتين وسبعين ومثتين. ومحمد بن عبد
الوهاب الدعلجي لم أقف له على ترجمة، ومحمد بن علي بن أبي خداش، روى
له النسائي وابن ماجه، وهو ثقة، والمعافى بن عمران ثقة من رجال البخاري، ذكره
أبو زكريا الأزدي، صاحب ((تاريخ الموصل)) في الطبقة الثالثة، وقال: رحل في طلب
العلم إلى الآفاق، وجالس العلماء، ولزم سفيان الثوري، وتأدب بآدابه، وتفقه
بمجالسته، وأكثر الكتابة عنه وعن غيره، وصنف حديثه في الزهد والسنن والفتن
والأدب وغير ذلك، وكان زاهداً فاضلاً شريفاً كريماً عاقلاً.
٤٦٨

فذكر ما قد حَدَّثنا الهرويُّ، حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، حدثنا
روحٌ، أخبرنا عوفٌ، عن الحسن في قوله: ﴿اثنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم أو
آخَرَانِ مِن غَيْرِكُم﴾، قال: من غير أهل قبيلتكم، كُلهم مِن أهلِ
الصلاةِ، ألا تراه يقولُ: تحبسونهما مِن بعدِ الصلاةِ؟(١)
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّا لا نَدْفَعُ أن يكونَ أهلُ العلم قد
اختلفوا في ذلك، وكيف ندفعُ أن يكونوا اختلفوا فيه، وأبو حنيفة في
أصحابه، ومالك في أصحابه، والشافعي في أصحابه يذهبون إلى أنَّها
بخلافِ ما هِيَ عليه ممن قد ذكرنا، فمنهم من يذهبُ إلى أنَّها منسوخةٌ
بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، وهذا مما لا يقطعُ فيه على
المخالف بقيام الحجة عليه بالنسخ لما قد أنزله الله في كتابه، وعَمِلَ
به رسولُه، وعَمِلَ به من عمل به من أصحابه، ولا يجوزُ أن ينسخَ ما
قد أجمع على ثبوته إلا لقيام الحجة بما يُوجب ذلك فيه.
فأما ما قد ذكرناه مما يستدِلَّ به الحسنُ مِن قولِ الله: ﴿تحبسونَهما
مِنْ بعد الصلاة﴾ ما قد دلَّ على أنَّهما من أهل الصلاة، فإنَّ ذلك
مما لا دليلَ عندنا فيه، وإنما ذلك عندَ كثيرٍ من أهل العلم على أنه
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه الطبري (١٢٩٣٤) عن بشر بن معاذ، قال: حدثنا یزید، قال: حدثنا
سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾، أي: من
عشيرته: ﴿أو آخران من غيركم﴾، قال: من غير عشيرته.
قلت: وهذا التأويل لا يصح، لأن الآية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلافٍ
بين المفسرين، ودلّت عليه الأخبار، ولأنه لو صح ما ذكروه لم تجب الأيمانُ، لأن
الشاهِدَيْنِ من المسلمين لا قسامَةً عليهما.
٤٦٩

قصد بذلك إلى الوقتِ الذي يُعَظِّمُه أهلُ الأديان جميعاً وهو ما بعدَ
صلاةِ العصر ويتوقونه ويخافون نزولَ العقوبة بهم عندَ المعصية فيه،
وقد ذكرنا في ذلك عن رسول الله وٍَّ من قوله: ((ثَلَاثَةٌ لا يَنْظُرُ الله
إليهم يومَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِم، ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رجلٌ حَلَفَ بعدَ العصرِ
على سلعة أنّه أعطي بها كذا وكذا كاذباً))، وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما
تقدَّمَ منا في كتابنا هذا(١)، فإذا كان هذا الاختلافُ في هذا كما قد
ذكرنا، بقي حُكْمُ الآية على ما كان عليه حتى يكونَ مثله مما يوجب
نسخّها، وقد كان الزهريُّ وزيدُ بنُ أسلم يذهبان إلى أنها مما قد نُسِخَ
العملُ به.
كما قد حدثنا ابنُ أبي داود، حدثنا عبدُ الله بن صالحٍ، حدثنا
الليثُ، عن عُقيل، عن ابن شهاب، ثم ذكر في اختلافٍ مَنْ ذكره
مِن فقهاء أهل المدينة في ذلك ما قد ذكره فيه، وقال بعقب ذلك:
ولا تجوزُ شهادةٌ كافرٍ على أحدٍ من المسلمين في شيءٍ من الأموال
في حضرٍ ولا سفر(!).
وكما قد حدَّثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبدُ الله بنُ
(١) سلف برقم (٣٤٨٨).
(٢) عبد الله بن صالح كاتب الليث في حفظه شيء، ومن فوقه من رجال
الشیخین.
ورواه الطبري (١٢٩٣٣) عن عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا
صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر
في حضر ولا سفر، وإنما هي في المسلمين.
٤٧٠

عياش، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿شَهادة بَيْنِكُم إذا حَضَرَ
أَحَدَكُم المَوْتُ﴾ الآية، قال: ذلك كان في رجل توفي، ولَيْسَ عندَه
أحدٌ من أهلِ الإِسلام، وذلك في أوَّلِ الإِسلام والأرضُ حرب،
والناسُ كُفَّارٌ، إلا رسولَ الله وَلي وأصحابه بالمدينة، وكان الناسُ يتوارثون
بالوصيةِ، ثم نُسِخَتِ الوَصيةُ، وفُرضَتِ الفرائضُ، وَعَمِلَ بها
المسلمون(١) .
قال أبو جعفر: وليسَ في هذا إلى الآن ما يُوجِبُ نسخَ هذه الآية.
والله الموفق للصواب.
ف لله تعالى
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن عياش، فقد أخرج له مسلم
في الشواهد، وهو ممن یکتب حديثه.
ورواه الطبري (١٢٩٣١) عن يونس بن عبد الأعلى، بهذا الإسناد.
٤٧١

٧١٤ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله وَ*و
مِن قوله: ((لا ينكح الزاني إلا مجلوداً مثلَه))
٤٥٤٨ - حدثنا أحمدُ بنُ داود بن موسى، حدثنا مُسدَّد بن مُسَرْهَدٍ،
حدثنا عبدُ الوارث بنُ سعيد، عن حبيب المعلم، حدثني عمروبنُ
شعيب، عن سعيد المقبريِّ
عن أبي هُريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لا يَنْكِحُ
الزاني إلا مجلوداً مثله))(١)
(١) إسناده قوي، رجاله ثقات رجال الصحيح غير عمروبن شعيب، فقد روى
له أصحاب السنن، وهو ثقة.
ورواه أبو داود (٢٠٥٢) عن مسدد، بهذا الإسناد، وقرن مع مسدد أبا يعمر.
ورواه أحمد ٣٢٤/٢، وابن عدي في ((الكامل)) ٨١٧/٢، والحاكم ١٦٦/٢ من
طرق عن عبد الوارث بن سعيد، به. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وسقط من
المطبوع من (مسند أحمد)) لفظة: ((عن أبي هريرة))، وسقط من المطبوع من
((المستدرك))، لفظة: ((حدثنا عبد الوارث))، واستُذْرِكا من ((إتحاف المهرة)) ٥/ ورقة
١٦١.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٣٠/٦ وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن
أبي حاتم، وابن مردويه.
وأورده الحافظ في ((بلوغ المرام)» ١٢٧/٣، وقال: رجاله ثقات.
=
٤٧٢

هُكذا حدَّثنا أحمدُ بنُ داود هذا الحديث، وكان ذلك عندنا - والله
أعلم - على المجلود في الزاني المقيم بعدَ الجلدِ على الزنى الذي
كان جُلِدَ فيه، لا على تركٍ منه لذلك، ولا نزوع منه عنه، لأن وصفه
= وقد ذهب الإِمام أحمد إلى أنه لا يصح العقدُ من الرجل العفيف على المرأة
البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت، صح العقدُ عليها، وإلا فلا،
وكذلك لا يَصِحُّ تزويجُ المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجرِ المسافحِ حتى يتوبَ توبةٌ
صحيحة، وبه قال قتادة وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام. انظر
((المغني)) لابن قدامة ٥٦٢/٩-٥٦٤.
وقال ابن خويز منداد فيما نقله عنه القرطبي ١٧١/١٢: من كان معروفاً بالزنى
أو بغيره من الفسوق معلناً به، فتزوج إلى أهل بيت ستر، وغرهم من نفسه، فلهم
الخيار في البقاء معه أو فراقه، وذلك كعيب من العيوب، واحتج بقوله عليه السلام:
(لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله))، قال: وإنما ذكر المجلود لاستشهاده بالفسق،
وهو الذي يجب أن يفرق بينه وبين غيره، فأما من لم يشتهر بالفسق، فلا.
وقال الأمير الصنعاني في ((سبل السلام)) ١٢٧/٣-١٢٨: الحديث دليل على أنه
يحرم على المرأة أن تزوج بمن ظهر زناه، ولعل الوصف بالمجلود بناء على الأغلب
في حق من ظهر منه الزنى، وكذلك الرجل يحرم عليه أن يتزوجَ بالزانية التي ظهر
زناها، وهذا الحديثُ موافق قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذلك على المؤمنين﴾ إلا أنه حمل
الحديثَ والآيةَ الأكثرُ من العلماء على أن معنى: لا ينكح: لا يرغب الزاني المجلود
إلا في مثله، والزانية لا ترغبُ في نكاح غير العاهر، هكذا تأولوهما، والذي يدل
عليه الحديثُ والآية النهي عن ذلك لا الإخبارُ عن مجرد الرغبة، وأنه يحرم نكاحُ
الزاني العفيفة، والعفيف الزانية، ولا أصرحَ مِن قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذلك على المؤمنين﴾،
أي: كاملي الإِيمان الذين هم ليسوا بزناة، وإلا فإن الزاني لا يخرج عن مسمى
الإِيمان عند الأكثر.
٤٧٣

﴿ إِيَّه بالجلدِ ذكر له بحالٍ هو عندَه فيها مذمومٌ، لأن الجلدَ في
الزنى فيه كفارة للمجلودِ، وذمه بذلك مما يدفع أن يكونَ ذلك الجلدُ
كان له كفارة إذا كان مقيماً على ما يُوجِبُ عليه مثلَه. ثم نظرنا: هل
رُوِيَ هذا الحديثُ بغير هذه الألفاظ؟
٤٥٤٩ - فوجدنا إسحاقَ بنَ إبراهيم بن يونس قد حدَّثنا، قال:
أخبرنا أزهرُ بنُ مروان الرقاشي، عن عبد الوارث بن سعيد، قال: أخبرنا
حبيبٌ المعلمُ، عن عمروبن شعيب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري
عن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((الزَّانِي مَجْلُودٌ))،
هكذا قال، وإنما هو: ((الزاني المجلودُ لا يَنْكِحَ إلا مثلَه))(١).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ القصدُ في ذكر الناكح
والمنكوحِ جميعاً بالجلدِ لا بالزنى الذي كانا جُلِدا فيه، فكان ذلك
معقولاً أنَّه أُرِيدَ بما ذكر به كُلّ واحدٍ منهما الزنى الذي كان جُلِدَ فيه
لا نفسُ الجلدِ الذي كان جُلِدَ فيه، ثم نظرنا: هل رَوَى هذا الحديثَ
غيرُ عبد الوارثِ بن سعيد بمعنى يُخالِفُ فيه عبدَ الوارث مما رويناه
عنه عليه؟
٤٥٥٠ - فوجدنا عليّ بن الحسين بن حرب قد حدَّثنا، قال: حدثنا
أبو الأشعث أحمدُ بنُ المِقدام العجليُّ، حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، حدثنا
حبيبٌ المعلمُ، قال: قلتُ لعمروبن شعيب: إن فلاناً يقولُ: إن الزاني
لا يَنْكِحُ إلا زانيةً مثلَه، قال: وما يُعَجِّبُك من ذلك؟ حدثني سعيدُ بنُ
أبي سعيد
(١) إسناده قوي كسابقه.
٤٧٤

عن أبي هُريرة أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ قال: ((الزاني لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً
مِثْلَه، والمجلودُ لا يَنْكِحُ إلا مجلودةٌ مِثْلَه))(١).
وكان في هذا الحديث زيادةً على ما في الحديثين الأولين، وهي:
لا يتزوج الزاني إلا زانيةٌ، فكان ذلك على الزانيين المُقِيمَيْن على
الأحوالِ المذمومة، أي: أن أحدهما لا يَنْكِحُ صاحبه إلا للأحوال
المذمومة التي يُوافقه عليها، وفيه أن المجلودَ لا ينكح إلا مجلودةٌ على
ذلك المعنى، وكان ذلك عندنا - والله أعلم - على مجلودٍ في زنى هو
مقيم عليه، مجلودةٍ في زنى هي مقيمةٌ عليه، لا على زانيين جُلِدَ
كُلِّ واحدٍ منهما في زناه جلداً جعله الله عز وجلَّ كفارةً له، إذ كان
قد نَزَعَ عن ذلك الزنى الذي جُلِدَ فيه ذلك الجلد وتاب إلى الله منه،
ووجدنا حديثاً قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِوَّ فيه ذكرُ شيءٍ قد يحتملُ
أن يكونَ ما ذكر في هذه الأحاديث هو المقصودَ لما ذكر فيها إليه،
وهو:
٤٥٥١ - ما قد حدثنا عليُّ بنُ عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة،
قال: حدثني يحيى بن مُعين، حدثنا معتمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن
الحضرمي - قال أبو جعفر: وهو ابنُ لاحق -، عن القاسم بن محمد
عن عبد الله بن عمرو: أن امرأةً يُقالُ لها: أمُّ مهزول، وكانت
(١) إسناده قوي. رجاله ثقات رجال الصحيح غير عمرو بن شعيب، فقد روى
له أصحابُ السنن، وهو ثقة.
ورواه الحاكم ١٩٣/٢ من طريق بشر بن معاذ العقدي، عن يزيد بن زريع،
بهذا الإِسناد.
٤٧٥

تكون بأجياد، وتشترط للرجل يتزوجها أن تَكْفِيَه النفقة، وأن رجلاً مِن
المسلمين استأذن رسولَ الله وَ ل فيها، فقرأ هذه الآية، أو أنزلت هذه
الآية: ﴿الزانيةُ لا يَنْكِحُها إلا زَانٍ أو مُشْرِكٌ﴾(١) [النور: ٣].
وما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا عمروبنُ عوٍ
الواسطيُّ، أخبرنا هُشيمٌ، عن التيميِّ، عن القاسم بن محمد - ولم يذكر
(١) حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الحضرمي، فقد روى له أبو داود
والنسائي، وقد اختلف فيه، فقيل: هو ابن لاحق كما قال المصنف، وهذا لا بأس
به حسنُ الحديث، وقيل: غيرُه، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الحضرمي
الذي حدَّث عنه سليمان التيمي، قال: كان قاصاً، فزعم معتمر، قال: قد رأيتُه،
قال أحمد: لا أعلم يروي عنه غير سليمان التيمي، وقال عبد الله: سألت يحيى بن
معين عنه، فقال: ليس به بأس، وليس هو بالحضرمي بن لاحق، وقال أبو حاتم:
حضرمي اليمامي، وحضرمي بن لاحق هو عندي واحد، وفرق ابن حبان في ((الثقات))
بين الحضرمي بن لاحق، وبين حضرمي الذي يروي عنه سليمان التيمي، فقال في
الثاني: لا أدري من هو؟ ولا ابن من هو؟ وكذلك قال علي ابن المديني: حضرمي
شيخ بالبصرة، روى عنه التيمي، مجهول، وكان قاصاً، وليس هو بالحضرمي بن
لاحق، واستظهر ابن حجر في ((التهذيب)) أنهما اثنان.
ورواه عبد الله بن أحمد في زوائده على ((المسند)) ٢٢٥/٢ عن يحيى بن معين،
بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ١٥٩/٢ و٢٢٥، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٣٥٩)، والطبري
٧١/١٨، والطبراني في ((الأوسط)) (١٨١٩)، وابن عدي في ((الكامل)) ٨٥٩/٢،
والحاكم في ((المستدرك)) ١٩٣/٢-١٩٤، والبيهقي ١٥٣/٧ من طرق عن المعتمر بن
سليمان، بهذا الإسناد. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وله طريق آخر مطول حسن، سيذكره المصنف قريباً.
٤٧٦

بينهما الحضرمي - عن عبد الله بن عمر، ولم يقل: ابن عمرو، قال:
كُنَّ نساءٌ بغايا معلومات، كان الرجلُ يتزوَّجُ المرأة منهن لِتَنْفِقَ عليه،
منهن أمُّ مهزولٍ (١).
٤٥٥٢ - وما قد حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا مُسَدَّدُ، حدثنا
يحيى بنُ سعيد، عن عُبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه
عن جدِّه أن رجلاً يقالُ له: مرثدُ بنُ أبي مَرْئَدٍ، قال لِرسول الله
وَلَّهِ: أَنْكِحُ عَنَاقاً؟ لِبغيٍّ كانت بمكة، قال: فسكت عني رسولُ الله عَليه
حتى نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿الزَّاني لا يَنْكِحُ إلا زانيةً أو مُشركَةٌ والزَّانيةُ لا
يَنكِحُها إلا زانٍ أو مُشركٌ﴾؟ فقال: ((يا مَرْئَدُ)) فقلت: لبيك يا رسول
الله، فتلا عليَّ هذه الآية، وقال: ((لا تَنْكِحْهَا))(٢).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن فيه انقطاعاً بين سليمان التيمي، وبين
القاسم بن محمد. وقد نص المصنف على أن صحابي الحديث هو عبد الله بن
عمر، والحديث حديث عبد الله بن عمرو.
ورواه الحاكم ٣٩٦/٢ من طريق عمروبن عون، بهذا الإسناد. غير أن الحديث
عنده من رواية عبد الله بن عمرو.
ورواه الطبري ٧١/١٨ عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، به، والحديث عنده
أيضاً حديث عبد الله بن عمرو. وانظر ما قبله وما بعده.
(٢) إسناده حسن.
ورواه الحاكم ١٦٦/٢ من طريق مسدد، بهذا الإسناد.
ورواه أبو داود (٢٠٥١)، والنسائي ٦٦/٦ كلاهما عن إبراهيم بن محمد
١
التيمي، عن يحيى بن سعيد، به.
=
٤٧٧

فاحتمل أن يكونَ ما في الآثار الأولِ هو الذي يَنْكِحُ المرأة لهذا
المعنى الذي يُطلِقُ لها فِعله، لِيَصِلَ مما تكتسبه من ذلك الفعل إلى
ما يُوصله إليه من الإِنفاق عليه، وكفايته المُؤنة في نفسه وفيها، ومن
كان كذلك، كان فاعلاً لما يكونُ سبباً للزنى، وكان الذمُّ له على ذلك
مما لا خَفَاءَ به. فقال قائل: أفيجوزُ أن يُسمى بما يُسمى به في
الحديث الأول من الزنى، الذي سُمِّيَ به فيه، ويُطلق ذلك عليه، ولم
یکن منه الزنى؟
فكان جوابُنا له في ذلك: أنه قد يجوزُ أن يُطلق عليه هذا الاسمُ
إذا كان قد صار سبباً لإِطلاقه إياه إلى مَنْ يَفْعَلُهُ، وإباحته إِيَّه ذلك،
كما قد رُوِي عن النبي • وَلا
٤٥٥٣ - مما قد حدثنا عليّ بن مَعْبَدٍ، حدثنا روحُ بنُ عبادة، حدثنا
ثابتُ بنُ عُمارة، قال: سمعت غُنِيم بنَ قيسٍ ، قال:
سمعتُ أبا موسى الأشعريَّ يُحَدِّثُ عن النبيِّي وَلَّ، قال: ((أيُّما امرأةٍ
اسْتَعْطَرَتْ ومَرَّتْ على قومٍ لِيَجِدُوا رِيحَها، فهي زَانِيَةٌ، وكلُّ عينٍ
زانیةٌ))(١).
= ورواه الترمذي (٣١٧٧)، والبيهقي ١٥٣/٧ من طريق روح بن عبادة، عن عبيد
الله بن الأخنس، به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
(١) إسناده قوي، رجاله ثقات رجال الصحيح غير ثابت بن عمارة الحنفي، فقد
روى له أبو داود والترمذي والنسائي، ووثقه ابن معين والدارقطني وابن حبان وشعبة،
وقال أحمد والنسائي: ليس به بأس، وقال البزار: مشهور، وقال الذهبي: صدوق،
وانفرد أبو حاتم، فقال: ليس عندي بالمتين!، وقد تشبث ابن حجر بقول أبي حاتم، =
٤٧٨

وكان في هذا الحديثِ إطلاقُ رسول الله نَّهِ عليها الزنى، وكان
منها السببُ الذي يكونُ عنه الزنى، فمثلُ ذُلك - والله أعلم - كان
إطلاقه وَّرُ الزنى على مَنْ أطلقه عليه في الآثارِ الأولِ ، لفعله ما يكونُ
سبباً للزنى الذي أطلقه عليه. فبان بحمد الله ونعمته المعنى الذي
حَمَلْنَا عليه الآثارَ الأَوَلَ التي ذكرناها في هذا الباب بهذا الأثرِ الثاني
الذي ذكرناه فيه، والله أعلم.
= فقال: صدوق فيه لين. وقد تقدم الحديث برقم (٢٧١٦).
ورواه أحمد ٤١٨/٤، والحاكم ٣٩٦/٢ من طريق روح بن عبادة، بهذا
الإسناد. وقرن أحمد بروحٍ عبد الواحد الحداد. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
ورواه ابن حبان (٤٤٢٤) من طريق النضر بن شميل، عن ثابت بن عمارة
الحنفي، به. وانظر تمام تخريجه فيه.
قال المناوي: استعطرت، أي: استعملت العطر، أي: الطيب، يعني ما يظهر
ريحه منه، ثم خرجت من بيتها، فمرت على قوم من الأجانب ليجدوا ريحها بقصد
ذلك، فهي كالزانية في حصول الإثم، وإن تفاوت، لأن فاعل السبب كفاعل
المسبّب، قال الطيبي: شبّه خروجها من بيتها متطيبة مهيجة لشهوات الرجال التي
هي بمنزلة رائد الزنى بالزنى مبالغة وتهديداً وتشديداً عليها.
قال بعض العلماء: تزين المرأة وتطيبها لزوجها من أقوى أسباب المحبة والألفة
بينهما وعدم الكراهة والنفرة، لأن العين رائد القلب، فإذا استحسنت منظراً أوصلته
إلى القلب، فحصلت المحبة، وإذا نظرت منظراً بشعاً أو ما لا يعجبها من زي أو
لباس تلقيه إلى القلب، فتحصل الكراهة والنفرة، ولهذا كان من وصايا نساء العرب
لبعضهن: إياك أن تقع عين زوجك على شيء لا يستملحه، أو يشم منك ما
يستقبحه .
٤٧٩

٧١٥ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ وَلول
في الرضاع الذي تجب به الحرمةُ: هل له
عددٌ معلومٌ أم لا؟
٤٥٥٤ - حدثنا روحُ بنُ الفرج، حدثنا يحيى بنُ عبد الله بن بُکَیْرِ،
حدثني الليثُ بنُ سعدٍ، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهابٍ، عن
عُروة بن الزبير
عن عائشة رضي الله عنها، عن رسولِ اللهِ وَّهِ: ((لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ
مِن الرَّضّاعِ والمَصَّتَانِ))(١).
٤٥٥٥ - وحدثنا نصرُ بنُ مرزوق، حدثنا أبوزرعة وهب اللهِ بنُ
راشدٍ، حدثنا يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهابٍ، حدثني عُروة بنُ الزبير
عن عبدِ الله بن الزبير، عن رسولِ اللهِ وَله، قال: ((لا تُحَرِّمُ
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الدارمي ١٥٦/٢ عن عبد الله بن صالح، عن الليث، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٢٤٧/٦ عن عثمان بن عمر، عن يونس، به.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٥٤٥٨)، وابن حبان (٤٢٢٧) من طريق هشام بن
عروة، عن أبيه، به. لكن قرن النسائي بعائشة عبد الله بن الزبير، وانظر (٤٥٥٦).
٤٨٠