النص المفهرس
صفحات 421-440
تَمَّامٍ هذا، وذكر أن عبد الله بن المبارك جعله عن عبد الرحمن بن أبي مليح، عن أبيه، وذكر في ذلك ٤٥٣٢ - ما قد حدثنا يحيى بنُ عثمان، حدثنا نُعيم بنُ حماد، حدثنا ابنُ المبارك، أخبرنا المنهالُ بن خليفة، حدثني سلمة بن تمام، عن عبد الرحمن بن أبي مليح الهُذلي عن أبيه، ولم يذكر بعدَ أبيه أحداً أن النبيَّ وَ ﴿ أُتي بامرأتين كانتا عندَ رجلٍ من هُذيل يقال له: حَمَلُ بنُ مالك، فضربت إحداهما بطنَ صاحبتِها بعمودِ فُسطاط، فألقت جنيناً ميتاً، فانطلق بهما إلى رسولِ اللّه ◌َ﴿ ومعها أخ لها يقال له: عِمرانُ، فقصَّ على النبيِّ ◌َِّه، فقضى فيه بغُرَّةٍ، فقال: أَنَدِي مَن لا شَرِبَ ولا أكل، ولا صاح ولا استهل؟! فمثله يُطَلُّ. فقال النبيُّ نَّهَ: ((دَعْنِي من أراجِيزِ أهلِ البادية، أو من أراجيزِ الأعراب، فيه غُرَّةً: عبدً أو أمة، أو خمس مئة درهم - ولم يذكر ما هي -، أو فرس، أو عشرون ومئة شاة))، فقال: يا رسول الله إن لها بَنِينَ هُمْ سَادَةٌ الحي أحقّ بعقلها مِني، فقال: ((أنت أحقُّ بالعقل عن أختك مِن ولدها))، فقال: ما لنا شيءٌ نعقل ولا ندِي، فقال لحمل بن مالك وهو زوجُ المرأتين، وهو على صدقات هُذيل: ((اقبض من تحت يدك مِن صدقات هُذيل عشرين ومئة شاة))(١). (١) إسناده على انقطاعه ضعيف، نعيم بن حماد في حفظه شيء، والمنهال بن خليفة ضعيف، وعبد الرحمن بن أبي المليح الهذلي - واسم أبي المليح عامربن أسامة بن عمير - مجهول لم يوثقه غير ابن حبان. وحديث أبي المليح الهذلي عن أبيه وعن حمل بن مالك بن النابغة، سلف برقم (٤٥٢٦) و(٤٥٢٧) و(٤٥٢٨). ٤٢١ فعاد هذا الحديثُ عن سلمة بن تمام، عن عبد الرحمن بن أبي المليح، عن أبيه، فعاد بذلك منقطعاً غير أنه قد يحتمل أن يكونَ سلمةُ بنُ تمام أخذه عن ابن أبي مليح كذلك، وحدث به أبو مليح عن أبيه كما في حديث عثمان بن سعيد بن مُرة، وذلك أولى ما حمل عليه لجلالة عثمان بن سعيد وإتقانه وحفظه، لا سيما وقد وافقه أيوب في روايته هذا الحديث عن ابن أبي مليح، عن أبيه. والله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك، وإياه نسأله التوفيق. ـفـ : لله تعالى C لله ٤٢٢ ٧٠٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله وَ خـ مما قاله ليزيد أبي معن في صدقته التي أخذها معن مِن الرجل الذي كان وضعها عندَه: ((لك ما نويتَ يا يزيدُ، ولك يا معنُ ما أخذتَ)) ٤٥٣٣ - حدثنا محمدُ بنُ خُزيمة، حدثنا عبدُ الله بنُ رجاء الغُداني، حدثنا إسرائيلُ بنُ يونس، عن أبي الجويرية عن معن بن يزيد، قال: بايعتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ِ أنا وأبي وجَدِّي، وخطب عليَّ، فأنكحني، وخاصمتُ إليه، وكان أبي خرج بدنانيرَ يتصدَّقُ بها، فوضعها عند رجل، فأخذتُها، فأتيته بها، فقال: واللهِ ما إِيَّكَ أردتُ بها، فخاصمته إلى النبيِّ وَّه، فقال: ((لَكَ ما نَوَّيْتَ - لأبي -، ولَكَ مَا أُخَذْتَ يا مَعْنُ))(١). (١) إسناده صحيح على شرط البخاري. أبو الجويرية: هو حِطّان بن خفاف الجرمي، واسم جد معن: الأخنس بن حبيب السلمي كما جزم به ابن حبان وغيرُ واحد. وأخرجه أحمد ٤٧٠/٣، والبخاري (١٤٢٢)، والطبراني (١٠٧٠)، والبيهقي ٣٤/٧ من طرق عن إسرائيل، بهذا الإِسناد. ٤٢٣ قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه ذكرَ معنٍ أن أباه خَرَجَ بالدنانيرِ التي كان خرج بها لِيتصدَّقَ بها، فوضعها عندَ الرجل الذي كان وضعها عنده، فكان ذلك الوضعُ منه عند ذلك الرجل - والله أعلم - لِتلك الدنانيرِ لِيَضَعَها في الوجه الذي أخرجها له، وكان ذلك الرجلُ له في ذلك وكيلاً، وكان تَقَدَّمَ مِن يزيد إرادته بتلك الدنانير الصدقة على غيرِ ابنه على ما في الحديث مما قاله لابنه معن بعد أخذه صدقتَه مِن ذلك الرجل، وكانت الوكالات إنما تكونُ بما يتكلم به المُوَكِّلُون ويُخاطبون به وكلاءَهم لا بما ينوونه في ذلك، ويكتمونه عنهم في قلوبهم، وكان الثوابُ إنما يكون فيما يكونُ مِن نيات = وقوله: ((خطب علي فأنكحني))، أي: طلب لي النكاح فأجيب، يقال: خطب المرأة إلى وليها: إذا أرادها الخاطب لنفسه، وعلى فلان: إذا أرادها لغيره، قال الكرماني: الفاعل هو رسول الله لَ﴾ .. وقوله: فوضعها عند رجل، فيه حذف تقديره: وأذن له أن يتصدق بها على من يحتاج إليها إذناً مطلقاً. قال العيني في ((عمدة القاري)) ٢٨٨/٨ : وفي الحديث جوازُ التحاكم بين الأب والابن وخصومته منه، ولا يكون هذا عقوقاً إذا كان ذلك في حق، على أن مالكاً رحمه الله كره ذلك ولم يجعله من باب البِّ، واختياري هذا. وفيه أن ما خرج إلى الابن من مال الأب على وجه الصدقة أو الصلة أو الهبة لا رجوعَ للأبِ فيه، وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى. واتفق العلماء على أن الصدقة الواجبة لا تسقط عن الوالد إذا أخذها ولده حاشا التطوع، قال ابنُ بطال: وعليه حمل حديث معن. وفيه أن للمتصدق جزاء ما نواه سواء صادق المستحق أو لا . ٤٢٤ المتصدقين ومن سواهم من أهل الأعمالِ التي يُطلب بها القُرْبُ إلى اللهِ تعالى، كما قال رسولُ الله ◌ِوَهِ: ((إنَّما الأعمالُ بالنيات، وإنما لامرىءٍ ما نوى)) مما سنذكره فيما بَعْدُ مِن كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل، ولما كان الأمرُ فيما ذكرنا كما وصفنا، وكان مِن يزيد أبي معن ما كان منه مِن النية التي كان نواها فيما كان أخرجه لِيتصدق به، كان له ثوابُ نيته، وكان ما أخذه ابنُه معنٌ مِن ذلك قد أخذه ممن وكّل فيه جائزَ الوكالة بما فعله فيه، فجاز لِمَعْنِ ما فعله له فيه وكيلُ أبيه فيما دفعه إليه، وكان لأبيه ثوابُ ما نواه مِن الصدقة به على الغريب الذي كان أرادَ أن تكونَ صدقةً عليه، وقد احتج محمد بن الحسن بهذا الحديث لِقوله فيمن تصدق بزكاة ماله على رجلٍ يراه أجنبياً منه، ثم عَلِمَ بعدَ ذلك أنه أبوه أو ابنُه أنه يُجزئه ذلك، وليس هذا عندنا مِن قوله بشيء، ولا في هذا الحديث الذي احتج به حجةٌ له فيه، والدليلُ على ذلك - والله أعلم - أن تلك الصدقة لا تَحِلَّ لِقابضها، لأنها زكاةٌ مالٍ أبيه، وزكاة مالٍ أبيه أو مال ابنه لا تَحِلُّ له، وإذا كانت لا تَحِلّ له كانت غيرَ جازية عن أبيه، أو عن ابنه الذي أعطاه إيّاها، ومثل ذلك الرجلُ يدفع زكاةَ مالِه إلى رجلٍ على أنه فقير، ثم يعلم بعدَ ذلك أنَّه غني، فلا تُجزئه أيضاً، لأنها حرامٌ على الذي أعطيها، وإذا كانت حراماً عليه، كانت غير جازية عن معطيه إيّاها، وهذا قولُ أبي يوسف، وهو أولى ما قيل في هذا الباب عندنا، والله أعلم، وإياه نسأله التوفيق. ٤٢٥ ٠ ٧٠٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسولِ اللهِ وَ﴾ في الزيادات في أثمان الأشياء المبيعات: هل تلحق بالأثمان التي عقدت تلك البياعاتُ عليها أم لا؟ قال أبو جعفر: قد ذكرنا فيما تَقَدَّمَ مِنَّا في كتابنا هذا حديثَ جابر بن عبد الله في بيعه جمله رسول الله وَ ير في إقباله إلى المدينة، وأمرَ رسول الله وَّهِ بلالاً لما قَدِمَ المدينةَ أن يدفع إليه ثمنه، وأن يزيده قيراطاً، فقلت: لا تُفارقني زيادةُ رسولِ الله وَ ر أبداً، فكان في كيسي حتى أخذه أهلُ الشام يومَ الحَرَّةِ، وكان إسنادُه الذي ذكرناه به: ٤٥٣٤ - أن يزيدَ بنَ سنان حدثناه، قال: حدثنا الحسنُ بنُ عُمَرَ بن شقيق، حدثنا جريرُبنُ عبدِ الحميد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابربن عبد الله(١). وأَعَدْنَا ذكرَ إسناده هاهنا، لأنا بعدَ أن ذكرنا أنا قد كنا جئنا به فيما تقدَّم مِنا في كتابنا هذا ظننا أنا لم نكن جئنا به، فأعدنا إسناده احتياطاً، ففي حديث جابرٍ الذي ذكرناه زيادةُ رسولِ الله وَ ﴿ إِيَّاه بعدَ البيعِ الذي كان بينهما في ثمن البعير الذي كان ابتاعه منه به، وفي (١) إسناده صحيح على شرط البخاري. وهو مكرر (٤٤١٥). ٤٢٦ ذلك دليلٌ على أن الزيادةَ قد لَحِقَتْ بذلك الثمن، فصارت منه، وصارت كمن عَقَدَ البيعَ به مع ما سواه مما عقد البيعَ به، وكان محالاً أن يكونَ رسولُ الله ◌َّلَ ملك جابراً ما ملكه إياه بمعنى، ولا يملكه بذلك المعنى، ويملكه بغيره، كما يقول من يقول: إن الزيادة في الثمن هِبَةٌ مِن الذي يزيدُها للذي يزيدُها إياه، وممن كان يقولُ ذلك مالكُ وزُفَرُ، لأن الأشياء إنما تُمْلَكُ من حيث ملكت لا مما سواها، وقد روي عن رسول الله صل من الزيادة في غير البياعات ٤٥٣١ - ما حدثنا محمدُ بنُ عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أنَّ رسولَ اللهِ وََّ، قال: ((أَيُّما رَجُلٍ شَارَطَ امرأةً، فَعِشْرَتُهُما ثلاثُ ليالٍ، فإن أحبا أن يتناقضا تناقضا، وإن أحبا أن يَزِيدًا في الأجل، زاد)). قال سلمة: لا أدري أكانت لنا خاصة أم للنّاسِ عامّة(١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث القرشي المدني. وعلقه البخاري في «صحيحه)) (٥١١٩)، فقال: وقال ابن أبي ذئب: حدثني إياس بن سلمة، بهذا الإسناد. ووصله الطبراني في ((الكبير)) (٦٢٦٦)، وأبو نعيم في ((المستخرج)) كما في ((تغليق التعليق)) ٤١٢/٤ من طريق محمد بن عباد المكي، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب، به. قال الإِمام البغوي في ((شرح السنة)) ٩٩/٩-١٠٠: نكاح المتعة كان مباحاً في = ٤٢٧ ٤٥٣٦ - وما قد حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا أبو عاصم، عن ابن أبي ذئب، عن إياس بن سلمة عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((أيُّما رَجُلٍ وامرأةٍ تمتّعا، فِعِشرَتهما بينهما ثلاثُ ليال، فإن أحبا أن يزدادا ازدادا))(١). وكان في هذا الحديث في الوقت الذي كانت المتعةُ طلقاً، وكانت حلالاً أنها إذا عقدت على وقتٍ بعينه، فانعقدت عليه، ثم أحبُّ مُتعاقداها أن يزيدا في ذلك الوقت مدة أُحَبَّاها، وذكرا مقدارَها أن تلك الزيادة لاحقةً بالمدة الأولى، وأن حكم المدة الثانية في ذلك حكمُ المدة الأولى، فمثلُ ذلك أيضاً البيعُ إذا وقع على شيءٍ بعينه بثمنٍ بعينه، ثم أراد واحدً مِن متعاقديه زيادةً صاحبه فيما ملكه إِيَّه فيه شيئاً، = أول الإِسلام، وهو أن ينكح الرجل المرأة إلى مدة، فإذا انقضت بانت منه، ثم نهى عنها رسولُ اللهِ وَّ، فقد روى مسلم في «صحيحه)) (١٤٠٦) (٢١) عن الربيع بن سبرة، عن أبيه أنه كان مع رسول الله وَله (يعني عام فتح مكة)، فقال: ((يا أيها الناسُ إني كنتُ أُذِنْتُ لكم في الاستمتاعِ مِن النساء، وإن الله قد حَرَّمَ ذُلك إلى يومِ القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً))، وفي رواية: أمرنا رسول الله وَله بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج منها حتى نهانا عنها. واتفق العلماءُ على تحريم المتعة، وهو كالإجماع بين المسلمین. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد، وهو منسوخ کالذي قبله. ورواه الإسماعيلي في ((المستخرج)) كما في ((تغليق التعليق)» ٤١٢/٤ من طريق أبي عاصم، بهذا الإِسناد. وانظر ما قبله. ٤٢٨ فزاده إِيَّاه، وقبلَهُ منه أنَّ تلك الزيادة لاحقةٌ به، وداخلةٌ في حكمه، وقد روينا حديثَ جابرِ الذي قد رويناه في هذا الباب في تثبيت هذا المعنى . ٤٥٣٧ - وقد حدثنا أبو أمية في مثله، قال: حدثنا أبو نُعيم الفضلُ بنُ دكين، حدثنا عبدُ السلام بنُ حرب، عن الأعمش، عن سالم بنِ أبي الجعد عن جابرٍ أن النبيَّ نَّه اشترى منه بَعِيراً بأوقية من ذهب، فأمر بلالاً فَوَزَنَ له، وزاده قيراطاً(١). وقد رُويَ عن أصحاب رسولِ الله ◌َّ في استعمالهم في الزيادات في البياعات بَعْدَ رسولِ اللهِ وََّ ما يُوافِقُ هذا المعنى، فمن ذلك: ما قد حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ رِجَالٍ، حدثنا أحمدُ بنُ صالح، حدثنا عبدُ الرزاق، أنبأنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن ابنَ المُسَيّب، قال: قال أصحابُ النبيِّ وََّ، ورِضِيَ عنهم: وَدِدْنا لو أنَّ عُثمان وعبدَ الرحمن تبايعا حتى ننظر أيُّهما أَعْظَمُ جَدّاً في التجارة، فاشترى عبدُ الرحمن من عُثمان فرساً بأرضٍ لهُ أُخرى بأربعين ألفَ درهمٍ، أو نحو ذلك - شكَّ عبدُ الرزاق في العدد - إن أدركتها الصفقة وهي سالمة، ثم أجاز قليلاً، فرجع، فقال: أزيدُك ستةً آلاف إن وجدها رسولي سالمةٌ، قال: نعم، فوجدها رسولُ عبد الرحمن قد ماتت، قال: فخرج منها بالشرط الآخر، فقالَ رجلٌ للزّهري: فإن لم يشترط؟ قال: فهي (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وانظر (٤٤١٥). ٤٢٩ من مال البائع (١). فكان في هذا الحديثِ ما قد دَلِّ عليه مما قاله الزهريُّ في آخره: أن البيعَ لو مضى على العقدِ الأولِ كان موتُ الفرس من مال مبتاعها وهو عبدُ الرحمن، ثم زاد عبدُ الرحمن عثمانَ في ثمنها زيادةٌ زاده بها عثمان شرطاً أوجبَ له إن ماتت قَبْلَ وصولٍ رسوله إليها ماتت مِن مال عثمان وهو بائعها، ففي ذلك ما قد دَلَّ على إلحاق الزيادات في العُقود، وقد كان ذلك من عثمان وعبد الرحمن بحضرة أصحاب رسول الله ﴿ الذين كانوا يتَمَنَّوْنَ أن يتبايعا ليقفوا على أيهما أعظمُ جَدّاً في التجارة، فلم يُنْكِرُوا ما كان منهما عليهما، ولم يُخالفوهما في ذلك، فدل ذلك على متابعتهم إياهما عليه، ومن ذلك: ما قد حذَّثنا يزيدُ بن سنان، حدثنا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا الأجلحُ الكندي، عن عبد الله بن أبي الهُذيل قال: رأيتُ عمار بن ياسرِ خرج مِنْ القصر، فاشترى قِتّاً بدرهم، فاستزاد صاحبَ القت حبلاً، فنازعه حتى أخذ هذا قطعة منه، وهذا قطعة منه، ثم احتمله على عاتقه حتى دخل القصر(٢). قال أبو جعفر: وهذا كان مِن عَمَّارٍ وهو أميرٌ، لأنه لم يسكن القصرَ الذي كان الأمراء يسكنونه إلا وهو أميرٌ، وقد حَقَّقَ ذلك: (١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير أحمد بن صالح، فمن رجال البخاري. وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٤٢٤٠). (٢) رجاله ثقات رجال الصحيح غير الأجلح - وهو ابن عبد الله الكندي الكوفي - فقد روى له أصحاب السنن والبخاري في ((الأدب المفرد)» وهو حسن الحديث. وانظر ما بعده. ٤٣٠ ما قد حدثنا يحيى بنُ عثمان، حدثنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ، حدثنا ابنُ المبارك، أخبرنا سفيانُ، عن أبي سِنان والأجلح، عن ابن أبي الهُذيل قال: رأيتُ عمارَ بنَ ياسرِ خرج وهُوَ أَميرُ، فاشترى قتاً، فاستزاده حبلاً، فجعل هذا يمدُّ، وهذا يمدُّ، فقال أبو سنان: فلا أدري أيُّهما غلب، وقال الأجلح: فاقتسماه نصفين(١). ففي هذا الحديثِ أن عماراً - وهو أميرٌ لا تَصْلُح له الهديةُ، ولا يصلح له قبولُ هِبةٍ من أحدٍ - استزاد بائعه ذلك القت، وذلك لا يكونُ منه إلا لأنه يلحق البيعَ، فيكون منه بحصته مِن ثمنه، كهو لو وقع البيعُ عليه مع ما وقع عليه سواه، وفي ذلك ما قد دَلَّ على القولِ الذي أخبرناه فيما تَقَدَّم منا في هذا الباب فيما قيل فيه، وهذه الزيادات عندنا إنما تُلْحَقُ بما زِيدَتْ فيه بعد أن يكونَ الذي زيدت فيه في الحال الذي استؤنف البيعُ فيه عليها جاز، فأما إن كان قد دخله ما يمنع من ذلك کموتِ المبيع، أو کعتاق مبتاعه إيَّه، أو کخروجه مِن مِلكِه إلى مِلك مَنْ سواه، فإن تلك الزيادات إن كانت، كانت بخلاف هذا المعنى، ولم تلحق بذلك العقدِ الذي قد زِيدت فيه. وهو الموفقُّ وهو المستعان . (١) نعيم بن حماد وإن كان فيه كلام من جهة حفظه قد توبع، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح غير الأجلح متابع أبي سنان، فقد روى له أصحاب السنن، والبخاري في ((الأدب المفرد))، وهو حسن الحديث. أبو سنان: اسمه ضراربن مرة الشيباني، وسفيان: هو الثوري. ورواه عبد الرزاق (١٤٣١٠) عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد. ولم يبين اختلاف روايتي الأجلح وأبي سنان. ٤٣١ ٧٠٩ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله داخله في الزيادة فيما لا تجوز الزيادة فيه، بل ترجِعُ إلى زائدها، أو تكونُ هبةً منه للذي زادها إيّاه ٤٥٣٨ - حدثنا صالحُ بنُ شعيب بن أبان البصري أبو شعيب، أخبرنا الحسينُ بنُ مهدي الأبُلِّي، أخبرنا عبدُ الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عُروة عن عائشة رضي الله عنها: أن النبيَّ وَّ بعث أبا جهم بنَ حُذيفة مُصَدِّقاً فلاحاه رجلٌ في صدقته، فأخذه، فضربه فشجَّه أبو جهم، فأتوا النبيَّ ◌َ﴿، فقالوا: القود يا رسولَ الله، فقال النبيَُِّله: ((لكم كَذَا وكَذا))، فلم يَرِضَوْا، فقال: ((لكم كذا وكذا))، فرضوا، فقال رسول الله وَّ: ((إني خاطِبُ العشيةَ على الناسِ ومُخبِرُهُم برضاكُم))، [فقالوا: نعم، فخطب رسول الله وَّه، فقال: ((إنَّ هؤلاءِ اللَّيثِين أتوني يريدون القَوَدَ، فَعَرَضتُ عليهم كذا وكذا فرضوا))] قال: ((أرضيتم؟)) قالوا: لا، قال: فهمَّ بهم المهاجرون، فأمرهم النبيُّ عليه السَّلامُ أن يَكُفْوا عنهم، ثم دعاهم النبيُّ ونَ﴿، فزادهم، فقال: ((أرضيتم؟)) قالوا: نعم، قال: ((فإِني خاطبٌ على الناسِ ومخبرُهم برضاكم))، قالوا: نعم. فخطب ٤٣٢ الناسَ، فقال: ((أرضيتُم؟)) قالوا: نعم(١). ففي هذا الحديثِ معنى لطيفٌ مِن الفقه يجبُ أن يُوقف عليه، ويُوقف به على أن الزيادةَ في هذا المعنى بخلافِ الزيادة في المعنيين اللذين ذكرناهما في الباب الذي قبل هذا الباب وذلك أن الزيادة في المعنيين اللذين ذكرناهما في الباب الذي قَبْلَ هذا البابِ زيادةٌ في بيعٍ قد يجوزُ أن يتناقضه متعاقِداه، ثم يتعاقدانه من ذي قبل، وتزويجٌ قد يجوزُ أن يتناقضاه، أو يتعاقدانه من ذي قبل بما يتعاقدانه، فجازت في ذلك الزيادةُ، وكان الصلحُ عن أبي جهم بن حذيفة مما لا يجوز أن يتناقضَه رسولُ الله وآله والذين صالحهم به عنه، لأن رجلاً لو شجّ رجلاً شجَّةً، أو جنى عليه جنايةً، فصالحه منها على شيءٍ أو صُولح عنه منها على شيءٍ، ثم أراد متعاقدا ذلك الصلح أن يتناقضاه بينهما أنهما لا يَقْدِرانِ على ذلك، وأنهما إن نقضاه، لم ينتقض، وما هذه (١) إسناده صحيح. الحسين بن مهدي الآبلي، روی له الترمذي وابن ماجه، وهو صدوق، ومَن فوقه ثقات من رجال الشيخين. 5 وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) برقم (١٨٠٣٢). ومن طريق عبد الرزاق رواه أحمد ٢٣٢/٦، وأبو داود (٤٥٣٤)، والنسائي ٣٥/٨، وابن ماجه (٢٦٣٨)، وابن حبان (٤٤٨٧)، والبيهقي ٤٩/٨. ورواية ابن حبان مختصرة . ورواه مرسلاً البيهقي ٤٩/٨ من طريق عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: بلغنا أن رسول الله ﴿ استعمل أبا جهمٍ على صدقة، فضرب رجلاً من بني ليث فشجه ذا المُغَلّظتين، فسألوه القود، فأرضاهم، ولم يُقد منه. وهذا معضل. ٤٣٣ سبيلُه، فالزيادةُ فيه غيرُ لاحقة بأصلِه ومختلف فيها، فطائفة مِن أهلِ العلم تقولُ: إنَّها باطلة، وإنها راجعةٌ إلى الذي زادها، وممن كان يقولُ ذلك منهم أبو حنيفة وأبو يوسف وطائفة منهم تقولُ: إنها هبةً من الذي زادها للذي زادها إياه، فإن سلمها إليه جازت له، وإن منعه منها لم يُجبر على تسليمها إليه، وهذا معنى قد ذكر عبد الرحمن بن قاسم ما يَدُلَّ في جواباته اشتهاره عن مذهب مالكٍ فيه، وهو قولُ زفر فيه، وقد مال إليه محمدُ بنُ الحسن في بعض مسائله التي تَدْخُلُ في هذا الباب، ونحن نعلم أن رسولَ الله وَ ر لم يدفع إلى أولئك القومِ ما لا يَحِلَّ لهم أخذُه، وأنه لا يدفع إلى أحدٍ إلا ما يَكُونُ طيباً له، لأن مِن شريعته في مثل هذا تحريمَ أكلِ الربا، وتحريمَ إطعامه، وفي إباحته إيّاهم ذلك دليلٌ على طيبه لهم، وأن ذلك قد صار إليهم هبةٌ منه لهم، كما قال ذلك مَنْ قاله ممن ذكرناه عنه، ورسولُ اللهِ وَّهِ هو الحجةُ على الناس جميعاً. وبالله التوفيق. ٠ -... ٤٣٤ ٧١٠ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسول الله وَه فيما أنزل الله عليه في أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه في حُدودهم مِن الحكم بينهم فيها، ومن الإِعراض عنهم فيها، وهل نسخ ذلك بقوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ أم لا؟ ٤٥٣٩ - حدثنا محمدُ بنُ النعمانِ السَّقطي، حدثنا الحميديُّ، حدثنا سفيانُ بنُ عيينة، حدثنا مجالد بنُ سعيدِ الهَمْدَانيُّ، عن الشعبيِّ عن جابر بن عبد الله، قال: زنى رجلٌ من أهلِ فَدََ، فكتب أَهْلُ فَدَكَ إلى نَسٍ من اليهود بالمدينة أن سَلُوا محمداً عن ذلك، فإن أَمَرَكُم بالجَلدِ، فَخُذوه، وإن أمركم بالرجم، فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك، فقال: ((أرسِلُوا إليَّ أعلمَ رجلين فيكم))، فجاؤوه برجلٍ أعورَ، يقال له: ابنُ صوريا وآخر، فقال النبيُّ وَ *: ((أنتما أعلمُ مَّن قبلكما؟)) فقالا: قد نَحَلَنَا قومُنا بذلك، فقال النبيُّ :﴿ لهما: ((أَلَيْسَ عِنْدَكُمُ التَّوْرَةُ فيها حُكْمُ اللهِ؟)) فقالا: بلى، فقال النبيُّ ◌ٍَّ: ((فنشذْتُكُما بالذي فَلَقَ البحر لِبني إسرائيلَ، وأنزل التوراةَ على موسى، وأنزل المَنَّ والسلْوى، وظَلَّلَ عليكُم الغَمَامَ، وأنجاكُم من آل فِرِعون ٤٣٥ ما تَجِدُون في التَّوراةِ مِن شَأْنِ الرَّجْمِ؟)) فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قَطْ، ثم قالا: نجد أن النظر زنية، والاعتناق زنية، والقبلة زنية، فإذا شَهِدَ أربعة أنَّهم رأوه يُبدي ويُعيد كما يدخل الميلُ في المكحلة، فقد وَجَبَ الرجمُ، فقال النبيُّ ونَ﴿: ((هُو ذَاكَ))، فَأَمَرَ به فَرُجِمَ، ونزلت: ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنهم وإنْ تُعْرِضْ عنهم فلَنْ يَضُرُوكَ شيئاً وإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ﴾ الآية(١) [المائدة: ٤٢]. ففي هذا الحديث أن الله تعالى جعل في الآية المتلوة فيه لنبيه الخيارَ في أن يَحْكُمَ بَيْنَ اليهود إذا جاؤوه، وفي أن يُعْرِضَ عنهم، فلا (١) إسناده ضعيف لضعف مجالد بن سعيد. وهو في ((مسند الحميدي)) (١٢٩٤). ورواه أبو داود (٤٤٥٢)، وابن ماجه (٢٣٢٨) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، عن مجالد بن سعيد، بهذا الإِسناد. ورواية ابن ماجه مختصرة. ورواه أبو داود (٤٤٥٣) و(٤٤٥٤) من طريقين عن الشعبي، مرسلاً. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٧٨/٣، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه. وانظر ما سيأتي برقم (٤٥٤٥). وقوله: ((كما يدخل الميل في المكحلة))، الميل: هو ما يجعل به الكحل في العين، والمكحلة بضم الميم: الوعاء الذي يوضع فيه الكحل، وهي من النوادر التي جاءت بالضم، وقياسها الكسر لأنها آلة، قال ابن السكيت: ما كان على مفعل ومفعلة مما يعمل به، فهو مكسور الميم مثل مِخرز ومٍبضع ومسلة ومزرعة ومخلاة إلا أحرفاً جاءت نوادر بضم الميم والعين وهي: مُسْعُط ومُنْخُل ومُذْهُن ومُكْحُلَة ومُنْصُل. قلت: وقد يقال: المِسقطُ والمِدَق والمحرضة في هذه الثلاثة على القیاس. ٤٣٦ یحکم بينهم. فقال قومٌ: هذه آية محكمةٌ، وكان ما ذكر في هذا الحديث من رجم النبي ذلك اليهودي باختياره أن يَرْجُمَه، وقد كان له أن لا يَرْجُمَه لقول الله: ﴿أو أعرض عنهم﴾، أي: فلا تَحكُمْ بِينَهُم. وقد خالفهم في ذلك آخرون من أهل العلم، وذكروا أن هذه الآية منسوخةٌ بقوله: ﴿وأن احكُم بينَهم بما أَنْزَل الله ولا تَتْبِعْ أَهْوَاءَهُم﴾ [المائدة: ٤٩]، ورووا ما قالوا في ذلك عن عبدِ الله بن عباس ٤٥٤٠ - كما قد حدثنا محمدُ بنُ سليمان بن الحارث الواسطي الباغنديُّ، قال: حدثنا سعيدُ بنُ سليمان الواسطيُّ، حدثنا عبادُ بنُ العوام، عن سفيانَ بنِ حُسين، عن الحكم، عن مجاهد عن ابن عباس، قال: آيتانِ نُسِخْتًا من هذه السورة، يعني سورة المائدة: ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَو أَعْرِضْ عَنهم﴾ [المائدة: ٤٢]، فكان رسولُ اللهِ وَلّ مخيراً إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم، فنزلت: ﴿وأن احكُم بِينَهم بما أَنْزَل الله ولا تَتْبِعْ أَهْوَاءَهُم﴾ [المائدة: ٤٩]، قال: فأمر رسولُ اللهِ وَ أن يَحْكُم بينهم على كتابنا (١). (١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير سفيان بن حسين فمن رجال مسلم، وهو ثقة باتفاقهم في غير الزهري. ورواه أبو جعفر النحاس في ((الناسخ والمنسوخ)) ص ١٦٠، والحاكم ٣١٢/٢، والبيهقي ٢٤٨/٨-٢٤٩ من طرق عن سعيد بن سليمان، بهذا الإسناد. قال النحاس: وهذا إسناد مستقيم، وأهل الحديث يدخلونه في المسند. = ٤٣٧ . . = ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٦٣٦٩) و(٧٢١٩) من طريق العلاء بن هلال، والطبراني (١١٠٥٤) من طريق أبي موسى الهروي، كلاهما عن عباد بن العوام، به. ورواه الطبري في ((جامع البيان)) (١١٩٩٦) عن محمد بن عمار، عن سعيد بن سليمان، به. إلا أنه لم يذكر فيه ابن عباس. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٨٢/٦، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردویه . قلت: اختلف علماء التفسير في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها منسوخة، وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبيِّ وَلـ كان مخيراً، إن شاءَ حكم بينهم، وإن شاء أعرضَ عنهم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ الله﴾ فَلزمه الحكمُ، وزال التخيير، وهذا مروي عن ابنِ عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والسُّدي، قال أبو جعفر النحاس: وهو الصحيحُ من قول الشافعي، قال في كتاب الجزية: ولا خيارَ له إذا تحاكموا إليه، لقوله عز وجل: ﴿حتى يُعْطُوا الجِزيةَ عن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرونَ﴾، وهذا من أصلح الاحتجاجاتِ، لأنه إذا كان معنى: ﴿وهم صاغرون﴾ أن تجري عليهم أحكام المسلمين، وجب أن لا يُردوا إلى أحكامهم، فإذا وجب هذا، فالآية منسوخة، وهو أيضاً قول الكوفيين: أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد، لا اختلافَ بينهم إذا تحاكم أهلُ الكتاب إلى الإِمام أنه ليس له أن يُعْرِض عنهم غيرَ أن أبا حنيفة قال: إذا جاءت المرأةُ والزوجُ، فعليه أن يحكم بينهما بالعدلِ ، فإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج، لم يحكم، وقال الباقون: بل يحكم. والثاني: أنها محكمة، وأن الإِمامَ ونوابَه في الحكم مخيرون إذا ترافعوا إليهم، إن شاؤوا حَكَمُوا بينهم، وإن شاؤوا أعرضوا عنهم، وهذا مروي عن الحسن والشعبي والنخعي والزهري، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو الصحيحُ، لأنه لا تنافي بينَ الآيتين، فإن تخييره * بين أن يحكم في الخصومة التي رفعوها إليه وبينَ أن يُعرض = ٤٣٨ قال أبو جعفر: وكان حديثُ ابن عباس هذا قد حقق نسخ هذه الآية بالآية المتلوة في حديثه، وكان حكمُ مَنْ بَعْدَ النبيِّ ◌َّر في ذلك مِن وُلاةِ الأمور على مثلِ الذي كان عليه النبيُّ ◌ِ﴿ منها في كُلِّ واحدٍ من هذين القولين اللذين ذكرناهما، وكان الأولى بالأحكام في ذلك عندنا - والله أعلم - هو الحكمَ بينهم لو لم تكن الآية منسوخة لا الإِعراضُ عنهم، لأنهم إذا حكموا بَينَهُم، شَهِدَ لهم الفريقانِ اللذانِ ذكرنا بالنجاة وترك مفروض عليهم في ذلك، لأن مَنْ يقولُ: إنهم حكموا، وعليهم أن يحكموا به، يقول: قد أدوا المفترضَ عليهم في ذلك، ويقول الآخرون: قد حكموا بما لهم أن يحكموا به، وخرج الحكامُ بذلك عندهم مِن ترك مفترض إن كان عليهم فيه، وإذا أعرضوا عنهم، وتركوا الحكم بينهم، فأحد الفريقين يقول: قد تركوا مفترضاً عليهم، والفريق الآخرُ يقول: قد تركوا ما لهم تركُه، وكان ما يُوجب النجاةً لهم عندَ الفريقين جميعاً أولى بهم مما يوجب لهم النجاةَ عندَ أحدٍ الفريقين، ولا يُوجبه لهم عند الفريقِ الآخر. هذا لو لم تكن الآية 5 = عنها، فلا يحكم فيها، لا يُنافيه أن يؤمرَ بالحكم بما أنزل الله إن هو آثر أن يحكم، بل يُبِينُه ويحققه، وقد أفتى بهذا القولِ عطاء بن أبي رباح، ومالكُ بن أنس ذكر ذلك عنهما أبو جعفر النحاس في (الناسخ والمنسوخ)) ص ١٦٠، والقرطبي في ((الجامع لأحكام القرآن)» ١٨٤/٦، وإليه ذهب قتادةُ كما في الطبري (١١٩٨٤) وسعيد بن جبير ذكره عنه ابنُ الجوزي في ((نواسخ القرآن)) ص٣١٤، واختاره أبو جعفر الطبري ومكي بن أبي طالب لعدمِ التعارض بين الآيتين، ولأنه لم يصح خبرٌ عن رسولٍ اللهِ وَ﴾، ولم يُجمع عليه علماءُ المسلمين. انظر ((الأم)) ٢١٠/٤، و((جامع البيان)) ٣٣٣/١٠-٣٣٤، و((زاد المسير)) ٣٦١/٢-٣٦٢، و((التمهيد)) ٣٨٥/١٤_٤٠٥. ٤٣٩ منسوخة، فإذا وجبَ بحديثٍ ابن عباس الذي ذكرنا مع اتصال إسناده، وحُسْن سياقته أن تكون منسوخةٌ بالآية التي تلونا بعدَها، كان الحكمُ بينهم أولى، وكان التمسكُ بها أحرى، ووجدنا قولَه تعالى: ﴿وأنٍ احْكُم بينَهُم بِما أَنْزَلَ الله﴾ يحتمل أن يكونَ المراد: وأن احكم بينهم بما أنزل الله إذا تَحَاكَّموا إليكَ، وأن يكون على معنى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله بوقوفك على ما كان بينهم مما يُوجب ذلك الحكم عليهم، وإن لم يتحاكموا إليك، فنظرنا: هل رُوي في ذلك ما يدل على أحد هذين الاحتمالين ٤٥٤١ - فوجدنا فهداً قد حدثنا، قال: حدثنا عُمَرُ بن حفص بن غياث النخعي، قال: حدثنا أبي، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرّةً عن البراء رضي الله عنه، قال: مُرَّ على النبيِّ لَ﴿ بيهوديٍّ قد حُمِّمَ وجهُهُ وقد ضُربَ يُطافُ به، فقال النبيُّ وَّهِ: ((ما شأنُ هذا؟)) فقالوا: زنى، فقال: ((ما تَجِدُونَ حدَّ الزنى في كتابكم؟)) قالوا: يُحمم وجهه، ويُعَزَّرُ ويُطافُ به. فقال: ((أَنْشُدُكُم باللهِ ما تجدون حدَّهُ في كتابكُم؟)) فأشاروا إلى رجلٍ منهم، فسأله رسولُ اللهِ وَِّ، فقال الرجلُ: نَجِدُ في التوراة الرجم، ولكنه كَثُرَ في أشرافنا، فكرِهنا أن نُقِيمَ الحدَّ على سَفِلَتِنَا، ونَتْرُكَ أشرافَنا، فاصطلحنا على شيءٍ، فوضعنا هذا. فرجمه رسول الله وَله، وقال: ((أنا أولى من أحيا ما أماتوا مِنْ أمر الله تعالى))(١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. = وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٤٢/٤ بإسناده ومتنه. ٤٤٠