النص المفهرس

صفحات 261-280

٦٣٥ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي في مقدار المدة
التي كان أبو بكر رضي الله عنه أقامها
مع رسولِ الله و14َ في الغارِ الذي
كانا استترا فيه مِن الزمان
٤٠٧٥ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمان بن عبد الجبّار المرادي، قال:
حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، قال:
حدثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن أبي حرب بن أبي الأسود
عن طلحة بن عمرو النَّصري، قال: كان الرجلُ منا إذا هَاجَرَ إلى
المدينة إنْ كانَ لهَ عَريفٌ، نَزَلَ على عريفه، وإن لم يكن له عريفٌ،
نَزْلَ مع أصحاب الصُّفة، وإني قدِمْتُ المدينة، ولم يكن لي بها
عريفٌ، فنزلتُ مع أصحاب الصُّفة، فرافقتُ رجلًا، فكان يَخْرُجُ لنا مِن
عندِ رسولِ الله وَيَ مدُّ تمرِ بَيْنَ الرجلين، فصلَّى رسولُ اللهِ وَلِّ بعضَ
صلواته، فلما سلَّم ناداه رجلٌ من أصحاب الصُّفة: يا رسولَ الله: أُحْرَقَ
التَّمْرُ بطونَنَا، وتخرقت الخُنف(١)، فمال إلى المنبر، فحَمِدَ الله عز وجل،
وأثنى عليه، وذكر ما لقي مِنْ قومه مِن البلاء والشدة، ثم قال: ((لَقَدْ
(١) الخُنُف: جمع خنيف وهو نوع غليظ من أردأ الكتان، أراد ثياباً تُعمل منه
كانوا يلبسونها .
٢٦١

كُنْتُ أَنا وصاحبي بضعَ عشرة ليلةٌ وما لنا طعامٌ إلا البَرِيرُ حتَّى قَدِمْنا
على إخواننا من الأنصار، فواسَوْنَا من طعامهم، وطعامُهم هذا التمر،
وإني والله الذي لا إله إلا هُوَ لو أُجِدُ لكم الخُبْزَ واللحمَ، لَأَطعمتُكُموه،
وإنه علَّه أن تُدْرِكوا زماناً أو من أدركه منكم تَلْبسُونَ فيه مثلَ أستارٍ
الكعبة، ويُغْدى ويُراح عليكم فيه بالجِفان))(١).
قال أبو جعفر: قال أبو عُبيدة معمر بن المثنى: ثَمَرُ الأَراكِ مَرْدٌ،
ثم بريرٌ، ثم كُباث. قال أبو جعفر: كأنه - والله أعلم - يعني أنَّه يكونُ
ألواناً ينتقِلُ من بعضها إلى بعض، فمرةً يكونُ مرداً، ومرةً يكون بريراً،
ومرة يكون كُباثاً كثمر النخل مرة يكون بَلَحاً، ومرةً يكونُ بُسْراً، ومرةً
يكون رُطَباً.
ففي هذا الحديثِ إخبارُ رسول الله وََّ الناسَ أن إقامته وإقامةً
صاحبه كانت معه في الغار الذي كانا تواريا فيه بضعَ عشرةَ ليلة، وكان
طعامُهُم فيها الطعامَ المذكور في هذا الحديث. ففي ذلك دليل على
شِدة الجَهْدِ الذي كانا لقياه في تلك المدة.
فقال قائلٌ: فقد رويتُم في إقامة رسولِ اللهِ وَّ وإقامة صاحبه معه
في الغار إنما كانت أقلّ من هذه المدة المذكورة في هذا الحديث وأنها
إنما كانت ثلاث ليالٍ ، وأنَّهما قد كانا يُصيبان فيها من الرسل مِن مِنحةٍ
(١) إسناده صحيح. وطلحة بن عمرو لم يخرّج له أحد من أصحاب الكتب
الستة، وليس له إلا هذا الحديث.
ورواه أحمد ٤٨٧/٣، والبزار (٣٦٧٣)، والطبراني (٨١٦٠)، وابن حبان
(٦٦٨٤)، والحاكم ٥٤٨/٤ -٥٤٩ من طرق عن داود بن أبي هند، بهذا الإِسناد.
٢٦٢

لأبي بكر رضي الله عنه، وذكر في ذلك
٤٠٧٦ - ما قد حدثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ
الله بنُ وهب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابن شهاب، قال:
أخبرني عُروة بن الزبير
أنَّ عائشة زوجَ النبيِّ ◌َ﴿ قالت في حديثٍ طويلٍ ابتدأُؤُه: ((لم
أَعْقِلْ أبوي إلا وهما يدينان هذا الدينَ، فيه: قالت: فَلَحِقَ رَسُولُ الله
وَ* وأبو بكر بغارٍ في جبل يُقال له ثورٌ، فمكثا فيه ثلاث ليالٍ يبيتُ
عندهما عبدُ الله بن أبي بكر وهو غلام شابٌّ لَقِنْ ثَقِفٌ، فَيَدَّلِجُ من
عندهما في سَحَرٍ، فَيُصبح في قريش بمكة كبائتٍ، فلا يسمع أمراً
يكيدون به إلا وعاه حتّى يأتِيَهُمَا بخبرِ ذلك حينَ يختلِطُ الظلامُ، ويرعى
عليهما عامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ مولى أبي بكر مِنْحَةً، ويُريحها عليهما، فيبيتان
في رِسْل مِنْحتِهما ورضيفهما حتى يَنْعِقَ بهما عامرُ بنُ فُهِيرَةً بِغَلَسٍ
يفعل ذلك كُلَّ ليلة من تلك الليالي الثلاث))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه عبد الرزاق (٩٧٤٣)، ومن طريقه ابن حبان (٦٢٧٧) و(٦٨٦٨) عن
معمر، عن ابن شهاب الزهري، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري (٣٩٠٥)، والبيهقي في «دلائل النبوة)) ٤٧١/٢-٤٧٥، والبغوي
في ((شرح السنة)) (٣٧٦٣) من طريق يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن
عُقيل، عن الزهري، به.
وقولها في صفة عبد الله بن أبي بكر: ((هو شاب لقن ثقف)»، فلقن بفتح اللام
وكسر القاف، أي: حسن التَّلقن كما يسمعه، واللقن: الفهم، يقال: لَقْتُ الحديث
ألقنه لقناً، وثقف بفتح الثاء وكسر القاف، ويجوز إسكانها وفتحها، أي: ذو فطنة =
٢٦٣

قال: وقد صدَّق ذلك حديثُ البراء بن عازبٍ الذي تروونه في
ذلك
٤٠٧٧ - فذكر ما قد حدثنا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال:
حدثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، قال:
/
= وحذق، يقال: غلام ثقف وامرأة ثقاف.
وقوله: ((فيدلج))، بتشديد الدال، أي: يخرج بسحر إلى مكة.
وقوله: ((يكيدون به)) ورواية البخاري: ((يُكتادان به)) وفي رواية الكُشميهني:
(يُكادان به))، أي: يطلب لهما فيه المكروه، وهو من قولهم: كدت الرجل: إذا
طلبت له الغوائل ومكرت به.
وقوله: ((في رِسلٍ))، الرسْل: « اللبن الطري.
وقوله: ((ورضيفهما)). الرضيف بفتح الراء وكسر الضاد على وزن رغيف، وهو
اللبن الذي جعل فيه الرضفة، وهي الحجارة المحماة لتزول وخامته وثقله، وقيل:
الرضيف: الناقة المحلوبة.
وقال ابن الأثير في ((النهاية)) في باب الصاد المهملة: وفي حديث الغار: ويبيتان
في رِسلها وصريفها، الصريف: اللبن ساعة يصرف عن الضرع.
والمنحة: هي في الأصل الشاة التي يجعل الرجل لبنها لغيره، ثم يقع على كل
شاة .
وينعق، بكسر العين: يصيح.
وعامر بن فهيرة: مولى لأبي بكر الصديق كان مولداً من مولدي الأزد، أسود،
مملوكاً للطفيل بن عبد الله بن سخبرة، فأسلم وهو مملوك، فاشتراه أبو بكر وأعتقه،
وكان حسنَ الإِسلام، وكان يرعى الغنمّ في ثور، ويروح بها على رسول الله وصيه وأبي
بكر في الغار، وشهد بدراً وأحداً، ثم قُتِلَ يومَ بئر معونة، وهو ابنُ أربعين سنة، قتله
عامرُ بن الطفيل.
٢٦٤

حدثني أبي وغيرُه عن أبي إسحاق
عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: جاء أبو بكر رضي الله
عنه فاشترى مِن عازبٍ رَحْلاً بثلاثة عشر درهماً، فقال أبو بكرٍ لِعازب:
قُلْ للبراء، فَلْيَحْمِلْه إلى رحلي، فقال: لا، حَتَّى تُحدثني كُيْفَ أنتَ
ورسولُ اللهِ وَ حينَ خرجتما والمشركون يطلبونكم. فقال أبو بكر:
خرجنا مِن مكة بليلٍ وقد أخذ القومُ علينا بالرّصَد، فاختبأنا يَوْمَنَا وليلَتَنا
ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، فَرَمَيتُ ببصري هل أرى من ظلِّ نأوي
إليه، فَوَقَعَتْ إلينا صخرةً، فانطلقنا إليها ولها شيء من ظل، فنزلنا
فنظرتُ بقيةَ ظِلُّها فسويتُه، وأخذت فروةً كانت معي، فوطأتُ بها لِرسول
اللهِ وََّ، ثم قلتُ: يا رسولَ الله، اضْطَجِعْ حتَّى أَنْفُضَ ما حولَكَ،
وإذا غلامٌ راعٍ قد أقبلَ في غنمٍ له يُريد من الصخرة مثلَ الذي أردنا،
فقلتُ: لمن أنت يا غلام؟ فقال لِرجلٍ من قريش وسمَّاه فعرفته،
فقلتُ: فهل في غنمك من لَبَنِ؟ قال: نعم، فقلت: هَلْ أنتَ حالبُ
لنا؟ قال: نعم، فأعطيتُه إناءً كان معي، فأخذ لِيَحْلُبَ، فقلتُ: انْفُضْ
ضَرع الشاةِ من الغبارِ، ثم أمرتُه أن يَنْفُضَ كفيه، فقالَ هُكذا، وضرَبَ
إحدى كفيه على الأخرى، ثم حَلَبَ لِي كُثْبَةً مِن لبن، وقد رَوَيت معي
لِرسولِ اللهِ وَّرَ إداوةٌ مِن ماءٍ على فِيها خِرقةٌ، فصيبتُ على اللبن حتى
وَجَدْتُ بردَ الماءِ من تحت الإِناء، فأتيتُ به رسولَ اللهِ وَّهِ فوافقتُه قد
استيقظ، فقلتُ: اشْرَبْ يا رسولَ اللهِ، فشرب، قال: قلتُ: قد آن
الرحيلُ، فارتحلنا والقومُ يطلبوننا، فلم يُدْرِكْنا غَيْرُ سُراقَةَ بن مالك بن
جُعْشُم على فرسٍ له، فقلتُ: هذا الطلبُ قد لحقنا يا رَسولَ الله،
قال: ((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّه مَعَنَا))، فلما دنا منه قيدَ رمحين أو ثلاثة، قلتُ:
٢٦٥

هذا الطلبُ قد لحقنا، وبَكَيْتُ، فقال: ((ما يُبْكِيكَ؟)) فقلتُ: والله
ما على نفسي أبكي، ولكني إنما أبكي عليكَ يا رسولَ الله، فدعا عليه
رسولُ اللهِ وَسَّ، فقال: ((اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِما شئتَ))، فساخَتْ فرسُه في
الأرض إلى بطنها، فوَثَّبَ عنها، ثم قال: يا محمد قد علمتُ أنَّ هذا
عَمَلُكَ، فادعُ الله عز وجَلَّ أن يُنجيني مما أنا فيه، فواللهِ لُأَعَمِّيَنَّ على
مَنْ ورائي مِن الطّلب، وهذه كِنانتي، فخذ سهماً منها، فإنَّك ستَمُرُّ
على غنمي وإبلي بمكانٍ كذا وكذا، فخُذْ منها حاجتَك، فقال رسولُ
اللهِ وَلَهُ: ((لا حاجَةً لَنا في إبلِكَ)) ودعا له رسولُ اللهِ وَلّهِ، فانطلق راجعاً
إلى أصحابه، ومضى رسولُ الله وَ لَ وأنا معه(١).
(١) إسناده صحيح
أسد بن موسى، ثقة، روى له أبو داود والنسائي، ومن فوقه ثقات من رجال
الشيخين، وانظر ما بعده.
وقوله: ((حتى قام قائم الظهيرة))، قائم الظهيرة: نصف النهار، وهو حال استواء
الشمس، سمي قائماً لأن الظل لا يظهر، فكأنه واقف قائم.
وقوله: ((حتى أنفض ما حولك))، أي: أفتش لئلا يكون هناك عدو.
والكثبة: هي قدر الحلبة، قاله ابن السكيت، وقيل: هي القليل منه.
وقوله: ((وقد رويت))، أي: تأنيت بها حتى صلحت، وهو لغة في روأت، تقول:
روأت في الأمر إذا نظرت فيه ولم تعجل.
قلت: رواية البخاري (٣٩١٧): ((ومعي إداوة من ماء عليها خرقة قد روأتها
لرسول الله (9))، قال العلامة العيني في ((عمدة القاري)) ٥٦/١٧: روأتها، أي:
تأنيت بها حتى صلحت. وقال ابن الأثير في ((النهاية)) ٢٨٠/٢: هكذا جاء بالهمز،
والصواب بغير همز، أي: شددتها بها وربطتها عليها، يقال: رويت البعير مخفف
الواو: إذا شددت عليه بالرِّواء بكسر الراء. قال الأزهري: الرواء: الحبل الذي يُروى
به على البعير، أي: يُشد به المتاع عليه.
٢٦٦

٤٠٧٨ - وما قد حَدَّثَنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا عثمانُ بنُ
عمر بن فارس، قال: حدثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق
عن البراءِ بنِ عازبٍ، ثم ذكر مثلَه(١).
قال هذا القائلُ: وهذا اضطرابٌ شديدٌ، واختلاف بعيدٌ.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّه لا اضطرابَ
ولا اختلافَ في ذلك، وأن هذه الآثارَ كُلَّها صحيحة لِعَدْلِ رواتها،
ولحُسن سياقهم لها، وقد يجوزُ أن يكونَ كُلُّ فريقٍ من طلحة بن عمرو،
ومن عائشة، ومن البراء أخبر عن غارٍ غيرِ الغار الذي أخبر عنه الفريقُ
الآخر منهما كانت إقامة رسولِ الله وَّه وصاحبه رضي الله عنه في كُلِّ
واحدٍ منهما غيرَ إقامته في الآخِرْ منهما، وقد شدَّ إقامتَه مع صاحبه في
أحدهما قولُ الله عز وجلَّ في كتابه: ﴿إِلَّ تَنْصُروهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ
أخرجه الَّذِينَ كفروا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِيِ الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا
تَحْزَنْ إِنَّ اللَّه مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
ثم ما قد رُوِيَ عن أبي بكرٍ رضي الله عنه فيما كان يخافُه على
رسولِ اللهِ وََّ، ثم على نفسه في أحدِ الغارين اللَّذَيْن كان معه فيهما
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٢٧/٤، وأحمد ٢/١-٣، ومسلم (٢٠٠٩)، وابن حبان
(٦٢٨١)، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ٢٣٩/١-٢٤١، وأبو بكر المروزي في
((مسند أبي بكر)) (٦٢) و(٦٥)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٤٨٣/٢-٤٨٤ من طرق
عن إسرائيل، بهذا الإِسناد.
وانظر تمام تخريجه في ((صحيح ابن حبان)).
٢٦٧

مِن نظره إلى أقدامِ المشركين على رأس ذلك الغار، ومِنْ قول رسولٍ
الله وَّ عند ذلك ما قاله له عندَه.
٤٠٧٩ - وما قد حدَّثنا عبدُ العزيز بن معاوية العتابي، وإبراهيمُ بنُ
مرزوقٍ جميعاً، قالا: حدثنا حَبَّانُ بنُ هلالٍ، قال: حدَّثنا همام بنُ
یحیی
٤٠٨٠ - وكما حدثنا يزيدُ بنُ سنان، والحسينُ بنُ نصر، ونصارُ بنُ
حربٍ، ومحمدُ بنُ الورد بن زنجويه البغدادي، وعليُّ بن عبد الرحمن بن
المغيرة الكوفي، قالوا: حدثنا عفان بن مسلم (ح)
وكما حدثنا محمدُ بن سليمان بن الحارث الباغندي أيضاً، قال:
حدثنا عفانُ، قال: حدثنا هِمَّام
٤٠٨١ - وكما حدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا محمدُ بن سِنان
العَوَقي وموسى بنُ إسماعيل المنقري، قالا: حدَّثنا همَّام، ثم اجتمعوا
جميعاً، قالوا: حدَّثنا ثابت البناني، قال: حدثنا أنسُ بنُ مالك
أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدَّثه، قال: نظرتُ إلى أقدامٍ
المشركين وهُمْ على رؤوسنا ونحنُ في الغار، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ
لو أنَّ أحدهم نظر إلى تحتِ قدمه، أبصرنا تحت قدمه، فقال: ((يا
أبا بكرِ ما ظَنَّكَ بِاثْنَيْن الله عَزَّ وَجَلَّ ثالِثُهما))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
همام: هو ابن يحيى بن دينار العَوْذي البصري، وثابت: هو ابن أسلم
البناني .
ورواه البخاري (٣٩٥٣) من طريق محمد بن سنان، و(٣٩١٩) من طريق
موسى بن إسماعيل، و(٤٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨١)، وأبو بكر المروزي في ((مسند =
٢٦٨

٤٠٨٢ - وكما حدَّثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا حَبَّان بنُ هلالٍ
وموسى بن إسماعيل، قالا: حدَّثنا همامُ بنُ يحيى، ثم ذكر بإسنادِهِ
مثله(١).
قال أبو جعفر: وفي ذلك دليلٌ على شِدة الجَهْدِ الذي كانا فيه،
والخوفِ من أبي بكر رضي الله عنه على رسولِ الله وَّر من
المشركين، ووقايته إيَّه بنفسه مما كان يقيه بها عندَ ذلك حتى أوصلَ
الله عز وجل رسولَه بَّهَ، وأوصله مَعَهُ إلى دارِ هجرته التي جعلها الله
عز وجل لِرسوله بَّهُ مَعْقِلاً، ولأصحابه رضوان الله عليهم مهاجراً،
واختص أهلَها منه بالهجرة إليهم، والنصرةِ منهم له، وبالروضة التي
جعلها بَيْنَ قبره وبين منبره من رياض الجنّة، وبنزول الوحي عليه بَيْنَ
أظهرهم، وبمخالطته خيارَ ملائكته صلواتُ الله عليهم إِيَّاهم بنزولهم
عليه من الله عز وجل بما كان يُرْسِلُهُمْ بِه إليه، ويُنزلُه عليه من قرآنه،
ومِن وحيه، فصلواتُ الله عز وجل ورحمته وبركاته على رسوله خير
الأولين والآخرين، وإمام المتقين، ثم رحمته وبركاته على أبي بكر
صاحبه رضي الله عنه بما كان منه في رسول الله وَ له ابتغاءَ وجهه،
وطلباً لما عنده حتَّى شَرَّفَهُ الله عز وجل بذكره إِيَّاه في كتابه مَعَ رسولٍ
= أبي بكر)) (٧١)، وأبو يعلى (٦٧) من طريق حبان بن هلال، ثلاثتهم عن همام،
بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٤/١، والترمذي (٣٠٩٥)، وأبو بكر المروزي (٧٢)، وأبو يعلى
(٦٦)، وابن حبان (٦٢٧٨)، و(٦٨٦٩) من طرق عن عفان بن مسلم، عن همام،
به، وانظر تمام تخريجه في ((صحيح ابن حبان)).
(١) إسناده صحيح على شرطهما، وهو مكرر ما قبله.
٢٦٩

الله ◌َّ فيما ذكره به معه فيه، ومما أبانه به عن صحابته سواه رضوانٌ
الله عليه وعليهم، وفيما ذكرنا ما ينفي ما ظنَّه هذا الجاهلُ لِنقص علمه
وفهمه مِن اضطراب آثارٍ رسولِ الله وَليّ واختلافِها، ودليل ائتلافها وانتفاء
الاختلاف، والتضاد عنها. والله عز وجل نسأله التوفيق.
لله تعالى
C
٢٧٠

٦٣٦ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي في نوم علي
رضي الله عنه في مكان النبي بَّهُ ولَبُوسِهِ
بُرده في الليلة التي خرج فيها رسول
الله وَل من مكة يريد دار الهجرة
٤٠٨٣ - حدثنا أحمد بنُ شعيب، قال: أنبأنا محمد بن المثنى،
قال: حدثني يحيى بنُ حماد، قال: حدثنا الوضاحُ - وهو أبو عَوانة -،
قال: حدثنا أبو بَلْجٍ - وهو يحيى بن أبي سليم-، قال:
حدَّثنا عمرو بنُ ميمون، قال: إني لجالس إلى ابن عباسٍ إذ أتاه
تِسْعَةُ رَهْطٍ، فسألوه عن عليٍّ رضي الله عنه، فقال: كانَ أوَّل مَنْ أَسْلَمَ
مِن الناس بعدَ خديجة رضي الله عنها، ولَبِسَ ثوبَ النبيِّ ◌َِّه ونامِ،
فجعل المشركون يَرْمُونَ كما يَرْمُونَ رسولَ اللهِ وََّ، وهم يحسبون أنَّه
نبيَّ الله وَّر، فجاء أبو بكر رَضِيَ الله عنه، فقال: يا نبيَّ الله، فقال
علي رضي الله عنه: إن نبي الله وَهُ قد ذَهَبَ نحو بئر ميمون فاتبعه،
فدخل معه الغارَ، وكان المشركون يَرْمُونَ عليّاً رضي الله عنه حتى
أصبح(١).
(١) إسناده ضعيف، وفي متنه ما يُستنكر، يحيى بن أبي سليم مختلفٌ فيه،
وثقه ابن معين وابنُ سعد والنسائيُّ والدارقطني، وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا =
٢٧١

فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه ◌َبوس علي رضي الله عنه ثوبَ
النبي ◌َُّ ونومَه وهو عليه، وما كان من المشركين إليه وهم يرونه النبيَّ
﴿ لجر، ومن احتماله لذلك، ودوامه عليه، فاحتمل أن ذلك من أمر النبيِّ
﴿ل﴿ - كان - إِيَّه بذلك، واحتمل أن يكونَ كان بفعله إِيَّه ذلك لا بأمرِ
كان مِن النبيِّ وَهَ إِيَّاه به ليكون ذلك سبباً لبعدِ النبيِّ لنَ ◌ّهِ مِن مكة،
ولِتقصير المشركين عن إدراكهم إيَّه، فنظرنا في ذلك هل نجد شيئاً
يدُلُّنا على حقيقةِ الأمرِ كان فيه
= بأس به، وقال يعقوب بن سفيان، كوفي لا بأس به، وقال البخاري: فيه نظر، وقال
أحمد: روى حديثاً منكراً، وقال ابن حبان في ((المجروحين والضعفاء)) ١١٣/٣:
كان ممن يخطىء، وأعدل الأقوال فيه أنه لا يُحتج بما انفرد به من الرواية كما قال
ابن حبان.
وهو في ((خصائص علي)) مطولاً برقم (٢٤).
ورواه أحمد في ((المسند)) ٣٣٠/١، وفي ((الفضائل)) (١١٦٨)، وابن أبي عاصم
(١٣٥١)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٥٩٣)، والحاكم ١٣٢/٣ من طريق يحيى بن
حماد، بهذا الإسناد.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي! وقد بينا ما في ألفاظه من النكارة في تعليقنا
على ((مسند أحمد)) (٣٠٦١) و(٣٠٦٢) فراجعه لزاماً.
فائدة: مما استنكره الإِمامُ الذهبي على يحيى بن أبي سليم، وعدَّه من بلاياه
ما رواه يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) ١٠٣/٢ من طريق بندار، عن أبي داود، عن
شعبة، عن أبي بلج، عن عمروبن ميمون، عن عبد الله بن عمرو، قال: ليأتين على
جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد. ثم قال يعقوب: قال أبو داود: وحدثنا
علي بن سلمة، عن ثابت، قال: سألت الحسن عن هذا الحديث، فأنكره!
٢٧٢

٤٠٨٤ - فوجدنا فهدَ بنَ سليمان قد حدثنا، قال: حدثنا يحيى بنُ
عبد الحميد الحِماني، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن أبي بَلْجٍ، عن
عمروبن ميمون
عن ابن عباس، قال: قال لي علي رضي الله عنه لما انطلق
- يعني - النبيِّ نَّهَ، فَأقامه النبيُّ وَّرَ في مكانه، وألبسه بُرْدَهُ، فجاءت
قريشٌ يريدونَ أن يقتلوا النبيَّ بِّه، فجعلوا يَرْمُونَ عليّاً وهم يَرَوْنَ أنَّه
النبيُّ ◌َ﴿ وقد ألبسه بُرْدَهُ، فجعل علي رضي الله عنه يَتضوَّرُ، فنظروا
فإذا هو علي رضي الله عنه، فقالوا: إنَّه ليالمُ، لو كان صاحبُكم لم
يَتَضوَّرْ، لقد استنكرنا ذلك(١).
فعقلنا لما في هذا الحديثِ أن لَبُوسَ علي رضي الله عنه قميصَ
النبي وَ﴾ ونومَه في مكانه كانا بفعل رسولِ الله ◌َّ ذلك به، وأن
أبا بكر رضي الله عنه قد ظنَّ برؤيته عليّاً رضي الله عنه حيث رآه أنَّه
النبيُّ بِّه حتى قال له علي رضي الله عنه ما قال له مِن إعلامه إِيَّاه
بالمكانِ الذي قصد إليه النبيُّ وََّ، وأنَّ ذلك لا يكونُ من علي إلا
بأمر النبي ◌َّيّ إياه به، وإعلامه أبا بكر رضي الله عنه إيَّاه ليلحق به
إلى المكان الذي قصد إليه، وانقطع ما كان مِنْ علي رضي الله عنه
بَعْدَ ذلك، وتفرَّد أبو بكر بالصحبةِ لرسول الله وَّر، والدخول في الخوف
الذي كان فيه، واحتمال الجهد الذي كانا صارا إليه، وكان الذي كان
مِن علي رضي الله عنه مما ذكرناه عنه إنما كان بعضَ ليلة، وكان الذي
كان من أبي بكرٍ رضي الله عنه كان على ما في حديث عائشة الذي
(١) إسناده ضعيف كسابقه.
٢٧٣

ذكرناه في الباب الذي قبلَ هذا الباب ثلاثَ ليال، وفي حديث طلحة
بضعَ عشرة ليلة، والبضع من الثلاث إلى العشر. فكان جملةُ ذلك ستَّ
عشرة ليلة أو أكثرَ منها، كان أبو بكر فيها على ما كان عليه مِن صحبة
رسول الله وَل، ومن وقايته إيَّه بنفسه، ومن الخوف والجهد الذي كانا
عليه فيها حتى قَدِمَا دارَ الهجرة، فاختصَّ الله عز وجلَّ أبا بكر رضي
الله عنه لذلك بالذكر في كتابه مع رسوله وَعليه، وأفرده بذلك دونَ سائر
أصحابه، وأعلمهم عزَّ وجلّ أنه قد كان في تلك المدة مَعَ رسولِ الله
وَثّر، ثم مع أبي بكر رضوان الله عليه. والله عزَّ وجلَّ نسأله التوفيق.
فـ
. الله تعالى
الله
C
٢٧٤

٦٣٧ - بابُ بيانِ مشكل ما روي عن رسول الله والده
من قوله: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما،
فالقاتلُ والمقتولُ في النارِ)) وما
كان من أبي بكرة من خطابه للأحنف
بذلك لما خاطبه به من أجله
٤٠٨٥ - حدثنا بكارُ بن قتيبة، قال: حدَّثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيل،
قال: حدَّثنا حمادٌ، عن أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنفِ بنِ
قیس
عن أبي بَكْرَةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِوَِّ: ((إِذا التَقى المُسلمان
بأسيافِهما، فالقاتِلُ والمقتولُ في النَّار))(١).
(١) صحيح. مؤمل بن إسماعيل - وإن كان سيىء الحفظ - متابع، وباقي رجاله
ثقات رجال الشيخين.
حماد: هو ابن زيد الأزدي، وأيوب: هو ابن أبي تميمة السختياني، ويونس:
هو ابن عبيد بن دينار العبدي، والحسن: هو ابن أبي الحسن البصري. وأبو بكرة:
اسمهُ نُفيع بنُ الحارث بنِ كَلَدَةَ الثقفي، صحابي مشهور بكنيته، وقيل: اسمه
مسروح، أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات فيها سنة إحدى أو اثنتين وخمسين،
حديثه في الكتب الستة.
ورواه أحمد ٤٣/٥ و٥٠، والبخاري (٣١) و(٦٨٧٥) و(٧٠٨٣)، ومسلم
٢٧٥

٤٠٨٦ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا عبدُ الصمد بنُ
عبد الوارث، عن شعبة، عن منصورٍ، عن رِبعي بنِ حِرَاشٍ
عن أبي بكرة عن النبيِّ وََّ، قال: ((إذا حَمَلَ المُسْلِمانِ السِّلاحَ
أحدُهما على صاحبه، فَهُمَا على حَرْفِ النَّارِ، فإنْ قَتَلَ أَحَدُهُما صَاحِبَهُ
دَخَلاها جميعاً))(١).
فطلبنا المعنى الذي جاء به أبو بكرة بهذا الحديث من أجلِه
٤٠٨٧ - فوجدنا إبراهيمَ بنَ أبي داود قد حدَّثنا، قال: حدثنا
المُقَدَّمي، قال: حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوب ويونس، عن الحسن
عن الأحنف بن قيس، قال: أخذتُ سِلاحي وأنا أُريدُ أن أَنْصُرَ
ابنَ عمِّ رسولِ اللهِ وَّ فلقيني أبو بكرة، فقال: أَيْنَ تُريدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ
ابنَ عم رسولِ الله وََّ، قال: أفلا أُحَدِّتُكَ حديثاً سمعتُه من رسولٍ
اللهِ وَّ قال: بلى، قلتُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِوَّهِ يقولُ: ((إذا تَواجّهَ
المُسْلِمانِ بسيفيهما، فَقَتَلَ أَحَدُهُما صاحِبَه، فَهُمَا فِي النَّارِ))، قيل: يا
(٢٨٨٨) (١٥)، وأبو داود (٤٢٦٨)، وابن حبان (٥٩٨١) و(٥٩٤٥)، والبيهقي
١٩٠/٨، والبغوي (٢٥٤٩) من طرق عن حماد بن زيد، بهذا الإسناد.
ورواه مسلم (٢٨٨٨) (١٥)، وأبو داود (٤٢٦٩)، والنسائي ١٢٥/٧ من طريق
عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن الحسن، به.
ورواه أحمد ٤٦/٥-٤٧ و٥١، والنسائي ١٢٥/٧ من طرق عن الحسن، به.
(١) إسناده صحيح على شرطهما.
ورواه الطيالسي (٨٨٤)، ومسلم (٢٨٨٨) (١٦)، والنسائي ١٢٤/٧، وابن
ماجه (٣٩٦٥) من طريقين عن شعبة، بهذا الإِسناد.
٢٧٦

رسولَ الله هذا القاتِلُ، فما بال المقتول؟ قال: ((إنَّه قد أراد يقتل
صاحبه))(١).
فتأملنا هذا الحديثَ، فاحتمل أن يكونَ علي رضي الله عنه لما
كان رسولُ اللهِ وَِّ أعلم أنه يُقاتِلُ على تأويل القرآن كما قاتل هو
وَّ على تنزيله، علم بذلك أن ذلك لا يكونُ منه إلا وهو خليفةٌ
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
المقدمي: هو محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي.
قلتُ: وقد تأول جمهورُ الصحابة والتابعين الذين قالوا بوجوب نصر الحق، وقتال
الباغي، بحمل الوعيد المذكور في الحديث على من قاتل بغير تأويلٍ سائغٍ ، بل
بمجرد عداوة دنيوية، أو طلب استعلاء.
قال الطبري فيما نقله عنه الحافظ في ((الفتح)) ٣٤/١٣: لو كان الواجب في
كل اختلاف يقع بين المسلمين الهربَ منه بلزوم المنازل، وكسر السيوف، لما أقيم
حدٍّ، ولا أبطل باطل، ولوجد أهل الفسوق سبيلاً إلى ارتكاب المحرمات من أخذ
الأموال، وسفك الدماء، وسبي الحريم بأن يحاربوهم، ويكف المسلمون أيديهم
عنهم بأن يقولوا: هذه فتنة، وقد نهينا عن القتال فيها. وهذا مخالف للأمر بالأخذ
على أيدي السفهاء.
قال الحافظ: وقد أخرج البزار في حديث ((القاتل والمقتول في النار)) زيادة تبين
المراد، وهي: ((إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار))، ويؤيده ما أخرجه
مسلم (٢٩٠٨) بلفظ: ((لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل
فيم قَتل، ولا المقتول فيم قُتل))، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: ((الهرج، القاتل
والمقتول في النار))، قال القرطبي: فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهل
من طلب الدنيا أو اتباع هوى، فهو الذي أريد بقوله: ((القاتل والمقتول في النار)).
٢٧٧

الرسولِ اللهِ وَّل فيه، فطلب المنزلةَ التي يلحق بها قتال من وَعَدَهُ رسولُ
الله وَُّ أنه يُقاتِلُه، وأن يكون طلحة والزبيرُ رضي الله عنهما لم يكونا
وقفا على ذلك من رسولِ اللهِ بَّهِ لِعلي رضي الله عنه، وأن علياً لم
يكن عندهما أولى بولاية أمر هذه الأمة من كلِّ واحدٍ منهما، وعَلما
أنَّهما لا بُدَّ للناس ممن يتولَّى أمورَهم لِيقاتل عدوّهم من ورائهم، ويقوم
بما لا يقومُ به إلا أئمتهم مِن صلواتهم، ومن وضع زكواتهم فيما يجب
وضعُها فيه، ومن الحجِّ بهم، ومن قسم فيئهم بينَهم، ومن إقامة الأشياءِ
سوى ذلك من أمور دينهم مما لا يقومُ به إلا أئمتهم، فقاتلاه لذلك،
وكان معه مِن رسولِ اللهِ وََّ توقيفٌ في ذلك أولى ممن ليسَ معه مثل
ذلك، وإنما معه ما يُؤدِّيه إليه تحريه واجتهادُه، وإنما كانا هما
المفروضان عليهما فيما كانا بسبيله، فقاتل كُلِّ فريق مِن علي رضي
الله عنه ومنهما رِضوانُ الله عليهما على ما لَه القتالُ عليه.
وكان من قاتل مع كُلِّ فريقٍ من ذينك الفريقين على ما يُقاتل عليه
ذلك الفريقُ غيرَ ملومٍ على ذلك، بل هو محمودٌ عليه، وكان الذي
كان من أبي بكرة إلى الأحنف بن قيس لا على سبيل النهي له عما
هُمَّ به، ولكنه نَبَّهه على أن ما يُرِيدُه مما أدَّاه اجتهادُ الذي قصد إلى
القتالِ معه إليه بغير وقوفٍ منه على ما كان من رسولِ الله وَل ◌َه إلى
علي رضي الله عنه مما دعا الناسَ إليه وقاتلهم عليه مما هو فوقَ
الاجتهاد والتحري، وكان مَنْ قاتل على الاجتهاد والتحري، فقد تُدركه
البصيرةُ بما يقطعه عن القتال، ويوجبُ عليه تركه فخاف عليه أن يُدْرِكَه
ذلك، وتقطعه الحميةُ التي قد دخلته بالقتال، فيتمادى في قتاله،
فيدخل في الجنسِ الذي حدَّثه به عن رسول الله داخله.
٢٧٨

والعربُ قد تستعمل هذا، ومن ذلك ما قد جاء به كتابُ الله عز
وجل من قول أحد ابني آدم لصاحبه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إليَّ يَدَلَكَ لِتَقْتُلَنِي
ما أنا بَبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ﴾
[المائدة: ٢٨]، وقد كان له مدُّه يده إليه لِيدفعه عن نفسه لما أرادَ
قَتْلَهُ، ولكنَّه خاف أن يَرْجِعَ صاحبُه عما كان همَّ به، ويتمادى هو في
الدفع عن نفسه حتى يكون في ذلك تلفُ صاحبه بما يفعلُه به، فخاف
الله عز وجل من أجل ذلك. ومثلُ ذُلك قولُ النبيِّ وَّةِ: ((اللَّهُمَّ هُذه
قِسْمَتِي فيما أُمْلِكُ فلا تَلُمْنِي فيما تَمْلِكُ ولا أَمْلِكُ))(١) مع علمه ◌َّ:
أن الله عز وجل لا يُؤاخِذُه بما لا يَمْلِكُ، ولكن على التوقي من الزيادة
فيما لا يملِكُ حتَّى يدخل به فيما يملك.
ومن ذلك تعليمه لحُصين الخزاعي أن يكونَ من دعائه: ((اغْفِرْ لي
ما أَخْطَأْتُ وما عَمَدْتُ))(٢) وهو يعلم أنَّ الله لا يُؤاخِذُه بما أخطأ، لأنه
(١) رواه أحمد ٦/ ١٤٤، وابن أبي شيبة ٣٨٦/٤ -٣٨٧، والنسائي ٧ /٦٤،
وابن ماجه (١٩٧١) وابن حبان (٤٢٠٥) من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن
سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة، قالت: كان
رسول الله ◌َ﴿ يقسِمُ بين نسائه فيعدل، ثم يقول: ((اللهم هذا فعلي فيما أملك،
فلا تَلُمْني فيما لا أملك)) لفظ ابن حبان، ورجاله ثقات رجال الصحيح إلا أنه رجح
غير واحد إرساله. وانظر تمام تخريجه في ابن حبان.
(٢) حديث صحيح سلف برقم (٢٥٢٥)، ورواه أحمد في ((المسند)) ٤/ ٤٤٤،
والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٩٣)، وابن حبان (٩٠١) من حديث عمران بن
حصين: أن حصيناً أتاه وَلغيره، فقال: يا محمد، عبد المطلب خير لقومه منك، كان
يُطعمهم الكبد والسّنام، وأنت تَنْخَرُهُم، فقال ما شاء الله أن يقول له، فقال: ما =
٢٧٩

قد قال عز وجل في كتابه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيما أُخْطَأَتُمْ بِهِ ولَكِنْ
ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُم﴾ [الأحزاب: ٥]، فكان الذي كان من أبي بكرة
للأحنفِ تنبيهاً منه إيَّه على ما هو مخوفٌ عليه، وكان انصرافُ الأحنفِ
على الإِشفاق(١) منه لِعلمه بنفسه وبأخلاقه التي هو عليها. والله عز
وجل نسأله التوفيق.
الله تعالى
تأمرني أن أقول؟ قال: قل: ((اللهم قِنِي شرَّ نفسي، واعزم لي على أرشد أمري)»
فانطلق فأسلم الرجل، ثم جاء، فقال: إني أتيتك فقلت لي: قل: ((اللهم قني شر
نفسي، واعزم لي على أرشد أمري)»، فما أقول الآن؟ قال: ((قل اللهم اغفر لي ما
أسررت وما أعلنت، وما أخطأت وما عَمَدْتُ وما علمت وما جهلت))، وانظر تمام
تخريجه في ابن حبان.
(١) في الأصل: ((الاشتقاق))، وهو خطأ.
٢٨٠