النص المفهرس

صفحات 241-260

كان مما أجراه الله على يدِ علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه من قتاله
أهلَ التأويل الذين ذكرهم في كتابه.
كما حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ داود
الخُريبي عن بسامٍ الصيرفي
عن أبي الطُّفيل أنَّ ابنَ الكَوَّاء سأل عليّاً عليه السَّلامُ عن قولٍ
الله جَلَّ وعَزَّ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهم
يُحسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٤]، قال: هم أهلُ حروراء (١).
قال أبو جعفر: وهم الذين قاتلهم عليٍّ على تأويل القرآن.
وكما حدثنا إبراهيمُ، قال: حدثنا وهبُ بنُ جرير، عن شُعبة، عن
عمرو بن مرة
عن مُصعب بن سعد، قال: كنتُ آخُذُ على أبي رضي الله عنه
المصحفَ، فأتى على هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعمالاً،
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الحياةِ الدُّنيا وهم يَحْسَبُونَ أَنَّهَم يُحسنُونَ
صُنْعاً﴾، قال: قلت: أُهُمُ الحَرُورِيَّةُ؟ قال: لا، ولكنهم كفَرةُ أهلِ
(١) رجاله ثقات رجال الصحيح غير بسام الصيرفي، فقد روى له النسائي، وهو
ثقة .
وابن الكوَّاء: هو عبدُ الله اليشكري، كان من رؤوس الخوارج، وله أخبار كثيرة
مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكان يلزمه ويُعيبهِ في الأسئلة، وقد رجع عن
مذهب الخوارج، وعاود صحبة علي. ((لسان الميزان)) ٣٢٩/٣.
وأهل حروراء: هم الخوارج، يقال لهم: الحرورية نسبة إلى حروراء: قرية
بظاهر الكوفة على ميلين منها، نزل بها الخوارجُ الذين خالفوا علياً.
٢٤١

الكتاب، أما اليهودُ فلا يؤمنون بمحمدٍ وَله، وأما النصارى، فلا يؤمنون
بالجنة، فيقولون: ليس فيها طعامٌ ولا شرابٌ، ولكن قوله عز وجل:
﴿الَّذين يَنْقُضِونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ
يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرض ﴾ [البقرة: ٢٧]، أولئك هم الحَرُورِيَّةِ (١).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه البخاري (٤٧٢٨) عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، والنسائي
في ((التفسير)) (٣٣٣)، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن يزيد بن هارون،
كلاهما عن شعبة، بهذا الإسناد.
ورواه الحاكم ٣٧٠/٢ من طريق خلاد الصفار، عن عمرو بن قيس الملائي،
عن عمروبن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: كنتُ أقرأ على أبي، حتى إذا بلغت
هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعمالاً﴾ الآية، قلتُ: يا أبتاه أهمُ الخوارج؟
قال: لا يابني، اقرأ الآية التي بعدها: ﴿أُوْلَئِكَ الذينَ حَبِطَت أعمالُهُم فلا نُقِيمُ لَهُمْ
يَوْمَ القِيامَةِ وَزْناً﴾، قال: هم المجتهدون من النصارى، كان كفرهم بآيات ربهم
بمحمدٍ ولقائه، وقالوا: ليس في الجنة طعام ولا شراب، ولكن الخوارج هم:
﴿الفَاسِقون الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ الله بِهِ أَنْ يُوصَلَ
ويُفْسِدُونَ في الأرضِ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرونَ﴾. وقال: هذا حديث صحيح الإِسناد،
ولم يخرجاه.
ورواه الحاكم أيضاً من طريقين عن منصور، عن مصعب بن سعد بن أبي
وقاص، قال: قلت لأبي: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأُخْسَرِينَ أَعمالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُم في
الحَيَاةِ الدُّنيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنونَ صُنعاً﴾ الحرورية هم؟ قال: لا، ولكنهم
أصحابُ الصوامع، والحرورية قوم زاغوا، فأزاغ الله قلوبَهم. وقال: هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وانظر ((الفتح)) ٤٢٥/٨-٤٢٦.
٢٤٢

قال أبو جعفر: وهُمُ المذكورون في تأويل علي رضي الله عنه،
وكان ما في الحديث الذي ذكرناه في الباب الأول وعيداً، والوعيدُ
فلصاحبه أن يُنْجِزَه، وله أن لا يُنْجِزَه، والذي في هذا الحديثِ وعدٌ،
والوعدُ لا بُدَّ مِن إنجازه، وقد أنجزه الله عز وجل لمن وعده إيَّه على
لسان رسوله بَّرَ، فمما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ وَلَّ في الوعدِ والوعيد
أنهما كما ذكرنا
٤٠٦٢ - كما حدثنا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حدثنا هُدبة بنُ
خالدٍ، قال: حدثنا سُهيلُ بن أبي حَزْمِ القُطَعيُّ، قال: حدثنا ثابت
البناني
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسولَ الله وَله، قالَ: ((مَنْ
وَعَدَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على عَمَلِ ثواباً، فهو مُنْجِزُه لَهُ، ومَنْ وَعَدَهُ على
عملٍ عقاباً، فَهُوَ فِيهِ بالخِيَارِ))(١).
قال أبو جعفر: وهكذا هو في كلام العرب وعندَ أهل اللغة.
ولقد سمعتُ بكارَ بنَ قُتيبة يذكر عن الأصمعيِّ، قال: كنا عند أبي
عمروبن العلاء فأتاه عمروبنُ عُبيد، فقال له: يا أبا عمرو أيجوزُ أن
يَعِدَ الله عز وجلَّ على عملٍ ثواباً ثم لا يُنجزه؟ قال أبو عمرو: لا،
قال: فكذلك إذا أوعَدَ على عمل عقاباً، فلا يجوزُ أن لا يُنجزَه، فقال
(١) إسناده ضعيف. سهيل - وقد تحرف في الأصل إلى: سهل - بن أبي حزم،
ضعيف.
ورواه أبو يعلى (٣٣١٦)، والبزار (٣٢٢٥)، عن هدية بن خالد، بهذا الإسناد.
قال البزار: سهيل لا يتابع على حديثه.
٢٤٣

له أبو عمرو: مِنْ قِبَل العُجْمَةِ أَتِيتَ، إن العرب كانت إذا وعدت،
فشرفُها أن تفيَ، وذا أوعدت فشرفها أن لا تفيَ .
قال أبو جعفر: فذكرتُ أنا هذا الحديثَ لمحمد بن جعفر المعروف
بإين الإِمام، فعرفه، وقال: سمعتُه من سواربن عبد الله العنبري
القاضي كما ذكرتَه لي عن بكارٍ غير أن سواراً زاد ما فيه عن الأصمعي،
قال: ثم التفتّ أبو عمرو إلينا فأنشدنا:
ولا يَرْهَبُ ابنُ العمِّ والجارُ صَوْلَتِي
ولا أُخْتَشِي مِنْ صَوْلَةِ المُتَهَدِّدِ
وإِنِّي إِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ
لُأَخْلِفَ إبعادِي وَأَنْجِزُ مَوْعِدِي(١)
(١) البيت الثاني منسوب إلى عامر بن الطفيل في ((التهذيب)) للأزهري، وهو
عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفربن كلاب العامري، ابن عم لبيد الشاعر، وهو
فارس مشهور غير مدافع، وشاعر جيدٌ فحل، له وقائع في مَذْحِج وخَثْعَم وغَطَفَان
وسائر العرب. وُلِدَ يومَ شعب جبلة يوم فرغ الناسُ من القتال قبل الإِسلام بسبع
وخمسين سنة، وحكى الأنباري أنه كان مِن أشهر فرسان العرب بأساً ونجدة، وأبعدها
اسماً، حتى بلغ من ذلك أن قيصر ملك الروم كان إذا قدم عليه قادم من العرب،
قال: ما بينك وبين عامربن الطفيل؟ فإن ذكر نسباً عظم عنده. وهو الذي غدر
بأصحاب بئر معونة في السنة الرابعة من الهجرة، وخبرها في البخاري (٤٠٨٦)
و(٤٠٨٧) و(٤٠٨٨) و(٤٠٩٠) و(٤٠٩١)، ثم قَدِمَ على رسول الله ◌َّ في أواخر
حياته وفد بني عامر، وفيهم عامربن الطفيل، وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن
جعفر، وجباربن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساءَ القوم
وشياطينهم، وكان عامر وأربد قد اعتزما الغدرَ برسول الله وَله، فحفظه الله منهما، =
٢٤٤

فقال قائل: الحديثانِ جميعاً إنَّما كانا في معنى واحدٍ، وقد دلَّ
على ذلك وصفُه الرجلَ الذي ذكره بخصفِ النعل، ولكن الرواة لم
يضبطوه، فجاؤوا به على ما جاؤوا به مما جعلتَه أنتَ من أجل ذلك
حدیثین مختلفين.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أن الأمرَ لم
يكن في ذلك كما توهم، لأن رواةً الحديثين جميعاً عدولٌ في أنفسهم،
وفقهاءُ في دين ربهم، وأثباتٌ في أحاديث نبيهم وََّ(١)، وفصحاءُ في
لغاتهم يعرفون ما خُوطِبوا به، لأنهم خُوطبوا بلغتهم، ولأنهم الفهماءُ
بأمور دينهم، والناقلون إلينا ما سمعوه من نبيهم، وممن سَمِعَه منه
رضوانُ الله عليهم. وأما خصفُ النعل ، فقد يجوز أن يكونَ في يومين
مختلفين، وذلك أولى ما حملت عليه الرواياتُ حتى لا تتضاد.
ومما قد حقق الوعدَ الذي كان مِن رسولِ الله ◌َّ في الحديثِ
الذي ذكرناه في هذا الباب ما كان في أمر ذي الخويصرة
٤٠٦٣ - كما حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا عليُّ بنُ المنذر
الكوفي الطَّريقى، قال: حدثنا محمدُ بنُ فضيل، قال: حدثنا عاصمُ بنُ
كليبٍ الجرمي، عن أبيه
= ثم رجعا كافرين، فأما أربد فأرسل الله عليه صاعقةُ أحرقته، وأما عدوُ اللهِ عامر،
فبعث الله عليه الطاعون في عنقه وهو في بعض الطريق، فقتله الله في بيت امرأة
سلولية، فجعل يقول: أغدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية. انظر ((الشعر
والشعراء)) ص٣٣٤-٣٣٦ لابن قتيبة.
(١) قلت: فيه نظر، فإن الحديث السالف في الباب الذي قبل هذا برقم
(٤٠٥٣) في سنده شريك بن عبد الله القاضي وهو سبىء الحفظ.
٢٤٥

قال: كنتُ عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه جالساً إذ دخل
عليه رجلٌ عليه ثيابُ السفر وعليٍّ يُكلُّمُ الناسَ ويُكلِّمونه، فقال: يا أميرَ
المؤمنين أتأذن أن أتكلم؟ فلم يلتفت إليه، فجلس إليَّ الرجلُ، فسألتُه
ما خَبَرُهُ؟ فقال: كنت مُعْتَمِراً، فلقيتُ عائشة، فقالت لي: هؤلاء القومُ
الذين خرجوا في أرضكم يُسَمَّوْنَ حروريةً؟ قلتُ؟ خرجوا في موضعٍ
يُسمى حَرُورَاء، فَسُمُّوا بذلك، فقالت: طوبى لمن شَهِدَ - تعني -
هَلَكَتَهُمْ، لو شاء ابنُ أبي طالب، لأخبركم بخبرهم فجئتُ أسألُه عن
خبرهم، فلما فرغ عليٍّ رضي الله عنه، قال: أين المنادي؟ فقصَّ عليه
كما قصَّ علينا، قال: إنِّي دخلتُ على رسولِ اللهِوَّ ليس عنده أحد
غيرَ عائشة أمِّ المؤمنين، فقال لي: (يا عليُّ كَيْفَ أَنْتَ وقومُ كذا وكذا؟)»
قلتُ: الله ورسوله أعلمُ، ثم أشار بيده إلى قومٍ يخرجون مِن المَشْرقِ
يقرؤون القرآن لا يُجاوزُ تراقِيَهم يُمْرُقُونَ مِن الدِّين كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن
الرَّمِيَّةِ فيهم رَجُلٌ مُخْدَجٌ كأنَّ يَدَهُ ثدي)) أنشدكم الله أأخبرتُكم بهم؟
قالوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فأتيتموني، فأخبرتموني أنه ليس فيهم، فحلفتُ لكم
باللهِ عَزَّ وجَلَّ: إنَّه فيهم، فأتيتموني تسحبونه كما نَعَتّ لكم، قالوا:
نَعَمْ. قال: صَدَقَ الله ورسولُه (١).
٤٠٦٤ - وكما حدثنا محمدُ بنُ أحمد بن جعفر الكُوفي، قال:
(١) إسناده جيد كما قال الحافظ ابنُ كثير في ((البداية)) ٢٩٣/٧.
وهو في ((خصائص علي)) (١٨٣).
ورواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٩١٣)، وعبد الله بن أحمد في ((زوائد
المسند)) ١٦٠/١، وفي ((زوائد الفضائل)) (١٢٢٣)، وأبو يعلى (٤٧٢)، والبزار
(١٨٥٥)، من طرق عن عاصم بن كليب، بهذا الإِسناد.
٢٤٦

حدَّثنا أحمدُ بنُ عِمران الأخنسي، قال: حدثنا محمدُ بن فضيلٍ، ثم
ذكر بإسنادِه مثلَه(١).
٤٠٦٥ - وكما حدَّثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا موسى بن
إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن أيوب، عن محمد بن
سیرین، عن عَبِيدَة
أن علياً رضي الله عنه، قال: فيهم مُخْدَجُ اليَدِ أو مُثَدَّنُ اليَدِ،
أو مُودَنُ الْيَدِ، فطلبُوه في القتلى فلم يجدوه، فَقالَ: لَوْلا أن تَبْطَرُوا،
لأخبرتُكم بما قضى الله عز وجل على لسان نبيه وَّ لمن قتل هؤلاء
عارفاً لهُدانا، مستبصراً لِضلالتهم(٢).
(١) أحمد بن عمران الأخنسي، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، فقال: حدثنا عنه أبو يعلى وهو مستقيمُ الحديث، وأكثر أبو عوانة الرواية
عنه في «صحيحه)) عن محمد بن عمران، وقال ابن عدي في ترجمة محمد بن
عمران: أحمد بن عمران كوفي ثقة، ولا أعرف محمد بن عمران، وقال البخاري:
يتكلمون فيه، لكنه سماه محمداً، فقيل: هما واحد، وقال أبو زرعة: كوفي تركوه.
قلت: قد توبع، ومن فوقه ثقات، وهو مكرر ما قبله ؟
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن
سلمة فمن رجال مسلم.
أيوب: هو ابن أبي تميمة السختياني، وعبيدة - بفتح العين -: هو ابن عمرو
السلماني المرادي الكوفي، تابعي كبير مخضرم، فقيه ثبت.
ورواه أحمد في ((المسند)) ٨٣/١، وعبد الله بن أحمد في ((زوائده)) ١١٣/١
و١٢١ و١٢٢، ومسلم (١٠٦٦) (١٥٥)، وأبو داود (٤٧٦٣)، وابن ماجه (١٦٧)،
وعبد الرزاق (١٨٦٥٢)، وابن أبي شيبة ٣٠٣/١٥-٣٠٤، وابن أبي عاصم (٩١٢)،
وأبو يعلى (٣٣٧)، والبزار (٥٣٨) و(٥٣٩) من طرق عن أيوب، بهذا الإسناد . =
٢٤٧

٤٠٦٦ - وكما حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ بكر السهميُّ،
قال: حدَّثنا هِشامُ بنُ حسَّان، عن محمد، عن عَبيدةَ
عن عليٍّ رضي الله عنه، فذكر مثله وزاد: فقلتُ له: أنتَ سَمِعْتَ
هذا مِن رسولِ اللهِ وََّ، فقال: إي وربِّ الكَعْبَةِ، إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ،
إي وربّ الكعبةِ(١).
٤٠٦٧ - كما حدثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ
مسعود، قال: أخبرنا المعتمرُ بنُ سليمانَّ، عن عوفٍ، قال: حدَّثنا
محمدُ بن سيرينَ، قال: قال عَبِيدَةُ، ثم ذكر هذا الحديثَ، وزاد فيه:
فاتبعناه، فوجدناه فدللناه عليه، فلما رآه، قال: الله أكبر، الله أكبرُ (٢).
= ورواه الطيالسي (١٦٦)، وأحمد ٩٥/١ و١٤٤ و١٥٥، والقطيعي في ((زوائد
الفضائل)) (١٠٤٦)، والنسائي في ((خصائص علي)) (١٨٧) و(١٨٨)، والبزار (٥٤٠)
و(٥٤١) و(٥٤٢) و(٥٤٣) و(٥٤٤) و(٥٤٥) و(٤٤٦) و(٥٤٧)، والطبراني في
((الصغير)) (٩٦٩)، والبيهقي ١٨٨/٨، والخطيب في ((تاريخه)) ١١٨/١١ و٣٩٠/١٢
من طرق عن محمد بن سيرين، به.
مخدج الید: أي: ناقص اليد، ومثدن اليد، ويروى: مثدون اليد: أي: صغير
اليد مجتمعها، والمثدَّن والمثدون: الناقص الخَلْقِ. ومودون اليد: ناقص اليد
صغيرها، يقال: ودنت الشيء وأودنته: إذا نقصته وصغرته .
والبطر هنا: التجبر وشدة النشاط.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح. إسماعيل بن مسعود: هو الجحدري، روى له النسائي،
وهو ثقة، ومن فوقه من رجال الشيخين. عوف: هو ابن أبي جميلة.
وهو في ((خصائص علي)) (١٨٨).
٢٤٨

٤٠٦٨ - وكما حدثنا أحمدُ، قال: أخبرنا العبّاسُ بنُ عبدِ العَظيم
العنبريُّ، قال: حدثنا عبدُ الرزاق، قالَ: حدثنا عبدُ الملك بنُ أبي
سليمان، عن سَلَمَةَ بنِ كُهيل، قال:
حدثنا زيدُ بنُ وهب أنهم كانوا في الجيش الذين كانوا مع عليٍّ
الذين ساروا إلى الخوارج(١)، فقال علي: أيُّها الناسُ إني سمعتُ رسولَ
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٨٣/١٢ -٢٨٥: أما الخوارج، فهم جمع خارجة،
أي: طائفة، وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين، وخروجهم على
خيار المسلمين، وأصلُ بدعتهم فيما حكاه الرافعي في ((الشرح الكبير)) أنهم خرجوا
على عليٍّ رضي الله عنه حيث اعتقدوا أنه يعرف قَتَلَةَ عثمان رضي الله عنه، ويقدر
عليهم، ولا يقتصُّ منهم لِرضاه بقتله، أو مواطأته إياهم، كذا قال، وهو خلاف ما
أطبق عليه أهلُ الأخبار فإنه لا نِزاع عندهم أن الخوارجَ لم يطلبوا بدمٍ عثمان، بل
كانوا يُنكرون عليه أشياءَ، ويتبرؤون منه، وأصلُ ذلك أن بعضَ أهلِ العراق أنكروا
سيرةَ بعض أقارب عثمان، فطعنوا على عثمان بذلك. وكان يُقال لهم القراء لشدة
اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنَّهم كانوا يتأوَّلُون القرآن على غيرِ المرادِ منه،
ويستبدون برأيهم، ويتنطَّعون في الزهد والخشوع وغير ذلك، فلما قتل عثمان قاتلوا
مع عليٍّ واعتقدوا كُفر عثمان ومن تابعه، واعتقدوا إمامة عليٍّ وكفر من قاتله من أهل
الجمل الذين كان رئيسُهم طلحة والزبير، فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا علياً،
فلقيا عائشة، وكانت حجَّت تلك السنة، فاتفقوا على طلب قتلة عثمان، وخرجوا إلى
البصرة يدعون الناسَ إلى ذلك، فبلغ علياً فخرج إليهم، فوقعت بينهم وقعةُ الجمل
المشهورة، وانتصر عليٍّ، وَقُتِلَ طلحة في المعركة، وقُتِلَ الزبيرُ بعد أن انصرف من
الوقعة، فهذه الطائفة هي التي كانت تُطالب بدم عثمان بالاتفاق، ثم قام معاويةُ
بالشام في مثل ذلك، وكان أميرَ الشام إذ ذاك، وكان عليّ أرسل إليه لأن يُبَابِعَ له
أهل الشام، فاعتلَّ بأن عثمان قُتِلَ مظلوماً، وتجب المبادرةُ إلى الاقتصاصِ من =
٢٤٩

٠
= قتلته، وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك، ويلتمس من عليٍّ أن يُمكنه منهم، ثم
يُبايع له بعد ذلك، وعليٍّ يقولُ: ادخل فيما دخل فيه الناسُ، وحاكمهم إليَّ أُحْكُمْ
فيهم بالحق، فلما طال الأمرُ خرج عليٍّ في أهل العراق طالباً قتالَ أهلِ الشام،
فخرج معاويةُ في أهل الشام قاصداً إلى قتاله، فالتقيا بِصِفِّين، فدامت الحربُ بينهما
أشهراً، وكاد أهلُ الشام أن ينكسِروا، فرفعوا المصاحفَ على الرماح ونادَوْا: ندعوكم
إلى كتاب الله تعالى، وكان ذلك بإشارة عمروبن العاص، وهو مع معاوية، فترك
جمعٌ كثير ممن كان مع عليٍّ وخصوصاً القراء القتالَ بسبب ذلك تديناً، واحتجُّوا بقوله
تعالى: ﴿أَلَم تَرَ إِلى اَلَّذِين أُوتُوا نَصيباً مِنَ الكِتَابِ يُدْعَونَ إِلى كِتابِ الله لِيَحْكُمْ
بِينَهُم﴾ الآية، فراسلوا أهلَ الشام في ذلك فقالوا: ابعثوا حكماً منكم وحَكَماً منا،
ويحضر معهما من لم يُباشِرِ القِتالَ، فمن رأوا الحقَّ معه أطاعُوه، فأجابَ عليٍّ ومن
معه إلى ذلك، وأنكرت ذلك تلك الطائفة التي صاروا خوارجَ، وكتب عليَّ بينه وبَيْنَ
معاوية كتابَ الحكومة بَيْنَ أهلِ العراق والشام؛ هذا ما قضى عليه أميرُ المؤمنين على
معاوية، فامتنع أهلُ الشام من ذلك، وقالوا: اكتبوا اسمَه واسمَ أبيه، فأجاب عليّ
إلى ذلك، فأنكره عليه الخوارجُ أيضاً، ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان
ومن معهما بعدَ مدةٍ عينوها في مكانٍ وسطٍ بين الشامِ والعراقِ، ويَرْجِعَ العسكرانِ
إلى بلادهم إلى أن يقعَ الحكم منه، فرجع معاويةُ إلى الشام، ورجع عليٍّ إلى
الكوفة، ففارقه الخوارجُ، وهم ثمانيةُ آلاف، وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف، وقيل:
ستة آلاف، ونزلوا مكاناً يُقَالُ له حروراء، بفتح المهملة وراءين الأولى مضمومة، ومن
ثم قيل لهم: الحرورية، وكان كبيرهم عبدَ اللهِ بنَ الكواء، بفتح الكاف وتشديد الواو
مع المد، اليشكري، وشَبَث، بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة، التميمي،
فأرسلَ إليهم عليٌّ ابنَ عباس، فناظرهم، فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم عليّ،
فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معهم رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن علياً تاب من
الحكومة، ولذلك رجعوا معه، فبلغ ذلك علياً، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من =
٢٥٠

= جوانب المسجد: لا حُكْمَ إلا الله، فقال: كلمةُ حقِّ يُراد بها باطل، فقال لهم: لكم
علينا ثلاثة: أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم
بقتال ما لم تُحْدثوا فساداً، وخرجوا شيئاً بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن،
فراسلهم في الرجوع ، فأصرُّوا على الامتناع حتى يشهدَ على نفسه بالكُفر لِرضاه
بالتحكيم ويتوب، ثم راسلهم أيضاً، فأرادوا قتلَ رسوله، ثم اجتمعوا على أن من لا
يعتقد معتقدهم يكفر ويُباح دمه وماله وأهله، وانتقلوا إلى الفعل، فاستعرضوا الناسَ،
فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومرَّ عليهم عبدُ الله بنُ خباب بن الأرت، وكان
والياً لعليٍّ على بعض تلكَ البلاد ومعه سُرِّية، وهي حامل، فقتلوه، وبقروا بطنّ
سُريته، عن ولدٍ، فبلغ عليّاً فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى
الشام ، فأوقع بهم بالنهروان، ولم ينج منهم إلا دونَ العشرة، ولا قتل ممن معه إلا
نحو العشرة، فهذا ملخص أول أمرهم.
ثم انضم إلى من بقي منهم مَن مال إلى رأيهم، فكانوا مختفين في خلافة عليّ
حتى كان منهم عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل علياً بعد أن دخل عليٍّ في صلاة
الصبح، ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية، ثارت منهم طائفةٌ، فأوقع بهم عسكر
الشام بمكان يقال له النجيلة، ثم كانوا منقمعين في إمارةٍ زياد وابنه عبيد الله على
العراق طولَ مدة معاوية وولده يزيد، وظفر زيادٌ وابنه منهم بجماعة، فأبادهم بين قتل
وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع الافتراقُ، وولي الخلافة عبدُ الله بن الزبير،
وأطاعه أهلُ الأمصار إلا بعض أهل الشام، ثار مروان، فادعى الخلافةَ، وغلب على
جميع الشام إلى مصر، فظهر الخوارجُ حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة
مع نجدة بن عامر، وزاد نجدة على معتقد الخوارج أن من لم يخرُج ويُحارب
المسلمين، فهو كافر، ولو اعتقد معتقدهم، وعظم البلاءُ بهم، وتوسعوا في معتقدهم
الفاسد، فأبطلوا رجَمَ المحصن، وقطعوا يدَ السارق من الإِبط، وأوجبوا الصلاة على
الحائضِ في حال حيضها، وكفروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن =
٢٥١

اللهِ وَُّ يقول: ((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَؤُونَ القُرآنَ لَيسَ قِراءتُكم إلى
قراءتِهِم بشيءٍ، ولا صلاتُكم إلى صلاتهم بشيءٍ، ولا صيامُكم إلى
صيامهم بشيءٍ، يقرؤون القُرآنَ يَحسِبُونَ أَنَّه لهم وَهُوَ عليهم لا تُجَاوِزُ
صلاتُهم تراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِن الإِسلامِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّةِ))
لو يعلمُ الجيشُ الَّذِينَ يُصيبونهم ما قضى الله لهم على لسان نبيهم
وَهِ لاَّكُلُوا عن العَمَلِ، وآيةُ ذلك أن فيهم رجلًا له عَضُدُ وليست له
ذراع، على رأسٍ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ ثدي المرأة عليه شَعَراتٌ بيض(١).
قال سلمةُ: فنزَّلني زيدٌ منزلاً منزلاً حتَّى قال: مررنا على قنطرة،
فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبدُ الله بنُ وهب الراسبيُّ، قال لهم:
ألقوا الرماحَ، وسُلوا سيوفكم من جُفونها، فإني أخاف أن يُنَاشِدُوکم،
فَسُلُّوا السُّيوفَ، وألقوا جُفونَها وشجَرَهُمُ الناسُ، يعني برماحهم، فَقُتِلَ
بعضُهم على بعض، وما أصيبَ مِن الناس يومئذ إلا رجلانِ، قال عليٍّ:
= كان قادراً وإن لم يكن قادراً، فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم
الكافر، وكفوا عن أموالٍ أهل الذمة، وعن التعرض لهم مطلقاً، وفتكوا فيمن يُنْسَبُ
إلى الإِسلام بالقتل والسبي والنهب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقاً بغير دعوة منهم،
ومنهم من يدعو أولاً ثم يفتك، ولم يزل البلاءُ بهم يزيد إلى أن أمُّرَ المُهلَّبَ بن أبي
صفرة على قتالِهم، فطاولهم حتى ظفر بهم، وتَفَلَّلَ جمعُهم، ثم لم يزل منهم بقايا
في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخل طائفة منهم المغرب.
(١) في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٨٦٥٠) زيادة في هذا الموضع هي: أفتذهبون
إلى معاوية وأهل الشام، وتتركون هؤلاء يَخْلُفونَكم في ذَراريكم وأموالكم، والله إني
لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس،
فسيروا على اسم الله.
٢٥٢

التمسوا فيهم المُخْدَجَ، فلم يجدوه، فقام علي رضي الله عنه بنفسه
٤
حتى أتى ناساً قتلى بعضُهم على بعض، قال: جردوهم. فوجدوه مما
يلي الأرض، فكِّر علي رضي الله عنه، وقال: صَدَقَ الله عز وجل،
وبَلَّغَ رسولُه وََّ، فقام إليه عبيدةٌ، ثم ذكر بقية الحديث الذي قبلَ هذا
الحديث(١).
٤٠٦٩ - وكما حدَّثنا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حدثنا أحمدُ
بنُ جميل المروزيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبد الملك بن حُميد بن أبي
غَنَّة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، ثم ذكر الحديثَ الذي قبلَ
هذا الحديث(٢).
،٤٠٧ - وكما حدَّثَنَا يونسُ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وهبٍ، قال:
أخبرني عمروبنُ الحارثِ، عن بُكيربنِ الأشج، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن
عُبيدِ اللّه بن أبي رافعٍ :
لله تعالى:
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
وهو في ((خصائص علي)) (١٨٦).
وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٨٦٥٠)، ومن طريقه رواه مسلم (١٠٦٦)
(١٥٦)، وأبو داود (٤٧٦٨)، وابن أبي عاصم (٩١٧)، والبزار (٥٨١).
(٢) إسناده صحيح. أحمد بن جميل المروزي وثّقه يحيى بن معين وأحمد بن
حنبل، وقال أبو حاتم: صدوق، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير عبد
الملك بن أبي سليمان، فمن رجال مسلم.
ورواه عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) ٩١/١ عن أحمد بن جميل، وابن
أبي عاصم (٩١٦) عن يعقوب بن حميد، كلاهما عن يحيى بن عبد الملك، بهذا
الإِسناد.
٢٥٣

أن الحروريةَ لمَّا خرجت مع عليٍّ رضي الله عنه، قالوا: لا حُكْمَ
إلا للهِ، قال علي: كلِمةُ حقِّ أُرِيدَ بها باطِلٌ، إنَّ رسولَ اللهِوَّهِ وَصَفَ
أناساً إني لأعرفُ صفتهم في هؤلاء الذين يقولون الحقَّ بألسنتهم لا
يُجاوزُ هذا منهم، وأومأ إلى حلقه، من أبغضِ خلقِ الله عز وجل إليه،
منهم أسودُ، إحدى يديه طُبْيُ شاةٍ أو حَلَمة ثديٍ، فلما قاتلهم علي،
قال: انظروا، فلم يَجِدُوا شيئاً، قال: ارْجِعُوا فَواللهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ
مرتين أو ثلاثاً، ثم وجدوه في خَرِبَةٍ، فأَتَوْا به حَتَّى وضعوه بَيْنَ يديه.
قال عُبيد الله: أنا حاضرٌ ذلك من أمرهم، وقول علي فيهم(١).
٤٠٧١ - وكما حدَّثنا يونسُ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
يونسُ، عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمَة بنِ عبدِ الرحمن أخبره
عن أبي سعيدٍ الخُدري رضي الله عنه، قال: بَيْنَا نحن عندَ رسولٍ
اللهِ وَّ وهو يَقْسِمُ قسماً له، أتى ذو الخُوَبِصِرَةِ، وهو رجلٌ من بني
تميمٍ، قال: يا رَسولَ الله اعْدِلْ، قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَيْلَكَ فمن
يَعْدِلُ إذا لم أَعْدِلْ، لقد خِبْتُ وخَسِرْتُ إن لم أَعْدِلْ))، قال عمرُ بنُ
الخطاب: يا رسولَ الله ائْذَنْ لي فيه أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قال: ((دَعْهُ، فإنَّ
له أصحاباً يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صلاَتِهِمْ، وصِيامَهُ مَعَ صِيامِهِم،
يَقرَّؤُونَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِن الإِسْلامِ كَما يَمْرُقُ
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه مسلم (١٠٦٦) (١٥٧)، والنسائي في ((خصائص علي)) (١٧٧)،
ويعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) (٣٩١/٣، والبيهقي في ((سننه)) ١٧١/٨، والخطيب
في ((تاريخه)) ٣٠٥/١٠ من طريق عبد الله بن وهب، بهذا الإِسناد.
٢٥٤

السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّة، يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ، فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، ثم يُنْظَرُ إلى
رِصَافِهِ، فلا يوجد فيه شيءٌ، ثم يُنظر إلى نَضِيِّه - وهو القِدْحُ-، فلا
يُوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى قُذَذِهِ، فلا يُوجَدُ فيه شيءٍ سَبَقَ الفَرْثَ
والدَّمَ، آَيْتُهُمْ رجلٌ أسودُ، إحدى عَضُدَيْهِ مثلُ ثديِ المرأة أو مثلُ البَضْعَةِ
تَدَرْدَرُ، يخرجون على خيرِ فِرقةٍ مِن الناسِ ))، قالَ أبو سعيد: فَأَشْهَدُ
أني سمعتُ هذا من رسولِ اللهِ وََّ، وأشهدُ أن عليّ بن أبي طالب
رَضِيَ الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتُمِسَ فأتي به
حتى نظرتُ إليه على نَعْتِ رسولِ اللهِ وَ﴿ الذي نَعَتَّ(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه مسلم (١٠٦٤) (١٤٨) من طرق عن عبد الله بن وهب، بهذا الإِسناد.
وقوله: ((كما يمرق السهم من الرمية))، يقال: مرق السهم من الرمية: إذا خرج
من الجانب الآخر خروجاً سريعاً، والرمية: الطريدة من الصيد، فعيلة بمعنى مفعولة،
شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه، ومن
شدة سرعة خروجه لقوة الرامي لا يعلق من جسد الصيد بشيء.
وقوله: ((إلى رصافه)): الرصاف: مدخل النصل من السهم، والنصل: حديدة
السهم، والنضي: السهم بلا نصل ولا ريش.
وقوله: ((وهو القدح))، قال ابن الأثير: القدح: هو السهم الذي كانوا يستقسمون
به، أو الذي يرمى به عن القوس، يقال للسهم أول ما يقطع: قطع، ثم ينحت
ویبری، فیسمى: نَزِيّاً، ثم يُقوَّم فيسمى قِدحاً، ثم يراش ويركب نصله، فيسمى
سهماً.
والقُذذ: ريش السهم، واحدتها: قُذة.
وقوله: ((سبق الفرث والدم))، أي أن السهم قد جاوزهما ولم يعلق فيه منهما
شيء، والفرث: اسم ما في الكرش.
٢٥٥
=

٤٠٧٢ - وكما حدثنا الربيع المرادي، وسليمان الكيساني، قالا:
حدثنا بشرُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدثني الزهري، قال:
حدثني أبو سلمة، عن أبي سعيد، ثم ذكر مثلَه(١).
= وقوله: ((مثل البضعة تدردر))، البضعة: القطعة من اللحم، وتدردر، أصله:
تتدردر: معناه تضطرب وتذهب وتجيء.
وقوله: ((على خير فرقة)) في صحيح مسلم: ((على حين فرقة))، قال النووي:
ضبطوه في ((الصحيحين)) بوجهين:
أحدهما: حين فُرقة، أي: وقت افتراق الناس، أي: افتراق يقع بين المسلمين،
وهو الافتراق الذي كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.
والثاني: خير فِرقة، أي: أفضل الفريقين، والأول أكثر وأشهر، ويؤيده الرواية
التي بعد هذه: يخرجون في فُرقة من الناس، فإنه بضم الفاء بلا خلاف، ومعناه
ظاهر.
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، بشر بن بكر، وهو التنيسي، من
رجاله، ومن فوقه على شرطهما.
ورواه أحمد ٦٥/٣، والبخاري (٦١٦٣)، والنسائي في ((خصائص علي))
(١٧٦)، وابن أبي عاصم (٩٢٤) من طرق عن الأوزاعي، بهذا الإسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٨٦٤٩)، وأحمد ٥٦/٣، والواحدي ص١٦٧، والطبري
(١٦٨١٧) من طريق معمر، والبخاري (٣٦١٠)، والبغوي (٢٥٥٢)، والبيهقي
١٧١/٨ من طريق شعيب، كلاهما عن الزهري، به .
ورواه ابن أبي شيبة ٣٢٩/١٥، وابن أبي عاصم (٩٢٣) عن يحيى بن آدم،
عن يزيد بن عبد العزيز، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن والضحاك بن قيس، عن أبي سعيد الخدري.
ورواه ابن أبي شيبة ٣١٥/١٥-٣١٦، وعنه ابن ماجه (١٦٩) عن يزيد بن =
٢٥٦

٤٠٧٣ - وكما حدثنا الربيعُ المراديُّ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ بكرٍ،
عن الأوزاعيِّ، أنه حدثه عن قتادة
عن أنس بن مالك، وعن أبي سعيد الخُدري: أنَّ النبيَّ نَّ قال:
(«سيكونُ في أَمَّتي اختلافٌ وفُرقة، وقوم يُحسنون القِيلَ، ويُسيئون الفعلَ،
ويقرؤون القرآن لا يُجاوزُ تَراقِيَهُم، يَحْقِرُ أَحَدُكُم صلاتَه مع صَلاتِهِم،
وصِيامَه مع صِيامهم، يَمْرُقُونَ مِن الإِسلامِ كما يَمْرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيَّةِ،
ثم لا يَرْجِعونَ إليه، حتى يزيدَ على فُوقِه، هم شَرُّ الخَلْقِ والخليقةِ،
طُوبى لِمَنْ قَتَلَّهُم وقتلُوه، يدعُونَ إلى كتاب الله عز وجل، وليسوا منه
في شيءٍ، ومن قاتلهم كان أولى باللّهِ عز وجل منهم))، قالوا: يا رسولَ
الله ما سِيماهم؟ قال: ((سيماهُمُ التَّحْلِيقُ))(١).
= هارون، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، به.
ورواه مالك في ((الموطأ)) ٢٠٤/١-٢٠٥، ومن طريقه أحمد ٦٠/٣، والبخاري
(٥٠٥٨)، والنسائي في ((فضائل القرآن)) (١١٤) عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن
إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، به.
ورواه البخاري (٦٩٣١)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٧) من طريق يحيى بن سعيد،
عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، وعطاء بن يسار، عن أبي سعيد.
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري. بشر بن بكر هو التنيسي، من رجال
البخاري، ومن فوقه من رجال الشيخين.
الأوزاعي: هو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو.
ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ١٤٨/٢ عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن
الربيع بن سليمان المرادي، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٢٢٤/٣ عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، به.
٢٥٧
=

ثم روى عن رسول الله * أيضاً في وصف القاتلين لهؤلاء القوم
٤٠٧٤ - ما قد حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو نعيم (ح)
وما قد حدَّثنا الحسينُ الحِبَري(١)، قال: حدَّثنا عفانُ، قالا: حدَّثنا
القاسمُ بنُ الفضل، عن أبي نضرة
عن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله ◌ٍَّ:
(تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِندَ فُرقةٍ من المسلمين، يَقْتُلُها أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بالحَقِّ))(٢).
= ورواه أبو داود (٤٧٦٥) من طريقين عن الأوزاعي، به.
ورواه أبو داود (٤٧٦٦)، وابن ماجه (١٧٥) من طريق عبد الرزاق، عن معمر،
عن قتادة، عن أنس وحده.
وصححه الحاكم ١٤٧/٢ على شرط الشيخين من طريق معمر والأوزاعي،
كلاهما عن قتادة، به.
قلت: هو في ((المصنف)) (١٨٦٦٩) برواية الدبري عن معمر، عن قتادة، قال:
قال النبي ◌َّ، بإسقاط أنس بن مالك.
(١) بكسر الحاء وفتح الباء: نسبة إلى ثياب يقال لها: الحِبَرَةُ.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أحمد ٣٢/٣ و٤٨ و٩٧، ومسلم (١٠٦٥) (١٥٠)، والطيالسي (٢١٦٥)،
وأبو داود (٤٦٦٧)، والنسائي في ((خصائص علي)) (١٧٢)، والبيهقي ١٧٠/٨ من
طرق عن القاسم بن الفضل، بهذا الإِسناد.
ورواه مسلم (١٠٦٥) (١٥٢)، والنسائي في ((خصائص علي)) (١٦٩) عن
محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن داود بن أبي هند، عن أبي
نضرة، به.
ورواه أحمد ٤٥/٣ و٦٤، ومسلم (١٥١)، والنسائي في ((خصائص علي)) =
٢٥٨

قال أبو جعفرٍ: فهؤلاء أهلُ التأويلِ الذين قاتلهم علي وأصحابُه
على ما قاتلهم عليه ممن تقدَّم وعدُ رسولِ اللهِ وَّ فيهم بما تقدم
به، وهذا مِن الخصائص التي اختصَّ الله عز وجلَّ بها خلفاءَ رسوله
الراشدين المهديين، رضوان الله عليهم، فكانت هذه مِن خصائص علي
وهو منهم، ولم تكن لِغيره منهم.
كما كان مِن خصائصٍ أبي بكر رضي الله عنه وهو منهم ما اختصَّه
الله به مِن قِتالِ أهلِ الرِّدةِ الذين طلبوا إعادةَ أمر الجاهلية ومحق ما
كان من رسولِ اللهِ وَّر من الإِسلام حتّى أفناهمُ الله على يده، وحتى
أعاد به الإِسلامَ الذي كان رسولُ الله ◌ٌَّ [بُعِثَ به]، ولم يكن ذلك
لأحدٍ من الخلفاء سوى أبي بكر رضي الله عنه.
ومن ذلك ما اختصَّ الله به عمر رضي الله عنه وهو منهم مِن قتال
العجم حتَّى فتح الله عز وجل على يده ما جعله للمسلمين معقِلاً،
وما جعل منه فِناء، وما جعل له منهم ما يُقيمون به ما يحتاجون إلى
إقامته إلى يوم القيامة، ولم يُجْرِ ذلك على يدي أحد من أصحابه دونه.
ومن ذلك ما اختصَّ به عُثمان رضي الله عنه وهو منهم من كتابة
المصاحفِ، وبثُّها في البلدان حتى جمع الله الناسَ به على حرفٍ
واحدٍ، أقام به الحجةَ، وأبان به أن من خالف حرفاً منه، كان كافراً،
وأعاذنا الله عز وجل به أن نكون كأهل الكتابين قبلَنا الذين اختلفوا
في كتابهم حتّى تهيأ لمن تهيأ منهم تبديلُه، وحتى تكافؤوا فيما يدُّعُونَ
مِن الاختلافِ فیه.
= (١٧٠) من طرق عن أبي عوانة، عن قتادة، عن أبي نضرة، به.
٢٥٩

فرضوانُ الله على خلفاءِ رسولِه وصلواتُه ورحمته، ونحن نسألُ الله
عز وجل أن يجزيهم عنَّا أفضلَ ما جزى به أحداً من أنبيائه على طاعته
إِيَّاه، ونحمدُ الله عزَّ وجَلَّ إذ عرفنا بأماكنهم، وبفضائلهم،
وبخصائصهم، ولم يجعل في قلوبنا غلاً لأحدٍ منهم، ولا لِمَنْ سواهم
من صحابة نبيه رضوان الله عليهم، والله عز وجل نسأله التوفيق.
قف لله تعالى
٢٦٠