النص المفهرس

صفحات 241-260

لهم فيه مما تأوَّلْتَ السبعةَ الأحرف المذكورة فيه عليه إلا لِضرورة إلى
ذلك والعجز منهم عن حفظ الحروف بعينها، وأنه في الحقيقة فيما أنزل
عليه كما في المصاحف المنقولة إلينا التي قد قامت الحجةُ بما فيها
علينا، وأنه لا يَتَّسِعُ لنا أن نقرأ شيئاً من القرآن بخلاف الألفاظِ التي
فيها وإن كان معناه معنى ما فيها.
وفي هذا الحديث ما يُخَالِفُ ذلك، ويردُّ الأمور إلى المعاني التي
في الحقيقة إلى ما قد قِيلَتْ عليه، وإن اختلفت الألفاظ بها مع استواء
المعاني فيها.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن الذي في
هذا الحديث ليس مِن ذلك المعنى الذي ذكرناه في ذلك الباب، وذلك
أن المعنى الذي ذكرناه في ذلك الباب هو في القرآن لا في غيره،
والذي في الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب قد يَحْتَمِلُ أن يكونَ
فيما كان رسولُ الله ◌َّ يُمليه على ذلك الكاتب من كتبه إلى الناس
في دعائه إيَّاهم إلى الله عز وجل، وفي وصفهم له ما هو جلَّ وعزّ
عليه من الأشياء التي كان يأمرُ ذلك الكاتبَ بها، ويكتب الكاتب
خلافَها مما معناها معناها، إذ كانت كلها من صفات الله عز وجل.
فبان بحمد الله ونعمته أن لا تضادَّ في شيءٍ من ذلك ولا اختلاف،
والله عز وجل نسألُه التوفيقَ.
- ٢٤١ -

٥١٢ - بابُ بيانِ مُشكل ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ وَالَّ فيما
استدلَّ به محمدُ بنُ الحسن مما كانَ
أبو حنيفة رحمه الله يقوله في إباحة
الرِّبا بينَ المسلمين وبين
المشركين في دار الحرب
٣٢١٣ - حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، قال: حدثنا نعيمُ بنُ
حمّادٍ، قال: حدثنا ابنُ المبارك، عن مُحَمَّد بنُ ثورٍ، عن معمر، عن
ثابت
عن أنس بن مالك، أنَّ الحجّاج بن عِلَاط السُّلَمي، قال: يا رسولَ
الله : إنَّ لِي بمكة أهلاً ومالاً، وقد أردتُ إتيانَهم، فإن أُذِنْتَ لي أن
أقولَ فيك فعلتُ، فَأَذِنَ له رسولُ اللهِ وَِّ أن يقولَ ما شاءَ، فلما قَدِمَ
مَكَّةَ قال لامرأته: إنَّ أصحاب محمد قد استُبِيحُوا، وإنما جئتُ لآخُذَ
مالي لأشتريَ مِن غنائمهم، وفشا ذُلك في أهلِ مكة، فَبَلَغَ ذُلك
العباسَ، يعني ابنَ عبد المطلب، فعَقِرَ (١)، واختفى مَنْ كان فيها مِن
(١) أي: فجئه الروع، فدهش، فلم يقدر أن يتقدم أو يتأخر، قال ابن الأثير:
العقر بفتحتين: أن تُسْلِمَ الرجلَ قوائمُه إلى الخوف، فلا يقدر أن يمشي من الفرق
والدهش. وزاد غير المصنف: وجعل لا يستطيع أن يقوم.
- ٢٤٢ -

المسلمين، وأظهر المشركون الفرحَ بذلك، فكان العباسُ لا يَمُرُّ
بمجلسٍ من مجالسهم إلا قالوا: يا أبا الفضل : لا يَسُوُؤُكَ اللهُ، قال:
فبعث غلاماً له إلى الحجاج بن عِلاط، فقال: وَيْلَكَ، ما الذي جئتَ
به، فالذي وَعَدَ الله ورسولُه خيرٌ مما جئتَ به، فقال الحجّاج لِغلامه:
اقْرَأُ على أبي الفضل السَّلامَ، وقُلْ له: ليُخْلِ لي في بعضِ بيوته،
فإن الخَبَرَ على ما يَسُرُّه، فلما أتاه الغلامُ، فأخبره، فقام إليه فَقَبَّلَ ما
بَيْنَ عينيه واعْتَنَقَهُ، ثم أتاه الحجاجُ بنُ عِلاط، فخلا به في بعض بيوته،
وقال له: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد فتح على رسولِ الله وَِّ خيبرَ، وجرت
فيها سِهَامُ المسلمين، واصطفى رسولُ اللهِ وَّ صفيَّةً لنفسه، وإني
استأذنتُ رسولَ الله وَّ أن أقول فيه ما شئتُ، فإن لي مالاً بمكة آخذه،
فَأَذِن لي أن أقولَ فيه ما شئتُ، فَاكْتُمْ عليَّ ثلاثاً، ثم قُلْ ما بَدًا لك.
ثم أتى الحجّاج أهلَه، فأخذ مالَه، ثم استمرَّ إلى المدينة، قال:
ثم إن العباسَ أتى منزلَ الحجّاجِ إلى امرأته، فكان العباسُ يَمُرُّ
بمجالس قريش فيقولون له: يا أبا الفضل: لا يسوؤُكَ الله، فيقول: لا
يسوُؤُنِي الله، قد فَتَحَ الله على رسولِ اللهِوَّ خيبرَ، وجرت فيها سِهَامُ
المسلمين، واصطفى رسولُ اللهِ وَّ صَفِيَّةً لِنفسه، أخبرني الحجاجُ بنُ
عِلاط بذلك، وسألني أن أكْثُمَ عليه ثلاثاً حتى يأخُذَ ما لَه عند أهله.
قال: ثم أتى امرأتَه، فقال: إن كان لَكِ بزوجك حاجةٌ فالحقي
به، وأخبرها بالذي أخبره الحجاجُ بنُ عِلاط بفتح خيبر، فقالت امرأته:
أظنُّكَ واللهِ صادقاً.
قال: فرجع ما كان بالمسلمين من كآبة على المشركين، وظهر مَنْ
- ٢٤٣ -

كان استخفى من المسلمين مِن المواضع التي كانوا فيها(١).
فتأملنا هذا الحديث، فوجدنا ما قد دلَّنا على أن إسلام العباسِ
كان قبلَ ذلك، وهو إقرارُه كان لِرسول الله وَّر بالرسالة من الله عز وجل
وتصديقه ما وَعَدَهُ، وقد كان الرِّبا حينئذ في دار الإِسلام حراماً على
المسلمین .
٣٢١٤ - كما حدثنا يونسُ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ وهب، قال:
أخبرني قُرَّةُ بنُ عبد الرحمن، وعمروبنُ الحارث، أن عامَرَ بنَ يحيى
المعافري أخبرهما، عن حنشٍ ، أنه قال:
كنا مع فَضَالَةَ بن عُبيد في غزوة، فطارت لي ولأصحابي قِلادة فيها
ذَهَبُ ووَرِقُ وجوهرٌ، فأردتُ أن أشتريَها، فسألتُ فضالة، فقال: انزِعِ
ذهبَها، فاجعله في الكفة، واجعل ذهباً في الكفة، ثم لا تأخذنَّ إلَّ
مِثْلًا بِمِثْل، فإني سمعتُ رسولَ اللهِ وَّ يقول: ((مَنْ كان يؤمِنُ باللهِ
(١) حديث صحيح. نعيم بن حماد متابع، وابن المبارك - واسمه زيد -
!
صدوق، روى عنه أبو داود، ومحمد بن ثور ثقة، روى له أبو داود والنسائي، وباقي
السند على شرط الشيخين.
ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٧٧١)، ومن طريقه أحمد ١٣٨/٣-١٣٩،
والنسائي في السير من ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ١٥٣/١، وأبو يعلى (٣٤٧٩)،
وابن حبان (٤٥٣٠)، والبزار (١٨١٦)، والطبراني (٣١٩٦)، والبيهقي في ((السنن))
١٥١/٩، وفي ((دلائل النبوة)) ٢٦٨/٤، عن معمر، به، وهذا سند على شرط
الشیخین.
- ٢٤٤ -

واليومِ الآخرِ، فلا يأخُذْ إلَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ))(١).
٣٢١٥ - وكما حدثنا يونسُ، قال: حدثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
أبو هانىء الخَوْلانِيُّ، أنه سَمِعَ عُلَيَّ بِنَ رباحِ اللخميَّ، يقول:
سمعتُ فَضَالَةَ بن عُبيدٍ الأنصاري، يقول: أَتي رسولُ اللهِ وَلِ وهو
بخيبر بقلادةٍ فيها ذهبٌ وخَرَزْ، وهي من المغانم تُباعُ، فأمر رسولُ الله
ونَ﴿ر بالذَّهب الذي في القِلادة، فَنُزِعَ وحدَهُ، ثم قال رسولُ الله ◌ِلَّى :
((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْناً بِوَزْنٍ))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. قرة بن عبد الرحمن - وإن كان فيه كلام -
مقرون هنا بعمروبن الحارث. حنش الصنعاني: هو حنش بن عبد الله، ويقال: ابن
علي .
ورواه المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٧٤/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه مسلم (١٥٩١) (٩٢)، والطبراني ١٨/ (٨١٣)، والبيهقي ٢٩٣/٥ من
طريق ابن وهب، بهذا الإِسناد.
ورواه من طرق عن حنش، به أحمدُ ٢١/٦ و٢٢، وأبو داود (٣٣٥١) و(٣٣٥٢)
و(٣٣٥٣)، والترمذي (١٢٥٥)، والنسائي ٢٧٩/٧، والدارقطني ٣/٣، والطبراني
١٨/(٧٧٤) و(٧٧٥) و(٧٧٦)، والبيهقي ٢٩٣/٥، والمصنف في ((شرح معاني
الآثار)) ٧١/٤ و٧٢.
وقوله: ((فطارت لي ولأصحابي قلادة))، أي: أصابتنا وحصلت لنا من القسمة.
وفي رواية المؤلف في ((شرح معاني الآثار)) والطبراني: ((فصارت لي))، وفي رواية
البيهقي: فصارت لي، أو قال: فطارت لي.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو هانىء: هو حميد بن هانىء.
ورواه المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٧٣/٤ بإسناده ومتنه.
- ٢٤٥ -

٣٢١٦ - وكما حدثنا بكرُ بنُ إدريس، قال: حدثنا المقرىء، قال:
حدثنا خَيْوة، عن أبي هانىء، ثم ذكر بإسناده مثله(١).
قال أبو جعفر: فكان في هذه الآثار أن الرِّبا قد كان يومئذ في
دارِ الإِسلام حراماً بين أهِلِ الإِسلام.
ثم وجدنا رسولَ الله ◌َ لا قد كان منه في خطبته في حَجَّةِ الوداع
٣٢١٧ - ما قد حدَّثنا الربيعُ المراديُّ، قال: حدثنا أسدٌ، قال:
حدثنا حاتِم بنُ إسماعيل، قال: حدثنا جعفرُ بنُ محمد، عن أبيه
عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، أن رسولَ الله وَّهِ قال
في خُطبته يومَ غَرَفة في حِجَّةِ الوداع : «ورِبَا الجاهِليَّةِ مَوْضوعٌ، وَأوَّلُ
رِباً أَضَعُ رِبا العَبَّاسِ بنِ عبد المطلب، فإنَّه موضوع كُلُّه))(٢).
= ورواه مسلم (١٥٩١)، والدارقطني ٣/٣، وابن الجارود (٦٥٤)، والبيهقي
٢٩٢/٥، والطبراني ١٨/ (٨١٣) من طريق ابن وهب، بهذا الإِسناد.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٧٤/٤ بإسناده. وهو مكرر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح. أسد هو ابن موسى بن إبراهيم الأموي، روی له أبو داود
والنسائي، وهو ثقة، ومن فوقه من رجال الصحيح.
جعفر بن محمد: هو ابن علي بن الحسين المعروف بالصادق الفقيه الإِمام،
وأبوه: هو محمد بن علي بن الحسين أبو جعفر الباقر.
وهذا الحديث قطعة من حديث مطول في حجة النبي ◌َّ - رواه مسلم في
(صحيحه)) (١٢١٨) من طريقين عن حاتم بن إسماعيل، بهذا الإِسناد، وصححه ابن
حبان (١٤٥٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
- ٢٤٦ -

٣٢١٨ - وما قد حدثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حدثنا هنَّادُ بنُ
السَّريِّ، عن أبي الأحوص، عن ابن غَرقدة - يعني شَبِيباً-، عن
سليمان بنِ عمرٍو
عن أبيه عمرو بن الأحوص، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّةٍ يقولُ:
((ألا إنَّ كُلَّ رِباً مِنْ رِبا الجاهِلِيَّةِ يُوضَعُ، لَكُم رؤوسُ أموالِكُم لا
تَظْلِمون ولا تُظْلَمونَ))(١).
٣٢١٩ - وما قد حدثنا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حدثنا يونسُ بنُ
محمد، قال: حدثنا حسينُ بنُ عازب بن شبيب بن غَرْقَدة أبو غرقدة،
عن شبيب بن غَرْقَدَة، عِنْ سليمان بن عمروٍ، عن عمرو بن الأحوص،
عن رسول الله وَِّ مثلَه(٢).
(١) حسن، رجاله ثقات رجال الصحيح غيرَ سليمان بن عمرو، فقد روى له
أصحاب السنن، وروى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أبو الأحوص:
هو سلَامُ بن سليم الحنفي مولاهم.
وهو في المناسك من ((سنن النسائي الكبرى)) (٣٩٩٢).
ورواه أبو داود (٣٣٣٤)، وابن ماجه (٣٠٥٥)، والطبراني ١٧ / (٥٨) من طرق
عن أبي الأحوص، به.
ورواه الترمذي (٣٢٨٧) من طريق الحسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن
شبيب بن غرقدة، به. وقال: حديث حسنٌ صحيح.
(٢) حسن، وهو مكرر ما قبله.
حسين بن عازب بن شبيب روى عنه يونس بن محمد، ويحيى بن حسان
التنيسي، وبشربن الوليد صاحب أبي يوسف، ((الجرح والتعديل)) ٦١/٣، و((الكنى))
للدولابي ٨٠/٢.
- ٢٤٧ -

فكان في ذلك ما قد دلَّ على أنَّ الرِّبا قد كان بمكة، قائماً لمَّا
كانت دارَ حربٍ حتى فُتِحَتْ، لأن ذهابَ الجاهلية إنما كان بفتحها،
وكان في قولِ رسول الله وَله: ((أول رباً أضع ربانا، ربا العباس بن
عبد المطلب))، فدلَّ ذلك أن ربا العباس قد كان قائماً حتَّى وضعه
رسولُ اللهِ وَّهِ، لأَنَّه لا يَضَعُ إلا ما قد كان قائماً، لا ما قد سَقَطَ
قبل وضعه إيّاه.
وكان فتحُ خيبرَ في سنة سبعٍ من الهجرة، وكان فتحُ مكة في السنة
الثامنةِ من الهجرة، وكانت حجةُ الوداع في السنة العاشرة من الهجرة.
ففي ذلك ما قد دَلَّ أنَّه قد كان للعباس رِباً إلى أن كان فتحُ مكة،
وقد كان مسلماً قَبْلَ ذُلك، وفي ذلك ما قد دلَّ على أن الربا قد كان
حلالاً بَيْنَ المسلمين وبين المشركين بمكة لما كانت دارَ حرب، وهو
حينئذٍ حرام بَيْنَ المسلمين في دارِ الإِسلام، وفي ذلك ما قد دلَّ على
إباحةِ الربا بين المسلمين وبَيْنَ أهلِ الحرب في دار الحرب كما يقوله
أبو حنيفة والثوري.
حدثنا محمدُ بنُ العباس، قال: حدثنا عليُّ بنُ معبد، عن محمد،
عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة بذلك، قال محمد: وهو قولُنا.
وكما حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا نُعَيْمٌ، قال: حدثنا
ابنُ المبارك، عن سفيان بذلك(١).
(١) رجاله رجال الصحيح. نعيم: هو ابن حماد الخزاعي، وهو وإن روى له
البخاري، في حفظه شيء.
- ٢٤٨ -

قال أبو جعفر: وقد قاله قَبْلَهُم إبراهيمُ النَّخَعِي.
كما حدثنا محمدُ بنُ العباس، قال: حدثنا عليٍّ، قال: حدثنا
محمدُ بنُ أبان بنِ صالح، عن حمّادٍ
عن إبراهيمَ، قال: لا بأسَ بالدينار بالدينارين في دارِ الحرب بَيْنَ
المسلمين، وبَيْنَ أهلِ الحرب(١).
ومما يَدُلُّ على أن حكم الرِّبا بين المسلمين وبَيْنَ أهل الحرب في
دار الحرب بخلاف حكم الربا بينهم في دار الإِسلام أنه لا يخلو ربا
العباس الذي أدركه وضعُ النبي ◌َّ ربا الجاهلية من أحد وجهين:
أن يكونَ أصلُه كان قبل تحريم الربا، ثم طرأ عليه تحريم الربا.
أو كان في حالٍ تحريم الربا، أعني بذلك التحريم في هذين
الوجهين في دارِ الهجرة.
فإن كان قبل تحريمِ الرِّبا ثم طرأ عليه تحريمُ الربا في دار الهجرة
وفي دارٍ الحرب، فإنه يجب أن يبطل في أيِّ الأماكن كان من دارٍ
الحرب ومن دارِ الإِسلام.
(١) محمد بن العباس: هو محمد بن العباس بن الربيع اللؤلؤي، أحد
أصحاب أبي حنيفة، روى عنه الطحاوي في ثلاثة مواضع من هذا الكتاب، عامتها
في ذكر المذهب، ونقل عنه في موضع معنى حديث: ((أنت ومالك لأبيك)) ....
وعلي: هو ابن معبد بن نوح البغدادي، نزيل مصر، ثقة، من رجال النسائي.
ومحمد بن أبان بن صالح: وهو الجعفي، ضعيف، وحماد: هو ابن أبي
سليمان، ثقة، إمام مجتهد، روى له مسلم مقروناً.
- ٢٤٩ -

وإن كان بعد تحريم الربا فهو أبطل، فلما أخبر النبيُّ وَّ في
خطبته بما يدل أنه كان قائماً حتى وضعه، دل ذلك أنه كان قبلَ وضعه
إياه بمكان الربا فيه، خلاف الربا في دار الهجرة، لأنه لو كان في
دار الهجرة، ما كان قائماً في حالٍ من الأحوال بعد تحريم الربا، لأنه
إن كان أصله في حال تحريمه، كان غيرَ ثابت، وإن كان قبلَ تحريمه،
ثم طرأ عليه تحريمه، وضعه.
فإن شُبِّهَ على أحدٍ بما كان في أمر العبّاسِ من أسر المسلمين
إيَّه، ومِن أخذ الفِداء منه، تَحَقَّقَ بذلك أنه لم يكن بمكة مسلماً.
قال: ولو كان مسلماً قبل فتحها، لنفى ذلك عنه إسلامه.
فإنه يُقال له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: إنه لم يكن بمكة
مسلماً حين جرى عليه ما جرى مِن الأسر، لأنه لما فُدِيَ في غزوة
بدر، رجع هو ومن سِواه من الأسرى إلى مكة على دينهم الذي أُسِرُوا
عليه، وكانت بدر في سنة اثنتين(١) من الهجرة.
وقد حكى محمدُ بنُ إسحاق في ((مغازيه)) أن العباسَ قد كان
اعتذرَ إلى رسولِ اللهِ وَّ لما أمره أن يَقْدِيَ نفسَه بأنه كان مسلماً،
وأنه أخرج إلى قتاله كرهاً، وأن رسولَ الله وَّهِ قال له: ((أَمَّا ظَاهِرُ أَمْركَ،
فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا، فَاقْدِ نَفْسَكَ)).
٣٢٢٠ - حدثنا بذلك فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا يوسفُ بنُ
بُهلول، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ إدريس، عن محمد بن إسحاق، ولم
(١) في الأصل: ((أربعاً))، وهو خطأ يقيناً من الناسخ.
- ٢٥٠ -

يتجاوزه به(١)، وبقي العباسُ بعد ذلك بمكة.
(١) ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٤٢/٣-١٤٣ عن أبي عبد الله الحافظ،
أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، قال: أخبرنا
يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، بالإِسناد الذي ذكر لقصة بدر وهو: عن یزید بن
رومان، عن عروة، وعن الزهري، عن جماعة سماهم، فذكروا القصة، وقالوا فيها:
فبعثت قريش إلى رسول الله﴿ في فداء أسراهم، فقدى كُلُّ قومٍ أسيرَهم بما
رضوا، وقال العباسُ بن عبد المطلب: يا رسول الله، إني قد كنت مسلماً. فقال
رسول الله: الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول، فالله يجزيك بذلك، وأما
ظاهرُك فكان علينا، فاقْدِ نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب،
وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن
فهر، قال: ما إخالُ ذاك عندي يا رسول الله، قال: فأين المالُ الذي دفنته أنت وأمُّ
الفضل، فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال لبني: الفضل بن
العباس، وعبد الله بن العباس، وقُثم بن العباس، فقال لرسول الله وَّهِ: والله يا رسولَ
الله، إنِّي لأعلمُ أنَّك رسولُ الله، إن هذا شيء ما علمه أحدٌ غيري، وغير أم الفضل،
فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي، فقال رسولُ
اللّه ◌َ *: لا، ذاك شيء أعطاناه الله تعالى منك، فقدى نفسه وابني أخويه وحليفه،
وأنزلَ الله عز وجل فيه: ﴿ياأيُّها النبيُّ قُلْ لمن في أيديكم من الأسرى إن يَعْلَمِ اللهُ
في قلوبكم خيراً يُؤْتِكُم خيراً مما أُخِذَ منكم، وبَغْفِرْ لكم، والله غفورٌ رحيم﴾،
فأعطاني الله مكانَ العشرين الأوقية في الإِسلام عشرين عبداً كُلُّهم في يده مال
يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله عز وجل .
وروى ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه
الآية بنحوه ما ذكرناه.
وانظر ((طبقات ابن سعد)) ١٣/٤-١٤، و((تاريخ الإِسلام)) للذهبي، قسم =
- ٢٥١ -

فإن يكن ما ذكره ابنُ إسحاق كما ذكره قد تقدم إسلامُه بدراً،
وإن يكن بخلاف ذلك، كان ما ذكره أنس بن مالك في حديث
الحجاج بن عِلاط، يُوجب له الإِسلامَ، وذلك عند فتح خيبر، وكلا
القولين يُوجب إقامته بمكة مسلماً وهي دَارُ حرب، وإقامته بها فيما ذكره
محمدُ بنُ إسحاق أوسع مدة من إقامته بها كذلك في حديث أنسٍ
الذي ذكرناه.
وفي ذلك ما يُوجب أنه كان بمكة مسلماً، وله بها رباً قائم، والربا
مُحَرَّمٌ بَيْنَ المسلمين في دارِ الهجرة، والله عز وجل نسأله التوفيقَ(١).
لله تعالى
C
S
الله
= المغازي ص١١٧-١١٨، و((السير)) ٨١/٢-٨٢، و((تفسير ابن كثير)) ٣٦/٤، طبعة
الشعب .
(١) انظر ((روح المعاني)) ١٨/٢١-١٩ للآلوسي.
- ٢٥٢ -

٥١٣ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوي عن رسولِ اللهِوَليل
في المواريثِ التي قُسِمَتْ في الجاهلية
وفي المواريث التي أدركها الإِسلامُ
من مواريث الجاهلية قبل أن تُقسم
٣٢٢١ - حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن يونس، قال: حدثنا
محمدُ بنُ عبدِ الرحيم(١) المعروف بصاعقة، قال: حدثنا موسى بنُ
داود، قال: حدثنا محمدُ بنُ مسلم الطائفيُّ، عن عمروبن دينار، عن
أبي الشَّعْثاء
عن ابن عباس، رَضِيَ الله عنهما، قال: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: «كُلُّ
قَسْمٍ قُسِمَ في الجاهلِيَّةِ، فهو على ما قُسِمَ، وكُلُّ قَسْمٍ أدركه الإِسلامُ،
فهو على قَسْمِ الإِسلام)»(٢).
(١) في الأصل: ((عبد الرحمن))، والصواب ما أثبت.
(٢) حديث حسن. محمد بن مسلم الطائفي، وإن روى له مسلم، يخطىء
من حفظه، وباقي رجاله ثقات من رجال الصحيح، وله طريق آخر يتقوى به. أبو
الشعثاء: اسمه جابر بن زيد الأزدي اليَحْمُدي.
ورواه أبو داود (٢٩١٤)، وابن ماجه (٢٤٨٥)، وأبو يعلى (٢٣٥٩)، والبيهقي
١٢٢/٩ من طرق عن موسى بن داود، بهذا الإسناد.
- ٢٥٣ -

قال أبو جعفر: فأما ابنُ عيينة، فروى هذا الحديثَ عن عمرو،
فلم يتجاوزْهُ به.
٣٢٢٢ - كما حدثنا عيسى بنُ إبراهيم الغَافِقي، قال: حدثنا
سفيانُ، عن عمرٍو، ثم ذكره.
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أيضاً ما قد شَدَّ مما قد ذكرنا
في الباب الأول، لأنَّ فيه ما يُوجب أن قسمةَ الميراثِ لو كانت بمكة
قبل فتحها على غير قِسمة الإِسلام، لمضى ذلك على ذلك القَسمِ ،
وإن كانت قسمته حينئذ في دار الهجرة، وفي أحكام الإِسلام مخالفة
له، فمثل ذلك المعاملة بالربا الذي ذكرنا حينئذ بمكة بين المسلمين
وبَيْنَ أهلها المشركين قد كان جائزاً، وهو في دار الهجرة، وفي أحكام
الإِسلام فيها بخلاف ذلك، والله عز وجل نسألُه التوفيق.
= وروى البيهقي ١٢٢/٩ من طريق الربيع بن سليمان، قال: سألت الشافعي عن
أهل الدار من أهل الحرب يقسمون الدار، ويملك بعضهم على بعض على ذلك
القسم، ويسلمون، ثم يريد بعضهم أن ينقض ذلك القسم، ويقسمه على قسم
الأموال، فقال: ليس ذلك له، فقلت: وما الحجةُ في ذلك؟ قال: الاستدلالُ بمعنى
الإِجماع والسنة، فذكر ما لا يُؤاخذون به من قتل بعضهم بعضاً، وغصب بعضهم
بعضاً، ثم قال: مع أنه أخبرنا مالك عن ثوربن زيد الديلي، قال: بلغني أن رسول
الله ﴾ قال: ((أيّما دار أو أرض قسمت في الجاهلية، فهي على قسم الجاهلية،
وأيُّما دارٍ أو أرضٍ أدركها الإِسلام ولم تقسم، فهي على قسم الإِسلام)).
ثم روى البيهقي حديثَ الباب من طريق موسى بن داود.
ثم رواه من طريق آخر عن إبراهيم بن طهمان، عن مالك، عن ثور بن زيد
الديلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَّر، فذكره بنحوه.
- ٢٥٤ -

٥١٤ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله وَلَه
في أحكام الغصوب في الجاهلية التي اختصموا
إليه فيها في الإِسلام
٣٢٢٣ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق ومحمدُ بن خُزيمة جميعاً، قالا:
حدثنا أبو الوليد الطَّيَالِسِي، قال: حدثنا أبو عَوانة، عن عبدِ الملك بنِ
عُمير، عن علقمةَ بنِ وائلٍ
عن وائل بن حُجر، قال: كنتُ عند رسولِ الله وَلَر فأتاه رجلان
يختصِمانِ في أرضٍ ، فقال أحدهما: إِنَّ هذا يا رسولَ الله انتزى على
أرضي في الجاهلية، وهو امرؤ القيس بن عابس الكِندي، وخَصْمُهُ
ربيعةً بن عيدان، فقال له: ((بَيِّنْتُكَ بَيِّنْتُكَ)) قال: ليس لي بَيِّنَةٌ، قال:
يمينه، قال: إذن يذهبُ بها، قال: ليس لك إلا ذلك، فلما قام
لِيحلف، قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن اقْتَطَعَ أرضاً ظَالِماً، لَقِيَ الله وهو
عَلَيْهِ غَضْبَانُ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير علقمة بن
وائل، فمن رجال مسلم، وقول الحافظ في ((التقريب)): إنه لم يسمع من أبيه، وَهْمٌ
منه رحمه الله، فقد جاء التصريح بسماعه منه في غير ما حديث، انظر ((سنن
النسائي)) ١٩٤/٢، رقم الحديث (١٠٥٥)، و((صحيح مسلم)) (٤٠١)، و((سنن
الترمذي)» (١٤٥٤).
=
- ٢٥٥ -

٣٢٢٤ - حدثنا روحُ بنُ الفرج، قال: حدثنا يوسفُ بنُ عدي
الكوفيُّ، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سِماكِ بن حربٍ، عن
علقمة بنِ وائلٍ
عن أبيه، قال: جاء رجلٌ من حضرموت ورَجَلٌ من كِنْدة، إلى
رسول الله وَلَّ، فقال الحضرميُّ: يا رسول الله، إنَّ هذا غلبني على
أرضٍ كانت لي، فقال الكِنديُّ: هي أرضي في يدي أزرعُها ليس له
فيها حَقُّ، فقال رسولُ اللهِ وَّ للحضرمي: ((ألك بَيِّنَةٌ؟)) قال: لا، فقال
= أبو الوليد: هو هشام بن عبد الملك الباهلي، وأبو عوانة: هو الوضاح بن عبد
الله اليشكري .
وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٣٧/٤-١٣٨ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٣١٧/٤، ومسلم (١٣٩) (٢٢٤)، والنسائي في القضاء من
((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٨٦/٩، والبيهقي ١٣٧/١٠ و٢٦١ من طرق عن أبي
عوانة، بهذا الإسناد.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) ٢٢/(٢٤) من طريقين عن إبراهيم بن أبي سويد،
عن إبراهيم بن عثمان، عن عبد الملك بن عمير، به.
وعَيْدان: هو بفتح العين وتسكين الياء تحتها نقطتان وآخره نون، حكاه مسلم
في «صحيحه» عن إسحاق بن راهويه في روايته عنه، وعن زهير بن حرب بكسر أوله
والموحدة الساكنة.
قال عبد الغني: ربيعة بن عيدان خصم امرىء القيس، هو في مسند وائل بن
حجر، وقيل ابن عبدان بكسر العين وبباء معجمة واحدة، وهو ربيعة بن عيدان بن
ذي العرف بن وائل بن ذي الطواف الحضرمي، شهد فتح مصر، وله صحبة، وليست
له رواية نعلمها. ((أسد الغابة)) ٢١٥/٢، و((الإكمال)) ٩٨/٦، و((الإصابة)» ٤٩٧/١.
- ٢٥٦ -

النبيُّ وَّهِ: ((فَأَحْلِفْه))، فقال: إنَّه ليس له يمينٌ، فقال النبيُّ وَّه: ((لَيْسَ
لَكَ مِنْهُ إلَّ ذلك))، فانطلق ليحلفه، فقال رسولُ اللهِ وَّةَ: ((أما إنَّه إنْ
حَلَفَ على مالِكَ ظَالِماً لِيَأْكُلَهُ، لَقِيَ الله عَزَّ وجَلَّ وهو عنه مُعْرِضٌ))(١).
٣٢٢٥ - حدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا جندلُ بنُ والق،
قال: حدثنا أبو الأحوص، فذكر بإسنادِهِ مثلَه، غيرَ أنه قال: فقال
الحضرميُّ: يا رسولَ الله، إنَّ هذا غلبني على أرضٍ كانت لأبي(٢).
ففي هذا الحديث خصومةُ الرجلين المذكورين فيه إلى رسول الله
وَلَه فِي غَصْبٍ ادَّعاه أحدهما على الآخر أنه كان منه إيَّه في الجاهلية،
ودعا رسولُ اللهَ وَُّ المُدَّعِي بينةٍ إن كانت له على ما ادَّعاه عنده من
ذلك، وإعلامه إِيَّه أن له يمينَ المُدَّعَى عليهِ إن طلبها.
وفي ذلك ما قد دلَّ على أنه لو أقام عنده بينةً على ما ادَّعاه عنده،
لَحَكَمَ له به على من ادَّعاه عليه عنده، وفي ذلك ما قد دلَّ على أن
الغاصِبَ لِذلك لم يكن ملكه على الذي كان غصبه إِيَّاه في الجاهلية
بغصبه إيَّه كان منه، فمثلُ ذلك الحربي يَغْصِبُ الحربي أرضاً في دارٍ
(١) إسناده حسن. سماك بن حرب وإن احتج به مسلم تنحطّ رتبته عن
الصحيح، وباقي السند ثقات من رجال الصحيح. أبو الأحوص: هو سلام بن سليم
الحنفي مولاهم الكوفي .
ورواه مسلم (١٣٩) و(٢٢٣)، وأبو داود (٣٢٤٥) و(٣٦٢٣)، والترمذي
(١٣٤٠)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٨٦/٩، وابن حبان (٥٠٧٤)،
والبيهقي ١٧٩/١٠، والطبراني في ((الكبير)) ٢٢/ (١٧) من طرق عن أبي الأحوص،
بهذا الإسناد.
(٢) إسناده حسن. جندل بن والق، قال أبو حاتم: صدوق، وهو مكرر ما قبله.
- ٢٥٧ -

الحرب، ثم يُسلمان، فيختصمان فيها إلى إمام المسلمين، أنه ينظرُ
بينهما في ذلك، وحكم بينهما فيه كما يحكم في مثله لو كان بين
مسلمين في دارِ الإِسلام.
وقد كان محمدُ بنُ الحسن يذهب إلى هذا القول أيضاً، إلا أنه
كان يقول: إن كان ملكهم خُوصِمَ إليه في ذلك في دارِ ملكه، فجعله
الغاصبه بغصبه إِيَّاهُ، ثم خُوصِمَ في ذلك إلى إمامِ المسلمين في دار
الإِسلام، أمضى ذلك، ولم يردّه على المغصوب منه، وإن كان لم
يُخاصِمْ في ذلك إلى ملكهم، ولا كان منه فيه إمضاؤه لغاصبه، نظر
فيما بَيْنَ الغاصب له والمغصوب منه، وحكم في ذلك كما يحكم في
غصب أهلِ الإِسلامِ بعضهم بعضاً في دارِ الإِسلام.
وكان بعضُ من يذهب إلى قوله هذا يحتجُّ له فيه بما قد رويناه
عن رسولِ اللهِ وَّ فيما تقدم منا في كتابنا هذا من قوله: ((كُلُّ مِيراثٍ
قُسِمَ في الجاهلية، فهو على قسمةِ الجاهلية، وكُلَّ ميراثٍ أدركه
الإِسلامُ، فهو على قِسمة الإِسلامِ)) .
قال: فكما كان الميراثُ إذا قُسِمَ في الجاهلية على غير حُكْمٍ
الإِسلام أمضي ذُلك، ولم يُرَدَّ إلى حكم الإِسلام، وإذا لم يُقسم في
الجاهلية حتى أدركه الإِسلامُ، قُسِمَ على حكم الإِسلام، كان مثل ذلك
الغصب الذي ذكرنا إذا أجري فيه في الجاهلية معنىٍّ، أمضي ذلك
المعنى فيه، ولم يرد إلى حكم الإِسلام، وإذا لم يُمض فيه ذلك
المعنى حتى أدركه الإِسلامُ، رُدَّ إلى حكم الإِسلام فيه، والله عز وجل
نسألُه التوفيق.
- ٢٥٨ -

٥١٥ - بابُ بيانِ مُشكِلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ إِله
في الرجل الذي كان يكتب له فكان يُملي عليه:
عليماً حكيماً، فيكتب: سميعاً عليماً،
ولا يُنكر ذلك رسولُ الله ◌َطِ منه،
فارتدَّ عن الإِسلام، هل كان
من قريش، أو من الأنصار،
أو من غيرهم؟
٣٢٢٦ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو معمر عبدُ
الله بنُ عمروبن أبي الحجاج، قال: حدثنا عبدُ الوارث بنُ سعيدٍ، قال:
حدثنا عبدُ العزيز بنُ صهيب
عن أنس بن مالكٍ رَضِيَ الله عنه، قال: كان رَجُلٌ نصراني،
فَأَسْلَمَ وقَرَأ البقرة وآل عمران، وكتب للنبيِّ وَّر، فعاد نصرانياً، فكان
يقول: ما يقرأُ محمدٌ إلا ما كتبتُ له، فأماتهُ الله عز وجل، فدفنوه،
فأصبح قد لفظته الأرضُ، فقالوا: هذا عَمَلُ محمد، إنَّه وأصحابَه نَبَشُوا
على صاحبنا، فَأَلْقَوْهُ، فحفروا فأعمقُوا، فأصبحوا قد لفظته الأرضُ،
فقالوا: هذا عَمَلُ محمدٍ [وأصحابه] نبشوا على صاحبنا، فَأَلْقَوْهُ،
فحفروا له، فأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته
- ٢٥٩ -

الأرضُ، فعلموا أنه ليس مِن النَّاسِ، فَأَلْقَوْهُ(١).
قال أبو جعفر: فبان بهذا الحديث بحمد الله أنه لم يكن مِنْ
قريش، ولا من الأنصار، وأنه كان نصرانياً.
فقال قائل: قد ذكرت قبلَ هذا الباب في كتابك هذا ما دفعتَ
أن يكونَ هذا الرجل كان الذي يُمْلِي عليه رسولُ اللهِ وَّةِ، ويكتُب
خلافه، يُمضيه له رسولُ الله ◌َلّ من معنى ما أملى عليه معنى ما كتبه،
وفي هذا الحديث أن ذلك الرجل كان يقول: ما يقرأُ محمد إلا ما
كتبتُ له، ففي ذلك ما قد دَلَّ أن الذي كان يكتبه للنبي وَّ كان من
القرآن .
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه ليسَ في
هذا الذي ذكره ما يجب أن يكونَ الذي كان يكتبه للنبيِّ صلى الله
[عليه وسلم] كان قرآناً، إذ كان قد يَحْتَمِلُ أن يكونَ غَيْرَ قرآن مما كان
يكتُبُه إلى من يدعوه إلى الله عز وجل من أهل الكفر، ثم يقرؤه رسولُ
اللّه وَّيّ على الناس الذين يحضرونه لِيسمعوه ويعلموه، وليس ذلك على
أنه كان يقرؤه بنفسه، ولكنه كان يقرؤه بأمره، فيكون ذلك قراءةً له،
وليس كُلُّ مقروٍ قُرآنً، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه البخاري (٣٦١٧) عن أبي معمر، عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج،
بهذا الإسناد.
ورواه أبو يعلى (٣٩١٩) عن جعفر بن مهران، عن عبد الوارث بن سعيد، به.
وقد تقدم الحديث برقم (٣٢١١) من طريق حميد عن أنس، وخرجته هناك.
- ٢٦٠ -