النص المفهرس

صفحات 401-420

((إِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْنَا زَبْدَ الْمُشْرِكِينَ))(١).
قال: والعرب تسمي الهدية الزَّيْدَ.
قال أبو عبيدة: الحَرَمِي يكون من أهل الحرم، ويكونُ الصديقَ
أيضاً يقال له: حَرَمِي .
٢٥٦٩ - وحدَّثنا موسى بنُ الحسن بن عبد الله البغداديُّ المعروف
بالصّقلي، قال: حدثنا محمد بنُ عبَّد المَكِّي، قال: حدثنا حاتِمُ بنُ
إِسماعيل، عن بَشِيرِبنِ المُهاجر، عن عبد الله بن بُرَيْدة
عن أبيه، قال: أُهْدَى أميرُ القِبْطِ لرسول الله وَّه جاريتين أختين
قِبْطِيِّتَيْن وبغْلَةً، فأمَّا البغلة، فكان رسولُ الله ◌ََّ يركبُها، وأمَّا إِحدى
الجاريتين، فَتَسَرَّاها، فولدت له إبراهيمَ، وأَمَّا الأخرى، فأعطاها
حسَّان بن ثابت الأنصاري(٢).
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن فيه عنعنة الحسن. وهو مكرر ما قبله.
(٢) إسناده حسن. بشير بن المهاجر: مختلف فيه احتج به مسلم في
((صحيحه))، ووثقه ابن معين والعجلي وابن خلفون، وقال النسائي: ليس به بأس،
وقال في ((الضعفاء)): ليس بالقوي، وقال أحمد: منكرُ الحديث، وقال ابن عدي:
روى ما لا يُتابع عليه، وهو ممن يُكتب حديثه وإن كان فيه بعضُ الضعف، وقال
الإمام الذهبيُّ: ثقة فيه شيءٌ، وباقي رجاله من رجال الصحيح.
ورواه البزار (١٩٣٥) عن محمد بن زياد، حدثنا ابن عيينة، حدثنا بشيربن
المهاجر، بهذا الإسناد. قال البزار بإثره: لا نعلم رواه إلا بريدة، ولا عنه إلا بشير،
ووهم ابن زياد في هذا، فرواه عن ابن عيينة، وابن عيينة ليس عنده بشيربن
المهاجر، ولكن رواه عن بشير حاتِمُ بن إسماعيل، ودَلْهَمُ بن دهثمٍ.
=
- ٤٠١ -

٢٥٧٠ - حدثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدثنا عبدُ الله بن
وَهْب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابن شِهاب، قال:
حدثني عبدُ الرحمن بنُ عبد القَارِّي أَنَّ رسول اللهِنَّهِ بعثَ
حَاطِبَ بنَ أبي بَلْتَعَةً إلى المُقَوْقِسِ صاحب الإِسكندرِيَّة - يعني بكتابه
معه إليه -،" فَقَبَّلَ كتابه، وأكرمَ حاطباً، وأحسن نُزُلَهُ، ثم سَرَّحَهُ إلى
رسول الله وََّ، وأهدى له مع حاطب كسوةٌ وبَغْلَةً بسرجِها وجَارِيتين:
إحداهما أمُّ إبراهيم، وأمَّا الأخرى، فوهبها لجَهْمِ بن قَيْسِ العَبْدَرِي،
فهي أمّ زكريا بن جَهْم الذي كان خليفة لعَمْرو بن العاص على مصر.
قال أبو جعفر: وإنما أدخلنا هذا الحديثَ في هذا الباب، لأنَّ
عبد الرحمن بن عبد القَارِّيْ ممن وُلِدَ في زمن النبيِّ وَّةٍ ويقال: إنَّه
قد رآه فدخل بذلك في صحابته وَليم(١).
= وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٥٢/٤، وزاد نسبته إلى الطبراني في ((الأوسط))
وقال: ورجال البزار رجال الصحيح.
وأورده الحافظ في ((الإصابة)) ٣٩١/٤ في ترجمة مارية القبطية عن البزار،
وحسن إسناده.
(١) يونس بن عبد الأعلى: ثقة من رجال مسلم، ومن فوقه من رجال الشيخين.
وعبد الرحمن بن عبد القاري، قال في ((التهذيب)) يقال: له صحبة، وقيل: بل ولد
على عهد النبي ◌َ﴾، وقيل: أتي به إليه وهو صغير، وذكره مسلم، وابن سعد،
وخليفة في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. وهو مكرر (٤٣٤٨).
وروى ابنُ عبد الحكم في ((فتوح مصر)) ص٤٩-٥٠: عن مروان بن يحيى
الحاطبي، حدثني إبراهيم بنُ عبد الرحمن بن أدعج، قال: حدثني عبدُ الرحمن بن
زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: حدثني يحيى بنُ عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه،
- ٤٠٢ -

= عن جده حاطب بن أبي بلتعة قال: بعثني رسولُ الله وَل ◌َ إلى المقوقس ملك
الإِسكندرية، فجئتُه بكتاب رسولِ اللهِ و18َ، فأنزلني في منزل، وأقمتُ عنده ليالي،
ثم بعث إليَّ وقد جمع بطارقته، فقال: إني سأكلمك بكلامٍ، وأحبُّ أن تفهمه عنّي
قال: قلتُ: هَلُمَّ قال: أخبرني عن صاحبك أليس هو بنبي؟ قال: قلت: بلى هو
رسولُ الله، قال: فما له حيث كان هكذا لم يَدْعُ على قومه حیث أخرجوه مِن بلده
إلى غيرها؟ قال: فقلتُ له: فعيسى ابنُ مريم تشهد أنه رسولُ الله، فما له حيث أخذه
قومُهُ فأرادوا أن يَصْلِبُوه ألاّ يكونَ دعا عليهم بأن يُهلكهم الله حتى رفعه الله إليه في
السماء الدنيا، فقال: أنت حكيم جاء من عند حكيم، هذه هدايا أبعثُ بها معك
إلى محمد، وأرسل معك مبذرقة يبذرقونك إلى مأمنك، قال: فأهدى لرسول الله آ﴾
ثلاث جوارٍ منهن أم إبراهيم، وواحدة وهبها رسولُ اللهِ وَ آلأبي جهم بن حُذيفة
العبدري، وواحدة وهبها لحسان بن ثابت، وأرسل إليه بثياب مع طُرَفٍ من طُرَفِهم،
فولدت مارية لرسول الله ﴿﴿ إبراهيم، فكان من أحب الناسِ إليه حتى مات، فوجد
به رسولُ الله ﴾.
وروى ابن سعد في ((الطبقات)) ٢١٢/٨ عن محمد بن عمر - هو الواقدي -
قال: حدثنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
صعصعة، قال: بعث المقوقس صاحب الإسكندرية إلى رسول الله ( 18 في سنة سبعٍ
من الهجرة بمارية وبأختها سيرين وألف مثقالٍ ذهباً وعشرين ثوباً ليناً، ويغلته
الدلدل، وحماره عفير، ويقال: يعفور، ومعهم خصيّ يقال له: مابور، شيخ كبير كان
أخا مارية، وبعث بذلك كله مع حاطب بن أبي بلتعة، فعرض حاطب بن أبي بلتعة
على مارية الإِسلامَ، ورغّبها فيه، فأسلمت، وأسلمت أختها، وأقام الخصي على
دينه حتى أسلم بالمدينة بعدُ في عهدٍ رسول الله، وكان رسول الله معجباً بأم إبراهيم،
وكانت بيضاء جميلة، فأنزلها رسولُ الله ◌َ # في العالية في المال الذي يقال له اليوم
مشربة أم إبراهيم. وكان رسول الله# يختلِفُ إليها هناك، وضرب عليها الحجاب، =
- ٤٠٣ -

فسأل سائل عن الوجه الذي به ردَّ رسول الله وَّر عن عِياض
هديته، وعن الوجه الذي به قبل من المُقَوْقِس هديته، وكلاهما كافر.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ كُفْرَ عِياض
كان كفرَ شركٍ بالله عز وجل، وجحودٍ للبعث مِنْ بعد الموت، وكفرُ
المقوقس لم يكن كذلك، لأنه كان مُقِرّاً بالبعث من بعد الموت ومؤمناً
بنبي من أنبياء الله عز وجل وهو عيسى ◌َ﴾. وكان عِياض ومن كان
على مثل ما كان عليه مطلوبين بالزَّوَال عن ما هُمْ عليه، وبتركِهِ إلى
ضدِّه، وهو التصديقُ برسولِ الله وَّهِ وَالإِيمانِ به، وكان المقوقسُ ومَنْ
سواه من أهل الكتاب مطلوبين بالتصديق برسول الله وسلم والإِيمان به
والثبوتِ على ما هُمْ عليه من دين عيسى بَّزَ، وكان عياض ومَنْ كان
على مثل ما كان عليه غيرَ مأكولة ذبائحهم ولا منكوحة نساؤهم، وكان
المقوقسُ ومن كان على مثل ما كان عليه مأكولة ذبائحهم ومنكوحة
نساؤهم .
فكان الفريقانِ - وإن كانوا جميعاً مِن أهل الكفر - يختلف كُفْرُهُمْ
وتتباين أحكامُهم، وكان كلَّ شرك بالله عز وجل كفراً، وليس كلُّ كفر
بالله عز وجل شركاً، وكان الله عز وجل قد أمر نبيَّهُ وَلَّ أنْ لا يجادل
أهلَ الكتاب إلَّ بالتي هي أحسن بقوله جلَّ وعزَّ: ﴿ولا تُجَادِلُوا أَهْلَ
= وكان يطؤها بملك اليمين، فلما حملت، وضعت هناك، وقبلتها سلمى مولاة رسول
الله، فجاء أبو رافع زوج سلمى، فبشر رسولَ الله وَّرَ بإبراهيم فوهب له عبداً، وذلك
في ذي الحجة سنة ثمانٍ، وتنافست الأنصارُ في إبراهيم، وأحبُّوا أن يفرِّغوا مارية
للنبي لما يعلمون من هواه فيها.
- ٤٠٤ -

الكِتَابِ إِلَّ بِالتِي هي أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فدخل في ذلك
المقوقس ومَنْ كان على مثل ما كان عليه من التمسك بالكتاب الذي
أنزلَ على عيسى ◌ََّ، وكان المشركون الذين يَجْحَدُونَ كُتُبَ الله عز
وجل التي أنزلها على أنبيائه صلواتُ الله عليهم بخلاف ذلك، فَقَبِلَ
هديةَ مَنْ أَمره ربُّه عز وجل أنْ لا يُجَادِلَهُ إلَّ بالتي هي أحسنُ، لأن
الأحسنَ قبولُ هديته منه، وردِّ هدايا المشركين، لأنهم بخلاف ذلك،
ولأنَّ ربَّه عز وجل أمره بمُنَابَذَّتِهِم وبقتالِهم حتى يكونَ الدِّين كله لله
عز وجل، وفصل بينهم عز وجل في كتابه، فخالف بَيْنَ أسمائِهم وبين
ما نسبهم إليه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] وهم
اليهود ﴿والصَّابِئِين﴾ وهم أَمَّة بين اليهود والنصارى، لهم أحكامٌ سنأتي
بها في غير هذا الموضعِ من كتابنا هذا إن شاء الله، ﴿والنَّصَارَى}
وهُمُ الذين منهم المُقَوْقِسُ، والمجوس وهم مُشركو العجم الذين لا
يُقُرُّون ببعثٍ، ولا يؤمِنُون بكتابٍ من كتب الله عزَّ وجل التي أنزلها
على أنبيائه، وهُمْ في العجم كعَبَدَةِ الأوثانِ في العرب إِلاّ فيما
يُخالفونهم فيه من أخذ الجزية منهم لما قد ذكرناه في ذلك مما قد
تقدم مِنَّا في كتابنا هذا ﴿وَالَّذِينَ أُشْرَكُوا﴾ وهم عَبَدَةُ الأوثان مِن العرب
الذين لا يُقِرُّون ببعثٍ ولا يُؤمنون بكتاب من كتب الله عز وجل، وكذلك
كان من رسول الله وَّر في خطبته في حِجَّة الوَدَاع من تفريقه بين هذين
الفريقين في الأسماء وفي الأحكام.
٢٥٧١ - كما قد حدثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ
الله بن وَهْب، قال: حدثني الليثُ بنُ سعد وعبدُ الله بنُ لَهيعة، عن
سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم أبي عبد الرحمن
- ٤٠٥ -

عن أبي أَمَامَةَ الْبَاهِلِي، قال: شهدتُ خطبةً رسولِ اللهِ ◌َ﴿ يومَ
حَجَّةِ الوداع ، فقال قولاً كثيراً حسناً جميلاً وكان فيها: ((مَنْ أَسْلَمَ مِنْ
أَهْلِ الكِتَابَيْنِ، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، ولَهُ مثلُ الذي لَنَا، وعليه مثلُ الذي
عَلَيْنَا، ومَنْ أَسْلَمَ من المُشْرِكِيَنَ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وله مثلُ الذي لَنا، وعَلَيْهِ
مثلُ الذي عَلَيْنا)(١) .
فكان فيما تلونا مِن كتاب اللهِ عز وجل، وفيما روينا مِن حديث
رسول الله وَ﴿ ما قد دلَّ على تَبَايُن الفريقين اللذين ذكرنا في الكفر
الذي هُمْ عليه، وفي منابذة أهل الشرك منهما، وفي أنْ لا يُجادل أهل
الكتاب منهم إلاّ بالتي هي أحسنُ إلَّ الذين ظلموا منهم، وفي ذلك
ما قد دلَّ على اتساع قبوله هداياهم منهم، فَقَبِلَ رسولُ اللهِ هدية
من قبل هديته منهم لذلك، وردَّ هدية من ردًّ هديته عليه من الفريق
الآخر للأسباب التي فيه مما ذكرناها في هذا الباب. والله نسألُه
التوفيق .
(١) إسناده حسن. القاسم أبو عبد الرحمن وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان
والترمذي، ويعقوب بن شيبة، وقال أبو حاتم: حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس
به، وإنما ينكر عنه الضعفاء، وقال الذهبي في ((الكاشف)): صدوق، وحمل عليه
الإمام أحمد، وقال الغلابي: منكر الحديث، وقال العجلي: يُکتب حديثه ولیس
بالقوي، وباقي رجاله ثقات.
ورواه أحمد ٢٥٩/٥ عن يحيى بن إسحاق السليحيني، عن ابن لهيعة، عن
سليمان بن عبد الرحمن، بهذا الإسناد.
ورواه الطبراني (٧٧٨٦) عن مطلب بن شعيب الأزدي، عن عبد الله بن صالح،
عن الليث، عن سليمانَ بنِ عبد الرحمن، به.
- ٤٠٦ -

٤١٣ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله ◌ِلول
في استعانَتِهِ بمن طلب الاستعانة به من الكفّار
وفي منعه مَنْ مَنَعَهُ مِنَ الكفّار
من القتال معه
٢٧٧٢ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني
مالك بن أنس، عن الفُضَيْلِ بنِ أبي عبد الله، عن عبدِ الله بنِ نِيارٍ
الأَسْلَمِي، عن عُرْوَةَ بن الزبير
عن عائشة زوج النبي ◌َّ أنها قالت: خرج رسولُ اللهِ وَهِ قِبَلَ
بَدْرٍ، فلما كان بحرَّةِ الوَبْرةِ، أدركه رجلٌ قد كان يُذْكَرُ منه جُرْأَةً وَنَجْدَة،
فَفَرِحَ أصحابُ رسولِ اللهِ وَِّ حين رأَوْهُ، فلمّا أدركه قال لِرسول الله
وَه : جئتُ لُأَتَّبِعَكَ، وأَصِيبَ معك، فقال له رسول الله وَله: ((أَتُؤْمِنُ
باللهِ عزَّ وجلَّ وَرَسُولِهِ))؟ قال: لا. قال: ((فارجِعْ فَلَنْ نَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))
قال: ثم مضى حتَّى إذا كُنَّا بالشجرة أدركهُ الرجلُ، فقال له كما قال
أَوَّلَ مَرَّة، فقال له النبي ◌َّهِ كما قال أوَّل مرَّة، فقال: لا، فقال: ((ارْجِعْ
فَلَنْ نَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ)) قال: فرجع فأدركه بالبَيْدَاءِ، فقال له كما قال أوَّل
مرَّة: ((أَتَّؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ))؟ قال: نَعَمْ. فقال رسول الله ◌َّ:
((فانْطَلِقْ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، وهو في ((صحيحه)) (١٨١٧) عن أبي =
- ٤٠٧ -

٢٥٧٣ - حدثنا يحيى بنُ عثمان، قال: حدثنا نُعَيْمُ بن حماد،
قال: حدثنا ابنُ المبارك، قال: أخبرنا مالكُ بنُ أنس، عن الفُضَيْل
[بن] أبي عبد الله، عن عبد الله بنِ نيار، عن عُرْوَة بن الزبير
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرج رسولُ اللهِ وَلَّ إلى بدرٍ
حتى إذا كان بحرّة الوَبْرَة أدركه رجلٌ ذُو جُرْأَةٍ ونَجْدَةٍ، فلما رآه أصحاب
رسول الله وَلٌ فَرِحُوا به وأعجبهم، فقال: يا مُحمد أَخْرُجُ مَعَكَ، فَأَقَاتل
وأُصيب، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَتَّؤْمِنُ باللهِ عزَّ وجلَّ ورسولِهِ))؟ قال:
= الطاهر، عن عبد الله بن وهب، بهذا الإسناد.
قال الحازمي في ((الاعتبار)» ص٢١٨-٢١٩ بعد أن أورد الحديث من طريق
مسلم، عن أبي الطاهر: هذا حديث صحيح، وقد اختلف أهلُ العلم في هذا
الباب، فذهبت جماعةٌ إلى منع الاستعانة بالمشركين مطلقاً، وتمسّكوا بظاهر هذا
الحديث، وقالوا: هذا حديث ثابت عن النبيِّ وَِّ، وما يُعارضه لا يُوازيه في الصحة
والثبوت، فتعذر ادعاءُ النسخ لِهذا.
وذهبت طائفة إلى أن للإِمام أن يأذنَ للمشركين أن يغزوا معه ويستعين بهم،
ولکن بشرطين :
أحدهما: أن يكون في المسلمين قلة، وتدعو الحاجةُ إلى ذلك.
والثاني: أن يكونوا ممن يُوثق بهم، ولا يخشى ثائرتهم، فمتى فُقِدَ هذان
الشرطان، لم يجز للإِمام أن يستعينَ بهم.
قالوا: ومع وجود الشرطين يجوز الاستعانةُ بهم، وتمسّكوا في ذلك بما رواه ابن
عباس أن رسول الله وَ﴿ استعان بيهود بني قينقاع، ورضخ لهم واستعان بصفوان بن
أمية في قتال هوازن يومَ حنين، قالوا: وتعين المصير إلى هذا، لأن حديث عائشة
رضي الله عنها كان يوم بدر وهو متقدم فيكون منسوخاً.
- ٤٠٨ -
=

لا. قال: ((فَارْجِعْ فَلَنْ نَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))، فمضى رسول الله بَّ حتى
إذا كان بذِي الحُلَيْفَة، أدرَكَهُ، فأعجب ذلك أصحاب رسول الله (وَم
فقالوا: هذا فلان قد رجع، فقال: يا محمد أُخْرُجُ معك، فأُقاتل
وأُصيب، فقال: ((أَتُؤْمِنُ بالله عزَّ وجلَّ ورسولِهِ))؟ قال: لا. قال:
((فارجِعْ فَلَنْ نَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))، فمضى رسولُ الله ◌ِّ حتى إذا كان
بظهرِ البَيْدَاءِ لَحِقَه أيضاً، فأعجب أصحاب رسول الله وَ لّه، فقال: يا
= أخبرني أبو مسلم محمد بن محمد بن الجنيد، أخبرنا محمود بن إسماعيل،
أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن الحسین، أخبرنا سلیمان بن أحمد، حدثنا
موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن
عمرو، عن سعد بن المنذر، عن أبي حميد الساعدي أن النبي ◌َلف خرج يوم أحد
حتى إذا جاوز ثنية الوداع إذا هو بكتيبة خشناء، فقال: ((من هؤلاء؟)) قالوا: عبد
الله بن أبي في ست مئة من مواليه من اليهود من بني قينقاع، قال: (وقد أسلموا؟))
قالوا: لا يا رسولَ الله، قال: ((مروهم فليرجعوا، إنا لا نستعين بالمشركين على
المشرکین».
قرأت على روح بن بدر: أخبرك أحمد بن محمد بن أحمد في كتابه عن أبي
سعيد الصيرفي، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي قال: الذي روى
مالك كما روى رد رسول الله ﴿ مشركاً أو مشركين في غزاة بدر، وأبى أن يستعين
إلا بمسلم، ثم استعان رسول الله وَ ل* بعد بدر بسنتين في غزوة خيبر بعدد من يهود
بني قينقاع كانوا أشداءٍ، واستعان رسولُ اللهِ وَ # في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن
أمية وهو مشرك، فالرد الأول إن كان بأن له الخيارَ بأن يستعين بمشرك، وأن یردَّه،
كما له ردُّ المسلم من معنى مخافة أو لشدة به، فليس واحدٌ من الحديثين مخالفاً
للآخر، وإن كان ردّه، لأنه لم يَرَ أن يستعين بمشرك، فقد نسخه ما بعده من استعانته
بالمشركين، ولا بأس أن يُستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعاً،
ويرضخ لهم ولا يُسهم لهم، ولا يثبت عن النبي ◌َّ أنه أسهم لهم.
- ٤٠٩ -

محمد أُخْرُجُ معك، فأقاتل وأُصيب. فقال: ((أَتُؤْمِنُ باللهِ عزّ وجَلّ
ورسولِهِ))؟ قال: نعم. قال: ((فَنَعَمْ إذا)(١).
٢٥٧٤ - وحدثنا أبو أميّة، قال: حدثنا بشْر بن عُمر الزهراني،
قال: حدثنا مالك بن أنس، عن فُضَيْل بن أبي عبد الله، عن عبد
الله بن نِيار، عن عُرْوة
عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال لِرسول الله وَله وهو يُريد
بدراً: أخرج معك، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا نَسْتَعِينُ بمشرك)) قال بشر:
فقلتُ لِمالك بن أنس: أَيْسَ ابن شهاب يُحدِّثُ أن صفوانَ بنَ أمية سار
مع رسولِ اللهِ وََّ فشهد حُنَيْنَ (٢) والطَّائِفَ وهو كافر؟ قال: بلى، ولكن
سار مَعَ رسولِ الله وَّ ولم يأمره رسول الله و ◌َل ◌َ بذلك(٢).
٢٥٧٥ - وحدثنا عليّ بنُ عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة
(١) حديث صحيح. نعيم بن حماد - وإن كان في حفظه شيء - متابع، وباقي
السند رجاله ثقات.
1
ورواه أحمد ٦٧/٦-٦٨ عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر الواسطي، والترمذي
(١٥٥٨) عن معن بن عيسى القزاز، وأبو داود (٢٧٣٢) عن يحيى بن سعيد، ثلاثتهم
عن مالك، بهذا الإسناد.
(٢) كذا جاء في الأصل: ((حنين)) غير مصروف، ومنعه من الصرف لأنه جعله
اسماً للبقعة، وقد جاء غير مصروف في بيت حسان:
نَصَروا نبيهم وشَدُّوا أزْرَهَ بِحُنَيْنَ يومَ تواكُلِ الأبطالِ
ومن صرفه جعله اسم وادٍ. انظر الطبري ١٧٨/١٤ .
(٣) إسناد المرفوع صحيح على شرط مسلم، وما ذكره مالك عن ابن شهاب
في أمر صفوان مرسل، وسيأتي قريباً موصولاً من حديث جابر.
- ٤١٠ -

الكوفي، قال: حدثنا يحيى بنُ مَعِين، قال: حدثنا عبدُ الرحمن بن
مَهْدِي، عن مالك، عن الفُضَيْل بن أبي عبد الله، عن عبد الله بنِ نِيار،
عن عُرْوة
عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً من المشركين لحق بالنبي وَالر
فقاتل معه، فقال النبي ◌ََّ: ((ارجع فإِنّا لا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ))(١).
٢٥٧٦ - وحدثنا عليُّ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ
يوسف، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن الفُضَيْل بن أبي عبد الله، عن
عبد الله بن نِيَّار، عن عُروة بن الزُّبير
عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي وَّر، ثم ذكر مثل حديث
يحيى بن عثمان عن نُعَيْم، عن ابن المبارك إلاّ أنه لم يذكر لقاء رسول
اللّهِ وَّ بذي الحليفة(٢).
قال أبو جعفر: وكان فيما روينا عن رسولِ الله وَالخَل قوله: ((إِنَّا لا
نستعينُ بمشركٍ)) وقد ذكرنا في حديث أبي أميّة عن بشربن عُمر، عن
مالك، عن ابن شهاب أن صفوان بن أمية شهد مع رسول الله وَّه حنينَ
والطائف وهو كافر، وطلبنا ذلك هل نجده في حديث مرفوعٍ متّصِّلِ
الإِسناد؟
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أحمد ١٤٨/٣-١٤٩، ومسلم (١٨١٧) من طريق عبد الرحمن بن مهدي،
بهذا الإسناد.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.
- ٤١١ -

فوجدنا فهداً قد حدثنا، قال: حدثنا یوسف بن بھْلُول، قال: حدثنا
عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عاصمُ بنُ عُمربنِ
قَتَّادة، عن عبد الرحمن بن جابر
عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: لما انهزم الناسُ يَوْمَ حُنين، جعل
أبو سفيان بن حرب يقول: لا تنتهي هزيمتهم دون البَحْرِ، وصرخ
كَلَدَة بن الحنبل وهو مع أخيه لأمِّه صفوان بن أمية: ألا بطَلَ السِّخْرُ
اليومَ، فقال له صفوان: اسكتْ فَضَّ الله فَاكَ، فوالله لَأَنْ يَرُبَِّي رَجُلٌ
من قُريش أحبُّ إِلِيٍّ مِنْ أَنْ يَرْبِي رجلٌ من هَوَازِنُ(١).
(١) إسناده حسن. يوسف بن بهلول: روى له البخاري، وهو ثقة، ومن فوقه
ثقات من رجال الشيخين غير ابن إسحاق، فقد علق له البخاري، وروى له مسلم
متابعة، واحتج به أصحاب السنن، وهو صدوق، وقد صرَّح بالتحديث فانتفت شبهة
!
تدليسه.
ورواه ابن هشام في ((السيرة)) ٨٦/٤ عن ابن إسحاق، ومن طريقه أبو يعلى
(١٨٦٣)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٢٦/٥-١٢٨، وصححه ابن حبان (٤٧٧٤).
قلت: وكلدة بن الحنبل، ويقال: ابن عبد الله بن الحنبل الجمحي المكي،
أخو صفوان بن أمية لأمه، أسلم بعد حنين، وأقام بمكة، قال البخاري: وله صحبة.
وروى أبو داود (٥١٧٦)، والترمذي (٢٧١١)، والنسائي في ((اليوم والليلة))
(٣١٥)، وأحمد ٤١٤/٣ من طريق ابن جريج، أخبرني عمروبن أبي سفيان أن
عمروبن عبد الله بن صفوان أخبره عن كلدة بن الحنبل أن صفوان بن أمية بعثه إلى
رسول الله : ﴿ بلبنٍ وجَدايةٍ وضغابيسَ، والنبي ليه بأعلى مكة، فدخلت ولم أسلم،
فقال: ((ارجع، فقل: السلام عليكم)) وذلك بعدما أسلم صفوان بن أمية.
وقوله: ((لأن يَرُمَّني)) أي: يسود علي ويكون أميراً.
- ٤١٢ -

ووجدنا الربيعَ المُرَادي قد حدثنا، قال: حدثنا أسدُ بنُ موسى،
قال: حدثنا يحيى بنُ زكريا بن أبي زَائِدَة، قال: حدثنا ابن إسحاق،
ثم ذكر مثلَه بإسناده(١).
فصار ما ذكره مالك عن ابن شهاب في أمر صَفْوان موجوداً في
حديث جابرٍ الذي رويناه متصلاً.
٢٥٧٧ - وحدَّثنا حسينُ بنُ نصرِ، قال: سمعتُ يزيدَ بنَ هارون،
قال: أخبرنا مُستَلِمُ بنُ سعيد، قال: أخبرنا خُبَيْب بن عبد الرحمن بن
خُبَيْب، عن أبيه
عن جده، قال: أتيتُ النبيِّ وَّهِ وهو يريد غزواً أنا ورجلٌ من قومي
ولم نُسْلِمْ، فقلنا: إِنَّا نستحي أنْ يشهدَ قومُنا مشهداً لم نَشْهَدْهُ معهم،
قال: ((وَأَسْلَمْتُمَا))؟ قلنا: لا. قال: ((فإِنَّا لا نَسْتَعِينُ بالمُشْرِكينَ على
المشركين))(٢).
(١) إسناده حسن، وهو مكرر ما قبله.
(٢) عبد الرحمن بن خُبيب: ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٧٩/٧، وباقي رجاله
ثقات. وخبيب: والد عبد الرحمن: هو ابن إساف - ويقال: يساف - بن عِنْبَة بن
عمروبن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن ثعلبة الأنصاري، ذكره
ابن إسحاق وموسى بن عقبة فيمن شهد بدراً، وقال الواقدي: كان تأخر إسلامه إلى
أن خرج النبي # إلى بدر، فلحقه في الطريق، فأسلم، فشهدها وما بعدها، ومات
في خلافة عمر.
ورواه أحمد ٤٥٤/٣، وابن أبي شيبة ٣٩٤/١٢، والبخاري في ((تاريخه))
٢٠٩/٣، والطبراني في ((الكبير)) (٤١٩٤) و(٤١٩٥)، والحاكم ١٢١/٢ -١٢٢،
والبيهقي ٣٧/٩ من طريق يزيد بن هارون، بهذا الإسناد. وزادوا في آخره: ((فأسلمنا =
- ٤١٣ -

٢٥٧٨ - حدثنا علي بن شَيْبَة، قال: أخبرنا يزيدُ بنُ هارون، ثم
ذكر بإسناده مثلَه(١).
فقال قائل: فهل يدفع ما رويته من أمرٍ صفوان في قتاله مع النبيِّ
حَ* وهو مُشرك ما سواه مما رويتَه في هذا الباب عن رسولِ اللهِ وَلول
من قوله: ((إِنَّا لا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ)).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل أنَّ ما رويناه من قِصة
صفوان ليس بمخالفٍ لما رويناه من سواها في هذا الباب من قول
رسول الله وَله: ((إنّي لا أستعينُ بمشركٍ)) لأن قتال صفوان كان معه
مَّه لا باستعانة منه إيَّه في ذلك، ففي هذا ما يَدُلَّ على أنه إنما امتنع
من الاستعانة به وبأمثاله، ولم يمنعهم من القتال معه باختيارهم لذلك،
وكان تركه وليه الاستعانة بهم محتملاً أن يكونَ من قول الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَوًّا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل
عمران: ١١٨] فكانت الاستعانة بهم اتخاذه لهم بطانةً، ولم يكن قتالُهم
معه بغير استعانة منه بهم اتخاذاً منه إيَّهم بطانةً.
فقال قائل: فأنتم قد رويتم عن رسول الله مَ﴿ دعاءَهُ اليهود إلى
قتالِ أبي سفيان معه، وهم مِمَّن لا يَأْلُونَهُ خَبَالًاً .
= وشهدنا معه)).
وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٢٣/٣، وزاد نسبته إلى مسند إسحاق بن
راهويه .
(١) هو مكرر ما قبله.
- ٤١٤ -

٢٥٧٩ - وذكر في ذلك ما قد حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابنُ
وَهْبٍ، قال: حدثني عبدُ الرحمن بن شُرَيْح أنه سَمِعَ الحارثَ بنَ يزيد
الحضرمي يُحدِّث عن ثابت بن الحارث الأنصاريِّ
عن بعض من كان مَعَ رسول اللهِ وََّ، قال: لما بلغ رسولَ الله
وَِّ جَمْعُ أبي سفيان لِيخرج إليه يوم أُحُد، فانطلق إلى اليهود الذين
كانوا في النضير، فوجد منهم نَفَراً عند منزلهم، فرخِّبُوا، فقال: إنَّا
جئناكم لخير، إنا أهلُ الكتاب وأنتم أهلُ الكتاب، وإنَّ لأهل الكتاب
على أهل الكتاب النصرَ، وإنه بلغنا أنَّ أبا سفيان قد أقبل إلينا بجَمْعٍ
من النَّاسِ ، فَإِمَّ قاتلتم معنا، أو أَعَرْتُمُونَا سلاحاً(١).
قال: ففي هذا الحديث ما يُخَالِفُ شيئاً مما رويته في هذا الباب.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه أنه ليس في ذلك ما
يُخالف شيئاً مما رويناه في هذا الباب، لأنَّ اليهود الذين دعاهم رسولُ
(١) رجاله ثقات رجال الصحيح إلى الحارث بن يزيد الحضرمي وثابت بن
الحارث الأنصاري: ذكره في الصحابة ابنُ سعد، والحسنُ بن سفيان، والبغوي،
وابنُ منده وغيرُهم، وذكره العجلي، فقال: مصري تابعي ثقة، وذكره أبو سعيد بن
يونس في المصريين، فقال: ثابت بنُ الحارث الأنصاري يُكنى أبا معبد، رأى
عمر بن الخطاب، وروى عن عثمان بن عفان، حدَّث عنه الحارثُ بن يزيد
الحضرمي، وبكربن سوادة ...
قال الحافظ في ((تعجيل المنفعة)) ص٦٢: ولم أجد في طريق من طرقٍ أحاديثه
أنه صرَّح بسماعه من النبيِّ ◌َ﴿، والذي يظهر أنه تابعي كما صرَّح به العجلي،
واقتضاه كلام ابن يونس، وهو أعلمُ الناس بالمصريين .. .
- ٤١٥ -
1

الله ◌َر في هذا الحديث إلى قتال أبي سفيان معه ليسوا من المشركين
الذين قال رسول الله و10 في الآثار الأول: إنه لا يستعين بهم أولئك
عبدةُ الأوثان وهؤلاء أهلُ الكتاب الذين ذكرنا مباينة ما هُمْ عليه وما
عبدة الأوثان عليه في الباب الذي قَبْلَ هذا الباب، لأنَّ هؤلاء أهلُ
الكتاب الذين نجتمع نحن وهم في الإِيمان بما يؤمنون به مِن كُتب
الله عز وجل التي أنزلها على من أنزلها عليه من أنبيائه، ونؤمنُ نحن
وهُمْ بالبعث من بعد الموت، وأولئك الآخرون لا يؤمنون بشيءٍ من
ذلك، فنحن وهؤلاء الكتابيون في قتال عبدة الأوثان يدٌ واحدة، والغلبة
لنا، لأَنَّا الأَعْلَوْن عليهم، وهم تُبَّاعُ لنا في ذلك، وهكذا حُكمهم إلى
الآن عند كثيرٍ من أهل العلم، منهم أبو حنيفة وأصحابُه يقولون: لا
بأسَ بالاستعانة بأهلِ الكتاب في قتالِ مَنْ سِوَاهم، إذا كان حُكمنا
هو الغالب، ویکرهون ما سوى ذلك إذا كانت أحكامنا بخلاف ذلك،
ونعوذُ بالله من تلك الحال(١).
فقال هذا القائل: فأنتم قد رويتم عن رسولِ اللهِ وَ لّ ما يُخالف
5
هذا
٢٥٨٠ - يعني ما حدثنا عُبَيْدُ بنُ رِجالٍ، قال: حدثنا هَدِيَّةُ بنُ عبد
(١) قال شيخ الإسلام بدر الدين بن جَمَاعة المتوفى سنة (٣٣) هـ في كتابه
((تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام)» ص١٥٨ -١٥٩ و٢٤٥: لا يُستعانُ في
الجهادِ بمشركٍ أو ذِميٍّ إلا إذا عَلِمَ السلطانُ حُسْنَ رأيه في المسلمين، وأَمِنَ من
خيانتِهم، وكانَ المسلمون قادرين عليهم لو اتفقوا مَعَ العدوِّ، فإذا وُجِدَت هذه
الشروط الثلاثة، جازت الاستعانة بهم.
ولا يُستَعان على قتالِ أهل البغي من أهل الإِسلام بكُفّارٍ.
-٤١٦ -

الوهَّاب، قال: حدثنا الفضلُ بنُ موسى السِّيناني، قال: أنبأنا محمدُ بنُ
عَمْرٍو، عن سعد بن مُنذر السَّاعِدِي ..
عن أبي حُمَيْد السَّاعِدِي، قال: خرج رسول الله ﴿ يوم أُحُد،
حتى إذا خلف ثَنِيَّةَ الوداع إذا هو بكتيبةٍ خشناء، فقال: ((مَنْ هُؤلاءِ))؟
قالوا: بنو قَيْنُقَاع وهم رَهْطُ عبد الله بن سَلَام وهُمْ قومُ عبدِ الله بن
أَبَّ بن سَلُول، فقال: أَسْلِمُوا فَأَبُوْا، قال: قُلْ لهم: ((فليرجعُوا فإِنَّا لا
نَسْتَعِينُ بالمُشْرِكِينَ على المُشْرِكِينَ))(١).
قال أبو جعفر: ومعنى قولهم في هذا الحديث وهم قوم عبد الله بن
أُبَيّ بن سَلُول، ليس يعنون بذلك أن عبدَ الله بنَ أُبَيّ منهم، لأنَّ عبدَ
الله بن أُبَيّ بن سَلُول ليس مِن اليهود، ولكنه من الرّهْطِ الذين يرجع
الأنصار إليهم بأنسابهم، ولكنه جَدَلَ بِنِفَاقِهِ، فَأَمَّا نَسَبُهُ فيهم، فقائمٌ،
وقيل: إِنَّهم قومُهُ، أي لأنّهم قومه بمحالفته لا بما سِوَى ذُلك.
قال هذا القائل: فهذا يُخَالِفُ ما في الآثار الأول في موضعين:
أمَّا أحدهما: فإنه جعلهم مشركين بقوله لهم: ((إنّا لا نَسْتعينُ بالمشركينَ
(١) محمد بن عمرو: صدوق حسن الحديث، وسعد بن منذر الساعدي: روی
عنه اثنان، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وباقي السند ثقات.
ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٤٨/٢، والحاكم ١٢٢/٢، وإسحاق بن راهويه
في ((مسنده)) كما في ((نصب الراية)) ٤٢٣/٣، والبيهقي ٣٧/٩ عن طريق الفضل بن
موسى السيناني، بهذا الإسناد.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٩٤/١٢ ٣٩٧/١٤ عن يعلى بن عبيد، عن محمد بن
عمرو، عن سعد بن المنذر، قال: خرج رسول الله ... مرسلًاً.
- ٤١٧ -

على المشركين)). وأما الآخر: فمنعه إياهم من القتال معه، وفي حديث
ثابت بن الحارث الذي قد رويناه فيما تقدم مِنَّا في هذا الباب دُعاء
رسول الله* اليهود الذين كانوا في النّضِير إلى القتال معه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ هذا الحديث
غيرُ مخالفٍ لذلك الحديث، ولا شيءٍ مما رويناه في هذا الباب، لأنَّ
وَجْهَ قول رسولِ اللهِ بَّهَ لهؤلاء اليهود الذين من بَنِي قَيْنُقَاع ما قاله
لهم في حديث أبي حُميد كان بعد وقوفه نََّ على ما بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عبد
الله بن أَبَيّ المنافق من الحلفِ، والمُحَالَفَة: هي الموافقة من الحالفين
للحالفين، فكانُوا بذلك خارجين من الكتاب الذي كانوا مِنْ أهله مِمَّا
سواهم من اليهود الذين كانوا في النّضِيرِ في ذلك بحلافهم، لأنهم لم
يُحالفوا منافقاً، وكان أولئك بما حالفوا المنافق الذي حالفوه مرتدِّين عما
كانوا فيه إلى ما هو عليه، فكانوا بذلك كالمرتدِّين من أهل مِلَّتِنَا إلى
يهودية أوْ إلى نصرانية، فلا يكونون بذلك يهوداً ولا نصارى، لأنَّ
ذبائِحَهُمْ غيرُ مأكولات، ولأنَّ نساءهم اللاتي دخلن معهم في ذلك غيرُ
منكوحاتٍ. فمثلُ ذلك بنو قَيْنُقَاعِ، لما حالفوا عبدَ الله بن أَبَيّ المنافق،
فَوَاطُّؤُوه على ما هو عليه من النفاق، ووافقوه على ذلك، خرجوا بذلك
مِن حكم الكتاب الذي كانوا من أهلِه، وصاروا مشركين كمشركي
العرب الذين أخبر رسولُ الله ◌َّ أنَّه لا يَستعينُ بهم، فلم يَسْتَعِنْ بهم
في قتاله المشركين لذلك. فأمَّا مَنْ سواهم مِمَّن تمسك بكتابه الذي
جاء به الذي يذكر أنَّه على دينه فمخالف لذلك، ولا بأس بالاستعانةِ
بمثلِهِ في قتال المشركين، لأنَّه ليس بمشركٍ إنَّما هو كتابيّ كافر، وهو
- ٤١٨ -

عدو للكفار من عبدة الأوثانِ كما نحن أعداءً لهم. والله عز وجل نسأله
التوفيق .
بعونه تعالى وتوفيقه تم الجزء السادس من
بيان مشكل الآثار ويليه الجزء السابع وأوله
باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله #$ في العدد الذين يجوز أن يضحي بالبدنة
عنهم.
الله تعالى
- ٤١٩ -

... .
الله تعالى