النص المفهرس

صفحات 261-280

عن النَّعمانِ بن بشيرِ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((خيرُكم قَرْنِي،
ثُمَّ الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم يَخْلُفُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شهادتُهم
أيمانَهم، وأَيمانُهم شهادَتهم))(١).
٢٤٦٨ - وما قد حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو الوليد
الطيالسي، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بِشْرِ، عن عبدِ الله بن شَقِيق
عن أبي هُريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((خير الأَمَّةِ
قَرْنِي، ثمَّ الذين يُلُونَهم، ثمَّ الذين يُلُونَهم، ثمَّ لا أدري أَذَكَر الثالثَ
أمْ لا؟ ثمَّ يَخْلُف مِنْ بعدِهم خَلُوفٌ تُعجِبُهم السَّمَانة، ويَشْهَدُونَ ولا
يُسْتَشْهَدُونَ))(٢).
(١) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عاصم - وهو ابن أبي
النجود - فقد روى له الشيخان مقروناً بغيره، وهو صدوق حسن الحدیث.
زائدة: هو ابن قدامة، وخيثمة: هو ابن عبد الرحمن.
وهو في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٧٧/١٢، ورواه أحمد ٢٧٦/٤، والبزار
(٢٧٦٧) عن حسين بن علي الجعفي، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٢٦٧/٤ عن حسن ويونس، كلاهما عن حماد بن سلمة عن
عاصم، به.
ورواه أيضاً ٢٧٧/٤ عن أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر عن عاصم، به.
قلت: وقد تكررت في المطبوع من ((المسند)) في هاتين الروايتين ((ثم يلونهم))
ثلاث مرات، والصواب مرتين كما في رواية ابن أبي شيبة والطحاوي وإحدى روايات
أحمد و((الجامع الكبير)» ص ٥١٥ للسيوطي. وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
١٩/١٠، وزاد نسبته إلى الطبراني في (الكبير)) و((الأوسط)) وقال: وفي طرقهم
عاصم بنُ بهدلة وهو حسن الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو الوليد الطيالسي: اسمه هشام بن =
- ٢٦١ -

٢٤٦٩ - وما قد حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو مُسْهِرٍ، قال:
حدثنا صَدَقَةُ بنُ خالدٍ، قال: حدثني عَمروبنُ شَراحِيل، عن بِلال بنِ
سعد
عن أبيه، قال: قُلْنَا: يا رسولَ الله أيُّ أمتك خيرٌ؟ قال: ((أَنَا
وأَقْرَانِي)) قال: قُلنا: ثم ماذا؟ قال: ((ثُمَّ القرنُ الثَّانِي)) قال: قلنا: ثم
ماذا؟ قال: ((ثُمَّ القرن الثالث)) قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: ((ثمٌّ يأتِي
قومٌ يَشْهَدُون ولا يُسْتَشْهَدون، ويَحْلِفُونَ ولا يُسْتَحْلَفُون، ويُتَّمَنُونَ (١) فلا
= عبد الملك مولاهم، وأبو عوانة: هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وأبو بشر: هو
جعفربن أبي وحشية.
ورواه مسلم (٢٥٣٤) عن حجاج بن الشاعر، عن أبي الوليد، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ١٢٨/٢، ومسلم (٢٥٣٤) و(٤٢١٣) عن هشيم، ورواه أحمد
٤١٠/٢ و٤٧٩، ومسلم عن محمد بن جعفر، عن شعبة، كلاهما عن هشيم، وشعبة
عن أبي بشر، به.
والسَّمانة بفتح السين وتخفيف الميم مصدر كالسَّمَن بكسر السين وفتح الميم:
نقيض الهزال.
(١) كذا الأصل: ((يتّمنون)) بتشديد التاء، وأصلها: يوتمنون، سهلت الهمزة
وقلبت إلى واو، ثم انقلبت إلى تاء، وأدغمت في التي بعدها.
قال في ((اللسان)): والأمانة والأَمَنَةُ: نقيضُ الخيانة، لأنه يُؤْمَنُ أذاه، وقد أمِنَه
وأمَّنه، وأُتُمَنَهُ واتَّمَنُه عن ثعلب وهي نادرة، وعُذْرُ من قال ذلك أن لفظه إذا لم يُدغم
يصير إلى صورة ما أصلُه حرفُ لينٍ، فذلك قولهم في ((افتعل)) من الأكل: إِيتَكُلَ،
ومن الإِزرة: إِيتَزَرَ، فأشبه حينئذ إِيتَعَدَ في لغة من لم يُبدل الفاء ياء، فقال: اتَّمن
لقول غيره إيتمن، وأجود اللغتين إقرارُ الهمزة، كأن تقول: إئتمن.
قال النووي في ((شرح مسلم)) ٨٨/١٦ تعليقاً على رواية مسلم: ((ويخونون ولا =
- ٢٦٢ -

يُؤدون»(١).
قال: ففي هذه الآثار تفضيلُ رسولِ الله وَِّ القرنَ الذي بُعِثَ فيهم
على جميعٍ أمته، وذكر في ذلك أيضاً ما قد
٢٤٧٠ - أخبرنا عبد الله بنُ وَهْب، قال: أخبرني هشامُ بن سعد،
= يُتْمنون)): هكذا في أكثر النسخ يُتْمنون، وفي بعضها: يؤتمنون، ومعناه: يخونون
خيانة ظاهرة بحيث لا يبقى معها أمانة، بخلاف من خان بحقير مرة واحدة، فإنه
يصدق عليه أنه خان، ولا يخرج به عن الأمانة في بعض المواطن.
(١) إسناده صحيح. عمرو بن شراحيل: هو العنسي الداراني يُكنى أبا المغيرة.
ذكره البخاري في ((تاريخه)) ٣٤٢/٦، وابن أبي حاتم ٢٤٠/٦، فلم يأثرا فيه
جرحاً ولا تعديلاً، وقال أبو زرعة فيما نقله عنه الخولاني في ((تاريخ داريا)) ص ٩٥:
أبو المغيرة عمروبن شراحيل من الثقات.
وبلال بن سعد: هو ابن تميم الأشعري الدمشقي القاصّ، روى له النسائي،
ووثقه ابن سعد والعجلي، وقال أبو زرعة الدمشقي في ((تاريخه)) ص ٦٠٧: هو أحد
العلماء في خلافة هشام، وأخبرني بعض ولده أنه توفي في خلافة هشام وكان قاصّاً
حسن القصص يُحدث عن الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وابن جابر، وغيرهم
من أجلّةِ العلم.
وأبوه سعد بن تميم، قال يحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم: له صحبة.
ورواه القاضي عبد الجبار الخولاني في ((تاريخ داريا)) ص٩٣-٩٤ من طرق عن
أبي مسهر، بهذا الإسناد.
ورواه الطبراني (٥٤٦٠) عن أبي زرعة، عن أبي مسهر، وعن أحمد بن المعلى
الدمشقي وعبدان بن أحمد، عن هشام بن عمار، كلاهما أبو مسهر وهشام بن عمار،
عن صدقة بن خالد، به.
- ٢٦٣ -

عن زيد بن أسلم، عن عطاء بنِ يَسَّار
عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: خرجنا مع رسول الله وَلاغير عام
الحُدَيْبِيَة، فقال: ((ليأْتِينَّ أقوامٌ تَحْقِرُون أَعمالَكُم مع أَعمالِهِم)، قلنا: مَنْ
هُمْ يا رسولَ اللهِ؟ أَقُرَيْشٌ؟ قال: ((لا، أهلُ اليَمَن هم أَرَقُّ أَفئدةً وَأَيَنُ
قُلُوبًا)) قلنا: هُمْ خيرٌ مِنَّا يارسول الله؟ قال: لو كان لأحدِهم جَبَلٌ من
ذهب، فأنفقَهُ ما أدرك مُدَّ أحدكم ولا نَصِيفه، إنَّ فضل ما بيننا وبين
النَّاسَ هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ
أَوْلِفِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلَّا وَعَدَ الله
الحُسْنَى والله بما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(١) [الحديد: ١٠].
(١) هشام بن سعد وإن احتج به مسلم ليس بذاك القوي، فهو ممن يُكتب
حديثه ولا يحتج به، كما قال أبو حاتم، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه ابن جرير ٢٢١/٢٧، وابن أبي حاتم فيما ذكره ابن كثير ٣٨/٨ من طريق
ابن وهب، بهذا الإِسناد.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٥١/٨، وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وأبي
نعيم في ((دلائل النبوة)).
قال ابن كثير بإثر إخراجه من رواية ابن جرير وابن أبي حاتم: وهذا الحديث
غريبٌ بهذا السياق، والذي في ((الصحيحين)) من رواية جماعة عن عطاء بن يسار
عن أبي سعيد - ذكر الخوارج («تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم،
يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)) الحديث.
لکن روى ابن جرير هذا الحديث من وجه آخر، فقال: حدثني ابن البرقي،
حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبي سعيد
التمار، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله قال: ((يوشك أن يأتي قوم
تحقرون أعمالكم مع أعمالهم)» قلنا: مَنْ هُمْ يا رسولَ الله؟ قریش؟ قال: لا، هم =
- ٢٦٤ -

٢٤٧١ - وما قد حدَّثنا فهد، قال: حدثنا أبو نُعَيْمٍ ، قال: حدثنا
هشامُ بنُ سعدٍ، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(١).
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ الذي تلاه
علينا من كتاب الله عز وجل، والذي ذكره لنا عن رسولِ الله التر لا
يَدْفَعَانِ ما روينا عن رسولِ اللهِ وَّ مِنَ الحديث الذي ذكرناه في صدرِ
هذا الباب، لأنه قد يَجُوزُ أنْ يكونَ رسولُ اللهِ وَّرِ أراد بما في الحديثِ
الذي رويناه في صدر هذا الباب قوماً لم يأتوه إلى أنْ قالَ ذلك القولَ
المذكور فيه قد تقدَّمَ إيمانُهم وتصديقُهم به رضوانُ الله عليهم قبلَ
ذلك، حالَ بينهم وبين إتيانه ما يحولُ بَيْنَهُمْ وَيْنَ ذلك من العدو المانع
منه، وَمِنْ عدم ما يحملهم إليه، ويُبلغهم إِيَّاه، ولم يَقْطَعْهُمْ ذُلك عن
التصديق له، والإِيمان به، ثم أَتَوْهُ بعد ذلك فَلَحِقُوا بمن تقدَّمهم قبل
ذلك في الإِتيانِ إليه، وفي القتالِ معه، وفي الإِنفاقِ في ذلك، وفي
= أرقُّ أفئدة، وألين قلوباً) وأشار بيده إلى اليمن، فقال: ((هم أهل اليمن، ألا إن
الإيمان يمان، والحكمة يمانية)). فقلنا: يا رسول الله، هم خير منا؟ قال: ((والذي
نفسي بيده، لو كان لأحدهم جبل ذهب ينفقه ما أدى مدَّ أحدكم ولا نصيفه)). ثم
جمع أصابعه ومدَّ خنصره، وقال: ((ألا، إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس، ﴿لا
يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجةٌ من الذين أنفقوا من
بعدُ وقاتلوا، وكلَّ وعد الله الحسنى﴾ فهذا السياق ليس فيه ذكر الحديبية، فإن كان
ذاك محفوظاً كما تقدم، فيحتمل أنه أنزل قبل الفتح إخباراً عما بعده كما في قوله
تعالى في ((سورة المزمل)» - وهي مكية - من أوائل ما نزل: ﴿وآخرون يقاتلون في
سبيل الله﴾ ... الآية، فهي بشارة بما يستقبل، وهكذا هذه، والله أعلم.
(١) هو مكرر ما قبله.
- ٢٦٥ -

التصرف فيما يُصَرِّفُهُمْ فيهِ كمثل ما عليه مَنْ كان معه قبلَ ذلك، وكان
ذلك قبلَ الفتح الذي ذكر الله عَزَّ وجلَّ في الآية التي تَلَوْنا، فتساوَيَا
جميعاً في هذه الأسباب غيرَ الإِيمان به ◌َّه، والتصديق له بظهر الغيب،
فإِنَّهِم فَضَلُوا بذلك مَنْ آمَنَ به سِواهم مِمَّن كان معه يرى إقامةً الله
عز وجل الحُجَجَ التي لا يتهيّأ معها لذوي الأفهامِ الرَّدُّ لها، ولا الخروجُ
عنها، فهذا معنىً يحتملُه الحديثُ الذي رويناه في أوَّل هذا الباب مما
لا يخرج من الآية التي تلاها هذا القائلُ علينا، ولا من الآثار التي
ذكرها لنا عن رسولِ الله وَ ﴿ والله أعلمُ بحقيقة الأمر في ذلك غير
أنَّ هُذا ما بلغه فَهْمُنَا مِنه. والله نسأله التوفيقَ(١).
(١) قلت: من المفيد أن أثبت هنا ما لخصه الحافظ في ((الفتح)) ٦/٧-٧ من
أقاويل أهل العلم في هذه المسألة وأجاد تقريرها، قال رحمه الله تعليقاً على قوله
وَّ: ((ثم الذين يلونهم)): وهم أتباعُ التابعين، واقتضى هذا الحديث أن يكون
الصحابة أفضلَ من التابعين والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه
الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهورُ،
والأول قولُ ابن عبد البر، والذي يظهر أن من قاتل مع النبي # أو في زمانه بأمره
أو أنفق شيئاً من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائناً من كان، وأما من
لم يقع له ذلك فهو محل البحث، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم
من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد
وقاتلوا﴾ ... الآية.
واحتج ابن عبد البر بحديث: ((مثل أمتي مثلُ المطر لا يُدرى أوله خيرٌ أم آخره)»
وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة، وأغرب النووي فعزاه في
((فتاويه)) إلى مسند أبي يعلى من حديث أنس بإسناد ضعيف، مع أنه عند الترمذي
بإسناد أقوى منه من حديث أنس، وصححه ابن حبان من حديث عمار، وأجاب عنه =
- ٢٦٦ -

= النووي بما حاصله: أن المرادَ من يشتبه عليه الحالُ في ذلك من أهل الزمان الذين
يُدركون عيسى بن مريم عليه السلام، ويرون في زمانه من الخير والبركة وانتظام.
كلمة الإسلام ودحض كلمة الكفر، فيشتبه الحال على من شاهد ذلك أيُّ الزمانين
خير، وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله ﴿ه: ((خيرُ القرون قرني)) والله أعلم.
وقد روى ابنُ أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبيربن نفير أحد التابعين
بإسنادٍ حسن قال: قال رسول اللهِ وَ﴾: ((ليدركن المسيحُ أقواماً إنهم لمثلكم أو خير
- ثلاثاً - ولن يخزيَ الله أمةً أنا أوَّلها والمسيحُ آخرها)). قلت: هو مرسل.
وروى أبو داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة رفعه: ((تأتي أيام للعامل فيهن
أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسولَ الله؟ قال: بل منكم)) وهو شاهد لحديث:
((مثل أمتي مثل المطر)).
واحتج ابنُ عبد البر أيضاً بحديث عمر رفعه «أفضلُ الخلق إيماناً قومٌ في
أصلاب الرجال يُؤمنون بي ولم يروني)) الحديث أخرجه الطيالسي وغيره، لكن إسناده
ضعيف فلا حجة فيه.
وروى أحمد والدارمي والطبراني من حديث أبي جمعة قال: ((قال أبو عبيدة:
يا رسول الله، أَحَدٌ خيرٌ منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك. قال: قومٌ يكونون من
بعدكم يؤمنون بي ولم يَرَوْني)» وإسناده حسن وقد صححه الحاكم.
واحتج أيضاً بأن السبب في كون القرن الأول خيرَ القرون أنهم كانوا غرباء في
إيمانهم لكثرة الكفار حينئذ، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم بدينهم، قال: فكذلك
أواخرهم إذا أقاموا الدين، وتمسّكوا به، وصبروا على الطاعة حين ظهورِ المعاصي
والفتن كانوا أيضاً عند ذلك غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمالُ
أولئك. ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة رفعه: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود
غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء)).
وقد تعقب كلام ابن عبد البر بأن مقتضى كلامه أن يكونَ فيمن يأتي بعدَ =
- ٢٦٧ -

= الصحابة من يكونُ أفضل من بعض الصحابة، وبذلك صرح القرطبي، لكن كلام
ابن عبد البر ليس على الإطلاق في حقِّ جميع الصحابة، فإنه صرح في كلامه
باستثناء أهل بدر والحديبية. نعم والذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا
يَعْدِلُها عمل لمشاهدة رسول الله وَله، وأما من اتفق له الذبُّ عنه والسبقُ إليه بالهجرة
أو النصرة، وضبط الشرع المتلقى عنه، وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يَعْدِلُه أحد ممن
يأتي بَعْدَهُ، لأنه ما مِنْ خَصلةٍ من الخِصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثلُ أجر
من عمل بها من بعده، فظهر فضلهم.
ومحصل النزاع يَتَمَخَّضُ فيمن لم يحصل له إلا مجردُ المشاهدة كما تقدم، فإن
جمعَ بين مختلفِ الأحاديث المذكورة كان متجهاً، على أن حديث: ((للعامل منهم
أجر خمسين منكم)) لا يدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة، لأن مجرد
زيادة الأجر لا يستلزمُ ثبوتَ الأفضلية المطلقة، وأيضاً، فالأجر إنما يقع تفاضلُه
بالنسبة إلى ما يُماثِلُهُ في ذلك العملِ ، فأما ما فاز به مَنْ شاهد النبيَّ # من زيادة
فضيلة المشاهدة، فلا يَعْدِلُهُ فيها أحد، فبهذه الطريق يُمكن تأويلُ الأحاديث
المتقدمة .
وأما حديثُ أبي جمعة، فلم تتفق الرواةُ على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ
الخيرية كما تقدم، ورواه بعضهم بلفظ: ((قلنا: يا رسول الله هل من قوم أعظم منا
أجراً)؟ الحديث أخرجه الطبراني، وإسنادُ هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية
المتقدمة، وهي تُوافِقُ حديث أبي ثعلبة، وقد تقدم الجواب عنه، والله أعلم.
- ٢٦٨ -

٣٩١ - بابُ بيانِ مشكل أحكام من كان .... بعد من
حمده رسول الله بَير .... في الآثار التي رويناها
في الباب الذي تقدم(١)
٢٤٧٢ - حدثنا أحمد بن شُعَيْب، قال: أنبأنا محمدُ بن معاوية بن
يزيد بن صالح، قال: حدثنا خَلَفُ بنُ خليفةً أبو أحمد، عن عطاء بنِ
السَّائِب، عن الشَّعْبِي
عن ابن عباس، قال: أصبحَ النبيُّ وَّرَ فقال: ((هل مِنْ ماءٍ؟ هل
مِنْ ماءٍ؟ هل مِنْ شَرِّ؟)) فأَتي بالشَّنِّ، فُوُضِعَ بين يدي رسولِ اللهِ وََّ،
ففرَّقَ أصابعَهُ، فنبعَ الماءُ من بين أصابع رسولِ الله ◌َّ مثل عصا
مُوسى ◌ََّ، فأمر بلالاً يَهْتِفُ بِالنَّاسِ الوضوء، فلما فَرَغَ وصلَّى بهم
الصبح، ثم قَعَدَ، قال: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ أعجبُ الخلق إيمانً)؟
قالوا: الملائكةُ. قال: ((وكيف لا تُؤْمِنُ الملائكةُ وهُمْ يُعَايِنُونَ الأَمْرَ)»؟
قالوا: النبيون يا رسولَ الله. قال: ((كيف لا يُؤمِنُ النبيُّونَ والوَحْي ينزِلُ
عليهم مِنَ السَّماءِ))؟ قالوا: فأصحابُك يا رسولَ الله. قال: ((كيفَ لا
(١) هكذا جاء الأصل فيه بياض، والمقصودُ من هذا الباب إثبات أنه سيأتي
بعدَ الذين ذمهم رسول الله # في الآثار المتقدمة في الباب السابق قوم محمودة
مذاهبهم كالمهدي والفئة التي تُقاتِل الدجال.
- ٢٦٩ -

يُؤْمِنُ أصحابِي وهم يَرَوْنَ ما يَرَوْنَ، ولكن أعجبُ الناسِ إيماناً قوم
يخرُجونَ مِنْ بعدِي، يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي، ويُصَدِّقُونِي، ولم يَرَوْنِي،
أولئِك إخوانِي))(١).
٢٤٧٣ - وحدثنا أبو أَمَيَّة، قال: حدثنا أبو النضر إسحاقُ بن إبراهيم
الدِّمَشْقِي، قال: حدثنا يزيدُ بنُ ربيعة، عن زيد بن وَاقِد، عن بُسْرِ بنِ
أبي أَرْطَاة
(١) رجاله كلهم ثقات إلا أن عطاءَ بن السائب رَمَوْهُ بالاختلاط.
ورواه بطوله الطبراني في «الكبير» (١٢٥٦٠) عن محمد بن خالد الراسبي،
حدثنا محمد بن معاوية بن مالج (بميم وجيم وهو ابن يزيد وقد تحرف في المطبوع
إلى صالح)، بهذا الإسناد.
ورواه البزار مقتصراً على نبع الماء من بين أصابعه : 18 عن محمد بن معاوية بن
مالج، به. وقال بإثره: لا نعلم أحداً حدث به عن عطاء، عن الشعبي إلا خلف،
ولا نعلم أسند عطاء عن الشعبي إلا هذا، ورواه أبو كدينة عن عطاء، عن أبي
الضحى، عن ابن عباس.
قلت: رواية أبي كدينة واسمه يحيى بن المهلب البجلي رواها أحمد في
((المسند)) ٢٥١/١ و٣٢٤ عن حسين الأشقر وهو ضعيف، عنه مختصراً.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩٩/٨-٣٠٠ بطوله، وقال: رواه الطبراني في
((الكبير)) و((الأوسط)) باختصار، والبزار باختصار، وأحمد، وفيه عطاء بن السائب وقد
اختلط .
قلت: والأحاديث في نبع الماء من بين أصابعه بَّر ثابتة عن غير واحد من
الصحابة. انظرها في ((جامع الأصول)) ٣٣٤/١١-٣٥٠ بتحقيق صاحبنا المفضال
الشيخ عبد القادر الأرنؤوط حفظه الله.
- ٢٧٠ -

عن عبدِ الله بن السَّعْدِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ خيارَ
أُمِّي أَوْلُها وآخِرُها، وبَيْنَ ذُلك ثَبَجْ أَعْوَجُ لَيْسُوا من أُمَّتِي وَسْتُ
منهم))(١).
قال أبو جعفر: الثََّجُ الوَسَطُ. فدلَّ ما ذكرنا في هذا الباب أنَّ
بعد الذين ذمَّهم رسول الله بَّر في الآثار التي رويناها في الباب الذي
قبل هذا الباب قومٌ من أَمَّةِ رسول الله بَّر محمودة مذاهبهم من أهل
الرتبة التي ذكرها رسولُ اللهِ وََّ لهم فيما رويناه في هذا الباب، وأخبرَ
أَنّهم أهلها، وجعلهم بذلك إخواناً، رضوان الله عليهم، وذلك معقول
إِذْ قد بَقِيَ من أُمَّتِهِ المَهْدِي الذي قد رُوِيَ عنه فيه ما سنذكره في بقية
كتابنا هذا إن شاء الله، والعصابة التي تُقَاتِلُ الدَّجَّال قبلَ نزول عيسى
ابن مريم ﴿﴿مّ الذِينَ شَهِدَ لهم رسولُ الله ◌َّه بالإِيمانِ بقوله: «وتكونُ
بقيّةُ المؤمنينَ بالأردن)» والذين منهم من يختار التَّمسُّكَ بدين الله
والبصيرة فيه حتى يقتله الدَّجَّالُ على ذلك لتكذيبهِ به، وتصديقه ما قالَهُ
رسولُ اللهِ نَّ فيه. والله نسألُه التوفيق.
(١) إسناده ضعيف جداً. يزيد بن ربيعة هو الرحبي الدمشقي، يُكنى أبا كامل،
قال النسائي والدارقطني والعقيلي: متروك، وقال البخاري: أحاديثه مناكير، وقال أبو
حاتم وغيرُه: ضعيف، وبسربن أبي أرطاة: هو القريشي العامري نزيل الشام من
صغار الصحابة.
- ٢٧١ -

٣٩٢ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِّل
في تزويجِهِ المرأةَ التي وَهَبَتْ له نفسَها
الرجلَ الذي سأله أنْ يُزَوِّجَها إِيَّهُ
بغيرِ رجوعٍ منه إليها في ذلك
ولا مؤامرة منه إِيَّاها فيه
٢٤٧٤ - حدثنا يونسُ، قال: حدثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني
مالك بن أنس، عن أبي حازم
عن سهل بن سعدٍ السَّاعِدِي رضي الله عنه أن رسولَ الله وَالتر جاءته
امرأةٌ فقالت: يا رسولَ الله إِنِّي قد وهبتُ نفسِي لك، فقامت قياماً
طويلاً، فقامَ رجلٌ؛ فقال: يا رسولَ الله زَوِّجْنِيهَا إنْ لم يكن لكَ بها
حاجة. فقال رسولُ اللهِ وَله: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شيءٍ تُصْدِقُها إِيَّاه. فقال:
ما عِنْدِي إِلَّ إِزَارِي هذا. فقال رسولُ اللهِ وَيهِ إِنْ أعطيتَها إِيَّاهُ، جلستَ
لا إِزَارَ لك، فالتمسْ شيئاً. فقال: ما أَجِدُ. فقال: الْتَمِسْ ولو خاتمَ
حديدٍ. فالتمس فلم يَجِدْ شيئاً، فقال له رسولُ اللهِ وَلِ: هَلْ مَعَكَ مِن
القرآن شيءٌ؟ قال: نعم سورةُ كذا وسورةُ كذا. فقال رسول الله وَّ:
((قد زَوَّجْتُكَهَا))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو حازم: هو سلمان الأشجعي
الكوفي .
- ٢٧٢ -

فقال قائل: كيفَ يجوزُ لكم قبولُ هذا في تزويجه امرأةً وهبت له
نفسَها غيرَه مِمَّن لم يسأله تزويجها إيَّاه ذلك الرجل؟
فكان جوابنا له بتوفيق الله وعونه أنَّ هذا الحديثَ في رواية مالك
لا زيادةَ فيه على ما رويناهُ عليه، ولكن سفيان بن عُيَيْنة قد رواه عن
شيخ مالك الذي رواه عنه بزيادةٍ فيه على ما رواه مالك عليه تُوجِبُ
لِرسول الله وَّ تزويجها الرجل الذي زوجها إِيَّاه بلا اسْتِثْمَارٍ منه إِيَّاها
في ذلك
٢٤٧٥ - كما قد حدثنا الربيعُ بنُ سليمان المُرَادِيُّ، قال: حدثنا
أسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَة، عن أبي حازم.
عن سهل بن سعد رَضِيّ الله عنه، قال: إنِّي عندَ رسولِ الله ◌ِل
إِذْ جاءت امرأة، فقالت: إنَّها قد وَهَبَت نفسها لك، فَرَ فِيهَا رأيك،
فقام رجلٌ فقال: أَنْكِحْنِيها. فسكتَ حتَّى قال ذلك مرتين أو ثلاثاً.
فقال: عندَك شيءٌ؟ قال: لا. قال: ((اذهَبْ فاطلُبْ)) فذهبَ فطلبَ فلمْ
يَجِدْ شيئاً، فأتاه، فقال: لم أجد شيئاً، فقال: ((اذهبْ فَاطْلُبْ ولو خاتماً
مِن حديدٍ)) فذهب فطلب، ثمَّ جاء، فقال: لم أجدْ شيئاً. فقال له النبي
وَله: ((هل مَعَكَ من القرآنِ شيءٌ))؟ قال: نعم سورة كذا وكذا. قال:
= وهو في ((الموطأ)) ٥٢٦/٢ ومن طريق مالك رواه الشافعي ٧/٢ و٨، وأحمد
٣٣٦/٥، والبخاري (٢٣١٠) و(٥١٣٥) و(٧٤١٧)، وأبو داود (٢١١١)، والترمذي
(١١١٤)، والبيهقي ١٤٤/٧ و٢٣٦ و٢٤٢، وابن حبان (٤٠٩٣)، والبغوي
(٢٣٠٢).
- ٢٧٣ -

((اذْهَبْ فَقَدْ أَنكحتُكَ مَعَ ما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ»(١).
٢٤٧٦ - وكما قد حدثنا أحمدُ بنُ شُعَيْب، قال: أخبرنا محمدُ بنُ
عبد الله بن يزيد المقرىء، قال: حدثنا سفيانُ، قال: حدثنا أبو حازم.
عن سهل بن سعد، قال: أنا في القوم إذ قالت امرأةً: إنِّي وهبتُ
نفسِي لك يا رسولَ الله، فَرَ فِيَّ رأَيَك، فقامَ رجلٌ، فقال: زَوِّجْنِيهَا
فقال: ((اذْهَبْ فاطْلُبْ ولو خاتماً من حديد)) فذهبَ فلم يَجِىءٌ بشيءٍ
ولا بخاتِم من حديدٍ. فقال رسول الله وَّهِ: ((مَعَكَ من سُوَرِ القُرْآنِ
شيءٌ))؟ قال: نَعَمْ. فزوجه بما معه مِنْ سُوَرِ القُرآن(٢).
٢٤٧٧ - وكما حدثنا أحمد، قال: أخبرنا محمدُ بن منصور، عن
سفيان، قال: سمعت أبا حازم يقول:
سمعت سهل بنَ سعدٍ يقول: إِنِّي لَفي القومِ عندَ النبيِّ لَيه
فقامت امرأةٌ، فقالت: يا رسولَ الله: إنّها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فِيهَا
(١) إسناده صحيح. أسدُ بن موسى روى له أبو داود والنسائي، وهو ثقة، ومن
فوقه من رجال الشيخين.
ورواه من طريق سفيان بن عيينة المؤلف في ((شرح معاني الآثار)) ١٧/٣،
والحميدي (٩٢٨)، وأحمد ٣٣٠/٥، والبخاري (٥١٤٩)، ومسلم (١٤٢٥) (٦٧)،
وابن ماجه (١٨٨٩)، وابن الجارود (٧١٦)، والطبراني (٥٩١٥)، والبيهقي ١٤٤/٧
و٢٣٦.
(٢) إسناده صحيح. محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء روى له النسائي وابن
ماجه، وهو ثقة، ومن فوقه من رجال الشيخين، وهو في ((السنن الكبرى)) كما في
((التحفة)) ١٠٧/٤.
- ٢٧٤ -

رأيك. فسكتَ فلم يُجِبْهَا بشيءٍ، حتى فعلت ذلك ثلاثَ مرات، ثم
ذكر بقيةً الحديث(١).
فكان في هذا الحديث بما خاطبت به تلك المرأةُ رسولَ الله وَله
إطلاقَها له أنْ يَرَى فيها رَأَيَه، فكان في ذلك ما انطلق له أنْ يُزَوِّجَهَا
غيرَه، فزوجها الرجلَ الذي سأله أنْ يُزَوِّجها إِيَّه.
ومثلُ هذا ما قد استعمله أهلُ العلم بعد رسول الله مَّ في
المضارب الممنوع من دفع المال للمضاربة الذي دفع إليه غيره إِلاّ
أَنْ يقول له دَافِعُهُ إليه: اعْمَلْ فيه برأيك، فيكون له بذلك دفعُه إلى
مَنْ يرى، ليحلَّ به محلَّه، وليعمل فيه كما كان هو يعمل فيه لو عَمِلَ
فيه، وليكونَ له من ربحه ما يَجْعَلُهُ له منه، فمثلُ ذلك ما كان من
رسولِ الله ◌َّ في أمر تلك المرأة التي وهبت نفسَها لما جعلت له
في هِبَتِهَا له نفسَها أنْ يرى فيها رأيه، والله تعالى نسألُه التوفيقَ.
(١) إسناده صحيح. محمد بن منصور ثقة روى له النسائي، ومن فوقه من رجال
الشيخين. وهو في ((السنن الكبرى)) كما في ((التحفة)) ١٠٧/٤.
- ٢٧٥ -

٣٩٣ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ له
مما يَدُلُّ على الوجه مما أهلُ العلم مختلفون
فيه من الشيء يكون بَيْنَ الشريكَيْنِ هل
لأحدهما أن يستعمِلَه بحقُّه فيه أم لا؟
٢٤٧٨ - حدثنا أحمدُ بن حمَّاد البَلْخِي، قال: حدثنا يحيى بنُ عبد
الله بن بُكَيْر، قال: حدثنا يعقوبُ بنُ عبد الرحمن الزُّهريُّ، عن أبي
حازم
عن سهل بن سعدٍ أن امرأةً جاءت رسولَ الله وَلّ، فقالت: يا
رسولَ الله جئتُ لِأَهَبَ نفسِي لك، فنظر إليها رسولُ اللهِ وَّةَ، فصعَّدَ
النظرَ إليها وصَوََّه، ثم طَأْطَأْ رأْسَه، فلما رأتِ المرأة أنه لم يَقْضِ فيها
شيئاً جَلَسَتْ، فقام رجل من أصحابه، فقال: أَيْ رسولَ الله إنْ لم يكن
لك بها حاجة، فزوجنيها، فقال: هَلْ عندك من شيء؟ قال: لا واللهِ
يا رسولَ الله قال: اذهبْ، فانظر هل تَجِدُ شيئاً، فذهب ثم رجع فقال:
لا واللهِ يا رسولَ الله ما وجدتُ شيئاً. قال: ((انظر ولو خاتماً مِن حديدٍ)»
فذهب ثم رجع، فقال: لا واللهِ يا رسولَ الله ولا خاتماً من حديدٍ ولكن
هذا إزَارِي - قال سهل: ما له رداءٌ - فلها نصفُه فقال رسول الله وَلّى:
((ما تصنعُ بإزارك؟ إنْ لَبِسْتَهُ، لم يَكُنْ عليها منه شيء، وإنْ لَبِسَتْهُ،
لم يكن عليك منه شيء)) فجلس الرجلُ حتى طَالَ مَجْلِسُهُ قال: فرآه
- ٢٧٦ -

رسولُ اللهِ وَِّ مُوَلِّياً، فأمر به فدُعِيَ فقال: (ما معك من القرآن))؟ قال:
معي سورةُ كذا وسورةُ كذا - عدَّدَها - فقال: ((أتقرأ عن ظَهْر قلبٍ))؟
قال: نعم. قال: ((اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَها بما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)(١).
٢٤٧٩ - وحدثنا أحمد بن شُعَيب، قال: أخبرنا قُتَيْبَة بنُ سعيدٍ،
قال: أخبرنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمن، ثم ذكر بإسناده مثله(٢).
فتأملنا هذا الحديث، فوجدنا فيه قولَ الرجل المذكور فيه للنبي
وَله : أنا أُصْدِقُها نصفَ إزاري، وقولَ رسول الله وَلِّ له عند ذلك:
((ما تَصْنَعُ بإزارك؟ إنْ لَبِسْتَه، لم يكن عليها منه شيءٌ، وإنْ لَبِسَتْهُ،
لم يكن عليكَ منه شيءٌ» فكان في ذلك ما قد دلَّ على أنَّ الأمرَ لو
جرى بينهما في ذلك الإِزار كذلك أن لِكُلِّ واحدٍ منهما لبسَه بكماله
في حالٍ ما يحق ملكه نصفه، ولولا ذلك، لم يَقُلْ له رسولُ الله وَه
هذا القولَ، كما لم يقل له: إِنْ لَبِسَهُ سِوَاكَ أو سِوَاها، لم يكن عليك
ولا عليها. فدلَّ ذلك أنَّ مِنْ حَقِّ كُلُّ واحد من مالكي مثل ذلك من
الثياب ومما سِوَاها مما لا ينقسمُ أو مِمَّا إنْ قسم انقسم، أنْ يُسْتَعْمَلَ
كذلك، وأن تَجْريَ فيه المهايأة، فيستعمله كلّ واحدٍ من مالكيه بحقٌ
ملكه فيه وقتاً معلوماً، حتَّى يعتدلا في منافعه، وإنْ كان منطلقاً فيه
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو حازم: هو سلمان الأشجعي.
وانظر ما بعده.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو في ((سنن النسائي)) ١١٣/٦.
ورواه البخاري (٥٠٣٠) و(٥١٢٦)، ومسلم (١٤٢٥)، والطبراني (٥٩٩٣) عن
قتيبة بن سعيد، بهذا الإِسناد.
- ٢٧٧ -

التجزئة، جُزِّىء بينهما، فجعل جزء منه يفي بحقِّ أحدهما في يده لمدة
ما، وجُعِلَ جزءٌ منه في يدِ الآخر منهما تلك المدة يستعمله بحقِّ ملكه
الذي يملكه فيما هو منه، وهذا يُوافِقُ مذهبَ الذين يقولون في الدَّارِ
تكونُ بين رجلين، فَيَطْلُبُ أحدُهما سُكنَى نصيبه منها، ويَأْبَاه الآخر:
إِنَّ المهايأة تُستعمل فيها بينهما كما ذكرنا، ومِمَّن يذهب إلى ذلك من
أهل العلم أبو حنيفة رحمه الله وأصحابُه، ولهم في ذلك مخالفون من
أهلِ العلم ممن يقول: إنَّه ليس ذلك لواحد منهما إِلَّ بإطلاق صاحبه
ذلك له. والله عز وجل نسأله التوفيق.
لله تعالى
- ٢٧٨ -

٣٩٤ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله ◌ِليد
في الاستغفارِ للمشركين من نهي أو إباحة
٢٤٨٠ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا أبو عامرِ العَقَدِيُّ،
عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل
عن علي رضي الله عنه، قال: سَمِعْتُ رجلاً يستغفرُ لأبويه وهما
مُشْركان، فقلتُ: أتستغفِرُ لأبويك وهما مشركان؟ قال: ((أَلَم يستغفرْ
إبراهيمُ لأبيه. فذكرتُ ذلك للنبي وََّ، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ
إِبْرَاهِيمَ لِإِبِيهِ إِلَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّهُ﴾(١) [التوبة: ١١٤].
(١) إسناده قوي. أبو الخليل - واسمه عبد الله بن الخليل أو ابن أبي الخليل
الحضرمي الكوفي - روى عن عمر وعلي، وابن عباس وزيد بن أرقم، وعنه أبو
إسحاق السبيعي، وعامر الشعبي والأعمش وإسماعيل بن رجاء، وذكره ابن حبان في
((الثقات)) ١٣/٥ و٢٩، وحديثه عند أصحاب السنن، وباقي رجال السند ثقات من
رجال الشیخین.
أبو عامر العقدي: اسمه عبد الملك بن عمرو، وسفيان: هو الثوري، وقد سَمِعَ
من أبي إسحاق (عمروبن عبد الله السبيعي) قبل الاختلاط، وهو أثبتُ الناس فيه.
ورواه أحمد ٩٩/١ و١٣٠-١٣١، والنسائي ٩١/٤، والترمذي (٣١٠٠)،
والطبري (١٧٣٣٤) و(١٧٣٣٥)، وأبو يعلى (٣٣٥) و(٦١٩) من طرق عن سفيان،
بهذا الإِسناد.
=
- ٢٧٩ -

٢٤٨١ - وحدثنا يزيدُ بنُ سِنَان، قال: حدثنا محمدُ بن كثير
العَبْدِي، قال: أنبأنا سفيان، ثم ذكر بإسناده مثلَه(١).
٢٤٨٢ - وحدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا أبو نُعَيْمِ، قال:
حدثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل
عن علي رضي الله عنه، قال: سمعتُ رجلاً يستغفرُ لأبويه وهما
مشركان: فقلتُ (٢): أَتَسْتَغْفِرُ لأبويك وهما مشركان؟ فقال: ألم يستغفرُ
إبراهيمُ وٌَّ لأبيه. قال: فذكرتُ ذلك للنبي وَلّ فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنّبِيِّ
والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾(٣) الآيتين [التوبة: ١١٣-١١٤].
قال أبو جعفر: ففيما روينا من هذا الحديثِ إنكارُ علي رضي الله
عنه [على الرجل المذكور فيه استغفاره] لأبويه وهما مشركانٍ، وذكرُ
علي ذلك للنبي وََّ، ونزولُ ما ذكر نزوله من القرآن في ذلك، أو تلاوته
عليه ما تلاه عليه من القرآن في ذلك، ولم يُبَيِّن لنا في هذا الحديث
وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم ٣٣٥/٢، ووافقه الذهبي.
=
ورواه الطيالسي في ((مسنده)) (١٣١) عن قيس (هو ابن الربيع)، عن أبي
إسحاق، به.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٠٠/٤، وزاد نسبته لابن المنذر، وابن أبي
حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في ((شعب الإِيمان)) والضياء في
((المختارة)) .
(١) هو مكرر ما قبله.
(٢) في الأصل: ((فقال))، وهو خطأ.
(٣) إسناده قوي، وهو مكرر ما قبله. أبو نعيم: هو الفضل بن دکین.
- ٢٨٠ -