النص المفهرس

صفحات 81-100

وصيامُه بعد صيامه، لَمَا بَيْنَهُما أبعدُ مما بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ))(١).
٢٣١٢ - حدثنا أحمد بن شُعَيب، قال: حدثنا سُوَيْد بن نَصْرِ،
قال: حدثنا عبدُ الله - يعني ابن المبارك - قال: أخبرنا شعبةُ بن
الحجاج، عن عَمْروبن مُرَّة، قال: سمعت عَمْروبن ميمون يحدث عن
عبدِ الله بن ربيعة السُّلَمِي - وكان من أصحاب النبي ◌َّ - عن عُبَيْدِ بن
خالد السلمي، ثم ذكر مثلَه(٢).
قال أبو جعفر: وعبد الله بن ربيعة هذا المذكور في هذا الإسناد
هو جدُّ منصور بن المُعْتَمِر، وفي هذا الحديثِ أنَّ له صحبةً وقد خُولِفَ
ابنُ المبارك في ذلك كما ذكره البخاري، وذكر أنَّه لم يُتابع عليه.
٢٣١٣ - حدثنا فَهْد، قال: حدثنا عليُّ بنُ مَعْبَد، قال: حدثنا عُبَيْد
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن رُبِيِّعة
بالتشديد، وهو ابن فرقد السلمي، مختلف في صحبته، وذكره ابن سعد في التابعين
الراوين عن عبد الله بن مسعود، وقال: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في
التابعين من كتاب ((الثقات))، وروى عنه جمع، وخرّج له البخاري في ((الأدب
المفرد))، وأبو داود، والنسائي.
ورواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) (١١٩١) عن شعبة، بهذا الإِسناد.
ورواه أبو داود في ((السنن)) (٢٥٢٤)، وأحمد ٥٠٠/٣ و٢١٩/٤ من طرق عن
شعبة .
وعُبَيد بن خالد السلمي ثم البهزي يُكنى أبا عبد الله، وقيل فيه: عبد بغير
تصغير، وقيل: عبدة بزيادة هاء، قال البخاري: له صحبة.
(٢) إسناده صحيح وهو مكرر ما قبله، وهو في رقائق ابن المبارك رقم (١٣٤١)
ومن طريقه رواه النسائي ٤/ ٧٤.
- ٨١ -

الله بن عمرو، عن زيد، عن عَمْروبن مُرَّة، عن عَمْروبن ميمون
الأَوْدِي، عن عبد الله بن ربيعة السلمي
عن عُبَيْد بن خالد البَهْزِي - رجل من أصحاب النبي ◌َّ - قال:
آخى رسول الله وَلَّه بين رجلين من أصحابه، فقُتِلَ أحدُهما، وعاش
الآخرُ بعده ما شاءَ الله عز وجل، ثمَّ ماتَ، فجعل أصحابُ رسول الله
وَ﴿ يَدْعُون له، وكان منتهى دعائهم له أن يَلْحَق بأخيه الذي قُتِلَ قَبْلَه،
فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((أَيُّهما تقولون أفضلُ))؟ قالوا: الذي قُتِلَ قبلُ يا
رسولَ الله في سبيل الله عزَّ وجَلَّ. قال: ((أما تجعَلُون لصلاةٍ هذا
ولصيامِهِ بعدَهُ ولصدقَتِهِ ولعملِهِ فضلًاً؟ لَمَا بَيْنَهُما أَبْعَدُ مِن ما بَيْنَ السماءِ
والأرض، فضَل الذي مات بعد الذي مات قبلُ))(١).
قال أبو جعفر: فسأل سائلٌ عن المعنى الذي به استحقَّ الميتُ
من هذين الرجلين المتقدمُ على صاحبه المستشهدِ قبله، ولصاحبه ما
قد رُوِيَ عن رسول الله بَّر فيمن هو فوقه في المنزلة.
٢٣١٤ - حدثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدثنا عبد الله بنُ
وَهْبٍ، قال: حدثني عبد الرحمن بن شُرَيْح، عن عبد الكريم بن
الحارث، عن أبي عُبَيْدة بن عُقْبة، عن شُرَحْبِيل بن السِّمْط
عن سلمانَ الخير، عن رسول الله وََّ أنه قال: ((مَنْ رَابَطَ يوماً
في سبيلِ اللهِ كانَ لَهُ أجرُ صيامِ شهرٍ وقيامِهِ، ومنْ ماتَ مُرابطاً، جرى
(١) إسناده صحيح. عبيد الله بن عمر: هو الرقي، وزيد: هو ابن أبي أنيسة،
وهو مكرر ما قبله.
- ٨٢ -

له مثلُ ذُلك من الأجرِ، وأُجْرِي عليه الرزق وأَمِنَ الفَتَّان))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، أبو عبيدة بن عقبة: هو ابن نافع الفهري
المصري، قيل: اسمه مرة، روى عنه جمع، واحتج به مسلم، وذكره ابن حبان في
((الثقات)) فقول الحافظ في ((التقريب)): ((مقبول)) قصورٌ منه رحمه الله، وشرحبيل بنُ
السِّمْط مختلفٌ في صحبته، قال البخاري: له صحبة، وتبعه أبو أحمد الحاكم،
وذكره ابن حبان في الصحابة، ثم أعاده في التابعين، وجزم ابن سعد بأن له وِفادةً،
ثم شهد القادسية، وفتح حمص، وعمل عليها لمعاوية، وماتَ سنة أربعين أو بعدها،
وقال ابنُ السكن: ليس في شيء من الروايات ما يدُلُّ على صحبته ... وقال
البغوي: ذكر في الصحابة، ولم يذكر له حديث أسنده عن النبي وَّةٍ. قلت: ووثّقه
النسائي، وهو من رجال مسلم.
ورواه مسلم (١٩١٣)، والنسائي ٣٩/٦، والحاكم ٨١/٢ من طريق عبد الله بن
وهب، بهذا الإِسناد. وصححه ابن حبان (٤٦٢٣).
والمرابطة المذكورة في الحديث قال السرخسي في ((شرح السير الكبير)) ٧/١:
عبارة عن المقام في ثغر العَدو، لإِغراز الدين، ودفع شر المشركين عن المسلمين،
وأصل الكلمة من ربط الخيل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رِباط الخيل﴾، فالمسلم يربط
خيله حيث يسكن من الثغر لِيُرهب العدوَّ به، وكذلك يفعل عدوه، ولهذا سُمي
مرابطة، لأن ما كان على ميزان المفاعلة يجري بين اثنين غالباً، ومنه سمي الرباط
رباطاً للموضع المبني في المفازة ليسكنه الناس، وليأمن المارة بهم من شر
اللصوص .
وقوله: ((أمن الفتان)) قال الإِمام النووي ضُبِطَ ((أمن)) بوجهين: أحدهما: أَمِنَ
بفتح الهمزة وكسر الميم من غير واو، والثاني: أومن بضم الهمزة وبواو، وأما ((الفتان)»
فقال القاضي: رواية الأكثرين بضم الفاء جمع ((فاتن)) قال: ورواية الطبري بالفتح.
ورواه الطبراني (٦١٧٧) من طريق عبد الله بن صالح، حدثني أبو شريح عبد =
- ٨٣ -

٢٣١٥ - وما قد حدَّثنا يونس، قال: أنبأنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني
الليثُ، عن أيُوب بن موسى القُرَشِي، عن مَكْحُول، عن شُرَحْبِيل، عن
سَلْمان، عن رسول الله وَ مثلَه (١).
= الرحمن بن شريح، به.
ورواه ابن المبارك في ((الجهاد)) (١٧٢) عن عبد الرحمن بن شريح، سمعت
عبد الكريم بن الحارث يحدث عن أبي عبيدة بن عقبة، عن رجل من أهل الشام
أن شُرحبيل بنّ السِّمط الكِنْدي، قال: طال رباطُنا وإقامتُنا على حصن، فاعتزلتُ من
العسكر أنظر في ثيابي لما آذاني منه، قال: فمرَّ بي سلمان، فقال: ما تُعالج يا أبا
السمط؟ فأخبرتُه. فقال: إني لأحسبُك تحبُّ أن تكونَ عند أم السمط، فكانت تُعالج
هذا منك. قلت: إيْ والله، قال: لا تفعل، فإني سمعتُ رسولَ اللهِوَله يقول:
(رباطُ يومٍ وليلة - أو يومٍ أو ليلةٍ - كصيام شهر وقيامِه، ومَنْ ماتَ مرابطاً أُجريَ عليه
مثلُ ذلك من الأجر، وأجريَ عليه الرزقُ، وأَمِنَ من الفتان، واقرؤوا إن شئتم:
﴿والذين هاجروا في سبيلِ الله ثم قُتلوا أو ماتوا ليرزقنَّهم الله رزقاً حسناً ... )
الآية)».
ورواه الطبراني من طرق عن شُرحبيل بن السمط به. انظر (٦٠٧٧) و(٦١٧٧)
و(٦١٧٨) و(٦١٧٩) و(٦١٨٠)، وانظر صحيح ابن حبان (٤٦٢٥).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه مسلم (١٩١٣) من طريق أبي الوليد الطيالسي، والنسائي ٣٩/٦ من
طريق عبد الله بن يوسف، والحاكم ٨٠/٢ من طريق ابن وهب، ثلاثتهم عن
الليث بن سعد، بهذا الإسناد.
ورواه الترمذي (١٦٦٥)، وسعيد بن منصور في «سننه)) (٢٤٠٩) من طريق
سفيان، سمعت محمد بن المنكدر، قال: مرَّ سلمان بابن السمط وهو مرابطً هو
وأصحابُه وقد شقِّ عليهم، فقال له سلمان: يا ابنَ السمطِ! ألا أُحدِّثُك بحديثٍ
سمعتُه من رسول الله ﴿، سمعتُه يقول: ((رباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ من صيام =
- ٨٤ -

٠٠
•
= شهر وقيامه، ومَنْ مات فيه وُقِيَ فتنة القبر، ونُمِّيَ له عملُه إلى يوم القيامة)) وقال
الترمذي : هذا حديث حسن.
ورواه عبد الرزاق (٩٦١٧) عن محمد بن راشد، حدثنا مكحول، قال: مَرَّ
سلمان الفارسي بشرحبيل بن السمط ...
ورواه ابن المبارك في ((الجهاد)) (١٨٢) عن هشام بن الغاز، أخبرني مكحولٌ
أنَّ كعب بن عجرة كان مرابطاً بأرض فارس، فمرَّ به سلمانُ، فقال: مالك هاهنا؟
قال: قدمت مرابطاً. قال: أفلا أخبرُك بشيءٍ سمعتُه من رسول الله صل# يكون لك
عَوْناً على رباطك؟ قال: قلت بلى رحمك الله. قال: قال رسولُ اللهِوَله: ((رباطُ
يومٍ في سبيل الله عز وجل خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامه، ومن ماتَ مرابطاً في سبيل
الله عز وجل أجيرَ من فتنة القبر، وجرى عليه عملُه الذي كان يعمل إلى يوم القيامة)).
ورواه الطبراني (٦٠٦٤) من طريق هشام بن عمار، د حدثنا هشام بن الغاز، عن
عُبادة بن نُسَيّ، عن كعب بن عُجرة أن سلمان مرِّ به وهو مرابط ...
ورواه أحمد ٤٤٠/٥ من طريق محمد بن إسحاق، عن جميل بن أبي ميمونة،
عن أبي زكريا الخزاعي (واسمه إياس بن زيد)، عن سلمان.
ورواه الطبراني (٦١٧٩) عن بكر بن سهل، حدثنا شعيب بن يحيى، عن
نافع بن يزيد، قال: أخبرني معاوية بن يزيد بن شرحبيل - (كذا في المطبوع ويغلب
على ظني أنَّه خطأ، صوابه معاوية بن يزيد بن شريح. انظر ((التهذيب)) ترجمة
معاوية بن سعيد) - أن عبد الله بن الوليد مولى المغيرة حدَّثه أنه سمع ابن أبي زكريا
يحدِّثُ عن شرحبيل بن السمط أنّه رأى سلمانَ الفارسي وهو مرابط ...
ورواه أحمد أيضاً ٤٤١/٥ من طريق أبان بن صالح، عن ابن أبي زكريا
الخزاعي (واسمه عبد الله)، عن سلمان.
ورواه من طريق حسان بن عطية، عن عبد الله بن أبي زكريا، عن رجل، عن
سلمان .
ورواه من طريق ابن ثوبان، عن من سَمِعَ خالدَ بن معدان، عن شرحبيل بن =
- ٨٥ -

٢٣١٦ - وما قد حدَّثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال:
حدثنا عبدُ الله بن وَهْب، قال: وأخبرني أبو هَانِىء الخَوْلاَني، عن
عَمْرو بن مالك
عن فَضَالة بن عُبَيْد الأنصاري أنَّ رسولَ اللهِ وََّ قال: ((كلُّ ميتٍ
يُخْتَمُ على عملِهِ إِلَّ المُرَابِطَ في سبيلِ اللهِ، فإنَّه ينمُو له عملُه إلى
يوم القيامة، يُؤمَّنُ من فَتَّانِي القَبْرِ))(١).
قال: ففي هذه الآثار ما فيها من فضل من مات مُرَابطاً ومَن نَمَا
عملُه له إلى يوم القيامة، ومن قُتِلَ مرابطاً كان فوق من مات مرابطاً
في المنزلة، وليس ذلك لمن مات غيرَ مُرابطٍ، لأن رسول الله وَلَه قد
أخبر أنه ينقطعُ عملُه بموتهٍ في حديث أبي هريرة - يعني الذي ذكرنا
فيما تقدم مِنّا في كتابنا هذا، عن رسول الله ﴿ أَنَّ مَنْ ماتَ انقطعَ
= السمط، عن سلمان.
(١) إسناده صحيح. عمروبن مالك هو الهمداني المرادي أبو علي الجَنْبي
المِصْري، روى له أصحاب السنن والبخاري في ((الأدب المفرد)»، وثقه ابن معين،
والعجلي، والدارقطني، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وباقي رجاله ثقات رجال
الصحيح .
ورواه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٤١٤)، وأبو داود (٢٥٠٠)، والطبراني
١٨/(٨٠٣)، والحاكم ٧٩/٢ عن عبد الله بن وهب، بهذا الإِسناد.
ورواه ابن المبارك في ((الجهاد)) (١٧٥)، والترمذي (١٦٢١)، وأحمد ٢٠/٦،
والطبراني (١٨/ (٨٠٢)، وابن حبان (٤٦٢٤) عن حيوة بن شريح، عن أبي هانىء
الخولاني، به.
وفتَّانا القبرِ: منكر ونكير.
- ٨٦ -

عملُه بموتِهِ إلَّ مِنْ ثلاثةٍ: من علمٍ بَثّه، ومن صدقةٍ جاریةٍ، ومن ولدٍ
صالحٍ يدعُو له.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ ما احتَجَّ
به علينا غيرُ مخالفٍ لما احتجَّ به علينا فيه مما قد رويناه في هذا
الباب، « وذلك أن ما يُعطاه الميتُ في رِباطه ينقطعُ ذلك عنه كما ينقطعُ
عملُ غيرِهِ من الموتى عنه، وإن كان عملُه ينمو له إلى يومِ القيامة،
فإنَّه ذلك العمل بعَيْنِه لا عمل سواه يلحق به، وكان الرجلان المهاجران
المذكوران في الآثار التي رويناها هاجَرًا إلى رسول الله وَطِّ معاً،
فتساوَيَا في ذُلك، وأقامًا عنده باذِلَيْن لأنفسهما فيما يَصرفُهما فيه من
جهادٍ ومن غيره من الأشياء التي يُتقرب بها إلى الله عز وجل، ويَصرفُ
المقبول منهما في الجهاد حتى قُتِل فيه، ولم يكن يصرفه ذلك - والله
أعلم - إلّ بتصريف رسولِ الله ◌َّ إِيَّه فيه، وعسى أن يكون صاحبُه
قد كان معه في ذلك، فساوَاه فيه، وزاد الآخرُ عليه الشهادة التي قد
بذل نفسَه لمثلها، فكان ذلك في معنى الشهيد وإنْ كان الشهيدُ بفضلِه
فيما حلَّ به من القَتْل، فإنَّه قد بَذَلَ نفسَه لذلك، ثم عاش بعده حولاً
في هجرته إلى رسول الله ﴿. ولذلك من الفضل إنفاقُ ماله، فتفرَّد
بذلك على صاحبه، وكان في ذلك مُصلِّياً صلوات مدته تلك، وصائمَ
شهر رمضان الذي مرَّ عليه فيها، ولذلك من الفضل مالَهُ، فلم يكن
في ذلك مما يجب أن يُنكر تجاوزه لصاحبه في المنزلة وفي الثواب
عليها، وفي استحقاق سبقه إياه إلى الجنّة، ولقد قال رسول الله وَم
في من هو دون مثله
٢٣١٧ - ما قد حدثنا يونس، قال: أنبأنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني
- ٨٧ -

عبد الرحمن بن شُرَيْح، عن سَهْل بن أبي أُمَامَةَ بن سهل، عن أبيه
عن سهل بن حنيف أن رسول الله وَل﴾ قال: ((مَنْ سَأَلَ اللّه عز
وجل الشهادَةً صادقاً من قلبهِ، بَلَّغَهُ الله عز وجل منازلَ الشهداءِ وإنْ
ماتَ على فِرَاشِهِ))(١).
٠
قال أبو جعفر: وأحوالُ الرجل التي ذكرنا في هجرته إلى رسول
الله الَّله، وتلبثه معه للتصرُّف فيما يصرفه فيه، وإعماله الأعمال
الصالحة، وبذله (٢) نفسه لأسباب الشهادة فوقَ ذلك، والله نسأله
التوفيق .
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غيرَ سهل بن
أبي أمامة، فمن رجال مسلم، وأبو أمامة: هو ابن سهل بن حنيف، اسمه أسعد،
معدود في الصحابة، له رؤية، ولم يسمعْ من النبيِّ وَّر، مات سنة مئة، وله اثنتان
وتسعون سنة .
ورواه مسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، والنسائي ٣٦/٦-٣٧، وابن ماجه
(٢٧٩٧)، والبيهقي ١٦٩/٩ من طريق ابن وهب، بهذا الإسناد، وصححه ابن حبان
(٣١٩٢).
ورواه الترمذي (١٦٥٣)، والدارمي ٢٠٥/٢ من طريق القاسم بن كثير،
والطبراني (٥٥٥٠) عن عبد الله بن صالح، كلاهما عن عبد الرحمن بن شریح، به.
وفي الباب عن أنس رفعَه: ((من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم تصبه)).
رواه مسلم (١٩٠٨).
وعن معاذ: ((مَنْ سألَ الله القتل في سبيل الله صادقاً من قلبه، أعطاه الله أجر
شهيد وإن مات على فراشه)). رواه أحمد ٢٤٣/٥-٢٤٤، والترمذي (١٦٥٤)، وأبو
داود (٢٥٤١)، والطبراني في ((الكبير)» ٢٠/(٢٠٦)، وصححه ابن حبان (٣١٩١).
(٢) في الأصل: ((وبذلته)) والجادة ما أثبت.
:
-٨٨ -

٣٧٠ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَلاَ مما
قد تقدم ذكرنا له في كتابنا هذا مِن انقطاع عملٍ
الرجل بموتِهِ إلَّ من الثَّلاثةِ الذين ذكرناهم
في الباب الذي قبل هذا الباب
قال أبو جعفر: قال قائل: قد رويتَ في الباب الذي قبل هذا
الباب حديثَ سلمان في الرِّبَاطِ، وأَنَّه ينمو للميت فيه عملُه إلى يومٍ
القيامة، فكيف ينمو له ما قد انقطع بموته؟ ورويتَ عنه أيضاً فيما تقدم
منك في كتابك هذا فيمن سَنَّ سُنَّةً حسنةً، فَعَمِلَ بها مَن بعده أنّ
له أجرَها وأجرَ مَنْ عَمِلَ بها بعده من غيرَ أن يُنْتَقَصَ من أجورهم
شيء، وهذه أعمال قد لحقت الميت زائدة على الثلاثة الأشياء
المذكورات في انقطاع عمله بموته إلَّ منها. 5
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ هذه آثار
مؤتلفةٌ كلُّها لا خلافَ ولا تضادَّ فيها، لأنَّ حديث سلمان على عملٍ
متقدم لموت المرابط ينمو له بعدَ موته لمعنى يتوفّرُ له ثوابُه إلى يوم
القيامة، وهو عمل قد تقدم موتَه، وأما الحديثُ الآخر، فالمستثنى فيه
وهو أعمالٌ تحدث بعدَه مِن صدقةٍ بها عنه بعد وفاته هو سَبَبُها في
حیاته، وعلمٍ يُعمَلُ به بعد وفاته هو سببه في حیاته، وولدٍ صالحٍ يدعو
له بعد وفاته هو سببُه في حياته. وكلَّ هذه الأشياء يلحقه بها ثوابٌ
- ٨٩ -

طارىء خلافَ أعماله التي مات عليها، فهو في ذلك بخلاف الميت
في رباطه الذي يعطى ثواب ما قد تقدم موته من أعماله الصالحة لا
ثواب أعمال تحدث بعدَ وفاته. وأمَّا الحديثُ الذي ذكره فيمن سَنَّ سُنّةً
حسنةٌ فعمِلَ بها بعد وفاته، فهي من العِلْم الذي كان بَثَّه في حياته
وعمِلَ به بعد وفاته المذكورة في الحديث المستثنى فيه تلك الثلاثة
الأشياء.
فبان بحمد الله ونعمته أن لا تضادَّ في شيء من آثار رسول الله
ونَ ﴿ وأنها كلَّها مؤتلفةٌ غيرُ مختلفةٍ. والله نسأله التوفيق.
الله تعالى
- ٩٠ -

٣٦١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَله
فيمن أدرك ركعةٌ من الصلاة أنه قد أدرك
الصلاةَ وفضلها
٢٣١٨ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمان الجِيزي، قال: حدثنا أبو الأسود
النضرُ بن عبد الجَبَّارِ المُرَادِي، قال: حدثنا نافعُ بن يزيد، عن ابن
الهَاد، عن عبد الوهّاب بن أبي بكر، عن ابن شِهَاب، عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله مٍَّ قال: ((مَنْ أُدركَ
ركعةٌ مِنَ الصَّلاةِ، فقد أدْرَكَ الصَّلاةَ وَفضلَها))(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فلم نجد أحداً رواه عن ابن
شهاب بإدراك الصلاة وفضلها غيرَ عبد الوهَّاب بن أبي بكر، وهو مقبولُ
الرواية(٢) .
وقد وجدنا الليث بن سعد رواه عن ابن الهاد، عن ابن شِهَاب
بغير ذكرٍ لعبد الوهّاب فيه، وبغير ذكرٍ في إدراك فضل الصلاة
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات.
(٢) أي: ثقة، فقد وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: ثقة صحيح الحديث ما به
بأس مِنْ قدماء أصحاب الزهري .
- ٩١ -

٢٣١٩ - كما حدثنا محمد بن خُزَيْمة وفهد، قالا: حدثنا عبدُ
الله بن صالح، قال: حدثنا اللَّيْث، عن ابن الهَاد، عن ابن شِهَاب،
عن أبي سلمة بن(١) عبد الرحمن
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: سمعتُ رسولَ الله وَلة
يقولُ: ((مَنْ أدركَ ركعةٌ من الصَّلاةِ، فقد أدركَ الصَّلاةَ))(٢).
فكان في ذلك ما وجب علينا تأملُه، فتأملناه، فوجدنا مُدْرِكَ الصلاة
مذْرِكاً لفضلها، فكان ما رواه الليثُ عليه كافياً لنا مِمَّا زاد نافع عليه
فيه، ثمَّ تأملناه من رواية غير عبد الوهّاب وغیر ابن الهاد عن ابن شهاب
كيف هو؟
٢٣٢٠ - فوجدنا يونس قد حدَّثنا، قال: حدثنا ابنُ وهب، قال:
حدثني مالكٌ، عن ابن شِهَاب، عن أبي سَلَمة
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله وَل﴿ قال: ((مَنْ أَدْرَكَ
مِنَ الصلاةِ ركعةً، فقد أدْرَكَ الصلاةَ)) (٣).
(١) تحرفت في الأصل إلى: ((عن)).
(٢) حديث صحيح. عبد الله بن صالح متابع، ومَنْ فوقه ثقات من رجال
الشيخين، وانظر ما بعده.
(٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وهو في ((الموطأ)) ١٠/١، ومن طريق مالك رواه الشافعي ٥١/١، والبخاري
(٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧)، والنسائي ٢٧٤/١، وابن حبان (١٤٨٣)، وأبو داود
(١١٢١)، والمصنّف في ((شرح معاني الآثار)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٠٠)،
وابن خزيمة (٩٨٥)، وأبو يعلى (٥٩٦٢).
- ٩٢ -

،
٢٣٢١ - ووجدنا(١) أحمد بنَ شُعَيْب قد حدثنا، قال: أخبرنا
قُتَيْبَةُ بنُ سعيد، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة
عن أبي هريرة يرفعه، قال: ((مَنْ أدركَ ركعةٌ مِنَ الصلاةِ، فقدْ
أدركَ)» (٢).
قال أبو جعفر: فكان موافقاً لما رواه الليثُ أيضاً عليه، ومخالفاً
لما رواه نافع، وعقلنا أنَّ ذلك الإِدراكَ إِنَّما هو لفضل الصلاة لا إدراك
الصلاة نفسها، لأنَّه لو كان إدراكاً (٣) لها نفسها، لما وجب عليه قضاء
بقيتها، ولما كان ذلك كذلك، تأمِّلنا ما يقولُه كثيرٌ من أهل العلم في
مُذْرِك هذا المقدار من الصلاة أنه يكون به مدركاً(٤) لها في وجوب
فرضها عليه، وفي قضاءٍ ما فاتَّهُ منها على مثل ما صلاهُ مُدركوها،
ويجعلون من أدرك منها ما دُونَ ذلك منها بخلاف ذلك، حتَّى قال
الحجازيون منهم في الحائض تَطْهُرُ من حيضَتِهَا وقد بقي عليها مِن
(١) في الأصل: ((فوجدنا)).
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. سفيان: هو ابن عيينة، وهو في ((سنن
النسائي)) ١١٢/٣.
ورواه الحميدي (٩٤٦)، وأحمد ٢٤١/٢، ومسلم (٦٠٧)، والترمذي (٥٢٤)،
والدارمي ٢٧٧/١، وابن ماجه (١١٢٢)، والنسائي ١١٢/٣، والبغوي (٤٠١) من
طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
ورواه عن معمر، عن الزهري، به: عبدُ الرزاق (٢٢٢٤) و(٣٣٦٠)، وأحمد
٢٥٤/٢، و٢٦٠ و٢٧٠ و٢٧١ و٢٨٠، ومسلم (٦٠٨)، وأبو عوانة ٣٧٢/١-٣٧٣،
وابن الجارود (١٥٢)، وصححه ابن خزيمة (٩٨٥).
(٣) في الأصل: ((إدراك)) وهو خطأ. (٤) في الأصل: ((مدرك)) وهو خطأ.
- ٩٣ -

وقت الصلاة التي طَهُرَت في وقتها مقدارُ ركعة منها: إنه واجب عليها
قضاؤها، وفي الصبي إذا بلغ في مثل ذلك الوقت منها، وفي النصراني
إذا أُسْلَم في مثل ذلك الوقت منها: إنهما يقضِيَان تلك الصلاة، وأنّ
هؤلاء الثلاثة الذين ذكرنا لو كان ذلك منهم، وقد بقي من وقت تلك
الصلاة أقلّ من ركعة إِنهم بخلاف ذلك، وإِنهم لا يجبُ عليهم
قضاؤها، وقالوا في مثل ذلك في صلاة الجمعة: مَنْ أدرك منها ركعة،
قضى أخرى، ومن أدرك منها ما دون الركعة، صلَّى أربعاً، ويحتجُّون
في ذلك بالحديث الذي قد رويناه في أول هذا الباب.
ووجدنا من الحجة عليهم لمخالفيهم في ذلك من العراقيين مِمَّن
يقول في الحُيَّضِ إذا طَهُرَتْ في وقت الصلاة وقد بقي عليهنَّ من وقتها
مقدارُ ما يغتسلن فيه، ويدخلن فيها بتكبيرة وهو أقلّ القليل منها: إنه
يجب عليهنَّ قضاءُ تلك الصلاة، ويقولون مثل ذلك في الصِّبْيَانِ إذا
بلغوا، وفي النصارى إذا أسلَمُوا، ويقولُون في مَنْ دخل في التشهد
في صلاة الجمعة إنه يكون بذلك من أهلها، وإنه يقضي ما بقي عليه
من صلاة الجمعة، وجعلوه في ذلك كمُدْرِك ركعةٍ منها أنه قد رُوِيَ
عن رسول الله 18 في إدراك القليل من الصلاة مثل الذي قد رُوِيَ
عنه في الآثار التي ذكرنا في إدراكِ الركعةِ منها.
٢٣٢٢ - كما قد حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا يعقوبُ بنُ
إسحاق الحضرمي، قال: حدثنا أبو عَوَانة، عن يَعْلى بنِ عطاء
عن سعيد بن المُسَيِّب، قال: دخلنا على رجل من أصحاب النبي
وَ* من الأنصار وهو وَجِعٌ، فقال: مَنْ في البيت؟ فقيلَ: أهلُك وولَدُك
وجُلَسأُؤك في المسجد. قال: فَأَجْلِسُوني. قال: فأسنده ابنُه إلى
- ٩٤ -

صدْرِهِ، ثم قال: لأحدثنَّكُم اليومَ حديثاً ما حدَّثتُ به منذُ سمعتُه من
رسول الله بََّ احتساباً، وما أُحدِّتُكُمُوه اليوم إلا احتساباً، سمعتُ رسولَ
اللهِ وَ﴿ يقول: ((إنَّ العبدَ المسلمَ إذا توضأ فأحسنَ الوُضُوءَ، ثم عَمْدَ
إلى المسجدٍ لم يرفعْ رجلَه اليُمْنَى إلَّ كُتِبَتْ له بها حسنٌ، ولم يضع
اليُسْرَى إِلَّ حُطَّتْ عنه بها خطيئةٌ حتى يبلغَ المسجدَ، فليتقرَّب أو
لِيَتَبَاعَد، فإنْ أدركَ الصَّلاةَ في الجماعةِ مع القومِ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ
من ذنبهِ، وإنْ أدركَ منها بعضاً، وسبق ببعض ، فقضَى ما فَاتَهُ فأحسنَ
ركوعَهُ وسجودَهُ كان كذلك، وإنْ جاءَ والقومُ قعودٌ كان كذلك))(١).
فكان في هذا الحديث في إدراك أقلِّ القليل من الصلاة مثلُ ما
في الآثار الأول من إدراك ركعةٍ منها، وإذا كان ما قد رُوِيَ في إدراك
الركعة منها معناه معنى إدراك الفضل، فدلَّ ذلك مُخَالفهم على أنَّه
يكونُ من أدرك ذلك من الصلاة يكونُ به من أهلِها كمُذْرِكِي ما هو
أكثر من ذلك منها، كان ما رويناه في هذا الحديث يدلّهم على أنَّ
مدركَ أقلُّها في حكم مدرِكِ ذُلك منها والله أعلم.
(١) رجاله ثقات رجال الصحيح، يعلى بن عطاء مات سنة (١٢٠)، وسعيد بن
المسيب مات بعد التسعين، فيمكن سماع يعلى منه، لكن رواه أبو داود (٥٦٣)،
ومن طريقه البيهقي ٦٩/٣ عن محمد بن معاذ بن عباد العنبري، ومحمد بن نصر
المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٠٦) عن يحيى، كلاهما عن أبي عوانة، عن
يعلى بن عطاء، عن معبد بن هرمز، عن سعيد بن المسيب، عن رجل من
الأنصار . ..
ومعبد بن هرمز: ذكره في ((التهذيب))، فقال: حجازي، روى عن سعيد بن
المسيب، عن رجل من الأنصار في فضل الوضوء وصلاة الجماعة في المسجد، وعنه
يعلى بن عطاء، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن القطان: لا يُعرف حالُه.
- ٩٥ -

وممن كان يقولُ هذا القولَ من العراقيين أبو حنيفة وأبو يوسف
ومحمد، إلَّ أنَّ محمداً خالف أبا حنيفة وأبا يوسف في الجمعة، فقال
فيها، كما قال الحجازيون فيها، وهذا الذي ذكرناه هو وجهِ النَّصَفَةِ
في هذا الباب.
فإن قال قائل: قد يَحتمل ما رويَته في أوَّلِ هذا الباب كان بعد
ما رويته في آخره، فيكون ناسخاً له !!
قِيلَ له: وقد يَحتمل أنْ يكونَ هذا الحديث الذي رويناه في آخره،
فيكون ناسخاً له، ولما كان ذلك كذلك، كانت الحجتان متكافئتين(١)،
غيرَ أنَّ لأهل القولِ الآخر في ذلك من حمل الحديث الآخر على
الزيادة على ما في الحديث الأوَّل أنَّ الله عز وجل إذا تفضّل على
عِباده بنعمة أنعَمَها عليهم من الثواب على عمل يعملونه له، لم ينسخه
بقطع ذلك الثواب عنهم، ولا يَنْقُضُهُمْ منه إلَّ بذنوبٍ(٢) تكونُ منهم
يستحقون بها ذلك، ومن ذلك قولُه عز وجل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أَحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٦] وكان ما في
الحديث الآخر من الثواب الزائد على ما في الحديث الأوَّلِ الذي
رويناه في أوَّل هذا الباب نعمةٌ من الله على عباده وفضلاً تفضّل به
عليهم، فاستحالَ أنْ ينسخَ ذلك، وأن يدفعه عنهم إلَّ بذنوبٍ تكونُ
منهم يستحقّون بها ذلك، ولم يكن ذلك منهم بحمد الله ونعمته، فَثَبَتَ
بما ذكرنا بقاءُ حكم ما في الحديث الآخر وعَدَمُ نسخه، وثَبَتَ أنَّ
(١) في الأصل: ((متكافئتان)) وهو خطأ.
(٢) في الأصل: ((بذنب)) والجادة ما أثبت.
- ٩٦ -

الاستدلالَ بما فيه على الواجب من الاختلاف الذي ذكرناه فيما ذكرنا
اختلاف أهل العلم فيه أولاً من الاستدلال على ذلك بما في الحديث
الأول ، مع أنا لو خُلِّينا والقياس، لكان الواجبُ عندنا في الحائض
التي ذكرنا، وفي الصبي، وفي النصراني اللذين ذكرنا أنَّهُ لا يجب
عليهم قضاءُ الصلاة التي ذكرنا إلَّ بأنْ يُدْرِكُوا من الوقت الذي صاروا
فيه مِن أهل الصلاة مقدارها بكمالها، كما لا يجب عليهم من الصيام
إلّ ما أدركوا وقته بكماله، وقد كان زُفَرُ(١) يقول هذا القول، غير أنَّ ما
دلَّ على خلافه مما قد رويناه عن رسولِ الله وَ ◌ّ أَوْلى عندنا منه.
والله تعالى نسألُه التوفيق.
(١) هو زُفَرُ بنُ الهُذَيْلِ بن قيس بن مسلم الفقيهُ المجتهدُ الرِّيَّاني العلَّمة. وُلِدَ
سنةً عشر ومئة، وحدَّث عن الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي حنيفة،
ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة وطبقتهم.
وحدَّث عنه حسانُ بنُ إبراهيم الكرماني، وأكثُمُ بن محمد والد يحيى بن أكثم،
وعبدُ الواحد بن زياد، وأبو نعيم الفضلُ بنُ دُكين، والنعمانُ بنُ عبد السلام التيمي،
والحكمُ بنُ أيوب، ومالكُ بنُ فديك، وعامتُهم مِن رُفقائه وأقرانه، لأنه مات قبل أوان
الرواية. قال أبو نعيم ويحيى بن معين: ثقة مأمون.
قال الذهبي: هو من بحور الفقه، وأذكياء الوقت، تفقه بأبي حنيفة، وهو أكبر
تلامذته، وكان ممن جمع بين العلم والعمل، وكان يدري الحديث ويتقنه.
قال أبو نعيم الحافظ: كنتُ أَعْرِضُ الأحاديثَ على زُفَرَ، فيقولُ: هُذا ناسخٌ،
وهذا منسوخٌ، هذا يؤخذ به، وهذا يُرْفَض، وكنتُ إذا مررتُ عليه يقول لي: تعالَ
حتى أُغَرْبِلَ لَكَ ما سَمِعْتَ. توفي سنة ثمان وخمسين ومئة. ((سير أعلام النبلاء))
٣٨/٨-٤١.
- ٩٧ -

٣٧٢ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله وَد
من قوله: ((الطَّيَرَةُ على مَنْ تَطَيَِّ))
٢٣٢٣ - حدثنا فهد بن سليمان، قال: حدثنا أبو غسَّان، قال:
حدثنا زهير بن معاوية، عن عُتْبَةَ بن حُمَيْد، قال: حدثني عبيد الله بنُ
أبي بكر
أنه سمع أنساً يقول: قال رسول الله وَّه: ((لا طِيَرَةَ، والطَّيْرَةُ على
مَنْ تَطَيِّرَ، وإنْ تَكُنْ في شيءٍ، ففي المرأةِ والدَّارِ والفَرَسِ))(١).
(١) إسناده حسن، عتبة بن حميد: روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال
أبو حاتم: كان جوالةٌ في الطلب، وهوَّ صَالح الحديث، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال أحمد: كان مِن أهلِ البصرة، وكتب شيئاً كثيراً، وهو ضعيف ليس
بالقوي، وقال الذهبي: شيخ، وقال الحافظ: صدوق له أوهام، وباقي رجاله ثقات
رجال الشيخين، أبو غسان: هو مالك بن إسماعيل النَّهْدي، ورواه المؤلف في ((شرح
معاني الآثار)) ٣١٤/٤، بهذا الإسناد. وصححه ابن حبان (٦١٢٣) من طريق
يوسف بن موسى القطان، عن مالك بن إسماعيل النهدي، به.
وله شاهد قوي من حديث سعد بن أبي وقاص، ولفظه: ((لا عدوى ولا طيرة
ولا هام، فإن تك الطَّيرة في شيءٍ، ففي المرأة والفرس والدار))، رواه المصنف في
((شرح المعاني))، وأحمد ١٨٠/١، وأبو يعلى (٧٩٨)، وصححه ابن حبان
(٦١٢٧).
وقوله: ((وإن تكن في شيء)) يعني الطيرة. قال الخطابي في (المعالم)) ٢٣٦/٤ =
- ٩٨ -

فقال قائل: في هذا الحديث كلامٌ متضادٌّ، لأنَّ فيه ((لا طيرة))
وذلك نفيٌ لها، وفيه ((من تطيِّر فعلى نفسه)» فذلك إثباتُ لها.
فكان جوابنا له بتوفيق الله وعونه أنَّه لا تضادَّ فيه كما ظنَّ، وأن
قولَه: لا طِيَرَةً على نفيها، وقوله بعد ذلك: مَنْ تَطَيَّر، فعلى نفسه،
لا أنه يكونُ بذلك ما تطيِّرَ به على نفسه في حقيقته، ولكن ◌َبِّسَهُ على
نفسه، لأنَّ الطَّيَرَةَ شركٌ كما قال :﴿ فيما قد رويناه فيما تقدَّم منا في
كتابنا هذا (١) أنَّ الطيرة شِرْكٌ وما مِنَّا إلَّ ولكن الله يُذْهبُه بالتوكل، أن
من كانت منه الطَّيْرَةُ، فقد دخل في هذا المعنى وكان ما لَزمَهُ بِدُخُولِه
فيه على نفسه، لا على غيره، والله سبحانه وتعالى نسأله التوفيق.
لله تعالى
= معناه: إبطال مذهبهم في الطيرة بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحوها إلا أنه
يقول: إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس لا يعجبه
ارتباطه، فليفارقها بأن ينتقل عن الدار، ويبيع الفرس، وكأن محل هذا الكلام محل
استثناء الشيء من غير جنسه، وسبيله سبيل الخروج من كلام إلى غيره، وقد قيل:
إن شؤم الدار ضيقها وسوء جارها، وشؤم الفرس أن لا يُغزى عليها، وشؤم المرأة أن
لا تلد.
(١) انظر الحديث (٨٢٧) وما بعده.
- ٩٩ -

٣٧٣ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِوَّ
من قوله: ((تكون هَنَات وهَنَات، فمن أراد أنْ
يُفَرِّقَ بين أمَّةٍ محمدٍ وهي جميعٌ
فاضربُوهُ بالسيف كائناً من كان)»
٢٣٢٤ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا عبدُ الصمد بنُ
عبد الوارث، عن شُعْبَة، عن زياد بن عِلَقَة
عن عَرْفَجَة، قال: سمعتُ رسول الله وََّ يقول: ((تكون هَنَاتٌ
وهَنَاتٌ، فمن أراد أن يُفَرِّقَ بين أمَّةِ محمدٍ وهي جميعٌ، فاضربُوهُ بالسيف
كائناً مَنْ كان))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير صحابيِّهِ
عرفجة، وهو ابنُ شريح أو شراحيل أو شريك أو ضريح، الأشجعي، فقد روى له
مسلم وأبو داود والنسائي.
ورواه أحمد ٢٦١/٤ و٣٤١، و٢٣/٥-٢٤، والطيالسي (١٢٢٤)، ومسلم
(١٨٥٢) (٥٩)، وأبو داود (٤٧٦٢)، والنسائي ٩٣/٧، والطبراني في «الكبير»
١٧/(٣٦١)، والبيهقي ١٦٨/٨ من طريق شعبة، بهذا الإسناد. وصححه ابن حبان
(٤٤٠٦).
ورواه من طرق عن زياد بن علاقة به: عبدُ الرزاق (٢٠٧١٤)، والطيالسي
(١٢٢٤)، ومسلم (١٨٥٢)، والبيهقي ١٦٨/٨، والطبراني ١٧/(٣٥٣) و(٣٥٤)
و(٣٥٥) و(٣٥٧) و(٣٦٠) و(٣٦٢) و(٣٦٣) و(٣٦٤).
=
- ١٠٠ -