النص المفهرس

صفحات 61-80

يُكشَفُ عن لَحْدِهِ، فلا يوجد فيه شَيءٌ، لأَنَّه قد فَنِيَ بأكل التراب إِيَّاه،
ووجدناه يُحرقُ فتأتي عليه النَّارُ حتَّى لا يبقى منه شيءٍ.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ ما رُوِيَ
عن رسول الله ◌َ﴿ فهو كما رُوِيَ عنه لا يجوز غيره، إذ كان الذين
نقلوه عنه هم أهلُ الضبط له، المُؤْتَمَنُون عليه، وأنَّ مَنْ جَهلَ ذلك فدفعه
بجهله إياه جاهلاً بلُطف قدرة الله عز وجل، لأَنَّه لما كان من لُطف
قدرته عز وجل أنْ يُعيدَ العظامَ المركَّبة في الأحياء رُفاتاً، ثمَّ يُعيدُها
كما كانت قبل ذلك كما قال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ
يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] وكما قال عز وجل: ﴿وَضَرَبَ لَّنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ
قَالَ مَنْ يُحْيِيِ العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فقال عز وجل: ﴿قُلْ
يُحْبِيهَا الَّذِي أَنْشَأْهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] وإذا
كان ذلك كما ذكرنا في لُطف قدرته، كان غير مستنكر فيها أنْ يبقى
أعجابُ الأذناب من بني آدم أن يأكُلَه التراب، وكما وقى عبدَهُ ونبيَّه
وخليلَه إبراهيم وَّرَ أن تأكلَه النار التي تأكلُ ما لَقِيت من الأشياء لإلهامه
عز وجل إيَّها ذلك بحفظه ذلك منهم حتى يُظهرَه في الوقت الذي يشاءُ
إظهاره فيه، وإنْ غاب ذلك عن أُعْيُنِنا فهو غير غائبٍ عنه كما قد حكى
لنا عز وجل عن عبده لُقمان من قوله لابنه: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقَالَ
حَيَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ
بِهَا الله إِنَّ اللَّه لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] وهذا اللطف غير مستنكر
فيه في أعجاب أذناب بني آدم ما قد رُوِيَ في هذا الحديث وغير
مستحيل فيه. والله عز وجل نسأله التوفيق.
- ٦١ -

٣٦٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله الجول
من قوله: (لو كان الإِيمانُ بالثُّرَيًّا))
ومن قوله: ((لو كان الدِّين بالثُّرِيًّا
لنالَهُ رجالٌ من أبناءِ فارسٍ»
٢٢٩٥ - حدثنا يوسف بن يزيد، قال: حدثنا سعيد بن منصور،
قال: حدثنا سفيانُ بن عُيَيْنةٍ، عن ابن أبي نَجِيح، عن أبيه
عن قيْس بن سعد بن(١) عُبَادة رضي الله عنه، أنَّ النبي ◌ِ قال:
(لَوْ كانَ الإِيمانُ بالثُّرَيَّ، لَنَالَهُ ناسٌ من أهلِ فارسٍ))(٢).
٢٢٩٦ - حدثنا يوسف بنُ يزيد، قال: حدثنا سعيد بن منصور،
قال: حدثنا عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِي، قال: سمعتُ ثورَ بن زيد يذكر عن
5
أَبِيِ الغَيْثِ
(١) تحرفت في الأصل إلى: ((عن)).
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير والد ابن
أبي نجيح، واسمه يسار، فمن رجال مسلم. واسم ابن أبي نجيح: عبد الله.
ورواه أبو يعلى (١٤٣٨)، والبزار (٢٨٣٥)، والطبراني ١٨ / (٩٠٠)، وأبو نعيم
في ((أخبار أصبهان)) ٨/١-٩ و٩ من طرق، عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٠٦/١٢ (١٢٥٦١)، وعنه أبو يعلى (١٤٣٣) عن
سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن قيس بن سعد قوله.
-٦٢ -

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَآخَرِينَ
مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] كلَّمَهُ فيها الناسُ فأقبلَ رسولُ الله
﴿ على سَلْمَان، فقال: (لَوْ كان الدِّينُ بالثَُّيًّا لَنالَهُ رجالٌ مِنْ
هؤلاءٍ))(١).
٢٢٩٧ - حدثنا يونس بنُ عبد الأَعْلى، قال: حدثنا ابنُ وَهْب،
قال: أخبرني سليمانُ بنُ بلال، عن ثَوْر بن زيد، عن سالم أبي الغَيْث
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كُنَّا جلوساً عند رسول الله وَلّهِ،
فأنزلت سُورةُ الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ فقال رجلٌ:
مَنْ هُؤلاء يا رسولَ الله؟ فلم يَجِبْهُ حتَّى سأَلَه ثلاث مرات، وفِينَا سلمانُ
الفَارِسي، فوضعَ رسولُ اللهِ وَِّ يدَهُ على سَلْمَان، وقال: ((لَوْ كَانَ
الإِيمَانُ بالثُّرَبًّا، لَنَالَهُ رِجالٌ مِنْ هُؤلاءِ))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد
العزيز الدراوردي، فقد احتج به مسلم، وروى له البخاري مقروناً وتعليقاً. أبو
الغيث: هو سالم المدني مولى ابن مطيع.
ورواه أحمد ٤١٧/٢، والبخاري (٤٨٩٨)، ومسلم (٢٥٤٦) (٢٣١)، والنسائي
في ((فضائل الصحابة)) (١٧٣)، وابن حبان (٧٣٠٨)، وأبو نعيم في ((ذكر أخبار
أصبهان)) ٢/١ من طرق عن عبد العزيز الدراوردي، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه أبو نعيم ٢/١ من طريق يونس بن عبد الأعلى، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري (٤٨٩٧) عن عبد العزيز بن محمد، عن سليمان بن بلال، به.
ورواه الترمذي (٣٣١٠) و(٣٩٣٣)، وأبو نعيم ٢/١ من طريق عبد الله بن
جعفر، عن ثور بن زيد، به.
- ٦٣ -

٢٢٩٨ - حدثنا يوسف، قال: حدثنا سعيدُ بنُ منصور، قال: حدثنا
عبدُ العزيز الدَّرَاوَرْدِي، قال: حدثني شُعيبٌ من ولد أمية بن زيد من
الأنصار، قال:
سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسولُ اللهِ وَله: ((والذي نَفْسِي بيدِه
لَوْ كانَ الدِّينُ بالثُّرِيًّا لَنَالَهُ رجالٌ من الفُرْسِ)) أو قال: (مِنَ الْأَعَاجِمِ)
شكَّ عبدُ العزيز(١).
وقد رُوِيَ عن أبي هريرة في العِلْمِ مثلُ هذا أيضاً في حديث فيه
شيءٌ عن النبي ◌َّرُ وشيءٌ عن أبي هريرة مِمَّا هُو مُحْتَمَلٌ عندنا أن
يكونَ ما فيه من ذكرِ العِلْم من كلام النبيِّ وََّ، ومُحْتَمَلُ أن يكونَ من
كلام أبي هريرة، فإنْ يكن عن النبيِّ وَّ، فهو كهذين الحديثين، وإنْ
يَكُنْ من كلام أبي هريرة، فإنَّ أبا هريرة لم يَقُلْ ذُلك رَأَياً، وإِنَّما قاله
بأخذه إيَّه عن النبي وَّهَ، أو بأخذه إِيَّه عَمَّن أخذه عن النبي ◌َِّ(٢).
(١) شعيب من ولد أمية بن زيد، ذكره البخاري في ((التاريخ)) ٢١٩/٤، فقال:
شعيب بن عمر الأموي القرشي سمع أبا هريرة، سمع منه عبد العزيز بن محمد، قال
لي سعيد بن منصور من بني أمية بن زيد هو الأنصاري، ومثله في ((الجرح والتعديل))
٤ /٣٥٠، وباقي رجاله ثقات. وانظر ما قبله.
(٢) فيه أن أبا هريرة كان يروي أيضاً عن كعب وغيره من أهل الكتاب، فليست
روايته مقصورة على من سمع من النبي ◌َلقه، فقد قال الإِمام مسلم بن الحجاج في
كتابه ((التمييز)) ص١٢٨: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، حدثنا مروان
الدمشقي، عن الليث بن سعد، حدثني بكير بن الأشج، قال: قال لنا بسربن سعيد:
اتقوا الله وتحفّظُوا من الحديثِ، فوالله لقد رأيتنا نُجَالِسُ أبا هريرة، فَيُحَدِّثُ عن
رسول الله *، ويُحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعضَ من كان معنا =
- ٦٤ -

= يجعل حديث رسول الله وَ﴿ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله وَ﴾، وفي
رواية: يجعل ما قاله عن كعب عن رسول الله، وما قاله رسولُ الله عن كعب، فاتقوا
الله وتحفظوا في الحديث.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وبسر بن سعيد: هو المدني العابد
مولى ابن الحضرمي، ثقة جليل من الطبقة الثانية، روى له الجماعة، مات سنة مئة.
قلت: ومن الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن كعب، وجعلها بعض الرواة عن
رسول الله* حديث رواه مسلم في ((صحيحه)) (٢٧٨٩) عن سريج بن يونس
وهارون بن عبد الله. قالا: حدثنا حجاج بن محمد. قال: قال ابن جُريج: أخبرني
إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن
أبي هريرة، قال: أخذ رسولُ اللهِ وَلَ بيدي فقال: ((خلقَ الله عز وجل التربةَ يومَ
السبت، وخلقَ فيها الجبالَ يومَ الأحد، وخلقَ الشَّجرَ يوم الاثنين. وخلقَ المكروه يومَ
الثلاثاء، وخلق النورَ يومَ الأربعاء، وبثَّ فيها الدوابَّ يومَ الخميس، وخلق آدم عليه
السَّلامُ بعدَ العصر مِن يومِ الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات
الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل)).
وقد انتقده إمامُ الصنعة غيرَ منازَع محمد بن إسماعيل البخاري في ((تاريخه)»
٤١٣/١-٤١٤، فقال: وقال بعضهم عن أبي هريرة، عن كعب وهو أصح.
وقال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) ٩٩/١: طبعة الشعب: وهذا الحديث من
غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه ابن المديني والبخاري وغير واحدٍ من
الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأنَّ أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار،
وإنما اشتبه على بعض الرواة، فجعله مرفوعاً.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الفتاوى)) ٢٣٦/١٧: وأما الحديث الذي رواه
مسلم في قوله: ((خلق الله التربة يوم السبت)) فهو حديث معلول قَدَحَ فيه أئمة
الحديث كالبخاري وغيره، قال البخاري: الصحيحُ أنه موقوف على كعب الأحبار،
- ٦٥ -

٢٢٩٩ - وهو ما قد حدَّثنا أبو أُمَيَّة، قال: حدثنا عُبيدُ الله بنُ
موسى، قال: أخبرنا شَيْبَانُ، عن الأعمش، عن أبي صالح
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((وَبْلِّ للعرب
مِنْ شرِّ قِدِ اقْتَرَبَ، أفلحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ، تقرَّبُوا يا بَنِي فَرُّوخ إلى الذِكْرِ،
فإنَّ العربَ قد أعرِضَتْ واللهِ، واللهِ إِنَّ مِنْكُم رجالاً لوْ كانَ العِلْمُ بِالثُّرَيًّا
لَنَاُوه)»(١).
وقد وجدنا عن أبي هريرة رضي الله عنه
٢٣٠٠ ۔ کما حدثنا بگَّار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا
عَوْفُ الأعرابيُّ، قال: حدثنا شَهْرُ بنُ حَوْشَب، عن أبي هريرة رضي الله
عنه، قال: قال رسول الله وَ﴾: ((لوْ أَنَّ العلمَ بالثَّرَيًّا لَتَنَاوَلَهُ رجالٌ من
أبناءِ فارسٍ ))(٢).
وقد ذكر تعليله البيهقي أيضاً، وبيِّنُوا أَنَّه غلط ليس مما رواه أبو هريرة عن النبيِّ ◌َّـه
وهو مما أنكر الحذاقُ على مسلم إخراجَه إياه.
5
(١) إسناده صحيح. أبو أمية: هو محمد بن إبراهيم بن مسلم بن سالم
الطَّرَسُوسي الحافظ الثقة صاحب المسند، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين.
وروى قوله: ((تقربوا يا بني فروخ ... )) أبو نعيم ٤/١ من طريق محمد بن
إسحاق، حدثنا علي بن مسلم، حدثنا عُبيد الله بن موسى بهذا الإِسناد.
وروی القسم الأول منه أبو داود (٤٢٤٩) عن محمد بن یحیی بن فارس، حدثنا
عُبيد الله بن مُوسى، به.
(٢) شهرٌ فيه كلام، وبعضهم حَسَّنَ حديثَه، فهو يصلُحُ للمتابعة، وباقي رجاله
ثقات رجال الشيخين. أبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد، وعوف الأعرابي: هو =
- ٦٦ -

فتأمَّلنا هذه الآثار لنقف على المراد بما فيها إنْ شاءَ الله، فوجدنا
ذلك على المثل، كما يقولُ الرجلُ لصاحبه: أنت مِنِّي كالثُّريًّا، أي:
في البُعْدِ، أو كمثل قوله في ضدِّ ذلك من القرب: أنت منِّي مُؤخَرُ
القلب، وأنت مِنِّي نَصب عيني، وأنت مِنِّي كذراعي من عَضُدي ...
في أمثال ذلك. وكانت الثريا لا إيمانَ ولا دينَ ولا علمَ بها، فقِيل
ذلك على المثل كما قيل في بقية الأشياء. وقد يُحْتَمَلُ أن يكون ذلك
لم يقل على المثَلِ وقِيلَ على أنَّه لو كان هناك، كان لا بُدَّ من
الوصول إليه، لأنَّ تلك الأشياء إنما تُرَادُ لِإِيمان العِبَاد بها، ولأخذهم
لها، ولعلمهم بها، ومن ذلك قولُ الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجنَّ
= عوف بن أبي جميلة العبدي.
ورواه أحمد ٢٩٦/٢-٢٩٧ و٤٢٠ و٤٢٢ و٤٦٩، وأبو نعيم في ((الحلية))
٦٤/٦، وفي ((تاريخ أصبهان)) ٤/١ من طرق عن عوف بهذا الإِسناد. وذكره الهيثمي
في ((المجمع)) ٦٤/١٠، وقال: رواه أحمد وفيه شهر، وثقه أحمد وفيه خلاف، وبقية
رجاله رجال الصحيح، وقال أيضاً: هو في ((الصحيح)) غير قوله: ((العلم)).
ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٧٣٠٩)، وأبو نعيم ٥/١ عن يحيى بن أبي
الحجاج، عن عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة.
ورواه أبو نعيم ٦/١ من طريق أحمد بن يوسف بن إسحاق المَنبجي، عن
سهل بن صالح الأنطاكي، عن أبي عامر العَقَدِي، عن مالك، عن عبد الله بن عبد
الرحمن بن معمر، عن جبير، عن أبي هريرة.
وله شاهد من حديث عائشة عند أبي نعيم ٨٧/١ رواه من طريق يعقوب بن
غيلان، عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم،
عن أبيه، عن عائشة.
- ٦٧ -

والإِنْسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فكان ذلك على أنه لو جُعِلَت
تلك الأشياء هناك، وكانت في أنفسها إِنّما أريدت لما قد ذكرنا، جعل
الله عز وجل لمن أرادها سبباً إلى الوصول إليها بلَطِيف حكمته، وكان
الذي ذكرهم من أبناء فارس(١) أشدَّهم طلباً لها، ومسارعةٌ إليها،
وتمسُّكاً بها، والله عز وجل نسأله التوفيق.
الله تعالى
(١) نقل المناوي في ((فيض القدير)) عن ياقوت صاحب ((معجم البلدان)) قوله:
العرب إذا ذكرت المشرق كله قالوا: فارس، فعنى في الحديث أهل خراسان، لأنك
إن طلبت مصداق الحديث في فارس، لم تجده لا أولاً ولا آخراً، وتجد هذه
الصفات نفسها في أهل خراسان، دخلوا في الإِسلام رغبةً، ومنهم العلماءُ والنبلاءُ
والمحدثون والمتعبدون، وإذا حررتَ المحدثينَ من كل بلد، وجدتَ نصفهم مِن
خراسان، وجُلّ رواة الرجال منها.
- ٦٨ -

٣٦٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ الجدول
من أمرِه بقطعِ المَخْزُومِيَّةِ التي كانت
تَسْتَعِيرُ الحُلِيَّ فتجحَدُهُ
٢٣٠١ - حدثنا عُبَيْدُ بنُ رجال، قال: حدثنا أحمدُ بن صالح،
قال: حدثنا عبدُ الرزَّاق، قال: حدثنا مَعْمَرٌ، عن الزهري، عن عُرْوَة
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت امرأةً مخزومِيَّة تستعيرُ
المتاعَ وَتَجْحَدُهُ، فأمَرَ النبيُّ وَّ بقطع يدِها، فأتى أهلُها أسامةَ بنَ زيد
فكلِّمُوه، فكلَّم أسامةُ رسولَ اللهِ وَّهِ، فقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((يا أسامةُ
لا أراكَ تكلِّمني في حدٍّ من حدودِ اللهِ عزَّ وجلَّ)) قال: ثم قام النبيُّ
** خطيباً فقال: ((إِنَّمَا أهلكَ مَنْ كانَ قبلَكُم أنَّهُ إِذا سَرَقَ فيهم
الشّريفُ، تَركوهُ، وإذا سَرَقَ فيهم الضَّعِيفُ، قطعُوه، والذِي نفسِي بيده
لو كانت فاطمة ابنة محمدٍ سرقت، لقطعتُ يدَها)» فقطعَ يدَ
المخزومِيَّة(١).
٢٣٠٢ - حدثنا عُبَيْد، قال: حدثنا أحمدُ، قال: حدثنا عبدُ
الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن أَيُوب، عن نافع
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، أحمد بن صالح مِن شرطه، ومَنْ فوقه
على شرطهما، وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٨٨٣٠).
- ٦٩ -

عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كانت مخزومِيَّةٌ تستعيرُ المتاعَ
وتَجْحَدُه، فأمر النبيُّ وََّ أنْ تُقْطَعَ يدُها (١).
قال لنا عُبيد: قال لنا أحمد: هذا مختلف فيه، وإنما هو عن نافع
عن صفية، وعن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها
٢٣٠٣ - وحدثنا مُصْعبُ بنُ إبراهيم بن(٢) حمزة الزُّبَيْري، قال:
حدثنا أبي، قال: حدثنا الدَّرَاوَرْدِي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن
مسلم، عن عَمه ابن شهاب، عن عُرْوَة
عن عائشة رضي الله عنها في شأن المرأة التي اسْتَعارَت الحُلِيَّ،
فقطع رسولُ الله و لم يدَها التي شفع فيها أسامة بن زيد إليه(٣).
٢٣٠٤ - وحدثنا مُصعب، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا
الدَّرَاوَرْدِي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم، عن عَمِّه، عن
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، وأورده فضيلة الشيخ المحدث حبيب
الرحمن الأعظمي رحمه الله في تعليقه على الحديث السابق، فقال: وقد زاد في
المرادية ((أي النسخة الخطية الموجودة في استنبول في كلية مراد ملا)) عقيبه حديثاً
وهو، فذكر هذا الحدیث بإسناده ومتنه.
ورواه من طريق عبد الرزاق، بهذا الإِسناد: أحمد ١٥١/٢، وأبو داود
(٤٣٩٥)، والنسائي ٧٠/٨.
(٢) تحرفت في الأصل إلى: ((عن)).
(٣) إسناده صحيح. إبراهيم بن حمزة: من رجال البخاري، والدراوردي
- واسمه عبد العزيزبن محمد -: من رجال مسلم، وحديثه في البخاري مقرون
وتعليق، ومَنْ فوقهما من رجال الشيخين.
- ٧٠ -

القاسم بن محمد
عن عائشة رضي الله عنها قالت: فنكحت تلك المرأة رجلاً (١) من
بني هاشم، وكانت عنده حَسَنَة التلبس تأتِينِي، فأرفعُ لها حاجتها إلى
رسول الله رَا﴾ (٢).
فقال قائل: فقد رويتُم هذا الحديثَ من هذه الوجوه الصحاح
عندكم، فكيف جاز لكم تركُها، وتركُ استعمالٍ ما فيها، ومخالفتها؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ هذه
الأحاديث في صحة مجيئها واستقامة أسانيدها كما ذَكَرَ، ولكنّها قد قصر
فيها عن ذكر السبب الذي به قطعَ رسولُ اللهِ وََّ يدَ المرأة المذكورَةِ
فيها من ما قد وجدناه مذكوراً في غيرها وهو لِسرقتها، فكان قطعُ رسول
الله ﴿ إِيَّها لذلك لا لما سِوَاه، وذكرت بما سواه إذ كان خلقاً من
أُخْلاقِها عُرفت به، وكان قطعُ يدها فيما سواه .
٢٣٠٥ - كما قد حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال:
أخبرني يونسُ، عن ابن شِهَاب أن عُرْوَة بن الزبير أخبره
عن عائشة زوج النبي ﴿﴿ أَنَّ امرأةً سرقت على عهدٍ رسول الله
وَّ في غزوة الفتح، فَأَتِيَ بها رسولَ الله ◌َ، فكلَّمه فيها أسامةُ بن
زيد، فلما كلمه فيها، تَلَّوَّن وجهُ رسول اللهِ وَّهِ فقال: ((أَتَشْفَعُ في حَدِّ
من حُدودِ اللهِ))؟! فقال أسامةُ: استغفِرْ لِي يا رسولَ الله، فلما كان
العَشِيُّ، قام رسولُ اللهِ وَ﴿ِ، فَأَثْنَى على الله بما هو أهلُه، ثمّ ذكر بَقِيَّةً
(١) في الأصل: ((رجل))، وهو خطأ.
(٢) إسناده صحيح كالذي قبله. وانظر البخاري (٢٦٤٨).
- ٧١ -

الحديث على مثل ما في حديث عُبيد الذي ذكرناه في هذا الباب(١).
٢٣٠٦ - وحدثنا يونس، قال: حدثنا شُعَيْب بنُ الليث بن سعد،
عن أبيه، عن ابن شِهَاب، عن عُرْوة ...
عن عائشة رضي الله عنها أنَّ قريشاً هَمَّهُم شأنُ المَخْزُومِيَّة التي
سَرَقَت، فقالوا: منْ يُكَلَّمُ فيها رسولَ الله وَ﴿؟. فقالوا: ومَنْ يَجْتَرِىءُ
عليه إلَّ أسامة بن زيدٍ، ثم ذكر مثل معناه(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. يونس الأول: هو ابن عبد الأعلى،
ويونس الثاني: هو ابن يزيد الأيلي.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. شعيب بن الليث: ثقة نبيل من رجال
مسلم، ومن فوقَه ثقات من رجال الشيخين.
ورواه ابن حبان (٤٤٠٢) من طريق يزيد بن مَوْهَبٍ، عن الليث بن سعد، بهذا
الإِسناد، وانظر تمام تخريجه فيه.
قال الحافظ العراقي في ((شرح الترمذي))، فيما نقله عنه صاحب ((الفتح))
٩٠/١٢: اختلف على الزهري، فقال الليث، ويونس، وإسماعيل بن أمية،
وإسحاق بن راشد: ((سَرَقَتْ))، وقال معمر وشعيب: ((إنها استعارت وجحدت)). قال:
ورواه سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن الزهري، فاختلف عليه سنداً ومتناً،
فرواه البخاري (٣٧٣٣) عن علي بن المديني، عن ابن عيينة، قال: ذهبتُ أسألُ
الزهري عن حديث المخزومية، فصاح بي، فقلتُ لسفيان: فَلَمْ تحمِلْهُ عن أحد؟
قال: وجدته في كتاب كان كتبه أيوب بن موسى، عن الزهري، وقال فيه: إنها
سرقت، وهكذا قال محمد بن منصور، عن ابن عيينة أنها سرقت، أخرجه النسائي
٧٢/٨ (٤٨٩٥) عنه، وعن رزق الله بن موسى (٤٨٩٦) عن سفيان كذلك، لكن
قال: أتي النبي بسارق، فقطعه فذكره مختصراً، ومثله لأبي يعلى، عن محمد بن
- ٧٢ -

= عباد، عن سفيان، وأخرجه أحمد ٤١/٦، عن سفيان كذلك، لكن في آخره قال
سفيان: لا أدري ما هو.
وأخرجه النسائي ٧٢/٨ أيضاً عن إسحاق بن راهويه، عن سفيان، عن الزهري
بلفظ: كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده الحديثَ، وقال في آخره: قيل
لسفيان: من ذكره؟ قال: أيوب بن موسى، فذكره بسنده المذكور.
وأخرجه من طريق ابن أبي زائدة، عن ابن عيينة، عن الزهري بغير واسطة وقال
فيه: سرقت، قال الحافظ العراقي: وابن عيينة لم يسمعه من الزهري، ولا ممن
سمعه من الزهري، إنما وجده في كتاب أيوب بن موسى، ولم يُصرح بسماعه من
أيوب بن موسى، ولهذا قال في رواية أحمد: لا أدري كيف هو كما تقدم.
وجزم جماعة بأن معمراً تفرَّد عن الزهري بقوله: ((استعارت وجحدت))، وليس
كذلك، بل تابعه شعيب عندَ النسائي ٧٣/٨، ويونس كما أخرجه أبو داود (٤٣٩٦)
من رواية أبي صالح كاتب الليث عن الليث عنه، وعلقه البخاري لليث عن يونس
(٢٦٤٨) لكن لم يسق لفظه كما نبهت عليه، وكذا ذكر البيهقي أن شبيب بن سعيد
رواه عن يونس، وكذلك رواه ابنُ أخي الزهري، عن الزهري.
أخرجه ابن أيمن في ((مصنفه)) عن إسماعيل القاضي بسنده إليه، وأخرج أصله
أبو عوانة في ((صحيحه)).
قال الحافظ: والذي اتّضح لي أن الحديثين محفوظان عن الزهري، وأنه كان
يُحَدِّث تارة بهذا، وتارة بهذا، فحدث يونس عنه بالحديثين، واقتصرت كلَّ طائفة من
أصحاب الزهري غير يونس على أحد الحديثين، فقد أخرج أبو داود (٤٣٩٥)،
والنسائي ٧٠/٨-٧١، وأبو عوانة في (صحيحه)) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن
عمر أنَّ امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ◌َير بقطع يدها.
وأخرجه النسائي ٧١/٨، وأبو عوانة أيضاً من وجه آخر عن عُبيد الله بن عمر،
عن نافع بلفظ: ((استعارت حلياً)).
#
- ٧٣ -

= وقد اختلف نظر العلماء في ذلك، فأخذ بظاهره أحمد في أشهر الروايتين عنه
وإسحاق، وانتصر له ابن حزم من الظاهرية .
وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع في جحد العارية، وهي رواية عن أحمد
أيضاً
:
.
قال القرطبي: يترجح أن يدها قطعت على السرقة، لا لأجل جحد العارية من
أوجه !.. ..
أحدها: قوله في آخر الحديث الذي ذكرت فيه العارية: ((لو أن فاطمة سرقت))
فإنَّ فيه دلالةٌ قاطعة على أنَّ المرأة قطعت في السرقة، إذ لو كان قطعها لأجل
الجحدِ، لكان ذكر السرقة لاغياً، ويقال: لو أن فاطمة جحدت العارية.
: ثانيها: لو كانت قطعت في جحد العارية، لوجب قطع كل من جحد شيئاً إذا
ثبت عليه ولو لم يكن بطريق العارية.
ثالثها: أنه عارض ذلك حديث: ((ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب
قطع))، وهو حديث قوي، وقد أجمعوا على العمل به إلا من شذٍّ، فنقل ابنُ المنذر
عن إياس بن معاوية أنه قال: المختلس يقطع، كأنه ألحقه بالسارق لاشتراكهما في
الأخذ خفيةً، ولكن خلاف ما صرح به في الخبر، وإلا ما ذكره من قطع جاحد
العارية، وأجمعوا على أنْ لا قطع على الخائن في غير ذلك، ولا على المنتهب إلا
إنْ كانَ قاطعَ طريق.
ونقل الحافظ عن ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) ١٣٢/٤-١٣٣ قوله: صنيع
صاحب ((العمدة)) حيث أورد الحديث بلفظ الليث، ثم قال: وفي لفظ فذكر لفظ
معمر، يقتضي أنها قصة واحدة، واختلف فيها: هل كانت سارقة أو جاحدة يعني،
لأنه أورد حديث عائشة باللفظ الذي أخرجناه من طريق الليث، ثم قال: وفي لفظ:
كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ولار بقطع يدها، وهذه رواية معمر في
مسلم فقط، قال: وعلى هذا فالحجةُ في هذا الخبر في قطع المستعير ضعيفةٌ، لأنه =
- ٧٤ -

فعقلنا بذلك أنَّ قطعَ رسولِ اللهِ وَّرَ كان تلك المرأة إِنَّما كان
لِسرقتها لا لِمَا سِوَى ذُلك مما ذكرنا في هذه الأحاديث، والله سبحانه
وتعالى نسألُه التوفيقَ، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
وسلم(١).
UP
= اختلاف في واقعة واحدة، فلا يُبت الحكمُ فيه بترجيح مَنْ روى أنها جاحدة على
الرواية الأخرى يعني وكذا عكسه، فيصح أنَّها قُطعت بسبب الأمرين، والقطع في
السرقة متفق عليه، فيترجّح على القطع في الجحد المختلف فيه.
(١) وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء أن القصة لامرأة واحدة استعارت
وجحدت وسرقت، فقطعت للسرقة لا للعارية، قال: وبذلك نقول ..
وقال الخطابي في ((معالم السنن)) ٣٠٩/٣ بعد أن حكى ابن المنذر خلاف
العلماء في هذه المسألة: وإنما ذكرت العارية والجحد في هذه القصة تعريفاً لها
بخاص صنعتها، إذ كانت كثيرة الاستعارة حتى عُرفت بذلك كما عرفت بأنها
مخزومية، إلا أنها لما استمر بها هذا الصنع، ترقّت إلى السرقة وتجرأت حيث سرقت،
فأمر النبيُّ رَّ بقطعها.
- ٧٥ -

٣٦٩ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِصَ لّ في
الرجلين اللَّذين كانا هاجرا إليه فاستُشهِدَ أَحدُهُما،
وعاشَ الآخرُ بعدَهُ سنةٌ، ثم تُوُنِّي، فَفَضَّلَ
صاحبه المستشهد قبله
٢٣٠٧ - حدثنا محمد بنُ عَمروبن تمام، قال: حدثنا سليمانُ بنُ
أَيُّوب بن [سليمان بن] عيسى بن موسى بن طلحة بن عُبَيْد الله، قال:
حدثني أبي، عن جَدِّي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه.
وحدثنا حسينُ بن نصر، قال: سمعتُ يزيد بن هارون، قال:
أخبرنا محمد بن عَمرو، عن أبي سلمة
عن طلحة بن عُبَيْد الله رضي الله عنه أنَّ رجلين من بَلِيّ (١) - وهو
حيٌّ من قُضاعة - قُتِلَ أَحَدُهُما في سبيلِ الله عز وجل، وأَخَّر الآخرُ
بعدَه سنةً، ثمَّ مات. قال طلحة: فرأيتُ في المنامِ الجنَّةَ فُتِحَت،
فرأيتُ الآخرَ من الرجلين دخلَ الجنَّة قبل الأوَّل، فتعجبتُ، فلما
أصبحتُ، ذكرتُ ذلك، فبلغتْ رسول الله وَ﴾، فقال رسول الله مَّ:
((أَلَيْس قد صامَ رمضانَ بعدَه وصلَّى بعدَه سنةً ألفَ ركعةٍ وكذا وكذا
(١) بلي بفتح الباء، وقد ضمت الباء في ((صحيح ابن حبان)) (٢٩٨٢) وهو خطأ
مطبعي .
- ٧٦ -

ركعةٌ لصلاةِ سنتِهِ))(١).
٢٣٠٨ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا سعيدُ بنُ عامرٍ،
قال: حدثنا محمدُ بن عَمْرو، عن أبي سَلَمَة، قال: أُسلَّمَ رجلان من
بَلِيّ على عهد رسول اللهِ وَّه، ثم ذكر مثلَه(٢).
٢٣٠٩ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمان، قال: حدثنا عبدُ الله بن وَهْب،
قال: أنبأنا ابن لَهِيعَة ويحيى بن أَيُّوب وحَيْوَة بن شُرَيْح، عن يزيد بنِ
عبدِ الله بن الهَاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن
عن طلحة بن عبيد الله أنَّ رجلين من بَلِيٍّ قَدِمَا على رسول الله
(١) السند الأول ضعيف. سليمان بن أيوب الطلحي: قال الذهبي في
(«الميزان)»: صاحب مناكير، وقد وثق، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه لا يتابع عليها،
وأبوه أيوب بن سليمان: لم يرو عنه غير ابنه، وسليمان بن عيسى: لم يوثقه غير ابن
حبان ٣٩٤/٦.
'S
والسند الثاني حسن إلَّ أنَّه أعل بأن أبا سلمة لم يسمع من طلحة شيئاً.
ورواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦٤٨) عن يحيى بن أيوب، عن إسماعيل بن
جعفر، عن محمد بن عمرو، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد بن منيع فيما ذكره البوصيري في ((الزوائد)) ورقة ٢٤٣ من طريق
يزيد بن هارون بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو سلمة لم يدرك القصة قطعاً.
ورواه أحمد ١٦١/١-١٦٢ عن محمد بن عبيد، عن محمد بن إسحاق، عن
محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة.
- ٧٧ -

وَ لّ، فكان إسلامهما جميعاً، وكان أحدُهما أَشَدَّ اجتهاداً من الآخر،
فغزا المجتهدُ منهما، فاستشهد، ومكثَ الآخرُ بعدَه سنةً ثمَّ تُوقِّي، فقال
طلحة: بينا أنا عندَ باب الجنَّة إذا أَنَا بهما، فخرجَ خارجٌ من الجنَّة
فأذِنَ للذي توفي الآخر منهما، ثمَّ خرج، فأذِنَ للذي استُشْهِدَ، ثمَّ رجعَ
إليَّ فقال: ارجِعْ فإنه لم يُؤْذِن لكَ. فأصبحَ طلحةُ يحدِّثُ به الناسَ،
فَعَجِبُوا لذلك، فبلَغَ رسول الله ◌َ، وَحدَّثوه الحديثَ. فقال: ((مِنْ أَيِّ
ذلك تعجبُون))؟ فقالوا: يا رسول الله هذا كان أشدَّ الرجلين اجتهاداً،
ثُمَّ استشهد في سبيل الله عز وجل، ودخل هذا الآخرُ الجنَّةَ قبلَهُ؟!
قال. ((أليسَ قد مكثَ بعدَهُ سنةً))؟ قالوا: بَلَى. قال: ((وأُدْرَكَ شهرَ
رمضانَ فصامَهُ))؟ قالوا: بلى. قال: ((وصلَّى كذا وكذا سجدة في
السَّنَةِ))؟ قالوا: بلى. قال رسول اللهِ وَ له: ((فَلَمَا بينهما أبعدُ مِمَّا بينَ
السَّماءِ والأرضِ))(١).
١
نيوم
(١) حديث صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح غير ابن لهيعة، فقد روى له
مسلم مقروناً وهو متابع، نقل المزي في ((تحفة الأشراف)) ٢٢١/٤ عن علي بن
المديني وابن معين أن أبا سلمة لم يسمع من طلحة بن عبيد الله شيئاً، قال المحدث
أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على ((المسند)) (١٤٠٣): وأنا أرى أن الجزم بعدم
سماعه من طلحة لا دليل عليه، فإن طلحة قُتِلَ يومَ الجمل سنة (٣٦) وكان سن
أبي سلمة إذ ذاك (١٤) سنة، لأنه مات سنة (٩٤) عن (٧٢) عاماً على الصحيح
الذي رجحه ابنُ سعد، بل لعلَّه كان أكبر سناً من ذلك، ففي ابن سعد ١٥٥/٥ :
أنَّ سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية لَمَّا وَلِيَ المدينة لمعاوية بن أبي
سفيان في المرة الأولى استقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف على المدينة،
فلما عُزِلَ سعيد بن العاص، وولي مروان المدينة المرة الثانية، عزل أبا سلمة بن عبد =
- ٧٨ -

= الرحمن عن القضاء، وولَّى القضاء وشرطه أخاه مصعب بن عبد الرحمن بن عوف،
وولاية سعيد بن العاص الأولى على المدينة كانت في شهر ربيع الآخر سنة (٤٩)
وعزله وولاية مروان الثانية كانت سنة (٥٤) كما في ((تاريخ الطبري)) ١٣٠/٦-١٦٤،
وقد نص الطبري أيضاً على استقضاء سعيد أبا سلمة في سنة (٤٩)، فكانت سن
أبي سلمة حين مقتل طلحة سنة (٣٦) أربعة عشر عاماً أو أكثر، وكانا مقيمين
بالمدينة، فأنّى لأحدٍ أن يدَّعي أنه لم يسمع منه!
ورواه أحمد ١٦٣/١ من طريق بكر بن مضر، وابن ماجه (٣٩٢٥) من طريق
الليث بن سعد، وابن حبان (٢٩٨٢) من طريق عبد العزيزبن محمد، وابن أبي
حازم، والبيهقي ٣٧١/٣-٣٧٢ من طريق ابن لهيعة، ويحيى بن أيوب، وحيوة بن
شريح، سبعتُهم عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، بهذا الإِسناد.
وزاد البوصيري في ((الزوائد)» نسبته إلى مسدد، ومحمد بن أبي يحيى بن أبي
عمر في ((مسنديهما)) من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، به.
وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد ٣٣٢/٢، وحسَّن الهيثمي إسناده في
«مجمع الزوائد)) ١٢٤/١٠.
وعن سعد بن أبي وقاص رواه أحمد ١٧٧/١ عن هارون بن معروف، حدثنا
عبد الله بن وهب، حدثني مخرمة، عن أبيه، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال:
سمعتُ سعداً وناساً من أصحاب رسول الله وَّ يقولون: كان رجلان أخوان في عهد
رسول الله وَلّ، وكان أحدُهما أفضلَ من الآخر، فتوفي الذي هو أفضلُهما، ثم عُمِّرَ
الآخر بعده أربعين ليلةً ثم توفي، فذُكر لرسول الله وَّه فضلُ الأول على الآخر،
فقال: ألم يكُن يُصلي، فقالوا: بلى يا رسول الله، فكان لا بأس به، فقال: ((ما
يُدريكم ماذا بلغت به صلاته)) ثم قال عند ذلك: ((إنَّما مثلُ الصلاة كمثلِ نهرٍ جارٍ
باب رجلٍ غَمْرٍ عَذْبٍ يقتحم فيه كل يومٍ خمس مرات، فما ترون يُبْقي ذلك من
دَرَنِهِ)). وصحَّحه ابن خزيمة (٣١٠) من طريق ابن وهب، به.
- ٧٩ -

٢٣١٠ - حدثنا يزيدُ بنُ سِنَان ومحمد بن خُزَيْمة وفهد بن سليمان،
قالوا: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: حدثني اللَّيْث، قال: حدثني
ابن الهَاد، ثم ذكر بإسناده مثلَه(١).
٢٣١١ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا وَهْبُ بنُ جرير،
قال: حدثنا شُعْبة، عن عَمْروبن مُرَّة، عن عمروبن ميمون، عن عبد
الله بن ربيعة
عن عُبيد بن خالد أن النبي ﴿ آخى بين رجلين، فَقُتِلَ أحدُهما
في سبيل الله، ثم مات الآخر، فصلَّوا عليه، فقال رسولُ الله ◌َّت: ((ما
قلتُم))؟ قالوا: دَعَوْنا الله عز وجل أن يَغْفِرَ له ويرحمَهُ، ويُلْحِقَهُ بصاحبه.
فقال رسول اللّهِ وَلِ﴾: ((فأين صلاتُه بعدَ صلاتِهِ، وعملُه بعد عمله،
= ورواه مالك في ((الموطأ)) ١٧٤/١ بلاغاً عن عامربن سعد، عن أبيه.
قال ابن عبد البر فيما نقله عنه السيوطي في ((تنوير الحوالك)) ١٨٧/١-١٨٨:
لا تُحفظ قصة الأخوين من حديث سعد بن أبي وقاص إلا في مُرسلِ مالك هذا،
قال: وقد أنكره البزار، وقطعَ بأنه لا يوجد من حديث سعد البتةَ، وما كان ينبغي له
أن ينكره، لأنَّ مراسيل مالك أصولهما صحاح كلها، وجائز أن يروي هذا الحديث
سعدٌ وغيره، وقد رواه ابنُ وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عامر بن سعد،
عن أبيه مثل حديث مالك سواء، وأظن أنَّ مالكاً أخذه من كتب بكير بن الأشج،
أو أخبر به عنه مخرمة ابنه، فإنَّ ابن وهب انفرد به لم يروِه أحدٌ غيره فيما قالَه جماعةٌ
من أهل الحديث، وتحفظ قصة الأخوين من حديث طلحة بن عبد الله، وأبي هريرة،
وعبید بن خالد.
قلت: وحديث عبيد بن خالد سيذكره المؤلف بعد حديث.
(١) هو مكرر ما قبله.
- ٨٠ -