النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٠٣٩ - حدثنا إبراهيم بنُ أبي داود، قال: حدثنا خلف بنُ هشام
البَزَّار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد، عن أبيه، عن خارجة بن
زید
عن أبيه، قال: أمرني رسولُ اللهَ وَِّ أنْ أتعلَّمَ له كتابَ يهود، فَمَا
مَرَّ بي نصفُ شهرِ حتَّى تعلمتُ. وقال رسولُ اللهِ وَالَ: ((إنِّي ما آمنُ
يهود على كِتَابي)) فلما تعلمتُ له، كنتُ أكتبُ إلى يهود إذا كتبَ إليهم،
وإذا كتبُوا إليه قرأتُ له كِتابَهم(١).
قال أبو جعفر: فتأمَّلنا هذا الحديث، فَوَجَدْنا ما كان يَرد على رسُولِ
الله ◌َلّ من كُتب يهود بالسريانية، إنَّما كان يقرؤه له اليهود الذين كانوا
يحضرونه، وهم غيرُ مأمونين عَلى كِثْمَانِه بعض ما فيه، وغيرُ مأمونين
على تحريفِ ما فيه إلى ما يُريدون، وكان ما ينفذ من كُتبه إلى اليهود
جواباً لكُتُبُهم إليه بالعربية، فتحتاج اليهودُ الواردة عليهم إلى مَنْ يُحْسِنُ
العربِيّة ليقرأه عليهم، إذ كانوا لا يُحْسِنُونَ العربيةَ فلعلُّهُ أن يحرف ما
في كتبه إليهم إلى ما يريد، لا سيَّما إن كان من عَبَدَةِ الأوثان الذين
(١) حديث صحيح لغيره، عبد الرحمن بن أبي الزناد مختلف فيه، وهو حسن
الحديث، وما قبله يشهد له ويقويه، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح.
ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٥٨/٢-٣٥٩، وأحمد ١٨٦/٥، والبخاري في
(تاريخه)) ٣٨٠/٣-٣٨١، وأبو داود (٣٦٤٥)، والترمذي (٢٧١٥)، والطبراني
(٤٨٥٦) و(٤٨٥٧) من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، بهذا الإسناد. وقال
الترمذي: حديث حسن صحيح. وعلقه البخاري في ((صحيحه)) (٧١٩٥) بصيغة
الجزم .
- ٢٨١ -

في قُلوبهم على رسولِ اللهِ نَّ مَا لا خفاءَ به وفي قلوبهم على أهل
الكتاب ما فيها، فأمرَ رسولُ الله وَله زيداً أنْ يتعلَّم له السريانية ليقرأ
كُتُبُهم إذا وردتْ عليه قراءة، فَيَأْمَنُ بها كِتمان ما فيها، ويأمنُ بها
تحريف ما فيها، ويكون كتابه ◌َ ﴿ إذا وردَ على اليهودِ ورد عليهم كتاب
يقرؤه عامَّتُهُم يأمن فيه من كتمان بعض ما فيه ومن تحريفٍ ما فيه إلى
غير ما كُتِبَ به، فهذا وجه هذا الحديث عندنا. والله عز وجل نسأله
التوفيق .
=
لله
الله تعالى
C
- ٢٨٢ -

٣٢٦ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ نَّ ه من
قوله: ((لولا الهجرةُ لكنتُ امرءاً من الأنصارِ))
٢٠٤٠ - حدثنا المُزَنِي، قال: حدثنا الشافعي، قال: حدثنا
الدَّرَاوَرْدِي، عن محمد بن عمروبن علقمة، عن أبي سلمة
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِنَّهِ قال: ((لَوْلاَ الهجرةُ
لكنتُ امرءاً مِنَ الأَنْصَارِ، ولَوْ أَنَّ النَّاسَ يَسْلُكُونَ وادِياً أو شِعْباً، لسلكتُ
وادِيَ الأنصارِ أو شِعْبَهُم))(١).
فتأمَّلْنا هذا الحديث، فوجدنا النُّصرة سُمِّ أهلُها بها لاستحقاقهم
إِيَّاها بنَصْرِهم الله ورسوله، وبقتالهم عن الدِّين الذي قاتَلُوا عليه حتى
بَلْغُوا منه ما بَلِغُوا، وكانت الهجرةُ التي كانت قبل ذلك استحقَّها أهلُها
بمثل ذلك وبهجرتهم دارَهم التي كانوا من أهلِها لله عز وجل ولرسولهِ
وَلجر إلى الدَّار التي اختارها الله عز وجل لرسوله وَيُ ولهم، فجعلها
(١) إسناده حسن. الدراوردي: هو عبد العزيز بن محمد. وهو في ((السنن
المأثورة)) (٤٤٩).
ورواه أحمد ٥٠١/٢، وابن أبي شيبة ١٥٧/١٢، والبغوي (٣٩٧٠) من طريقين
عن محمد بن عمرو، بهذا الإِسناد.
ورواه ابن حبان (٧٢٦٩) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه،
عن أبي هريرة. وانظر تمام تخريجه فيه.
- ٢٨٣ -

لرسوله وَلل موطناً ولهم منازلَ، وكان رسولُ الله وَِّ أوْلى الفريقين
بالسَّببين جميعاً وأَعْلَاهُمْ فيها منزلةً، وكان مع ذلك نَّهِ يُخَيِّرُ مَنْ
جمعهما معه بينهما ليختار إحداهما فيجعله من أَهْلِها ويكتفي بها من
الأخرى، ولو لم يكن ذلك منه وَّ إلا والمخَّر منهما فيه المعنى الذي
يستحقُّ به أنْ يكون من أهلِ كلُّ واحدٍ منهما، فَمِن ذلك ما كان منه
في حُذيفة بن اليَمَان.
٢٠٤١ - كما حدثنا محمد بنُ إبراهيم بن يحيى بن جناد
البغدادي، قال: حدثنا مُسلم بن إبراهيم الأزْدِي، قال: حدثنا حمّاد بن
سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب
عن حُذيفة بن اليمان، قال: خَيَّرَنِي رسولُ اللهِ وَلِ بين الهجرة
X
والنُّصْرة، فاخترتُ النصرةَ(١).
قال أبو جعفر: وكان رسولُ الله ◌َ ل لو اختار لنفسه النصرة وترك
الهجرة صار الناسُ جميعاً أنصاراً، ولم يَبْقَ أحدٌ منهم مُهاجراً، فلم
يجعل نفسه من الأنصار، لتبقى الهجرةُ، ولتبقى النصرةُ جميعاً.
ومثل ذلك ما قد رُويَ عن النَّوَّاس بن سَمْعان:
(١) إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد - وهو ابن جدعان -.
ورواه البزار (٢٧١٨) عن محمد بن معمر، والطبراني (٣٠١١) عن أحمد بن
محمد الخزاعي الأصبهاني، كلاهما عن مسلم بن إبراهيم، بهذا الإِسناد.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٢٦/٩ بعد أن نسبه إلى البزار والطبراني: رجاله
رجال الصحيح، غير علي بن زيد وهو حسن الحديث!
- ٢٨٤ -

٢٠٤٢ - كما حدثنا فهد بنُ سُليمان، قال: حدثنا عبد الله بن
صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبَيْربن نُفير
[عن أبيه]
عن نَوَّاس بن سَمْعان، قال: أقمتُ مع رسولِ اللهِمَّ بالمدينة
سنةً ما يَمنَعُني من الهجرةِ إلَّ المسألةُ، فإنَّ أحدَنا كان إذا هاجر لم
يَسأَلْ رسولَ اللهِ وَ ◌ّر عن شيءٍ(١).
وفي ذلك ما قد دلَّ أنه قد كان يستحقُّ الهجرة، وفي ذلك ما
قد دلَّ أنه اختار النصرة على الهجرة، وكذلك نَسَبَهُ جُبَيْربن نُفَيْر في
هذا الحديث.
٢٠٤٣ - كما حدثنا نصر بن مرزوق وفهد جميعاً، قالا: حدثنا عبد
الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح أنّ عبد الرحمن بن جُبَيْر
حدثه عن أبيه، عن نَوَّس بن سَمْعَان الأنصاري، عن رسول اللهِ وَله
أَنَّه قال: ((ضَرَبَ الله مثلاً صراطاً مستقيماً)) ثم ذكر بقية الحديث(٢).
قال أبو جعفر: والنَّوَّاس فإنما هو رجلٌ من بني كِلاب ودخل في
الأنصار بالنصرة، وكذلك حُذيفة هو رجل من بني عَبس ودخل في
الأنصار بالنصرة، فثبت بما ذكرنا أنَّ في مَن يُعدُّ مِن الأنصار مَنْ ليس
مِن الأوس ولا من الخزرج. والله عز وجل نسأله التوفيق.
(١) حديث صحيح، وسيرد عند المؤلف برقم (٢١٣٨)، فانظر تخريجه هناك.
(٢) حديث صحيح، وسيرد عند المؤلف أيضاً برقم (٢١٤١).
- ٢٨٥ -

٣٢٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَليه
فيما كان من تشكِّي امرأة صفوان بن المعطل
صفواناً إلى رسولِ الله وَّ أنَّه يضربُها إذا
صلَّت ويفطِّرُها إذا صامت وينامُ
حتى تطلُعَ الشمس
٢٠٤٤ - حدثنا فهد بن سليمان، قال: حدثنا عُثمان بن أبي شَيْبَة،
قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: جاءت امرأة
صفوان بن المعطّل إلى رسولِ اللهِ وَ﴿ فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ
صفوانَ بنَ المعطل يضربُنِي إذا صلَّيْتُ، ويُفُطِّرُني إذا صُمْت، ولا يُصَلِّي
صلاةَ الفجر حتى تطلعَ الشَّمسُ - وصفوان عنده - قال: فقال صفوانُ:
يا رسولَ الله، أمَّا قولُها: يضربُني إذا صلَّيتُ، فإنها تقومُ بسورتي التي
أقرأُ بها فتقرأ بها. فقال رسولُ الله ◌َّهِ: «لو كانت سورةً واحدةً لَكَفَتِ
الناسَ)). وأما قولُها: يفطّرني إذا صمتُ، فإنها تنطلق فتصومُ، وأنا رجلٌ
شابٌّ. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ يومئذٍ: ((لا تصومَنَّ امرأةٌ إلَّ بإذْنِ زوجِها)).
وأما قولُها: لا أُصلِّي حتى تطلُعَ الشمسُ، فإنَّا أهلَ بيتٍ قد عُرِفَ لنا
ذاك، لا نستيقظُ حتَّى تطلُعَ الشمسُ. فقال رسولُ اللهِ وَلِه: ((إِذا
- ٢٨٦ -

اسْتَيْقَظْتَ فِصَلٍّ))(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا ما في هذا الحديث من تَشَكِّي امرأة صفوان
صفوانَ (٢) أنه يضربها إذا صلَّت، وإخبار صفوان رسولَ الله وَلَّ أنه إنما
يفعلُ ذُلك بها لأنَّها تقوم بسُورِتِهِ التي يقرأ بها، وقولُ رسولِ الله ◌ِّهـ
له في ذلك: ((لو كانت سورةً واحدةً لَكَفَتِ الناسَ)) فوجدنا ذلك محتملاً
أن يكون ظن أنَّها إذا قرأت سورته التي يقومُ بها أنه لا يحصلُ لهما
(١) إسناده صحيح على شرطهما. أبو صالح: هو ذكوان السمان.
ورواه ابن حبان (١٤٨٨) من طريق أبي خيثمة، عن جرير، بهذا الإِسناد. وانظر
تمام تخريجه فيه .
قلت: يستشكل قوله فيه: وأنا رجل شاب لا أصبر، كما قال الحافظ في
((الإصابة)) في ترجمة صفوان، فإن عائشة رضي الله عنها قالت في حديث الإفك
المتفق على صحته: إن صفوان قال: والله ما كشفت كنف أنثى قط، وقد أورد هذا
الإِشكال قديماً البخاري ومال إلى تضعيف حديث أبي سعيد بذلك.
قال الحافظ: ويمكن أن يجاب بأنه تزوج بعد ذلك.
قلت: سبقه إليه ابن القيم في (تهذيب السنن ٣٣٦/٣ فأجاب بمثله. وقال
صاحب (بذل المجهود) ٣٤٣/١١. ويمكن أن يجاب عنه بأن معنى ما كشفت كنف
أنثى قط بالحرام.
وقال الذهبي في ((السير)) ٥٥٠/٢ بعد أن أورد من الحديث قوله: إن صفوان
شكته زوجته أنه ينام حتى تطلع الشمس، إلى قوله: إنَّا أهل بيت معروفون بذلك:
فهذا بعيد من حال صفوان أن يكون كذلك، وقد جعله النبي ◌َّل على ساقة الجيش،
فلعله آخر باسمه .
(٢) في الأصل: صفواناً، وهو خطأ.
- ٢٨٧ -

بقراءتهما إيَّاها جميعاً إلاّ ثواباً واحداً، مُلتمساً أن تكون تقرأ غير ما
يقرأ فيحصلُ لهما ثوابان، فأَعلمه رسولُ الله ◌ََّ أن ذلك يحصل لهما
به ثوابان، لأنَّ قراءة كلِّ واحدٍ منهما إيّاها غيرُ قراءة الآخر إياها.
وتأمَّلنا قولها له بَّهِ: إنَّه يَمنعني من الصيام، وما اعتذر به صفوانُ
له عند ذلك، ونهيه وََّ أنْ تصومَ امرأةٌ إلَّ بإذْنِ زوجها. فعقلنا بذلك
أنه إنما كان لمنعها إياه من نفسِها بصومها، ودلَّ ذلك أنه إذا كان لا
حاجة به إليها لغيبته عنها أو بما سوى ذلك مما يقطعه عنها، أنه لا
بأسَ عليها أن تصومَ وإن لم يأذن لها في ذلك، وقد وجدنا هذا المعنى
مكشوفاً في حديثٍ آخرٍ.
٢٠٤٥ - وهُو ما قد حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حدثنا أبو حُذَيْفة، قال:
حدثنا سُفيان، عن أبي الزِّنَاد، عن مُوسى بن أبي عُثمان، عن أبيه
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تصومُ
امرأةٌ، وزوجُها شَاهِدُ، إِلَّ بِإِذْنِهِ))(١).
فتأملنا مع ذلك مُوسى بن أبي عُثمان هذا مَنْ هو؟ ومَنْ أبوه الذي
حدَّث بهذا الحديث عنه؟ فوجدنا البخاري(٢) قد ذكر أنه يُعرف بالُّبَّان
وأنه مولى للمغيرة بن شُعبة. فعرفنا بذلك مَنْ هو.
٢٠٤٦ - وما قد حدثنا أحمد بن شُعَيْب، قال: حدثنا محمد بن
(١) إسناده قوي. ورواه ابن حبان (٣٥٧٣) من طريق حامد بن يحيى البلخي،
عن سفيان، بهذا الإِسناد. وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) انظر ((التاريخ الكبير)) له ٢٩٠/٧.
- ٢٨٨ -

بَشَّار، قال: حدثنا يحيى وعبدُ الرحمن، قالا: حدثنا سفيان، عن أبي
الزُّنَاد، عن مُوسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة رضيَ الله
عنه، عن رسُولِ اللهِ وَلَ مثله(١).
٢٠٤٧ - وما قد حدثنا أحمد، قال: حدثنا محمد بن علي - يعني
ابن ميمون الرَّقِّي - قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا شعيب - يعني
ابنَ أبي حمزة - عن أبي الزِّنَّاد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة رضي
الله عنه، عن رسُولِ اللهِ وَلَ مثله(٢).
قال: فدلَّ هذا الحديث على أنَّ النهي لها عن الصِّيام إنما كان
عند حاجةٍ زوجها إليها لما يمنع منه الصيامُ، لا لِمَا سِوَى ذلك.
وتأملنا قولَ النبيِّ نَّهِ: ((إذا استَيْقَظْتَ فصلٍّ)) فوجدنا ذلك محتملاً
أن يكون على الصَّلاةِ عند استيقاظِهِ من النوم، وإنْ كانت الشمسُ لم
ترتفع، فإن كان ذلك كذلك كان هذا حُجّة لمن يقول: إنَّه جائز للرجل
أنْ يصلِّي المكتوبة من الصَّلواتِ عند ذلك.
غير أنَّا قد وجدنا رسولَ الله وَّهِ لمَّا نام هو وأصحابُه حتى طلعتِ
(١) إسناده قوي. سفيان: هو الثوري. وهو في ((السنن الكبرى)) للنسائي كما
في ((تحفة الأشراف)) ٧٨/١٠. وانظر ما قبله.
(٢) إسناده قوي. وهو في ((السنن الكبرى)) كما في ((التحفة)) ١٧٤/١٠.
ورواه البخاري (٥١٩٥)، ومن طريقه البغوي (١٦٩٥) عن أبي اليمان، بهذا
الإسناد.
ورواه أحمد ٢٤٥/٢ و٤٦٤، والدارمي ١٢/٢، والترمذي (٧٨٢)، وابن ماجه
(١٧٦١) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، به.
- ٢٨٩ -

الشمسُ لم يُصلِّ الصبحَ عند ذلك حتى خرج من ذلك الوقت إلى
انتشار الشمس وبياضِها. وسنذكرُ ذلك فيما بعدُ من كتابنا هذا إن شاء
الله .
وكان معقولاً مِن قوله ◌ِّهِ: ((فإِذا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ)) أي فصلِّ كما
تحب أنْ تُصلِّي في الأوقات التي تُصلِّي فيها، لا فيما سواها. أَلَا تَرَى
أنه لم يُطلق له أن يصلّي كما يستيقظ بغير وضوء، ولا وهو مكشوف
العَوْرة، وإنما أطلق له أن يُصلِّي كما ينبغي أن يصلي عليه من الأحوالِ
التي يُصلِّي عليها، من الطهارةِ، وسترِ العورةِ، واستقبالِ القبلة، وفي
الأوقات المطلق له أنْ يُصلِّ فيها لا في الأوقات المحظور عليه أن
يُصلِّي فيها، وخطأبُه وَ لَ بذلك فكان لصفوان وهو رجلٌ من أصحابه
ففيه تعلُّم هذه الأشياء، وعَسَاه قد كان معه في سفره الذي نام فيه
عن الصَّلاةِ حتَّى طَلَعت الشمسُ، فَعَلِمَ ما كان منه وَِّ عند ذلك
واكتفى بذلك رسول الله وَل﴿ عن إعادته عليه. والله نسأله التوفيق.
- ٢٩٠ -

٣٢٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ﴾.
من(١) سُؤال العبد ربَّه أنْ يُعذِّبَهُ
في الدُّنيا بما يُعَذِّبَهُ في الآخرةِ
٢٠٤٨ - حدثنا أبو أُمَيَّة، قال: حدثنا محمد بنُ عبد الله
الأنصاريُّ، قال: حدثنا حُميد، عن ثابت البُنَانِي
عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: رأى النبيُّ نَّ رِجُلاً قد صارَ مثل
الفَرْخ، فقال: ((هل كُنْتَ تَدْعُو اللّه بشيءٍ، أو تسألُه إِيَّاه))؟ فقال: يا
رسولَ الله، كنتُ أقولُ: اللهم ما كنتِ مُعَاقِبِي به في الآخرة، فَعَجِّلْه
لي في الدُّنيا. فقال: ((سُبحانَ الله، لا تَستطيعُهُ ولا تُطِيقُه، فهلا قلتَ:
ربََّا آتِنا في الدُّنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنَا عَذَابَ النَّار)(٢).
٢٠٤٩ - حدثنا محمد بن خُزَيْمة، قال: حدثنا عُبَيْد الله بن محمد
التَّيْمِي، قال: حدثنا حمَّاد، عن ثابت، عن أنس ، عن رسولِ الله
وَلّ بهذا الحديث(٣).
(١) في هامش الأصل: ((في نسخة: في)).
(٢) إسناده صحيح على شرطهما. ورواه ابن حبان (٩٣٦) و(٩٤١) من طريقين
عن حميد، بهذا الإِسناد. وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح، غيرَ عبيد الله بن محمد =
- ٢٩١ -

فقال قائلٌ: كيف تقبلون هذا عن رسولِ الله وَّل وأنتم قد رَوَيْتُم
عنه :
٢٠٥٠ - فذكر ما قد حدثنا يُونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال:
أخبرني ابنُ لَهِيعَة وعمروبن الحارث، عن يزيد بن أبي حَبِيب، عن
سِنَان بن سَعد الكِنْدِي
عن أنس بن مالك، عن رسُولِ الله وَ﴿ أنه قال: ((إِذا أَرادَ الله
بِعَبْدِهِ خيراً، عَجَّلَ له العُقُوبَةَ فِي الدُّنيا، وإذا أرادَ الله بعبْدِهِ شَرّاً، أَمْسَكَ
عنه بِذَنْبِهِ، حتَّى يُوَفِّيَه يومَ القيامةِ))(١).
قال هذا القائل: فإذا كان الأمرُ على ما في هذا الحديث فِلِمَ لَحِقَ
اللَّوْمُ مَنْ سأل ربَّهِ أنْ يُعجِّل له العقوبة في الدنيا ليَسْلَم منها في
الآخرة .
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ الذي ذكرَ
=التيمي فقد روى له أصحاب السنن غيرَ ابن ماجه. حماد: هو ابن سلمة.
ورواه أحمد ٢٨٨/٣، ومسلم (٢٦٨٨) (٢٤) عن عفان بن مسلم، عن حماد،
بهذا الإسناد. وانظر ما قبله.
(١) إسناده حسن.
ورواه الترمذي (٢٣٩٦)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص١٥٤ عن
قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، بهذا الإسناد. غير
أنه قال فيه: سعد بن سنان. وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
:
وفي الباب عن عبد الله بن المغفل عند ابن حبان (٢٩١١).
- ٢٩٢ -

من الحديثِ الثاني كما ذكر، والذي في الحديث الأول غيرُ مُخالف
لذلك، غير أنَّ رسولَ اللهِ﴾َ اخْتَار لُأُمَّته إشفاقاً عليهم، ورحمةً لهم،
ورأفةً بهم أنْ يَدْعُوا الله عز وجل بالمُعافاة في الدُّنيا مِمَّا مثل ذلك
الرجل فيه، وأنْ يوتيهم في الآخرة ما يُؤْمِّنُهم من عذاب الآخرة، وهذه
الحال فهي أُعلَى الأحوالِ كلها. فبَانَ بحمد اللهِ أن لا تضادًّ في شيءٍ
من هذه الآثار ولا اختلاف، واللّه عز وجل نسألُه التوفيق.
الله تعالى
- ٢٩٣ -

٣٢٩ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله ◌ِ له
من قوله: ((خيرُ الناسِ مؤمنٌ بين كَرِيمَيْنِ))
٢٠٥١ - حدثنا أحمد بنُ عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمِّي
عبد الله بنُ وهبٍ، قال: أخبرني إبراهيم بن سعد الزُّهْرِي، عن
الزُّهري، قال: أخبرني عبد الملك [بن أبي بكر] بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام، عن أبيه، قال:
أخبرني رجلٌ من أصحاب النبيِّ بََّ، عن رسولِ اللهِ وَّل قال:
(وشِكُ أنْ يَغْلِبَ على الدُّنيا لُكَعُ بِنْ لُكَعِ بنِ لُكَعٍ ، وأفضلُ النَّاسِ
مؤمنٌ بَيْنَ كَرِیمَیْنٍ)»(١).
وما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود وهارون بن كامل، قالا: حدثنا
عبد الله بنُ صالحٍ ، قال: حدثني الليثُ قال: حدثني عُقَيل، عن ابن
شهاب، قال: حدثني عبد الملك بن أبي بكر، أن أبا بكرٍ بن عبد
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير صحابي الحديث وجهالته
لا تضر.
ورواه أحمد ٤٣٠/٥ عن أبي كامل - وهو فضيل بن الحسين الجحدري - عن
إبراهيم بن سعد، بهذا الإسناد. ولم يرفعه، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٢٠/٧
بعد أن نسبه إلى أحمد: رجاله ثقات.
- ٢٩٤ -

الرحمن، أخبره أن بعضَ أصحاب النبيِّ وَلّ قال : .. ثم ذكر مثله
ولم يرفعه(١).
فتأملنا هذا الحديث فوجدنا قوله وَله: ((يُوشِكُ أنْ يَغْلِبَ على الدُّنيا
لُكَعُ بنُ لُكَعِ )) لا اختلاف في تأويله عند العرب أنَّه العبد أو اللَّئِيم.
وتأمَّلنا قوله بَه: ((وأفضلُ النَّاس مؤمنٌ بين كَريمين)» فأحسنُ ما
حضرنا فيه أنْ يكون المراد به: مُؤمن بين كريمين، أي: مؤمن بين
أبٍ مؤمنٍ هو أصلهُ، وابنٍ مؤمنٍ هو فرعُهُ، فيكون له من الإِيمان موضعه
منه بإيمان نفسه وله موضعه منه بإيمان ابنه الذي كان دُونه رفعه الله
عز وجل إلى منزلته ليقَّ به عينه، كمثل ما قد روينا عن عبد الله بن
عَباسٍ رضي الله عنهما وممَّا قد رفعه بعضُهم عنه إلى النبيِّ ◌َّ فيما
تقدَّم من كتابنا هذا: ((إنَّ الله ليرفع ذرية المؤمن إلى منزلته وإنْ كانوا
دونه في العمل))، وقرأ: ﴿وَالَّذِين آمنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتهم بإِيمانٍ أَلْحَقنا
بِهِم ذُرِّيَّاتِهِم﴾(٢) [الطور: ٢١] ويكون له موضعه أيضاً بإيمان أبيه.
ومِن ذُلك ما قد رويناه فيما تقدَّم منَّا في كتابنا هذا عن النبي
وَلِ﴾ : ((إذا ماتَ الرجلُ فقد انقطعَ عملُه إلَّ من ثلاثةٍ: من ولدٍ صالح
يدعو له، أو من عِلمٍ بَثَّه، أو من صدقةٍ جاريةٍ))، ومَنْ جمع هذه
الثلاثة الأشياء فقد جمع ما عسى أن يكون قد اجتمع له به خيرُ الدنیا
(١) حديث صحيح، وانظر ما قبله.
(٢) هذه القراءة التي جاءت في الأصل هي قراءة أبي عمرو ﴿وأتبعناهم﴾
بالنون والألف ﴿ذرياتهم﴾ ((ألحقنا بهم ذرياتهم)) جمعاً في الموضعين. انظر ((حجة
القراءات)) ص٦٨١، و((زاد المسير)) ٥٠/٨.
- ٢٩٥ -

والآخرة، وإنما اخترنا في هذا تأويل الكرم أنه التقوى، لأنَّ الله عز
وجل قد قال في كتابه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[الحجرات: ١٣]، ولأن النبيَّ ◌َ﴿ ﴿ قد قال:
٢٠٥٢ - ما قد حدثنا الربيع بن سليمان المُرَادي، قال: أخبرنا عبد
الله بن وَهْب، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن محمد بن عَمروبن
عَلْقَمة، عن أبي سَلَمة
عن أبي هُريرة رَضِيَ الله عنه، أن رسول الله وَيُ قال: ((إنَّ
الكَرِيمَ بنَ الكَرِيم بن الكَريمِ بنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بَنُ يعقوبَ بن
إِسحاقَ بن إبراهيمَ صلوات الله عليهم))(١).
٢٠٥٣ - وما قد حدثنا أحمد بن أبي عِمْران، قال: حدثنا أبو نَصْر
التّمَّار وعاصم بن عليّ، قالا: حدثنا حِمَّاد بن سلمة، عن محمد بن
عَمرو، عن أبي سلمة
عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ اللهِله: ((إنَّ الكَرِيمَ بنَ
الكَرِيمِ بن الكَرِيمِ بنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يعقوبَ بنِ إِسحاقَ بِنِ
إبراهیم))(٢).
(١) إسناده حسن، محمد بن عمرو بن علقمة حسن الحديث، وباقي رجاله
ثقات رجال الشيخين. وانظر ما بعده.
(٢) إسناده حسن. أبو نصر التمّار: هو عبد الملك بن عبد العزيز القشيري.
ورواه ابن حبان (٥٧٧٦) عن أحمد بن علي بن المثنى، عن أبي نصر التمار،
بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه فيه.
- ٢٩٦ -

٢٠٥٤ - وما قد حدثنا فهد بن سليمان، قال: حدثنا عاصم بن
يوسف التَّمِيمي الكوفي، قال: حدثنا حسن بن عَيَّاش، عن عُبيد الله بن
عُمر، عن سعيد بن أبي سعيد
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سُئِلَ رسول اللهِ﴿ عن أَكْرَمِ
الناس. قال: ((أثْقَاهم)) قالوا: يا رسولَ الله ليس عن هذا نسألُك.
فقال: ((يوسف بن يعقوب نَبِيُّ بنُ نَبِيٍّ بنِ نَبِيٍّ [بن] خليلِ الرحمن))
فقالوا: ليس عن هذا نسألُك، قال: ((فَعن مَعَادِنِ العرب تسألُونِي))؟
قالوا: نعم. قال: ((خيرُ النَّاسِ خيرُهم في الإِسلامِ إِذا فَقِهُوا))(١).
٢٠٥٥ - وما قد حدثنا القاسم بنُ عبد الله بن مَهْدي، قال: حدثنا
محمد بنُ عبد الأعلى الصنعانيُّ، قال: حدثنا المُعْتَمِربن سُليمان،
قال: سمعتُ عبيد الله بن عُمر، ثم ذكر بإسناده نحوه(٢).
ومثل ذلك ما قد رُويَ عن عبد الله بن مسعود مما يُعلم أنَّه لم
يقله رأياً، وإنَّما قاله لأخذه إيَّه عن مَنْ هو أَعْلَى منه.
(١) إسناده صحيح على شرط الصحيح.
ورواه أحمد ٤٣١/٢، والبخاري (٣٣٧٤) و(٣٣٨٣) و(٤٦٨٩)، والنسائي في
((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤٧٩/٩ من طرق عن عبيد الله بن عمر، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري (٣٣٥٣) و(٣٤٩٠)، ومسلم (٢٣٧٨)، والنسائي في ((الكبرى))
كما في ((التحفة)) ٣٠٣/١٠ من طرق عن عُبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري،
عن أبيه، عن أبي هريرة.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير
محمد بن عبد الأعلى الصنعاني فمن رجال مسلم. وانظر ما قبله.
-٢٩٧ - ٠

كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا وَهْب بن جرير،
قال: حدثنا شُعْبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوَص
أن أسماءَ بنَ خارجَة سَابَّ رجلاً، فقال: أنا ابنُ الأَشْيَاخِ الكرام.
فقال عبدُ الله: الأشياخُ الكِرَامُ يوسفُ بنُ يعقوبَ صفي الله ابن إسحاق
ذبيحِ اللهِ ابنِ إبراهيمَ خليلِ الله(١).
قال أبو جعفر: فردَّ الله في كتابه ورسولُه في سنَّتِهِ الكرمَ إلى
التقوى وإلى المنازل الرفيعة من الله عز وجل، لا إلى ما سوى ذلك،
فكان بذلك الأقوى في قلوبنا أن يكون قولُه في الحديث الذي روينا
على مَنْ كان مِنْ أهل تلك المنزلة، والله أعلم بما أراد ورسولُه وَه
بذلك، وإياه نسأله التوفيق.
(١) إسناده صحيح. أبو إسحاق: هو عمروبن عبد الله السبيعي، وأبو
الأحوص: هو عوف بن مالك بن نضلة الجُشَمي، وعبد الله: هو ابن مسعود
الصحابي .
ورواه الطبراني (٨٩١٦) عن أبي خليفة، عن أبي الوليد الطيالسي ومحمد بن
كثير، وعن محمد بن حيان المازني، عن عمروبن مرزوق، ثلاثتهم عن شعبة، بهذا
الإِسناد. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٠٢/٨: رواه الطبراني موقوفاً بإسنادين رجال
أحدهما ثقات، غير أن مشايخ الطبراني لم أعرفهم! كذا قال، مع أن أبا خليفة
- واسمه الفضل بن الحباب الجمحي - ثقة صادق مأمون معروف، ومحمد بن حيان
المازني وصفه الإمام الذهبي في ((السير)» ٥٦٩/١٣ بالشيخ الصدوق المحدث.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور) ١٠٧/٧ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.
وقال الذهبي بعد أن أورده في ((السير)) ٥٣٦/٣-٥٣٧: إسناده صحيح، وكذا
قال ابن كثير في «تفسيره)) ٢٨/٧: هذا صحيح عن ابن مسعود.
=
- ٢٩٨ -

= قلت: وكون الذبيح إسماعيل عليه السلام هو الصحيح المتعين عند علماء
الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقد أجاد الكلام في أحقية هذا القول وصحته
العلامة ابن القيم في ((زاد المعاد)) ٧١/١ -٧٥، فقال: وأما القولُ بأنه إسحاقُ، فباطلٌ
بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخَ الإِسلام ابنَ تيمية قَدَّسَ الله روحه يقول: هذا
القولُ إنما هو متلقى عن أهلِ الكتاب مع أنَّه باطل بنصِّ كتابهم، فإن فيه: إن الله
أمرَ إبراهيمَ أن يذبح ابنَة ((بكرَه)) وفي لفظ ((وحيده))، ولا يشكُّ أهل الكتاب مع
المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غرَّ أصحابَ هذا القول أن في التوراة
التي بأيديهم: اذبح ابنَك إسحاق، قال: وهذه الزيادةُ مِن تحريفهم وكذبهم لأنها
تناقض قولَه: اذبح بكرَك ووحيدَك، ولكن اليهودَ حَسَدَتْ بني إسماعيل على هذا
الشرف، وأحبوا أن يكونَ لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويختاروه لأنفسهم دونَ العربِ،
ويأبى الله إلا أن يجعلَ فضلَه لأهلِه.
وكيف يسوغُ أن يُقالَ: إن الذبيحَ إسحاق، والله قد بشّرَ أمَّ إسحاق به وبابنه
يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة: إنَّهم قالوا لإِبراهيم لما أتوه بالبُشرى: ﴿لا تَخَفْ
إِنَّا أُرْسِلْنا إلى قومِ لُوطٍ. وامرأتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاها بإسحاقَ ومِنْ وَرَاءِ إسحاقَ
يعقوب﴾ فمحالٌ أن يُبشرها بأنه يكونُ له ولد، ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب
عليه السَّلامُ داخل في البشارة، فتناول البشارة لإِسحاق ويعقوب في اللفظ واحد،
وهذا ظاهر الكلامِ وسياقه. وانظر ما كتبه ابن كثير في ((تفسيره)) ١٩/٤-٢١.
- ٢٩٩ -

٣٣٠ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِصلّ في
الذي قيل له: إنَّه يُصلِّي الليلَ كلَّه فإذا أصبح
سَرَقَ فقال: ((سَتَمْنَعُهُ صَلاَتُهُ))
٢٠٥٦ - حدثنا أبو أميَّة، قال: حدثنا محمد بن القاسم الحَرَّانِي
المعروف بسُحَيْم، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن
أبي صالح
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قِيل للنبي وَله: إنَّ فلاناً
يصلِّي الليل كلّه، فإذا أصبح سرَق، فقال: ((سَيَنْهَاهُ مَا تَقُولُ))(١).
فتأمَّلْنا هذا الحديث فوجدنا الله قد قال في كتابه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ
تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أي أنَّها تنهى عن
أضدادِهاَ إذْ كان أهلُها يأْتُونها على الأحوالِ التي أُمِرُوا أنْ يأتوا بها
عليها، مِنَ الطّهارةِ لها، ومن سَتْرِ العَوْرَةِ عندها، ومن الخُشُوعِ لها،
(١) إسناده قوي، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير محمد بن القاسم الحراني،
فقد روی عنه جمع، وقال ابن أبي حاتم ٦٦/٨ عن أبيه: صدوق، وذكره ابن حبان
في ((الثقات)) ٨٢/٩.
ورواه ابن حبان في «صحيحه)) (٢٥٦٠) من طريق عمروبن محمد الناقد، عن
محمد بن القاسم الحراني، بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه فيه.
- ٣٠٠ -