النص المفهرس

صفحات 341-360

وقد روي عن عبد الله بن عباس في تَوكيدٍ ما تأوُّلنا الحديثَ الأولَ
الذي ذكرنا في هذا الباب عليه.
ما قد حدثنا يوسفُ بن يزيد، قال: حدثنا نُعَيمُ بنُ حمَّاد، قال:
حذَّثنا سفيانُ بن عُيَينَة، عن عمرو - هو ابن دينار- عن ابن عبَّاسِ أنَّه
كان يقرؤها: ((وما أرسلنا مِن قبلك مِن رسول ولا نبي ولا محدَّث))(١).
= ورواه ابن حبَّان (٦٨٩٦) من طريق حميد بن زنجويه، عن عبدالله بن بكر
السهمي، بهذا الإِسناد. وانظر تمام تخريجه فيه.
(١) نعيم بن حماد: ضعيف.)
ورواه ابن الأنباري في كتاب ((الرد على من خالف مصحف عثمان)» كما في
((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي ٨٠/١٢، قال: حدثني أبي رحمه الله، حدثنا
علي بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
وقال ابن الأنباري بإثره: فهذا حديث لا يؤخذ به على أن ذلك قرآن،
والمحدَّث: هو الذي يوحى إليه في نومه، لأن رؤيا الأنبياء وحي.
وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٦٥/٦، ونسبه لعبد بن حميد، وابن الأنباري
في ((المصاحف)).
قال القرطبي ٧٩/١٢: قال ابن عطية: وجاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿وما
أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ ((ولا محدَّث))، ذكره مسلمة بن القاسم بن
عبدالله، ورواه سفيان عن عمروبن دينار، عن ابن عباس.
قال مسلمة: فوجدنا المحدِّثين معتصمين بالنبوة - على قراءة ابن عباس - لأنهم
تكلموا بأمور عالية من أنباء الغيب خطرات، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصابوا فيما
تكلموا، وعصموا فيما نطقوا، كعمربن الخطاب في قصة سارية، وما تكلم به من
البراهين العالية.
٣٤١

قال أبو جعفرٍ: فكان المُحدَّث في هذا من الجنس الذين ذكرهم
رسولُ اللهِ وَّ﴿ في الحديث الذي ذكرناه في أوَّل هذا الباب.
فقال قائل: أَفَيَجُوزُ أن يُقالَ لهؤلاء المُلْهَمِين: إنَّ الله عز وجل
أرسلَهم كما قرأ ابنُ عباس الآية عليه على ما في حديثه هذا؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّ الرسالةَ المذكورةَ
في هذه الآية إنَّما أُريد بها الأنبياءُ والرسلُ صلواتُ الله عليهم لا
المُلْهَمون المذكورون معهم.
فقال: فكيف يكون ذلك وهم مذكورُون معهم بِمَا في أوَّل الآية
وهو الرِّسَالة.
فكان جوابُنا له في ذلك فيما ذهب إليه أهلُ العربية فيه أنهم
جمعوا معهم بكتابة في الآية، كأنه أريد: وما أرسلنا من قبلك من
رسولٍ ولا نبيٍّ ولا أَلْهَمَنا من مُحَدَّثٍ إِلَّ إذا تمنَّى (١) أَلْقَى الشيطانُ
في أَمْنِيَّتِه، وكانوا يُنشدون في ذلك بيتاً من الشِّعر:
مُتَقَدِّداً سَيْفاً ورُمحا(٢)
يا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا
(١) أي: تمنى الهدى والصلاح لقومه وانتشار دعوته وسرعته علو شرعته، ألقى
الشيطان في أمنيته بما يصد عنها فأدخل في نفوس المدعوين ضلالات نفسه ما قاله
النبي من الإِرشاد. وقوله (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) أي: يبطل آثار ما يلقيه
الشيطان من الشبهات، ويحكم آياته بتحقيقها وتثبيت مدلولها وتوضيحها بما ينفي
الريب عنها.
(٢) البيت غير منسوب في ((الكامل)) ٤٣٢/١ و٤٧٧ و٨٣٦، و((المقتضب)) =
٣٤٢

والسيفُ فمِمَّا يُتقلدُ به والرمحُ ليس كذلك، إنما يُحمل،
واستعملت الكِنايَةُ في ذلك، فصار كَهُوَ لَوْ قال: متقلد سيفاً، وحامل
رمحاً. والله أعلم بالحقيقة في ذلك وإيَّاه نسأله التوفيق.
لله تعالى
الله
C
= ٥١/٢، و(أمالي المرتضى)) ٢٦٠/٢، و((الخصائص)) ٤٣١/٢، و((أمالي ابن
الشجري)) ٣٢١/٢، و((مشكل القرآن)) ص٢١٤، و((معاني القرآن)) للفراء ١٢١/١،
و((مجاز القرآن)) لأبي عبيد ٦٨/٢، و((الطبري)) ١٤٠/١، و((شرح ديوان المتنبي))
للعكبري ٣١٦/١، و((شرح شواهد المغني)) ٩٢/٦، ونسبه الأخفش في تعليقه على
((المبرد) إلى عبدالله بن الزبعرى.
٣٤٣

٢٧٢ - بابُ بيانِ مُشكِلٍ ما رُوي عن رسول الله له
من قولِه: (أَيُّكُمْ مَالُ وارِثِهِ أَحَبُّ إليهِ
مِنْ مَالِهِ)»
١٦٥٣ - حدثنا محمدُ بنُ علي بن داود البغدادي، قال: حدثنا
أبو غسَّان مالكُ بنُ إسماعيل النَّهْدِيُّ، قال: حدثنا مسعودُ بن سعدٍ، عن
الأعمش، عن إبراهيم، وهو التّيْمِي - عن الحارث بن سويد
عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله وَ ليم (ح).
١٦٥٤ - وحدثنا فهدِ، قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياثٍ
النَّخَعِي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم
- يعني التّيمِي - عن الحارث قال:
قال عبدُ الله: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((أَيُّكُمْ مَالُ وارِثِهِ أَحَبُّ إليه مِنْ
مَالِهِ))؟ قالوا: يا رسولَ الله ما مِنَّا أَحدٌ إلَّ مالُه أحبُّ إليه. قال: ((فإنَّ
مَالَهُ مَا قَدَّمَ ومالَ وارِثِهِ ما أَخَّرَ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه البخاري (٦٤٢٢) عن عمر بن حفص بن غياث، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٨٢/١، والنسائي ٢٣٧/٦-٢٣٨، والبيهقي ٣٦٨/٣، وأبو نعيم
في ((الحلية)) ١٢٩/٤ من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، به. وانظر الرواية
التالية .
٣٤٤

١٦٥٥ - حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا الحسنُ بنُ عمربن
شَقيق، قال: حدَّثنا جَرِيرُبن عبد الحميد، عن الأعْمَش، عن إبراهيم
التّيمي، عن الحارث بنِ سُويد، قال:
قال عبد الله بن مسعود، قال رسول الله وَله: ((أَيُّكُمْ مَالُه أَحبُ
إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وارِثِهِ)؟ قالوا: يا رسولَ الله ما مِنَّا أحدٌ إلَّ مالُه أحبُ
إليه من مالٍ وارثِه. قال: ((اعلَمُوا ما تَقُولُونَ)) قالوا: ما نَعلمُ إلَّ ذُلكَ
يا رسول الله قال: «ما مِنْكُم مِنْ رَجُلٍ إلَّ مالُ وارثِهِ أحبُّ إليه)» فقالوا:
فكيف يا رسولَ الله؟ قال: ((إنَّما مالُ أحَدِكُم ما قَدَّمَ ومالُ وارِثِهِ ما
أُخرَ)(١).
قال أبو جعفرٍ: ففي هذا الحديثِ أنَّ ما أخَّرَه الرجلُ من مالِه،
فلم يُقدمه لله عز وجل فيما يكون ثواباً له عنده وزُلْفى له لديه ليس
من مالِهِ، وليس ذلك أنه ليس مالَه، كما ليس مالُ غيره من النَّاس
مالاً (٢) له، ولكنه عندنا - والله أعلم - ليس من ماله الذي هو أعلى
أمواله في منافعها له، إذ كان ما قدَّمه من ماله ينفعُه في آخرته، وما
لم يُقَدِّمْهُ منه لا ينفعُهُ فيها، فجازَ بذلك أنْ يُقال له: ليس هو من
ماله، وجازَ بذلك أن يُضَافَ إلى مَن يَحْصُلُ له بعدَ وفاته في الخير
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري. رجاله رجال الشيخين غير الحسن بن
عمر بن شقيق، فمن رجال البخاري.
ورواه أبو يعلى (٥١٦٣)، ومن طريقه ابن حبان (٣٣٣٠)، والبغوي (٤٠٥٧)
عن أبي خيثمة، عن جريربن عبدالحميد، بهذا الإِسناد.
(٢) في الأصل: ((مال)) وهو خطأ.
٣٤٥

إلى خَيْرِ أموالِهِ له هو الذي يحصل له ثواباً عند ربِّه وزُلْفَى لديه، وما
عَسى أن يكونَ وارتُه يُقَدِّمُه، فيكونُ له عندَ ربِّه عزَّ وجلَّ قربةٌ إليه وزُلْفَى
لديه، فيكونُ هو مالَه الذي هو أعلى مراتب أموالِه في منافعه في مَعَاده.
وممّا يدخلُ في هذا المعنى أيضاً ما قد رُوي عن عبد الله بن
الشِّخِّير، عن النبيِّ وَّر .
١٦٥٦ - كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا وَهْبُ بن
جَرير، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن مطرِّف بن عبد الله
عن أبيه، أنه انتهى إلى رسول الله وَّهُ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ
الَّكاثرُ﴾ [التكاثر: ١] فقال: ((يقولُ ابنُ آدم: مَالِي مَالِي وما لَكَ مِنْ
مالك(١) إلَّ ما تَصدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ، أَو أَكَلْتَ فَأَقْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ
فَأَبْلَیتَ))(٢).
١٦٥٧ - وما قد حدَّثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: حدثنا
مُسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا هشام الدَّسْتُوَائي، عن قتادة، عن
(١) في الأصل: ((مال)) وهو خطأ.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله رجال الشيخين غير صحابيه، فمن
رجال مسلم.
1
ورواه الترمذي (٢٣٤٢) و(٣٣٥٤) عن محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير،
بهذا الإِسناد، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه ابن حبان (٧٠١) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، به. وانظر تمام
تخریجه فیه.
:
٣٤٦

مُطَرِّف، عن أبيه ... ثم ذكر مثلَه(١).
١٦٥٨ - وما قد حدثنا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حدَّثنَا رَوْحُ بنُ
أُسْلم، عن همَّام، عن قتادة، عن مطرِّف، عن أبيه ... ثم ذكر مثلَه(٢).
قال أبو جعفرٍ: فكان ذلك على أنَّ ما عادَ من مالِهِ إلى غيرِهِ بعد
وفاته أنَّه ليس هو مالاً له، إذ لا منفعةً له فيه حينئذٍ، كما لا منفعةً
له في مالٍ غيرِه ونعوذُ بالله من ذلك. وإيَّه نسأله التوفيق.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه ابن حبان (٣٣٢٧)، والخطيب في ((التاريخ)) ٣٥٩/١ من طريق
الفضل بن الحباب الجمحي، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٨١/٦ من طريق إسماعيل
القاضي، كلاهما عن مسلم بن إبراهيم، بهذا الإسناد.
ورواه الطيالسي (١١٤٨)، وأحمد ٢٤/٤، ومسلم (٢٩٥٨)، والطبري في
((جامع البيان)» ٢٨٤/٣٠، والحاكم ٥٣٣/٢-٥٣٤ من طرق عن هشام الدستوائي،
به .
(٢) حديث صحيح، روح بن أسلم - وإن كان فيه ضعف - قد توبع، وباقي
رجاله ثقات.
ورواه أحمد ٢٦/٤، وفي ((الزهد)) ص٤٠، ومسلم (٢٩٥٨)، والحاكم
٣٢٢/٢-٣٢٣ من طرق عن همام بن يحيى، بهذا الإسناد.
وقال الحاكم: صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
٣٤٧

٢٧٣ - بابُ بيانِ مُشكِلٍ ما رُوي عن رسول الله مَ ◌ّ فيما كان
من قولِه وأبو هريرة حاضره: ((أيُّكُمْ بَسَطَ ثَوْيَهُ
ثمّ أَخَذَ من حديثي هذا، فإنَّه لا ينْسَى شيئاً
سمِعَهُ)) وأنَّ أبا هريرة فعل ذلكَ فَمَا
نَسِيَ بعدَ ذلك شيئاً سمعهُ
١٦٥٩ - حدثنا هارونُ بنُ كامل، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ ،
قال: حدَّثني اللَّيث بن سعد، قال: حدثني يونُس بن يزيد، عن ابن
شِهاب، أنه قال: قال ابنُ المسيِّب:
إنَّ أبا هريرة قال: يقولُون: إِنَّ أبا هريرة هذا قد أكثرَ - والله
المَوعِدُ - ويقولون: ما بالُ المهاجرين والأنصار لا يتحدَّثونَ بمثلِ
أحاديثه، وسأُخْبرُكُم عن ذلك: إنَّ إخواني مِن الأنْصَارِ كانَ يشغَلُهم
عَمَلُ أرضيهم، وأمَّ إخواني مِنَ المُهاجرين، فكان يشغَلُهم صفقهم
بالأسواقِ، وكنتُ أَلْزَمُ رسولَ اللهِ وَّرُ على مِلءٍ بطني، فَأَشهَدُ إذا غَابُوا،
وأحفَظُ إذا نَسُوا، ولقد قال رسولُ اللهِ وَّهِ يوماً: ((أَيُّكُمْ بَسَطَ ثوبَه فَأَخَذَ
مِنْ حَدِيثِي هذا، ثم يَجْمَعُهُ إلى صَدْرِهِ، فإنَّه لا يَنْسَى شَيئاً سَمِعَهُ))
فبسطتُ بُرِدَةً عليَّ حتَّى فَرَغَ من حديثِهِ، ثم جمعتُهُما إلى صدْرِي،
فما نسيتُ بعدَ ذلك اليوم شيئاً حدَّثِي به ولَوْلا آيتانِ أَنزَلَهُما الله عز
وجل في كتابه ما حَدَّثْتُ بشيءٍ أبداً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمونَ ما أَنْزَلْنَا مِنَ
٣٤٨

البَيِّنَاتِ والهُدى﴾ إلى آخر الآيتين [البقرة: ١٥٩، ١٦٠](١).
قال أبو جعفرٍ: ففي هذا الحديثِ من كلام أبي هريرة: فَمَا نسيتُ
بعدَ ذلكَ اليومِ شيئاً حدَّثَنِي به، يعني رسولَ اللهِ وَّلـ
فقال قائلٌ: فقد وجدناه حدَّث عن رسول اللهِ وَّ بشيءٍ، ثمَّ نَسِيَهُ
بعدَ ذلك، فذكر
١٦٦٠ - ما قد حدثنا يُونُسُ بنُ عبد الأعلَى، قال: أخبرنا
عبدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرني يُونُس بن يزيد، عن ابن شهابٍ
أن أبا سَلَمَةَ حدثه أنَّ رسولَ اللهِ وَّةِ قال: ((لا عَدْوَى))، ويحدث
أن رسولَ اللهِ وَ لِّ قال: ((لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ)).
قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يُحدِّث بهما كليهما عن رسولِ الله
وََّ، ثم صَمَت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: ((لا عَذْوَى)) وأقام على:
((لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ))، قال: فقال الحارث بن أبي ذُبَاب - وهو
ابنُ عمِّ أبي هريرة -: قد كنتُ أَسمعُك يا أبا هريرة تحدِّثُنا مع هذا
الحديث حديثاً آخر قد سكتَّ عنه، تقولُ: قال رسولُ اللهِ وَء: ((لَا
عَدْوى)) فَأَبَّى أبو هريرة ذلك وقال: ((لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحِّ)) فَمَا
رَآهُ الحارثُ بعد ذلك حتَّى غَضِبَ أبو هريرة، فَرَطَنَ بالحبشيّة، فقال
(١) حديث صحيح. عبدالله بن صالح كاتب اللَّيث - وإن كان في حفظه شيء -
قد توبع، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه ابن حبان (٧١٥٣) من طريق ابن وهب، عن يونس، بهذا الإِسناد. وانظر
تمام تخريجه فيه، وانظر أيضاً الرواية الآتية برقم (١٦٦٣).
٣٤٩

الحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا. قال أبو هريرة إنِّي قلتُ: أَبْتَ.
قال أبو سلمة: ولَعَمْري لقد كان أبو هريرة يحدِّثُنا أنَّ رسولَ الله
وَلّ قال: ((لا عَدْوَى)) فلا ندري أَنَسِيَ أبو هريرة أمْ نسخَ أحدُ القولين
الآخر(١).
١٦٦١ - وما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا أبو اليمان
الحَكَمُ بن نافع البَهْرَاني، قال: حدثنا شُعيبُ بن أبي حمزة، عن
الزُّهري، قال: أخبرني سِنانُ بن أبي سنان الدُّؤَّلِي
أنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((لا عَدْوى)) فقام أعرابيٌّ،
فقال: يا رسولَ الله أرأيتَ الإِبلَ تكون في الرِّمال أمثالَ الظُّبَاءِ، فيأتيها
الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فتجرب كلَّها، فقال له النبيُّ نَّه: ((فَمَنْ أَعدَى الأَوَّل؟!))
قال أبو سلمة: وسمعتُ أبا هُريرة يقولُ: إنَّ النبيِّ نَّهِ يقول: ((لا
يُورِدُ المُمْرِضُ على المُصِحِّ)» فقال له الحارثُ بن أبي ذُباب الدَّوْسِي:
فإنك قد كنت حدَّثْتَنا أنَّ النبيَّ وَّهِ قال: ((لا عَدْوى)) فأنكر ذلك أبو
هريرة. فقال الحارث: بَلَى، فتمارَى هو وأبو هريرةَ حتى اشتدَّ أُمْرُهما،
ثم ذكر بقيَّةَ الحديثِ الأول(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه ابن حبَّان (٦١١٥) من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، بهذا
الإِسناد. وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه فيه.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر ما قبله.
ورواه البخاري (٥٧٧٥)، ومسلم (٢٢٢٠) (١٠٣) مختصراً عن أبي اليمان،
بهذا الإسناد.
=
٣٥٠

قال أبو جعفرٍ: فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ هذا الحديثَ المذكور
نسيان أبي هريرة إيَّه في حديث الزُّهري هذا قد يحتمِلُ أن يكونَ ممَّا
سمِعَهُ مِن النبي ◌َ﴿ قبل أن يكونَ من النبيِّ وَليتر من أمرِه ما في حديث
ابن المسيب عنه. وهذا أولى ما حُمِلَ عليه هذان الحديثان جميعاً،
حتّى يخرجا أنْ يكون في شيء منهما تضادٍّ أو اختلافٌ، ولا خُلْفَ
لوعدٍ رسول الله وَ﴿ ولا تضادّ في قوله.
فقال هذا القائلُ: فقد رُوي أيضاً عن أبي هريرة نسيانُهُ لشيءٍ آخر
يقرب سماعُه إِيَّه من رسول الله مَّر، فذكر
١٦٦٢ - ما قد حدثنا صالحُ بنُ عبد الرحمن الأنصاريُّ قال:
حدثنا أبو عبدالرحمن المقرىء، قال: حدثنا يحيى بنُ عبد الله بنِ
سالم بن عبد الله بن عُمر بن الخطاب، عن خازم بن خُزيمةً، من تيم
الرَّباب(١)، عن مُجاهد المكي
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنَّا نَحْرُسُ رسولَ اللهِ ◌ّ في
بعض مغازيهِ ذات ليلة - قال أبو جعفر: وسقط فيما أظن عن صالح -:
فجئت - ثم ذكر الباقي الذي سيأتي به موصولاً بهذا الحرفِ الذي سقط
عن صالح - ذات ليلةٍ إلى المكان الذي فيه رسول الله صل* يكون
= ورواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٢٨٤) مختصراً، والبيهقي ٢١٧/٧ مطولاً من
طريقين عن شعيب، به.
ورواه الطبري في مسند عليّ من ((تهذيب الآثار)) (٧) مختصراً من طريق
جعفر بن برقان، عن الزهري، به. وانظر ((صحيح ابن حبان)) (١٦٦٣).
(١) تصحف في الأصل إلى: ((عن تيم الزيات)).
٣٥١

مضطجعاً، فلم أجد رسولَ اللهِ وَّ﴿ في مضجعِه، فعلمتُ أنَّ رسولَ الله
وَ إِنَّمَا أَقَامَتْهُ الصلاةُ، فتلفَّتُّ ورميتُ ببصري يميناً وشمالاً، فإذا رسولُ
الله ◌َّ* قائمٌ إلى الشجرة يصلِّي، فهوَيتُ نحوه فإذا رجلٌ قد أخرجه
مثلُ الذي أخرجني، فقمتُ أنا وهو خلفَ رسول الله وَّ نصلِّي بصلاة
رسول الله ﴿سجّل ما شاء أن نصلّيَ، حتَّى إذا كان بين ظهراني
صلاتِه سجدَ سجدةً ظننتُ أنْ قد قُبضَ فيها، فابتدَرْناه فجلَسنا بين يديه
أنا وصاحبي، فساءَلَنا رسولُ اللهِوَ﴿ وساءَلْناه ثمّ قال: ((هل أنكرتُم من
صَلاتِي اللَّيلَةَ شيئاً))، قال: فُقلنا: نعم يا رسولَ الله سَجَدْتَ من بين
ظهراني صلاتِك سجدةً، حتَّى ظنًّا أنَّك قد قُبضْتَ فيها. فقال رسولُ
الله ◌َيُّ: ((إنِّي أُعطيت فيها خمساً لم يُعطَها نبيَّ قبلي: إِنِّي بُعِثْتُ إلى
الناس كافةً أحمرهم وأسودِهم، وكان النبيُّ قبلي يُبْعَثُ إلى أهلِ بيتِهِ
أوْ إلى أهلِ قرِيتِهِ، ونُصِرْتُ على عدوِّي بالرُّعْبِ مسيرةً شهرٍ أمَامِي
وشهرٍ خلفِي، وأُحِلَّتْ لي الغَنائِمُ والأخِمَاسُ، ولَمَ تَحِلَّ لنبيِّ قبلي،
إنَّما تُؤخذُ فِتُوضعُ، فتنزلُ عليها نارٌ من السَّماءِ بيضاءُ، فتحْرقُها،
وجُعِلَتْ لي الأرضُ مَسجِداً وطَهوراً أُصلِّي فيها حيثُ أدركتِنِي الصَّلاةُ،
وأُعْطِيتُ حينئذٍ دعوةً فذَخَرْتُها شفاعةً لُأَمَّتي يومَ القيامَةِ)) قال مجاهدٌ:
قال أبو هريرة: وقال لي صاحبي وكان أفضلَ منّي نسيتَ أفضلَها أو
أُخَيَرَها قول رسول الله بَّهَ: ((وأنا أرْجُو أَن تَنالَ مِنْ أُمَّتي مَنْ لا يُشْرِكُ
بالله شيئاً). وذكر أبو هريرة أنَّ صاحبَه ذلك كان أبا ذرَّ الغِفَاري رضي
الله عنه(١).
(١) خازم بن خزيمة: ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٢٣٢/٨، وقال: ربما
أخطأ، يعتبر حديثه بروايته عن الثقات، وقال العقيلي في ((الضعفاء)) ٢٦/٢: يخالف =
٣٥٢

فكان في هذا الحديث إخبارُ أبي ذرِّ أبا هريرة نسيانَه ما قد سمِعَه
من رسول اللّه وَله بقرب سماعه إيَّه منه.
فكان جوابنا له بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّه قد يحتملُ أن يكونَ
هذا كان من أبي هريرة قبل أن يكونَ من رسولِ الله وَّر فيه ما في
حديث ابن المسيِّب غير الذي ذكرنا، ثم تأمَّلنا نحنُ حديثَ أبي هريرة
في هذه القصَّة، هل رواه غيرُ سعيد بن المسيِّب فخالَفَه فيه أو وافَقَه،
فخالف الأعرج فيه أو وافقه عليه؟
١٦٦٣ - فوجدنا الربيعَ بنَ سليمان المراديَّ قد حدثنا قال: حدثنا
أَسَد بن موسى، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه، عن
عبدالرحمن الأَعْرَج
= في حديثه، ثم روى حديثه هذا من طريقين عن خازم بن خزيمة البصري، بهذا
الإِسناد.
قلت: وحديث أبي ذر حديث صحيح، رواه ابن حبان في ((صحيحه))
(٦٤٦٢)، وأحمد ١٤٨/٥ من طريقين عن أبي عوانة، عن سليمان الأعمش، عن
مجاهد، عن عُبيد بن عمير، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله وَّه: ((أُعطيت خمساً
لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل
لأحد قبلي، ونصرت بالرعب، فيرعب العدو من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض
طهوراً ومسجداً، وقيل لي: سل تعطه، واختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي في القيامة،
وهي نائلة - إن شاء الله - لمن لم يشرك بالله شيئاً)).
ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ٤٢٤/٢ من طريق أبي أسامة، والبيهقي في
((دلائل النبوة)) ٤٧٣/٥ من طريق جرير، كلاهما عن الأعمش، بهذا الإِسناد، وقال
الحاكم: صحيح على شرطهما.
٣٥٣
٠٠.

أنَّ أبا هريرة قال: يقولون: أبو هريرة يُكْثِرُ والله المَوْعِدُ، يقولون:
ما بالُ المهاجرينَ لا يحدِّثُون مثلَ حديثه، وما بالُ الأنصارِ لا يحدِّثون
بمثل أحاديثِهِ، وإنِّي أحدٌّثُكُم عن ذلك: إنَّ إخواني من المهاجرين كان
يشغَلُهم الصفقُ بالأسواقِ، وإنَّ إخواني من الأنصار كان يشغَلُهم عملُ
أموالهم، وكنتُ مِسكيناً ألزمُ النبيِّ وَ﴿ على شِبَع مِلءٍ بَطْنِي وأحضُرُ
حِينَ يَغِيِّبُون، وأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، ولقد قال النبيُّ نَّهِ يوماً: ((إِنْ بَسَطَ
أحدٌ منكم ثوبَهَ حتَّى أقضِيَ مَقَالَتِي هذه ثُمَّ يَجمَعُ ثوبَهُ إلى صِدْرِهِ فلا
يَنْسَى من مقالَتِي شيئاً أبداً)) قال أبو هريرة: فبسطتُ نَمِرَةٌ ليسَ عليّ
ثوبٌ غيرها حتّى قضَى النبيُّ وَلِ مِقالَتَهُ، ثمَّ جَمَعْتُه إلى صدري فوالذي
بعث محمداً ﴿ بالحق ما نَسِيتُ من مقالَتِهِ تلكَ كلمةً إلى يَومِي هذا،
ووالله لولا آيتانِ أنزلَهما الله في كتابه ما حدثْتُكم بشيءٍ أبداً، قولُ الله
عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ البَيِّنَاتِ والهدى ... ﴾
[البقرة: ١٥٩](١).
فوقفنا بذلك على خلاف عبدالرحمن الأعرج سعيد بن المسيِّب،
عن أبي هريرة في هذا الحديث، وعلى رواية سعيد بن المسيِّب إياه
على إطلاق نفي النسيان عن أبي هريرة ما سمعه من النبيِّ وَّه بعد
(١) إسناده صحيح، الربيع بن سليمان، وأسد بن موسى ثقتان، ومن فوقهما
ثقات من رجال الشيخين.
ورواه أحمد ٢٤٠/٢ و٢٧٤، وأبو خيثمة في ((العلم)) (٩٦)، والبخاري (١١٨)
.7
و(٢٣٥٠) و(٧٣٥٤)، ومسلم (٢٤٩٢) (١٥٩)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في
((التحفة)) ٢١٧/١٠، وابن ماجه (٢٦٢)، والبغوي (٣٧٢٣) من طرق عن الزهري،
عن عبدالرحمن الأعرج، بهذا الإسناد. وانظر الحديث المتقدم برقم (١٦٥٩).
٣٥٤

أن كان منه فيه ما كان، وعلى رواية الأعرج عنه أنه إنَّما كان ذلك
من رسولِ الله ◌َ﴿ في المقالَةِ التي كانت منه في ذلك المجلس ،
لا فِيما كان أبو هريرة سمِعَه منه قبلَ ذلك، ولا فيما سواه ممَّا سَمِعَهُ
منه بعد ذلك. والله أعلم بحقيقة الأمر كان في ذلك.
وقد استدلَّ قومٌ على تثبيت ما رَوى الأعرجُ عن أبي هريرة في ذلك
من ما قَضَوا له على سعيد بن المسيِّب فيما رواهُ عن أبي هريرة من
ذلك مما خالفَه فيه ممَّا قد رواهُ عنه غيرُهما.
١٦٦٤ - حدثنا يونس، قال: حدثنا ابنُ وهب، قال: وأخبرني
- يعني عبدالرحمن بن سلمان - عن عقيل، عن المغيرة بن حَكيم أنّه
سَمِعَ من أبي هريرة ... (١).
١٦٦٥ - وما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا أحمد بن خالد
الوَهْبِي، قال: حدثنا ابنُ إسحاق، عن عمروبن شعيب، عن المُغِيرة بنِ
حكيم ومُجاهد
(١) حديث حسن. عبدالرحمن بن سلمان - وهو الحجري الرعيني المصري -
قال البخاري: فيه نظر، وقال ابن يونس: يروي عن عقيل غرائب ينفرد بها، وهو
ثقة، وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، يروي عن عقيل أحاديث عن مشيخة لعقيل
يدخل بينهم الزهري في شيء سمعه عقيل من أولئك المشيخة، ما رأيت من حديثه
منكراً، وهو صالح الحديث، وقال النسائي: لا بأس به.
ورواه العقيلي في ((الضعفاء)) ٣٣٤/٢ في ترجمة عبدالرحمن بن سلمان من
طريق أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، بهذا الإِسناد.
وانظر ما يأتي ...
٣٥٥

أنَّهما سَمِعَا أبا هريرة يقولُ: ما كانَ أحدٌ أَحفظَ لحديث رسول الله
﴿ مِنِّ إلَّ ما كانَ من عبدِ الله بن عمروٍ، فإِنِّي كنتُ أَعِي بقلِي،
وكان يَعِي بقلبِهِ، ويكتبُ بيدِه، استأذنَ النبيَّ وَّ في ذلك، فَأَذِنَ له(١).
وما قد حدَّثنا محمد بن خُزيمة، قال: حدثنا إبراهيم بن بَشَّار،
قال: حدثنا سُفيان، عن عمروبن دينار، عن وَهْب بن مُنَّبِّه، عن أخيه
عن أبي هُريرة، قال: مَا مِنْ أصحاب رسولِ الله وَّهِ أحدٌ أكثرَ
حديثاً(٢) عنه منِّ إلَّ عبدَ الله بن عَمرو، فإنَّه كان يكتُب، وكنت لا
أکتبُ(٣).
(١) رجاله ثقات إلَّ أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، لكن الطريق السالفة
تقويه، وقد حسن الحافظ هذا الإِسناد في ((الفتح)) ٢٠٧/١.
ورواه البيهقي في ((المدخل)) (٧٥١) من طريق أبي زرعة الدمشقي، حدثنا
أحمد بن خالد، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٤٠٣/٢، والبيهقي من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق،
به .
(٢) في الأصل: ((حديث)).
(٣) إسناده صحيح. إبراهيم بن بشار الرمادي الحافظ، روى له أبو داود
والترمذي، وهو متابع، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. سفيان: هو ابن عيينة.
ورواه ابن حبان (٧١٥٢) من طريق إسحاق بن راهويه، عن سفيان بن عيينة،
بهذا الإِسناد.
وهو مخرج فيه، ونزيد هنا أنه رواه البيهقي في ((المدخل)) (٧٤٨) من طريق
علي ابن المديني عن سفيان، به. وأخو وهب بن منبه: هو همام.
ورواه عبد الرزاق (٢٠٤٨٩)، ومن طريقه البيهقي (٧٥٠)، والبغوي (١٣٧)،
وابن حجر في ((تغليق التعليق)) ٩٢/٢ حدثنا معمر، عن همام بن منبه، به.
٣٥٦

قالوا: فكان معقولاً أنَّ ما خُصَّ به أبو هريرة ممَّا كان أَخَذَه من
حديثِ رسولِ اللهِ وَّ إنَّما هو حفظُه له لا مَا سِواه، وأنَّ الذي خُصَّ
به عبدُ الله بن عمرو هو حفظُه له وكتابتُه إيّاه. فكانت معاناةُ عبدِ الله بن
عمرو في ذلك الحفظَ بقلبه والكتابَ بيدهِ، وكانت معاناةُ أبي هريرة
في ذلك هو الأخذ بقلبه دونَ الكتاب بيدِه. فكان ما كان عبدُ الله بنُ
عمرو يُعانِيه في أخذِه أشقَّ مما كان أبو هريرة يُعانِيه في أخذِهِ. فكان
يجب أن يكونَ أبو هريرة لو كانَ ينسَى شيئاً سَمِعَه أكثرَ حديثاً عن
رسول الله ◌َّ وأحفظَ من عبد الله بن عمرو. قالوا: ولمَّا كان الأمرُ
بخلافِ ذُلك، وكان عبدُ الله بن عمرو أكثرَهما حديثاً عن رسول الله
وَ* وَجَبَ القضاءُ للأعرج على ابن المسيِّب فيما اختلفا فيه عن أبي
هريرة رضي الله عنه، وكان الذي مع أبي هريرة ممَّا انتفَى عنه فيه
النسيانُ هو ما كان من رسولِ اللهِ وَ﴿ في ذلك المَوْطِنِ الواحدِ لا فِيما
كان منه قبلَه، ولا فيما كان منه بعدَه. والله نسأله التوفيق.
٣٥٧

٢٧٤ - بابُ بيانِ مُشكِلِ الحُجَّةِ على مَنْ حَرِهَ
أُنْ يَقُولَ: اللهمّ أَعْتِقني مِن النَّارِ، من
سُنَّة رسول الله #
قال أبو جعفرٍ: كَرِهَ قومٌ أن يقول الرجلُ: اللهمَّ أَعْتِقْني من النَّارِ،
وقالوا: إنَّما يُضاف العتاقُ إلى من يُرجى له الثوابُ، ورُوي ذُلك عن
أبي وائل:
كما حدثنا رَوْح بن الفرج، قال: حدثنا يوسف بن عدي، قال:
حدثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن عاصم، قال:
كان أبو وائل يَكْره أن يقولَ الرجلُ: اللهم أعتِقْنِي من النَّار، وقال:
S
إنَّما يعتق من يَرجُو الثَّوَابَ(١).
قالوا: والله عز وجل مُتَعَالٍ عن ذُلك، وخالفَهم في ذلك آخرون
فلم يَرَوْا بذلك القولِ بأساً، وكان من الحجّة لهم عليهم في ذلك قولُ
رسول الله* الذي قد رويناهُ فيما تقدم منَّا في كتابنا هذا: ((مَنْ أَعْتَقَ
(١) إسناده حسن. عاصم: هو ابن أبي النجود، وأبو وائل: هو شقيق بن
سلمة. وانظر ص٣٣٣.
٣٥٨

رَقَبَةً أَعْتَقَ الله بِكُلِّ عُضْوِ منها عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ) ففي ذلك إضافةُ
رسولِ اللهَ* العتاق من النّارِ إلى الله عز وجل، وفي جواز ذلك منه
وَ﴿ ما ينطلِقُ للمسلمين أن يدعُوه به، والله نسأله التوفيق.
الله تعالى
الله
S
C
٣٥٩

٢٧٥ - بابُ بيانِ مُشكِلِ ما رُوي عن علي رضي الله عنه،
أو عن أبي ذرِّ مما نحيطُ علماً أنَّه لم يأخذْهُ
إلَّ عن رسولِ الله ◌َ في المرادين بقول الله عز وجل:
﴿هُذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمٍ﴾ إلى:
﴿وَهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾
[الحج: ٢٩-٢٤]
حدثنا يزيدُ بنُ سنان، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب السَّدوسي
صاحب السِّلْعة، قال: حدثنا التّيمي، عن أبي مِجْلَزِ، عن قيس بن
عُباد، قال:
قال عليٍّ رضي الله عنه: فينا نزلت هذه الآيةُ في مُبَارِزي يوم بدر:
﴿هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهم فالذِين كَفَرُوا قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ
نارٍ﴾(١).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري. رجاله رجال الشيخين غير يوسف بن
يعقوب، فمن رجال البخاري، التيمي: هو سليمان، وأبو مجلز: هو لاحق بن
حمید .
ورواه البخاري (٣٩٦٧)، والنسائي في ((السير)) كما في ((التحفة)) ٤٣٩/٧،
والواحدي في ((أسباب النزول)) ص٢٠٧ من طريقين عن يوسف بن يعقوب، بهذا =
٣٦٠