النص المفهرس
صفحات 281-300
قضاءُ ما عليه من دَيْنِ من مالٍ لأبيه دونه، أو تجوز وصية منه في مالٍ لأبيه دونَه، قال: وفيما ذكرت من هذا ما قد دلَّ على ما وصفته فيه . قال أبو جعفر: وكان هذان الجوابان من هذين الشيخين سَدِيدين(١) كُلُّ واحد منهما شَادٌّ لِصاحبِه. والله نسألُه التوفيقَ. الله تعالى الله S C (١) تحرفت في الأصل إلى: ((شديد من). ٢٨١ ٢٦١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ صِلخل من قوله: ((رُبَّ حاملٍ فقةٍ إلى مَنْ هُو أَفْقَهُ مِنْهُ، ورُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ لِيسَ بِفَقِيهِ» ١٦٠٠ - حدثنا أبو بشر عبدُ الملك بن مروان الرَّقِّي، قال: حدثنا حجَّاجُ بنُ محمد، عن شُعبة، عن عُمربن سليمان، عن عبدالرحمن بن أَبَانَ بن عثمان، عن أبيه أنَّه سَمِعَ زيد بن ثابت يقولُ: سمعتُ رسول الله ◌ِهِ يقولُ: ((نَضَّرَ الله امْرَءَاً سَمِعَ مِنِّي حَديثاً، فَحَفِظَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ غيرَهُ، فَرُبَّ حَامِلٍ فقهٍ إِلى أَفْقَهَ منهُ، ورُبَّ حامِلِ فقٍ لِيسَ بِفَقِيْهِ)(١). ١٦٠١ - حدثنا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حدثنا أحمد بنُ خالد الوَهْبِي، قال: حدثنا مُحمَّدُ بن إسحاق، عن الزُّهري، عن محمد بن جُبير بن مطعم عن أبيه، قال: قام رسول الله وَ﴿ بالخَّيْفِ من مِنىٍ، فقال: ((نَضَّرَ (١) إسناده صحيح، ورجاله ثقات رجال الصحيح، غير عمر بن سليمان، وعبدالرحمن بن أبان، فقد روى لهما أصحاب السنن، وكلاهما ثقة. ورواه ابن حبان (٦٧) و(٦٨٠) من طريقين عن شعبة، بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه فیه. ٢٨٢ الله امْرَءَاً سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إلى مَنْ لَمْ يَسمَعْها، فَرُبُّ حَاملِ فِقْهٍ لا فِقْهَ له، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى مَنْ هو أَفْقَهُ مِنْهُ))(١). (١) حديث حسن بشاهده السالف، فإن رجاله ثقات إلّا أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن. ورواه الدارمي ٧٤/١-٧٥، والحاكم ٨٧/١، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٤٢١) من طريق أحمد بن خالد الوهبي، بهذا الإسناد. ورواه أحمد ٨٠/٤ و٨٢، وابن ماجه (٢٣١)، وابن حبان في ((المجروحين) ٤/١-٥، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)) ١٠/٢ و١٠-١١، والطبراني في ((الكبير» (١٥٤١)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله ٤١/١، والخطيب البغدادي في ((شرف أصحاب الحديث ص١٨، والحاكم من طرق عن محمد بن إسحاق، به . ورواه الطبراني (١٥٤٤)، والحاكم ٨٦/١-٨٧ من طريق نعيم بن حماد، عن إبراهيم بن سعدٍ، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، به. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٣٩/١ عن رجال هذا الطريق: موثقون! وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، قاعدة من قواعد أصحاب الروايات، ولم يخرجاه، فأما البخاري، فقد روى في ((الجامع الصحيح)) عن نعيم بن حماد، وهو أحد أئمة الإِسلام! وله أصل في حديث الزهري من غير حدیث صالح بن كيسان، فقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار من أوجه صحيحة عن الزهري . وتعقبه البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ٢/١٧ بقوله: إنما أخرج البخاري لنعيم بن حماد مقروناً بغيره، وإنما روى له مسلم في مقدمة كتابه والطريق الثانية دلسها ابن إسحاق. وقال الحاكم عن الرواية الأولى: قد اتفق هؤلاء الثقات على رواية هذا الحديث = ٢٨٣ ١٦٠٢ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبدُ السلام، عن الزُّهري، عن محمد بن جبيربنِ مُطعم، عن النبيِّ ﴿ ل *... فذكر مثله (١). = عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، وخالفهم عبدالله بن نمير وحدَه، فقال، عن محمد بن إسحاق، عن عبد السلام بن هارون - وهو ابنُ أبي الجنوب - عن الزهري، وابن نمير ثقة والله أعلم. ثم نظرناه، فوجدنا للزهري فيه متابعاً عن محمد بن جبير، وقال: أخبرنا القطيعي، حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عمروبن أبي عمرو مولى المطلب، عن عبدالرحمن بن الحويرث، عن محمد بن جبيربن مطعم، به . قلت: هو في ((مسند أحمد)) ٢٨٢/٤) ورواه أيضاً أبو يعلى ١/٣٤٧ عن أبي خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، به. ورواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ١٠/٢، والطبراني (١٥٤٣) من طريقين عن عقبة بن مكرم، عن يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمروبن أبي عمرو، عن محمد بن جبير، به، ولم يذكر عبدالرحمن بن الحويرث. ورواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ٤١/١ من طريق عبدالله بن ربيعة القدامي، عن مالك، عن الزهري، عن محمد بن جبير، عن أبيه. وقال ابن عبد البر: القدامي ضعيف، وله عن مالك أشياء انفرد بها لم يتابع علیھا . (١) إسناده ضعيف عبد السلام - وهو ابن أبي الجنوب - قال ابن المديني وابن عدي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروك، وقال ابن حبان في ((المجروحين)) ١٥٠/٢: منكر الحديث، يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يعجبني = ٢٨٤ قال أبو جعفرٍ: فسألَ سائلٌ عن الفقهِ المقصودِ إليه في هذين الحديثين ما هو؟ فكان جوابنا له بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّه الفهمُ، ومنه قولُ الله عز وجلَّ في كتابه مما حكاه عن نبيِّه موسى وَّ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفقهُوا قولي﴾ [طه: ٢٧]، وقوله عز وجل: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهونَ تَسْبِيحَهُم﴾ الإِسراء: ٤٤]، أي: لا تفهمونه . قال: أفيكون كلُّ فَهِمٍ فقيهاً؟(١). فكان جوابُنا له في ذلك: أنه لا يُقال : - كلُّ فَهمِ فقيهً، وإنْ كان قد فَقِهَ ذلك الشيءَ الذي قد فَهِمَهُ، لأنَّ الفقه لما جلَّ مقدارُه، وتجاوزٌ مقاديرَ كُلِّ الأشياءِ من العلوم، خُصَّ أهلُه بأن قيل لهم: الفقهاءُ، = الاحتجاجُ بخبره لمخالفته الأثبات في الروايات، قال الحافظ: ثم غفل فذكره في ((الثقات)) ١٢٧/٧، ولم ينسبه، وقال: عبد السلام يروي عن الزهري، وعنه ابن إسحاق، وهو هذا بلا ريب. ورواه ابن ماجه (٢٣١)، والطبراني (١٥٤٢) من طريق محمد بن عبدالله بن نمير، بهذا الإِسناد. وقال البوصيري في ((الزوائد)) ٢/١٧: هذا إسناد ضعيف لضعف عبد السلام، وهو ابن أبي الجنوب. ورواه ابن أبي شيبة في ((مسنده)) كما في ((زوائد ابن ماجه)) ٢/١٧، ومن طريقه الطبراني في ((الكبير)) (١٥٤٢) عن عبدالله بن نمير، به. (١) في الأصل: ((فقيه)) وهو خطأ. ٢٨٥ ١ ورُفِعُوا بذلك على مَنْ سِواهم من الفقهاء، فلم يَجُزْ أن يُطلَقَ لغيرهم من ذلك ما أُطْلِقَ لهم منه. ومما قد دلَّ على ذلك ما قد رُوي عن رسول الله ﴿ من قوله: (الفِقْهُ يَمانٍ)) ١٦٠٣ - كما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا وَهْبُ بن جرير، قال: حدثنا هشامُ بنُ حَسَّانَ، عن محمد بن سيرين عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﴿ أنه قال: ((الإِيمَانُ والفِقْهُ یَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَّةٌ))(١). ١٦٠٤ - وكما حدثنا فهد بنُ سليمان، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حدثني الليثُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني جريرُ بنُ حازم، عن أيوب السَّخْتيانِيِّ وعبدِ الله بن عَوْن، عن محمدِ بنِ سیرین، قال: حدثنا أبو هريرة، عن رسولِ الله وَ﴿ أنه قال: ((الإِيمَانُ يمانٍ، والفِقْهُ يَمَانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَّةٌ))(٢). فسمَّى رسولُ اللهَ ذلك فقهاً وأبانه عن سائر الأشياء المفهومةِ سواه، فلم يُسَمِّها فقهاً، فكذلك أهلُه انطلق لهم أنْ يُسَمِّوا فقهاء، ولم ينطلق لِمَنْ سِواهم من الفُهماء أن يُسمَّوا فُقَهاء، وثبتَ بذلك أن كلَّ فقيهٍ فَهِمْ، وأنه ليس كلَّ فَهمِ فقيهاً. والله نسأله التوفيق. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد تقدم برقم (٧٩٨). (٢) حديث صحيح، وقد تقدم برقم (٧٩٩). ٢٨٦ ٢٦٢ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِوَلجه من اكتتابِه العُهدة التي اكتبها للعِدَّاء بن خالد بن هَوْذَةً في بيعه إيَّهِ عبداً أو أمةٌ بَيْعَ المسلم للمسلمِ لا داءَ ولا غائِلَةَ ولا خِبْئَة ١٦٠٥ - حدثنا عبدُ العزيز بن معاوية بن عبد العزيز القرشي، ثم العَتَّابي أبو خالد، قال: حدثنا عبَّاد بنُ ليثٍ، قال: حدثني عبدُ المجيد بنِ وَهبٍ(١)، قال: : قال لي العَدَّاءُ بن خالد بن هوذة: أَلا أَقْرتُك كتاباً كَتَبَه لي رسولُ اللهِ وَ﴾؟ قلت: بلَى. فأخرج لي كتاباً، فإذا فيه: ((بسم الله الرحمنِ الرَّحيم: هذا ما اشترى العَدَّاءُ بنُ خالِدِ بنِ هَوْذَةً من محمدٍ رسول الله، اشتَرَى منهُ عَبْداً أَوْ أَمَّةً - شكَّ عبدُ المجيد - بَيْعَ المسلم لِلمُسلم، لا دَاءَ ولا غائِلَةً ولا خِبْثَةَ)»(٢). (١) تحرف في الأصل إلى: ((أخو وهب)). (٢) حديث حسن. عباد بن ليث - وهو الكرابيسي القيسي - قال ابن معين وأحمد: ليس بشيء، وقال النسائي: لا بأس به، وقال مرة: ليس بالقوي، وحسن له الترمذي، وقد تابعه المنهال بن بحر (وقد وثقه أبو حاتم وابن حبان) عند أبي بكر الشافعي محمد بن عبدالله بن إبراهيم البزار في رباعياته فيما رواه عنه الحافظ في ((التغليق)) ٢١٨/٣-٢١٩، وأبو رجاء العطاردي عند البيهقي ٣٢٨/٥، والطبراني في = ٢٨٧ قال أبو جعفر: وقد كنَّا سمِعنا قبل ذلك هذا الحديثَ مِن غيرِ واحدٍ حدثنا به عمَّن حدثه إياه عبَّاد هذا، فمنهم: ١٦٠٦ - أبو أمية حدثناه، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرعَرَة، قال: حدثنا عبَّاد ... ثم ذكر بإسناده مثلَه. ١٦٠٧ - ومنهم أحمد بن أبي عمران حدثناه، قال: حدثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيل، قال عبَّد ... ثم ذكر بإسناده مثلَه. ١٦٠٨ - ومنهم يزيدُ بنُ سِنان حدثناه، قال: حدثنا أخي محمد بن = ((الكبير)) ١٨/(١٥) وباقي رجاله ثقات، فالحديث حسن في الجملة كما قال الحافظ. ورواه الترمذي (١٢١٦)، والنسائي في الشروط من ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٧٠/٧، وابن ماجه (٢٢٥١)، وابن الجارود (١٠٢٨)، والبيهقي ٣٢٧/٥-٣٢٨، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٣/٤، والمزي في (تهذيب الكمال)) ١٥٥/١٤-١٥٦، والحافظ ابن حجر في ((تغليق التعليق)) ٢٢٠/٣ من طرق عن عباد، بهذا الإسناد، وقال الترمذي: حسن غريب. والعدَّاء بن خالد بن هوذة صحابي قليل الحديث، أسلم بعد حنين. وعلَّقه البخاري في ((صحيحه)) ٣٠٩/٤ في البيوع: باب إذا بين البيّعان ولم يكتما ونصحا، فقال: ويذكر عن العداء بن خالد، قال: كتب لي النبيُّ وَل ـ: «هذا ما اشترى محمد رسول الله ﴿ من العداء بن خالد بيع المسلم من المسلم لادَاءَ ولا خِبْئَةَ ولا غَائِلَةَ)) . قال الحافظ في ((التغليق)) ٢٢٠/٣: وقد تتبعت طرق هذا الحديث من الكتب التي عزوتها إليها، فاتفقت كلها على أن العداء هو المشتري، وأن النبي ◌َّ هو البائع، وهو بخلاف ما علقه المصنف فليتأمل. وانظر ((الفتح)) ٣١٠/٤. ٢٨٨ سنان، قال: حدَّثنا عبَّاد ... ثم ذكروا بإسناده مثلَه، غير أنّهم لم يقولوا في حديثهم: ولا غَائِلَة. فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا الأدواءَ معقولةً أنها الأمراضُ، ووجدنا الغَوَائِلِ معقولة أنها غوائلُ المبيعِ من الأخلاقِ المذمومة التي يكون فيها من الإِباقِ ومن السَّرقات، وسائرِ الأحوالِ المذمومة التي (١) يغتال بها مَن سواه. ومن ذلك قِيل: قَتَلَ فَلَانْ فلاناً قَتْلَ غِيلَةٍ، ومنه حديثُ رسول اللهِوَ﴾: ((لقَدْ هَمَمْتُ أنْ أَنْهَى عن الغِيلَةِ حتَّى ذكرتُ أنَّ فارِسَ والرُّومَ يصنَعُونَ ذلك فلا يَضُرُّ أَوْلاَدَهُم))(٢) أيْ ما يطرأ على أولادِهم المحمولةِ بهم ممَّا يكون إلى أمهاتهم من جماعهم إياهُنَّ وهُنَّ كذلك، فَسُمِّي ذلك غيلاً، لأنّه يأتي أولادهن من حيث لا يعلمون. وسنذكر ذلك بأسانيده، وبما قاله أهلُ العلمِ فيهِ فيما بعدُ من كتابنا هذا إن شاء الله. فمثلُ ذُلك هذه الأشياء التي يغتالُ فيها المملوكون مَالِكيهم من الأجناس التي ذكرنا، ووجدنا الخِبْثة قد قال الناسُ فيها قولين: أحدُهما: أنَّه الشيء المذموم وهو سَبيُّ ذوي العهود الذين لا يَحِلُّ استرقاقُهم، ولا يَقَعُ الإِملاك بذلك عليهم، هكذا كان ابنُ أبي عمران يَذْكُرُه لنا عن أهلِ العلم بذلك النوعِ ، ولا يَحكي لنا خلافاً فيه، وأما غيرُه من أهل العلم بهذا النوع، فكانوا يقولون: إنّ الخِبثة هي الأشياءُ (١) في الأصل: ((الذي)). (٢) حديث صحيح رواه مالك في ((الموطأ)) ٦٠٧/٢-٦٠٨ من حديث جذامة بنت وهب الأسدية، وصححه ابن حبان (٤١٩٦) من طريق مالك، وانظر تمام تخريجه فیه. ٢٨٩ الخَبيثةُ، ومن ذلك قول الله: ﴿الخَبيثاتُ للخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ للخَبيثاتِ﴾ [النور: ٢٦]، ومنها قوله عز وجل: ﴿والذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلَّ نَكِدأ) [الأعراف: ٥٨]، قالوا: فكلُّ مذمومٍ فهو خبيثٌ، وهذه الأشياء التي ذكرنا أنها الغوائلُ هي مذموماتٌ مكروهاتٌ، فكلَّ شيء منها عندهم خِبثة. فكان من الحجَّة في ذلك لمَنْ ذهبَ مذهبَ ابن أبي عمران أن الغوائلَ كما ذكروا خبائثُ، وهي غوائل، وأنَّ كلَّ خَبيث غائلةٌ، وليسَ كلُّ غائلة خبيثاً(١). فكان ردُّ السبي لا فِعلَ للمملوكين فيه، كما الأفعالُ المذمومات اللَّتي ذكرنا في الغوائل أفعالٌ لهم، فكانت الغوائلُ كما ذكرنا، وكانت الخِبثة ممَّا لا فِعل للمملوكين فيه، إنما هي فعلُ غيرهم فيهم، ففرق في ذلك بين الغائِلَةِ والخِبثة لهذا المعنى. وهذا عندنا أشبهُ من القولِ الآخر، والله نسأله التوفيق. الله ـعالى (١) في الأصل: ((خبيث)). ٢٩٠ ٢٦٣ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله وَ﴾ من قوله: ((تَدُورُ أو تزولُ رَحَى الإِسلام لِخمسٍ وثلاثينَ أو لسِتُّ وثلاثين أو لِسبعٍ وثلاثينَ)) وما ذكِر في الحديث الذي رُوي عنه فیه. ١٦٠٩ - حدثنا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدثنا شَريكُ بنُ عبد الله، عن منصورٍ، عِن رِبعِي بنِ حِراش، عن البَراءِ بنِ نَاجِية، قال: قال عبدُ الله: قال لنا رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ رَحَى الإِسلامِ ستزولُ بعد خمسٍ وثلاثينَ أو سِتَّ وثلاثين أو سبع وثلاثينَ سَنةً، فإنْ يَهْلِكوا، فَسَبِيلُ مِن هَلَكَ، وإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ، فَسَبَعِينَ عَامً» قال عمرُ رضي الله عنه: يا نَبيَّ الله ممَّا مضَى أو مِمَّا بَقِي؟ قال: ((لا، بل مِمَّا بَقِيَ))(١). ١٦١٠ - حدثنا يزيدُ بنُ سنان، قال: حدثنا يزيد بنُ هارون، قال: أخبرنا العَوَّامُ بنُ حوشب، قال: حدثني سليمانُ بن أبي سليمان، عن (١) حديث صحيح، شريك بن عبدالله - وإن كان سبىء الحفظ - قد توبع، وباقي رجاله ثقات. وانظر الحديث التالي. ٢٩١ القاسم بن عبدالرحمن، عن أبيه عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ نَ ◌ّه قال: ((تزولُ رَحَى الإِسلام على رأس خمسٍ وثلاثينَ أو ستُّ وثلاثين أو سبعٍ وثلاثينَ، فإنْ هَلِكوا، فَسَبِيلُ من هَلَكَ، وإنْ بَقُوا، بَقِيَ لَهُمْ دِينُهُمْ، سَبِعِينَ سَنةً)(١). ١٦١١ - حدثنا أبو أُمية، قال: حدثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقبة، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن رِبعي، عن البَرَاءِ بنِ ناجيةَ المُحارِبي عن عبد الله، قال: قال رسول الله وَلَهُ: «تدورُ رَحَى الإِسلام لِخمسٍ وثلاثينَ أو ستُّ وثلاثين أو سبعٍ وثلاثينَ، فإنْ هَلَكوا، فَسَبِيلُ من هَلَكَ، وإنْ يَبْقَ لَهُمْ دِينُهُمْ، فَسَبِعِينَ عَامً) قال عمرُ: يا رَسولَ الله ممَّا مضَى أو مِمَّا بَقِي؟ قال: ((مِمَّا بَقِيَ))(٢). (١) إسناده صحيح، على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير القاسم بن عبدالرحمن، فمن رجال البخاري، وقد ثَبَّت سماع عبدالرحمن من أبيه غيرُ واحد من الأئمة. ورواه ابن حبان (٦٦٦٤) من طريق مسدد، عن يزيد بن هارون، بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه فيه. (٢) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير البراء بن ناجية، فقد روی له أبو داود، وهو ثقة. ورواه أحمد ٣٩٣/١ و٣٩٣-٣٩٤ و٣٩٥، وأبو داود (٤٢٥٤)، وأبو يعلى (٥٢٨١)، والبغوي (٤٢٢٥)، والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) ١٠٦/١ من طرق عن سفيان، بهذا الإسناد. وانفرد أبو داود، وعنه البغوي في روايته، فقالا: ((مما مضى)) بدل قوله: ((مما بقي)). ٢٩٢ ١٦١٢ - حدثنا فهدُ، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شَريك، عن مُجالدٍ، عن عامر، عن مسروق عن عبد الله، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ رَحَى الإِسلامِ سِتَزُولُ بَعْدَ خمسٍ وثلاثينَ، فَإِنْ يَصْطَلِحوا فيما بَينَهُمْ عَلَى غَيرِ قِتَالَ يَأْكُلُوا الدُّنْيَا سَبْعِينَ عاماً رَغَداً، وإِنْ يَقْتَتِلوا يَرَكِبُوا سنَنَ مَنْ كَانَ قَبَلَهُمْ))(١). ١٦١٣ - حدثنا علي بن شيبة، قال: حدثنا عُبيد الله بن موسى العَبْسي، قال: حدثنا شيبان، عن منصور، عن رِبْعي، عن البَرَاء بنِ ناجِيةَ الكَاهِلي، عن عبدِ الله بن مسعود، قال: قال رسولُ الله ◌ِ *:... ثم ذكر مثلَ حديث أبي أميّة عن قبيصة الذي ذكرناه في هذا الباب غيرَ أنَّه قال: ((إنَّ رَحَى الإِسلامِ تَدُورُ))(٢). قال أبو جعفر: فتأملنا هذه الآثار لِنَقِفَ على المرادِ بها إنْ شاءَ الله. فكان قولُهُ وَّهِ: ((تَدورُ أو تزولُ رحى الإِسلام)) يريد بذلك الأمورَ التي عليها يدورُ الإِسلامُ، وشبّه ذلك بالرحى، فسمّاه باسمها، وكان قولُهُ وَ﴾: ((بَعْدَ خَمسٍ وثلاثِينَ أو سِتْ وثلاثينَ أو سَبْعٍ وثلاثِينَ)) لیس (١) حديث صحيح. شريك، وإن كان سيىء الحفظ، قد توبع. ورواه الطبراني في «الكبير» (١٠٣١١) من طريق أبي نعيم، بهذا الإسناد. (٢) إسناده صحيح. ورواه الطيالسي (٣٨٣)، ومن طريقه الحاكم ٥٢١/٤ وصححه عن شيبان، بهذا الإِسناد. ورواه الخطابي في ((غريب الحديث)) ٥٤٩/١، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٣٩٣/٦ من طريقين عن منصور، به. ٢٩٣ على الشَّكِّ، ولكن على أن يكونَ ذُلك فيما يشاؤه الله عزَّ وجلّ من تلك السِّنين، فشاءَ عز وجل أنْ كان في سنةٍ خمسٍ وثلاثينَ فتهيًا فيها على المُسلمين حَصْرُ إِمَامهم، وقبضُ يده عما يتولَه عليهم مع جلالةِ مقداره، لأنَّه من الخُلفاءِ الراشدين المهديين، حتَّى كان ذلك سبباً لسفكِ دمِهِ رضوانُ الله عليه، وحتّى كان ذلك سبباً لوقوع الاختلاف وتفرُّقِ الكلمةِ واختلافِ الآراء، فكان ذلك ممَّا لو هلَكوا عليه، لكان سبيلَ مهلكٍ لِعِظَمِهِ، ولِمَا حَلَّ بالإِسلام منه. ولكن الله ستر وتلافى، وخلف نبيه في أمَّتِه من(١) يحفظُ دِينَهم عليهم، ويُبقي ذُلك لهم. ثم تأمَّلنا ما بقي من هذه الآثار، فوجدنا في حديث مسروق منها عن عبد الله: ((فإنْ يصْطَلِحوا فيما بَينَهُم على غيرِ قتالٍ يَأْكُلُوا الدُّنيا سَبِعِينَ عاماً رغداً)) ووجدنا مكانَ ذلك في حديثي عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود والبَراء بن ناجية ((فَإِنْ يَبْقَ لَهُمْ دِينُهُمْ فَسَبِعِينَ عامً)) وكان ذلك قد جاءً مُختلفاً في حديث مسروق وحديثَيْ صاحِبَيْهِ. فكان ما في حديث مسروق أُوْلاَهما وأشبَهُهُما بما جَرَتْ عليه أمورُ الناسِ ممَّا في حديثي الآخرين، لأنَّ الذي في حديثٍ مسروق ((فَإِنْ يَصطَلِحوا بَيْنَهم على غيرِ قتالٍ يَأْكُلُوا الدُّنيا سَبعينَ عَاماً رَغَداً)) ولم يَصطَلِحوا على غيرِ قتالٍ، فتكون المُدَّةُ التي يأكلون الدنيا فيها كذلك سبعين عاماً، ثم تنقطع، فلا يأكلُونَها بعدها. ولكن جرَت أمورُهم على غير ذلك ممَّا لم ينقطعْ معهم القتالُ، فكان ذلك رحمةً من الله لهم، وسَتْراً منه عليهم فجَرى على ذلك أن يأكلُوا الدنيا بلا توقيتٍ عليهم فيه، وكان ما في حديثي (١) سقطت من الأصل واستدركت من المطبوع. ٢٩٤ عبد الرحمن بن عبد الله والبراءِ بن ناجيةً يُوجِبُ خلافَ ذلك، ويوجبُ انقطاعَ أكلِهِم الدنيا بعد سبعين عاماً. وقد وجدناهم بحمد الله ونعمته أكلوها بعدَ ذلك سبعين عاماً وسبعين عاماً وزيادةً على ذلك ودينُهم قائمٌ على حاله. فعقلنا بذلك أن أصلَ الحديث في ذلك كما رواه مسروقٌ فيه، لا كما رواه صاحبَاه، لأَنَّه لا خُلْفَ لِما يقولُه رسول الله اِلـ والله نسأله التوفيق. الله C S وقفـ الله تعالى ٢٩٥ ٢٦٤ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسول الله وَلخير من قوله: ((لا حِلْف في الإِسلام وتَمسَّكُوا بحِلْفِ الجَاهِليَّةِ)» ١٦١٤ - حدثنا الربيعُ بن سليمان المُرادي وابنُ أبي مريم جميعاً، قالا: حدثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا يحيى بنُ زكريًّا بن أبي زائدة، قال: حدثني أبي، عن سعد بنِ إبراهيمَ، عن أبيه عن جُبيربن مُطْعِم أنَّ النبي ◌َِّ قال: ((لا حِلْفَ في الإِسلامِ، وأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمْ يَزِدْهُ الإِسلامُ إلَّ شِدَّةً))(١). ١٦١٥ - أخبرنا أحمد بنُ شُعيب، قال: أنبأنا عبدُ الرحمن بن محمد بن سلام الطّرسُوسي، قال: حدثنا إسحاقُ الأزرق، عن زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بنِ جُبيربنِ مُطعِم، عن أبيه، عن رسول الله وَله ... مثلَه(٢). (١) إسناده صحيح. أسد بن موسى: ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين غير سعد بن إبراهيم - وهو ابن عبدالرحمن بن عوف - فمن رجال البخاري. ورواه ابن حبان (٤٣٧١) من طريق مسروق بن المرزبان، عن يحيى بن زکریا، بهذا الإِسناد. وانظر تمام تخريجه فيه. (٢) إسناده صحيح، عبدالرحمن بن محمد بن سلام روى له أبو داود والنسائي : لا بأس به، ومن فوقه ثقات من رجال الصحيح. وهو عند النسائي في ((الفرائض)) كما في ((الكبرى)) ٢٦٢/٦. ٢٩٦ = فاختلف يحيى بنُ زكريًّا، وإسحاقُ بن يوسف على زكريا بن أبي زائدة في إسنادٍ هذا الحديثِ على ما ذكرنا في اختلافِهما فيه. والله أعلم بالصواب في ذلك غير أنَّ الذي تَميلُ إليه القلوبُ فيه ما رواه عليه يحيى بن زكريا لثّبْتِهِ وحفظِه وجَلَالَةِ مقدارِه في العلم حتَّى لقد قال يحيى القطّن فيه: ما قد حدَّثنا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حدثنا حارثُ بنُ سُرَيجِ النَّقَالُ(١)، قال: سمعتُ يحيى بنَ سعيد يقول: ء ما بالكوفةِ أحدٌ أثقلَ علي خلافاً من يحيى بن زكريا(٢)، وكفَى برجلٍ يقولُ فيه يحيى بنُ سعيد مثلَ هذا القول. ١٦١٦ - حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ المُرادي، قال: حدثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا جَرِيرُبنُ عبد الحميد، عن مُغيرة، عن أبيه، عن شُعبة بن التوأم الضبي، قال: سألَ قيسُ بنُ عاصمِ رسولَ اللهِ وََّ عن الحِلْفِ قال: ((لا حِلْفَ في الإِسلام، ولَكِنْ تَمَسَّكوا بحِلْفِ الجَاهِلِيَّةِ))(٣). = ورواه أبو يعلى ١/٣٤٧، وابنُ حبان (٤٣٧٢)، والطبراني في ((الكبير)) (١٥٨٠)، والبيهقي ٢٦٢/٦ من طرق عن إسحاق بن يوسف الأزرق، بهذا الإسناد. قال ابن حبان بإثر الحديث: سمع هذا الخبر سعدُ بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير، وسمعه من نافع بن جبير، عن أبيه، فالإِسنادان محفوظان. (١) في الأصل: ((البقال)) وهو تحريف. وسمي النقال، لأنه نقل رسالة الشافعي إلى ابن مهدي. (٢) انظر الخبر في ترجمة يحيى بن زكريا من ((تهذيب الكمال))، و((سير أعلام النبلاء)) ٣٠٠/٨. (٣) مغيرة: هو ابن مقسم الضبي، ثقة من رجال الجماعة، وأبوه المقسم لم = ٢٩٧ فقال قائلٌ: كيف تقبلُون هذا وأنْتُم ترؤُون عن رسولِ الله ◌ِِّ أنَّه قد حالَفَ في الإِسلامِ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنصار. ١٦١٧ - فذكر ما قد حدثناهُ المُزَنِيُّ، قال: حدثنا محمد بن إدريس الشَّافعي، عن سفيان بن عيينة، قال: حدثنا عاصم الأُخْول عن أنس بن مالك، قال: حالفَ رسول اللهِ وَّ بين المهاجرين والأنصار في دَارِنا. فقيل له: أَلَيْسَ قد قالَ النبيُّ ونَ: ((لا حِلْفَ في الإِسلام )) فقال: حَالفَ رسولُ الله وَله بين المهاجرين والأنصار في دارنا. قال سفيان: فسَّرتهُ العلماء: آخَى بينهم(١). قال: فلم يلتفت هذا المعارضُ الذي ذكرنا إلى ما حكّيناه له عن ابن عيينة عن العلماءِ الذين حكاه عنهم، وقال: قد جاءَ كتابُ الله عز وجل بما يُخْبِرُ أنه قد كانت محالفة في الإِسلام، وذكر قَوْلَ الله عز وجل: ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنا = يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه غير ابنه، وشعبة بن التوأم روى عنه جمع، ووثقه ابن حبان . ورواه ابن حبان (٤٣٦٩) من طريق جرير بن عبدالحميد، بهذا الإِسناد، وانظر تمام تخريجه فيه. (١) إسناده صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين غيرَ الإِمام الشافعي، فقد علق له البخاري، وروى له أصحاب السنن، وهو ثقة إمام. ورواه أحمد ١١١/٣، وأبو داود (٢٥٢٩) من طريق سفيان، بهذا الإِسناد، وليس عند أحمد اللفظ المرفوع: ((لا حلف في الإِسلام)» ولم يذكر أبو داود قول سفيان. ورواه مختصراً أحمد ١٤٥/٣، و٢٨١، ومسلم (٢٥٢٩)، والبخاري (٢٢٩٤) و(٦٠٨٣) و(٧٣٤٠)، والبيهقي ٢٦٢/٦ من طرق عن عاصم، به. ٢٩٨ مَوَالِيَ مِّمَّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقْرَبونَ والذينَ عَاقَدَتْ(١) أَيْمَانُكُمْ فَأَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. فكان جوابُنا له في ذلك - بتوفيق الله عزَّ وجلّ وعونه -: أنَّ الَّذي تلاه علينا مِنْ كتاب الله كما تَلاه، ولكن الله عزَّ وجل قد نسخه، وذلك أنَّ أحمد بن شعيب حدثنا، قال: أخبرنا هارونُ بنُ عبد الله وهو الحَمَّال، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني إدريس بن يزيد، قال: حدثنا طلحةُ بن مُصرِّف، عن سعيد بنِ جُبِيرٍ عن ابن عباس في قوله عز وجل: ﴿وَالذينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال: كان المهاجرون حين قدِموا المدينةَ تُورَّثُ الأنصارَ دونَ رحمهِ(٢)، للَّأَخُوَّةِ التي آخَى رسولُ اللهِ وَّ بينهم، فلما نزلت الآية: ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ نسخَتْها: ﴿وَالذينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ النَّصر والنَّصيحةِ والرِّفَادَةِ ويوصي له، وقد ذهب الميراثُ(٣). (١) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: (عقدت) بلا ألف. انظر ((زاد المسير)) ٧١/٢، و((حجة القراءات)) ص٢٠١ -٢٠٢. (٢) أي: تجعل ورثة للأنصار مقدمة على ذوي الأرحام. ولفظ البخاري: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رَحمِه. (٣) إسناده صحيح على شرط مسلم. رجاله رجال الشيخين غير هارون الحمال، فمن رجال مسلم. أبو أسامة: هو حماد بن أسامة. وهو عند النسائي في الفرائض من ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤١٨/٤. ورواه النحاس في ((الناسخ والمنسوخ)» ص١٢٨ عن النسائي، بهذا الإسناد، وقال بإثره: قال أبو عبدالرحمن (أي النسائي): إسناده صحيح. ٢٩٩ = فأخبر ابنُ عباس رضي الله عنه أنَّ هذه الآية قد نسخَها غيرُها يعني أنه نسخَها قول الله عز وجل: ﴿وَأَوْلُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٦] فأخبر ابنُ عباس في حديثه هذا أنَّ الذي بَقِيَ لهم يعني الأحلافَ بَعْدَ نزول هذه الآية هو النصرُ والنصيحةُ والوصيَّةُ، وأن الميراث قد ذهب. قال: فإذا جُمِعَ ما في هذا الحديثِ وما في حديث أنس بن مالكٍ دلَّ أنَّه قد كان هناك تحالف، ووكَّدَ ذلك قولُ الله عز وجل: ﴿والذين عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: ففي هذا ما قد خالف ما قد رَوَيتموه أن لا حِلْفَ في الإِسلام !! قيل له: ما خالَفَهُ، لأنَّ قولَ النبي ◌َّ: ((لا حِلْفَ في الإِسلام)» إنَّما كان منه عند فتحه مكة. ١٦١٨ - كما حدَّثنا أبو أميّة، قال: حدثنا عُبيد الله بن موسى العَبْسي، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن عبدالرحمن بن الحارث، عن عمروبن شعيب، عن أبيه عن جَدِّهِ عبد الله بن عمرو، قال: لما دَخَلَ رسول اللهِِّ مكةً عامَ الفتحِ قام خطيباً، فَقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّه ما كانَ من حِلفٍ في = ورواه أبو داود (٢٩٢٢) عن هارون الحمال، به. ورواه البخاري (٢٢٩٢) و(٤٥٨٠) و(٦٧٤٧)، والطبري في ((جامع البيان)» (٩٢٧٥) و(٩٢٧٧)، والحاكم ٣٠٦/٢، والبيهقي ٢٩٦/١٠، وابن أبي حاتم كما في ((تفسير ابن كثير ٥٠١/١ من طرق عن أبي أسامة، به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه! ٣٠٠