النص المفهرس
صفحات 161-180
سمعتُ رسول الله وَلَّ حين أمر بقتل هؤلاء الرَّهْطِ بمكة يقول: ((لا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هذا العامِ أَبداً ولا يُقتَلُ رَجُلٌ من قريشٍ صَبْراً بعدَ العَامِ))(١) . قال أبو جعفرٍ: فكان هذا القولُ من رسول اللهِ وَّ ما لم يَذْكُر لنا فيه مَنْ روى لنا هذا الحديثَ لفظَ رسول اللهِ وَِّ به مُعْرَباً، وذلك مما يقع فيه الإِشكالُ، لأنه إن كان لا يُقتل بالحرم، كان ذلك على الأمر، وفي ذلك خلافٌ لأحكام الله عز وجل المذكورة في غير هذا الحديثِ، لأن أحكامَ الله عز وجل أن القرشيَّ يُقتلُ قَوَداً إذا قَتَل عمداً، وأنه يُرجم إذا زنى مُحْصَنَاً وحاشَ الله عز وجلَّ أن يكونَ لفظُ رسولِ الله * بذلك الحرف يخرجُ من هذه الأحكام، ولكنَّه عندنا - والله أعلم - ((لا يُقتلُ)) مرفوعاً، فيكونُ ذلك على الخبر كمثل ما قد ذكرناه فيما تقدم منَّا في كتابنا هذا عن رسول الله ﴿ من قوله: ((لا يُلْدَغُ مُؤْمِنٌ مِنْ جُحْرِ مَرَّتين))(٢). وأتينا في ذلك بما يوجبُ أنَّه على الخبر لا على الأمر، فَغَنِينا بذلك عن إعادَتِهِ هاهنا. (١) إسنادُه حسن، فقد صرَّح ابن إسحاق بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه. ورواه أحمد ٤١٢/٣ ٢١٣/٤، ومن طريقه ابن الأثير في ((أسد الغابة)) ١٩١/٥-١٩٢ عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، بهذا الإِسناد. ورواه الطبراني في ((الكبير)) ٢٠/ (٦٩١) من طريق أحمد بن محمد بن أيوب صاحب المغازي، حدثنا إبراهيم بن سعد، به. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٨٤/٣: رواه أحمد ورجاله ثقات. (٢) تقدم برقم (١٤٦٢). ١٦١ فقال قائلٌ: فقد رأينا من لا يُحصَى عَدَدُه من قريش قد قُتلوا في الإِسلام صبراً، ونحن نعلمُ أنَّ رسولَ اللهِ وَ لا خُلْفَ لقوله. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّ مراده نَّه بقوله: ((لا يُقْتَلُ قُرَشِيٍّ بعدَ العامِ صَبْراً)) إنَّما هو أنَّه لا يُقتل بعد ذلك العام قُرشيٍّ صبراً على ما أباحَ من قتل الأربعةِ القرشيين المذكورين في حديث سعدٍ عليه عامَئذٍ، لأنه كان قتلاً على محاربة قتل مَنْ قُتل منهم فيها على الكفر، وذلك بحمد الله لم يكنْ من عامئذٍ في قرشيٍّ بعدَ ذلك العام عاد كافراً محارباً لله ورسوله في دار كُفر إلى يومنا هذا، ولا يكون ذلك إلى يوم القيامة، لأنَّ الله عز وجل لا يُخْلِفُ وعدَهُ رسله(١). ومما قد دلَّ على ما قلنا من ذلك ما قد رُوي عن رسول الله 18َ في غيرِ هذا الحديث في مكّة. ١٥٠٩ - كما قد حدثنا رَوْجُ بن الفرج، قال: حدثنا حامدُ بنُ يحيى، قال: حدثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي عن الحارث بن البَرْضَاءِ، قال: سمعت رسول الله وَلِ﴾ يقولُ يوم فتح مكة: ((لا تُغْزَى مكَّةُ بعدَ هذا اليوم أبداً)). قال سفيانُ: تفسيرُهُ (١) وقال النووي في ((شرح مسلم)) ١٣٤/١٢: قال العلماء معناه: الإِعلام بأن قريشاً يسلمون كلهم، ولا يرتد أحد منهم، كما ارْتدّ غيرهم بعده ◌َّ ممن حُورِب وقُتل صبراً، وليس المراد أنهم لا يُقتلون ظلماً صبراً فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم، والله تعالى أعلم. ٠ ١٦٢ أنَّهم لا يَكفُرون أبداً، ولايُغْزَون على الكُفر (١). قال أبو جعفرٍ: وكذلك معنى ((لا يُقتَلُ قُرشيٍّ بعد العام صَبْراً) إنَّما يُراد به هذا المعنى أنَّهم لا يَعُودونَ كَفَّاراً يُغْزَوْنَ حتى يُقْتَلُوا على الكُفْرِ، كما لا تعودُ مكّةُ دارَ كفرِ تُغزى عليه. وبالله عز وجل التوفيق. 8 م (١) إسنادُه صحيح، حامدُ بن يحيى، هو: ابنُ هانىء البلخي ثقة حافظ، روى له أبو داود، ومن فوقه من رجال الشيخين. ورواه الحميدي (٥٧٢)، ومن طريقه الطبراني في ((الكبير)) (٣٣٣٨)، والحاكم ٦٢٧/٣ عن سفيان بن عيينة، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ٤١٢/٣ ٣٤٣/٤، والترمذي (١٦١١)، وابن سعد ١٤٥/٢، وابن أبي شيبة ١٤ / ٤٩٠، والطبراني (٣٣٣٣) - (٣٣٣٧)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢١٤/٩، وفي ((دلائل النبوة)) ٧٥/٥، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٤١٣/١، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٢٧٧/٥ من طرق عن زكريا بن أبي زائدة، به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو حديث زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، فلا نعرفه إلاّ من حديثه. ١٦٣ ٢٣٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَلَ من قوله لِمَن كان دعاه وهو يُصلِّي فلم يُجِبْه حتَّى فرغ من صلاته، ثم أتاه مُجيباً له بقوله: ((ما منعَكَ أن تُجِيبَنِي))؟ قال: كنتُ أُصلِّي. قال: ((أَفَلَمْ تَجِدْ فيما أَنزلَ الله عزَّ وجلَّ عليَّ: ﴿يا أَيُّها الّذين آمنوا استَجِيبوا (( لله وللرَّسول إذا دعاكم لِما يُحِيكُمْ} [الأنفال: ٢٤]. قد ذكرنا مما يدخلُ في هذا الباب في باب بيان مُشكل ما رُوي عن رسول الله وَرُ فِي المُرادِ بقول الله عز وجلَّ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعَاً مِنَ المَثانِ﴾ [الحجر: ٨٧]، وحديث أبي سعيد بن العلاء الذي يَدخُلُ في هذا الباب (١). ١٥١٠ - وقد حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا سعيدُ بن أبي مريم، قال: حدثنا أبو غسان محمدُ بن المُطَرِّف، قال: حدثني العلاءُ بنُ عبدالرحمن مولى الحُرَقَة، عن أبيه عن أبي هُريرةٍ، قال: خرجٍ رسولُ اللهِ وٍَّ على أُبيِّ بن كعبٍ وهو يُصلِّي فقال: ((يا أُبَيُّ)) فالتفتَ أَبيَّ فلم يُجِبْهُ، ثم صلَّى، فخفّفَ، ثم (١) انظر الحديث رقم (١٢٠٦) و(١٢٠٧) من الجزء الثالث من هذا الكتاب. ١٦٤ انصرفَ إلى رسولِ اللهِوَ لَ فقال: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله. فقالَ رسولُ اللهِ وَّه: ((وعليكَ السَّلامُ، ما مَنْعَكَ أن تُجِيبَنِي إذْ دَعَوْتُكَ))؟ قال: يا رسولَ الله كنتُ في الصَّلاةِ. قال: ((أَفَلَمْ تَجِدْ فِيما أُوْحَى الله إليَّ أَنْ استَجِيبُوا للهِ وللرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ))؟ قال: بلى يا رسولَ الله، ولا أعودُ إنْ شاءَ الله (١). ١٥١١ - حدثنا أحمد بنُ داود، قال: حدثنا محمدُ بنُ عثمان العثمانيُّ، قال: حدثنا الدَّرَاوَرديُّ، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن رسول الله وٍَّ ... مثلَه(٢). قال أبو جعفرٍ: ففيماً روينا عن رسولِ الله وَّ إيجابُه على من دعاه وهو يُصَلَّي إجابته، وتركَ صلاتِهِ، وأنَّ ذلك أوْلى به من تمادِيه في صلاته بما يُلام عليه ممَّا أنزله الله عز وجل عليه، إذْ كان المُصَلِّي قد يَقْدِرُ أن يخرجَ من صلاته إلى الفضل الذي يُصيبُه في إجابتِهِ رسولَ اللهِ وَلٌ لِمَا دعاه. (١) إسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه أحمد ٤١٢/٢-٤١٣، والطبري في ((جامع البيان)) (١٥٨٧٤)، والبيهقي ٣٧٥/٢-٣٧٦، والبغوي في ((معالم التنزيل)) ٤٢/١-٤٣ من طرقٍ عن العلاء بن عبد الرحمن، بهذا الإِسناد. وانظر ما بعده. (٢) حديث صحيح. محمد بن عثمان العثماني - وإن كان يخطىء - متابع، وباقي السند ثقات، وهو مكرر ما قبله. ورواه الترمذي (٢٨٧٥) عن قتيبة بن سعيد، عن الدراوردي، بهذا الإِسناد. وقال: حسن صحيح. ١٦٥ فقال قائلٌ: أفيدخلُ في ذلك إجابةُ الرجل أمَّه إذا دعتْه وهو يُصلِّي؟ فكان جوابُنا له بتوفيق الله وعونه: أنَّ ذلك غيرُ مُستَنْكَرٍ أن يكونَ كذلك، لأنه قد يستطيعُ تركَ صلاته وإجابَتَه لأمِّه لِما عليه أن يجيبَها فيه، والعودَ إلى صلاته، ولأنَّ صلاتَه إذا فاتَتْ قِضَاها، وبرَّهُ أُمَّه إذا فات لم يستطعْ قضاءَه. وقد دَلَّك على ذلك ما رُوي عن رسول الله وَ* فِي جُرِيجٍ الرَّاهب: ١٥١٢ - كما حدثنا الربيعُ بنُ سليمان المُرادي، قال: حدثنا شعيب بن الليث، قال: حدثنا الليثُ بن سعد، عن جعفربن ربيعة، عن عبد الرحمن بنِ هُرْمُز، قال: قال أبو هريرة: قال رسولُ اللهِ وَّ: نادت امرأةٌ ابنها وهو في صَوْمَعَةٍ، قالت: يا جُرَيجُ. قال: اللهمَ أمِّي أو صلاتي؟ قالت: يا جُرَيْجُ. قال: اللهمَّ أمِّ أو صَلاتي؟ حتى كان ذلك منها ثلاثَ مرات. قالت: اللهمَّ لا يَمُتْ جُرَيجُ حتَّى ينظرَ في وجهه المَيَامِسُ(١). وكان يأوِى إلى صومعتِهِ راعيةٌ ترعى الغنمَ، فولدتْ، فقيلَ لها ممَّن هذا الولدَ؟ قالت: مِنْ جُريجٍ. فنزل من صومعتِهِ، قال جُريجٌ: أين هذه (١) الميامس: جمع مومس، وهي الفاجرة، وتجمع على ((مومسات))، وفي البخاري: ((مياميس)). قال ابن الجوزي في ((الغريب)) ٣٧٨/٢: وهو خطأ، وكذا قال ابن الأثير في ((النهاية)) ٣٧٣/٤. ١٦٦ التي تزعمُ أنَّ ولدَها لي؟ قال: يا بابوس(١) مَنْ أبوكَ؟ قال: أبي راعِي الغَنَمِ(٢) . قال أبو جعفرٍ: فكان في هذا الحديث أنَّ جُريجاً عُوقِبَ بتركِ إجابةِ أمِّه لمّا دعته وهو يصلِّي وتمادِيه في صلاته بأنْ عُوقِبَ بما عُوقِبَ به من أجل ذلك، فدلَّ ذلك أن إجابَتَه أمَّه، والعودَ إلى صلاته بَعْدَ ذلك كان أفضلَ له من التمادي في صلاتِه وتركِه إجابَتَه أَمَّه، والله عز وجل نسأله التوفيقَ. (١) قال العيني في ((عمدة القاري)) ٢٨٢/٧: بابوس - بفتح الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى مضمومة، وبعد الواو الساكنة سين مهملة - قال القزاز: هو الصغير، ووزنه فاعول، فاؤه وعينه من جنس واحد، وهو قليل، وقيل: هو اسم أعجميّ، وقيل: هو عربي. وقال الداوودي: هو اسم ذلك الولد بعينه، وقال ابن بطال: هو الرضيع، وقال الكرماني ٢٥/٧: ولو صحت الرواية بكسر السين وتنوينها، يكون كنية له، ومعناه: يا أبا شدة. (٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. وعلَّقه البخاري (١٢٠٦)، قال: وقال اللَّيث: حدثني جعفر بن ربيعة، بهذا الإِسناد. وَوَصَلُهُ أبو نعيم في ((المستخرج))، والإسماعيلي، ومن طريقه الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٤٤٤/٢ من طريقين عن اللَّيث بن سعد. وانظر ((صحيح ابن حبّان)) (٦٤٨٩). ١٦٧ ٢٣٩ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَه في الكافِرِ الذي قد كان في أصحابِهِ، فنذرَ رجلٌ منهم إنْ قَدَرَ عليه أن يقتُلَهُ، فحالَ بينَه وبينَ ذلك إسلامُه فلم يَقْتُلُهُ لذلك ١٥١٣ - حدثنا محمدُ بنُ علي بن زيد المكِّي الصَّائِغُ، قال: حدثنا حفصُ بن عمر الجُدِّي، قال: حدثنا عبدُ الوارث بن سعيد، قال: حدثنا أبو غالب عن أنس، قال: غَزَوْنا مع رسول اللهِ وََّ، فكان رجلٌ مِنَ الكفَّار أشدَّ النَّاس على أصحاب رسولِ اللهِمٌَّ، فقال رجلٌ من أصحاب رسولِ اللهِ وَ﴾: لَئِنْ أمكنَهُ الله منه ليَضْربَنَّ عنقَهُ. قال: فَأَظْفَر الله المسلمين بهم، فكانوا يجيئون بهم أسْرَى، فيُبايعُهم رسولُ الله ◌ِله حتَّى جِيءَ بذلك الرَّجُلِ، فَكَفَّ النَّبِيُّ بِّهِ عن بيعتِهِ لِيَفِيَ الرَّجُلُ بنذرِهِ، وكَرِهَ الرَّجُلُ أن يقومَ فيضرب عنقه قُدَّامَ النَّبِيِّ ◌ِ ﴿َ، فلمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ◌ِجَ لَا يصنعُ شيئاً، بايَعَه، فجاءَ الرجلُ إلى النَّيِّ ◌َِ﴿، فقال: كيف أصنعُ يا رسولَ الله بنَذري؟ قال: ((قد كفَفْتُ عنهُ لِتَفِيَ بِنَذْرِكَ، فَلَمْ تَصْنَعْ شَيئً)) فقال: يا رسولَ الله، لَوْلاَ أَوْمَضْتَ إليَّ. قال: ((ما كان لِنَبِّ أن يُومِضَ))(١). (١) إسنادُه صحيحٌ. حفص بن عمر الجُدِّي: وثقه أبو حاتم فیما نقله عنه ابنه = ١٦٨ قال أبو جعفرٍ: ففي هذا الحديثِ ما قد دلَّ أنَّ الَّذي كانَ من الرَّجل المذكور فيه: لَئِنْ أمكنهُ الله منه، لَيَضربَنَّ عنقه، كان على النذر، وأنَّ ذلك فاتَّه منه بإسلامِهِ، فلم يَفِ بنذره، فدَلَّ ذلك على أنَّ النذور بالأشياء من هذا الجنس يَقطّعُ عن الوفاءِ بها مثلُ الذي قَطَعَ بذلك الناذرِ عن الوَفاءِ بنذره من ذلك الكافرِ بإسلامه . فقال قائلٌ: أفيكونُ عليه مع ذلك كفارةٌ إذا لم يَفِ بنذره؟ فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عزَّ وجلَّ: أنَّ عليه كفَّارة لفَوتِ الوفاء بنذره إيَّاه بمنع الشريعة إِيَّه مِنَ الوفاء بذلك، وفي ذلك ما قد = ١٨٣/٣، ومن فوقه ثقات. أبو غالب؛ هو الباهلي، اسمه نافع، وقيل: رافع، روى له أصحابُ السنن غير النسائي. ورواه بأطول مما هنا أحمد١٥١/٣، وأبو داود (٣١٩٤)، والبيهقي ٨٥/١٠ من طريق عبدالوارث، بهذا الإِسناد. وجاء عندهم. فقال الرجل: تُبت إلى الله يا نبيّ الله. وقال أبو داود: قول النبي ◌َّله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلّ الله)) نسخ من هذا الحديث الوفاء بالنذر في قتله بقوله: ((إني قد تبت)). وقال الخطابي: الإِيماض: الرمز بالعين والإيماء بها، ومنه وميض البرق وهو لمعانه، وأمّا قوله: ((ليس لنبيّ أن يومض)) فإن معناه: أنه لا يجوز له فيما بينه وبين ربه عز وجل أن يضمر شيئاً ويُظهر خلافه، لأن الله تعالى إنما بعثه بإظهار الدِّين، وإعلان الحق، فلا يجوز له سترُه وكتمانُه، لأن ذلك خداع، ولا يَحِلُّ له أن يُؤْمِّن رجلاً في الظاهر، ويُخفره في الباطن. وفي الحديث دليل على أن الإِمام بالخيار بين قتل الرجال البالغين من الأسارى، وبين حقن دمائهم، ما لم يُسلموا، فإذا أسلموا فلا سبيل عليهم. ١٦٩ دلَّ أنَّ المنعَ بالشَّريعة كالمنعِ بالعدَمِ، وقد رُوي عنْ رسول الله وَله ما يَدُلُّ على ما ذكرنا ١٥١٤ - كما قد حدثنا محمدُ بنُ علي بن داود البغداديُّ قال: حدثنا سعيدُ بنُ سليمان الوَاسطيُّ، قال: حدثنا حَفصُ بن غياث، عن عُبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد عن عائشةَ، عن النبيِّ وَّر قال: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله عَزَّ وَجَلَّ فَلْيُطِعْهُ، ومن نَذَرَ أَنْ يَعْصِي الله عزَّ وجَلَّ فَلا يَعْصِهِ))، قال حفصٌ: وسمعتُ ابنَّ مُجَبَّر(١) وهو عند عبيد الله، فذكَرَهُ عن القاسم، عن عائشة، عن النبيِّ نَّهِ مِثْلَه، وقال فيه: يُكفِّرُ يَمِينَه(٢). (١) هو عبدالرحمن بن مجبر بن عبدالرحمن بن عمر بن الخطاب، ويقال: اسمه عبدالرحمن بن عبدالرحمن بن عبدالرحمن، وهو ثقة. انظر ((الجرح والتعديل)) ٢٨٧/٥، و((الإِكمال)) ٢٠٨/٧، و(تبصير المنتبه)) ١٢٥٣/٤. (٢) رجاله ثقات رجال الشيخين، وانظر ما بعده. وإسناد الزيادة التي وردت من طريق ابن مجبر صحيح . 5 وروى أحمد ٢٤٧/٦، وأبو داود (٣٢٩٠)، والنسائي (٣٨٠٦)، والترمذي (١٥٢٦)، وابن ماجه (٢١٢٥) من طريق يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب الزهري، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول اللّهِ وَّهُ: ((لا نذرَ في معصية، وكفارته كفارةُ يمين)) وهذا سندٌ صحيحٌ، وقد صرح الزهري بسماعه من أبي سلمة عند النسائي . وفي الباب عن ابن عباس رفعه: ((النذر نذرانٍ، فما كان لله، فكفارتُه الوفاء، وما كأن للشيطان، فلا وفاءً فيه، وعَلَيْهِ كفارةُ يمين)) أخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) (٩٣٥)، والبيهقي ٧٢/١٠، وسنده قوي في الشواهد. ١٧٠ قال أبو جعفرٍ: وهذا الحديث - في الحقيقة - لم يسمعْهُ عبيدُ ء الله بن عمر من القاسم، وإنَّما أخذه عن طلحة بن عبد الملك الأيلِي، عن القاسم، عن عائشة ١٥١٥ - كما حدثنا محمد بنُ خزيمة، قال: حدثنا يوسف بن عدي الكوفيُّ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ، عن عبيد الله بن عمر، عن طلحةً بن عبد الملك، عن القاسم بن محمد عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ الله عزَّ وجلَّ فليُطِعْهُ، ومن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ الله عزَّ وجلَّ فلا يَعْصِهِ))(١). فعقلنا بذلك أنَّ بين عُبيد الله وبين القاسم في هذا الحديث طلحةَ بنَ عبد الملك، والذي أتينا بهذا الحديثِ من أجلهِ ما فيه مِنْ رواية ابن مُجَبَّر، عن القاسمِ، عن عائشةً، عن النبيِّ وَ﴿ بذكر الكفَّارةِ. تعـ وابنُ مُجَبَّر هذا فرجلٌ من آل عمر رضي الله عنه جليلُ المقدار، S (١) إسناده على شرط البخاري. ورواه المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٣٣/٣ عن محمد بن خزيمة، بهذا الإِسناد. ورواه النسائي ١٧/٧، عن محمد بن العلاء، عن عبدالله بن إدريس، به. ورواه أحمد ٢٢٤/٦، وابن ماجه (٢١٢٦)، وابن الجارود (٩٣٤)، وابن عبدالبر في ((التمهيد) ٩٠/٦-٩١، و٩٢-٩٣ من طرق عن عُبيدالله، به. وسيرد الحديث عند المصنف من طريق مالك عن طلحة بن عبدالملك ويُخرّج هناك، وانظر ((صحيح ابن حبان)) (٤٣٨٧) و(٤٣٩٠). ١٧١ وقد رَوى عنه مالك بن أنس رضي الله عنه، وله ابنٌ(١) يُتكلّم في حديثه قد روى عنه المتأخرون. وإذا كان مَنْ نَذَرَ أن يَعصيّ الله عز وجل مأموراً بالكفَّارة مما تمنعه منه الشريعةُ، كان مَنْ نَذَر ما تطلقه له الشريعة، ثم منعتهُ منه الشريعةُ بعد ذلك بالكفَّارة عن نذرِهِ الذي عَجز عن الوفاء به أُوْلى. والله الموفق. الله تعالى (١) واسمه محمد بن عبدالرحمن، مترجم في ((ميزان الاعتدال)) ٦٢١/٣، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال الفلاس: ضعيف، وقال أبو زرعة: واهٍ، وقال البخاري: سكتوا عنه، وقال النسائي وجماعة: متروك. ١٧٢ ٢٤٠ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَّ في أمره الذي اُفْطَرَ يوماً من شهر رمضانَ متعمِّداً بقضاءِ يومٍ مع الكفّارة التي أمره بها فيها قال أبو جعفر: كلَّ ما يُروى عن رسول اللهِ وَ لّ من حديث أبي هريرة عنه في هذا الباب ليسَ فيه ذكرُ قضاء يومٍ مكان اليوم الَّذي كان فيه ذلك الفطرُ، غيرُ مَا سَنَّرِوِيهِ في هذا الباب منها إن شاء الله. ١٥١٦ - حدثنا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حدثنا أبو عامر العَقَدي، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة - هكذا قال - عن أبي هريرةَ أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله إنِّي وقعتُ بأهلِي في رمضان، قال: ((أَعْتِقْ رقِبَةً)) قال: ما أجدُها يا رسولَ الله. قال: ((فَصُمْ شَهْرَينِ مُتتابِعَينِ)). قال: ما أستطيعُ. قال: ((فَأَطْعِمْ سِنِين مسكينا)). قال: ما أجدُهَ يا رسولَ الله. قال: فَأَتِيَ النبيُّ ◌َ بمكتلٍ فيه قدرُ خمسةَ عشرَ صاعاً تمراً. قال: ((فَخُذْ هُذا فَتَصَدَّقْ بِهِ)) قال: على أُحوج مِنِّي وأهل بيتي؟! قال: ((فَكُلْهُ أنتَ وأهلُ بيتِكَ، وصُمْ يَوْمَاً مَكانَهُ واسْتَغْفِرِ الله عزَّ وجلَّ))(١). (١) رجاله ثقات رجال الشيخين، غيرَ هشام بن سعد، فمن رجال مسلم، وهو صدوق حسنُ الحديث عندَ عدم المخالفة، وهنا قد خالف في السند کما یأتي بیانه، = ١٧٣ = وفي المتن، فزاد في آخره: ((وصم يوماً مكانه)) لكنه لم ينفرد بهذه الزيادة، فقد تابعه إبراهيمُ بنُ سعد عند المؤلّف (١٥١٨)، والبيهقي ٢٢٦/٤ عنه قال: وأخبرني اللَّيث بن سعد، عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة أن النبي وَلّ قال له: ((اقض يوماً مكانه))، ونسبه الحافظ في ((التلخيص)) ٢٠٧/٢ إلى أبي عوانة في ((صحیحه)). ورواه الدارقطني ٢١٠/٢، والبيهقي ٣٢٦/٤ من حديث أبي أويس، عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله # أمر الذي أفطر في رمضان أن يصومَ يوماً مكانه. ورواه عبد الجبار بن عمر الأيلي عن الزهري، وسيأتي عند المؤلف برقم (١٥١٣)، ورواه البيهقي، وعبد الجباربن عمر ضعيف. وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو رواه أحمد ٢٠٨/٢، وابن خزيمة (١٩٥٥)، والبيهقي ٢٢٦/٤ عن الحجاج بن أرطاة، عن عمروبن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه: ((وأمره أن يصوم يوماً مكانه)) والحجاج مدلِّس وقد عنعنه. قال الحافظ في ((الفتح)) ١٧٢/٤ ووقعت هذه الزيادة أيضاً في مرسل سعيد بن المسيب - وسترد عند المؤلف - ونافع بن جبير، والحسن، ومحمد بن كعب، وبمجموع هذه الطرق تعرف أن لهذه الزيادة أصلاً. وانظر ((المصنّف)) ١٠٤/٣-١٠٥ لابن أبي شيبة، و((الموطأ)) ٢٩٧/١، ومصنّف عبد الرزاق (٧٤٦١) و(٧٤٦٥) و(٧٤٦٦)، و((تلخيص الحبير)) ٢٠٧/٢. قلت: وحديث الباب: رواه الدارقطني ٢١١/٢، حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا إبراهيم بن مرزوق، والحسن بن أبي الربيع، قالا: حدثنا أبو عامر العقدي، بهذا الإسناد. ورواه ابن عديّ في ((الكامل)) ٢٥٦٧/٧، وأبو داود (٢٣٩٣)، ومن طريقه الدارقطني ١٩٠/٢ من طريق ابن أبي فديك، وابن خزيمة (١٩٥٤)، والبيهقي = ١٧٤ ١٥١٧ - حدثنا رَوْحُ بن الفرج، قال: حدثنا أبو مروان العُثْماني، حدثنا إبراهيمُ بن سعد، عن ابن شِهاب، عن حُميد بن عبدالرحمن بن = ٢٢٦/٤ -٢٢٧ من طريق حسين بن حفص، كلاهما عن هشام بن سعد، به. قلت: خالف هشامُ بن سعد الثقاتِ في سندِ الحديث، فالمحفوظُ أنه حديثُ حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، لا حديثُ أبي سلمة، وقد أشار المصنف إلى مخالفة هشام بن سعد بقوله: كذا قال. وقال ابن خزيمة: هذا الإِسنادُ وهم، الخبر عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، وهو الصحيح، لا عن أبي سلمة. وقال ابن عدي بَعْدَ أنْ روى الحديث من طريق هشام عن الزهري، عن أبي سلمة، ومن طريقه أيضاً عن الزهري، عن أنس بن مالك - قال: والروايتان جميعاً خطأ، فأما رواية ابن أبي فديك عن هشام، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: رواه الثقات، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، ورواية هشام، عن الزهري، عن أنس - وعن أنس، لا أصل له، وخالف هشام بن سعد فيه الناس، ولهشام غيرُ ما ذكرت، ومع ضعفه يُكتبُ حديثُه، والحديث حدیثُ حمید بن عبدالرحمن. وقال الخليلي في ((الإِرشاد)) ٣٤٥/١: أنكر الحفاظ قاطبة حديثه في قصة المُوَاقِع في رمضان من حديث الزهري عن أبي سلمة، قالوا: وإنما رواه الزُّهريّ، عن حميد. وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٦٣/٤: قال البزار وابن خزيمة وأبو عوانة: أخطأ فيه هشام بن سعد. قلت (القائل الحافظ ابن حجر): وقد تابعه عبدالوهّاب بن عطاء، عن محمد بن أبي حفصة، فرواه عن الزهري، أخرجه الدارقطني في ((العلل))، والمحفوظ عن ابن أبي حفصة كالجماعة ... ويحتمل أنْ يكونَ الحديثُ عندَ الزهري عنهما، فقد جمعهما صالحُ بن أبي الأخضر، أخرجه الدارقطني في ((العلل)) من طريقه . ١٧٥ عوف أخبره أنَّ أبا هريرة ... ثم ذكر هذا الحديثَ غيرَ أنَّه لم يقلْ فيه: إنَّ رسولَ اللهِ وَلَهُ قال له: ((اقْض يَوْماً مَكانَهُ))(١). ١٥١٨ - حدثنا رَوْح، قال: حدثنا أبو مروان، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الليث بن سعد، عن ابن شهابٍ بهذا الإِسناد .. مثلَه، وقال له بََّ: ((صُمْ يَوْمَاً مَكانَهُ))(٢). ١٥١٩ - حدَّثنا فهدٌ، قال: حدثنا ابنُ أبي مريم، قال: حدثنا عبدُ الجبّاربنُ عمر، عن ابن شهاب، عن حُميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ نَّه بهذا الحديث، وأنه قال له: ((وَاقْضِ يَوماً مكانه))(٣). (١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجالُ الشيخين غير أبي مروان العثماني - واسمه محمد بن عثمان بن خالد الأموي - فقد روى له ابن ماجه، والنسائي في ((خصائص علي)»، ووثقه أبو حاتم، وصالح بن محمد الأسدي، وذكره ابنُ جبان في ((الثقات)) وقال: يخطىء ويُخالف، وقد توبع، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين. ورواه الدَّارميُّ ١١/٢، والبخاري (٥٣٦٨) و(٦٠٨٧) من طرق عن إبراهيم بن سعد، بهذا الإِسناد. وقد روي الحديثُ من طرقٍ كثيرة عنْ الزهريِّ. وهي مخرجة في ((صحيح ابن حبّان)) (٣٥٢٣) - (٣٥٢٧) و(٣٥٢٩). وانظر الروايات الآتية عند المصنف. (٢) تقدم في السَّند السالف النقل عن ابن حبان أن أبا مروان العثماني يخطىء ويُخالف، وفي هذه الرواية قد خالف فزاد فيها: ((وصم يوماً مكانه))، وانظر التعليق على الحديث (١٥١٦). (٣) عبد الجبار بن عمر هو الأيلي، ضعّفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو = ١٧٦ ١٥٢٠ - حدثنا فهدٌّ، قال: حدثنا ابنُ أبي مريم، قال: حدثنا عبدُ الجبّار بنُ عمر، قال: أخبرني يحيى بن سعيد وعطاءُ الخراسانيُّ عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَالر .. بمثله(١). فقال قائلٌ: كيف تقبلونَ هذا عن مَنْ يرويه عَنْ أبي هريرة، عن رسول الله ربَّ في قضاءٍ يومٍ مكانَه وأنتم تروونَ عن أبي هريرة عن رسول الله ١٥٢١ - فذكر ما قد حدثنا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حدثنا أبو = داود والترمذي وغيرهم، وقال البخاري: عنده مناكير، وباقي رجاله ثقات رجال الشیخین . ورواه البيهقي ٢٢٦/٤ من طريق سعيد بن أبي مريم، بهذا الإسناد. وقال: عبد الجباربن عمر ليس بالقوي . (١) إسناده ضعيف من أجل عبد الجبار بن عمر. ورواه البيهقي ٢٢٦/٤ عن محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا سعيد بن أبي مریم، بهذا الإِسناد. 5 ورواه ابن ماجه (١٦٧١) حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا عبدالله بن وهب، حدثنا عبد الجباربن عمر، حدثني يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، به. ورواه مالك ٢٩٧/١، وعبدالرزاق (٧٤٥٩)، والشافعي ٢٦١/١ -٢٦٢، والبيهقي ٢٢٧/٤ من طريق عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب مرسلاً. ورواه ابن أبي شيبة ١٠٤/٣-١٠٥ عن أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن المطلب بن أبي وداعة، عن سعيد بن المسيب، مرسلاً. والمطلب بن أبي وداعة وثقه ابن حبان، وترجم له ابن أبي حاتم ٣٥٩/٧، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. ١٧٧ داود الطَّالسيُّ، وبشربن عمر الزَّهراني، قال: حدثنا شعبةُ، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت عمارة بن عُمير يحدث عن أبي المُطَوِّس - قال حبيب: وقد رأيت أبا المُطَوِّس - عن أبيه عن أبي هريرةَ أنَّ رسول الله وََّ قال: ((مَنْ أَفطَرَ يَوْمَاً مِنْ رَمَضانَ في غيرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَها الله لهُ، لَمْ يَقْضِ عنهُ ولو صَوْمُ الدَّهْر))(١). (١) إسنادُه ضعيفٌ. أبو المطوّس: لَيِّنُ الحديث، وأبوهُ مجهولٌ. وهو في ((مسند أبي داود الطيالسي)) (٢٥٤٠). ومِنْ طريقه رواه النسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٧٣/١٠، وابن خزيمة (١٩٨٨)، والبيهقي ٢٢٨/٤، وابن حجر في (تغليق التعليق)) ١٧٠/٣. ورواه أحمد ٣٨٦/٢ و٤٥٨، والدارمي ١٠/٢-١١، والنسائي، وأبو داود (٢٣٩٦)، وابن خزيمة (١٩٨٧) من طرق عن شعبة، به. وقال أبو داود: اختلف على سفيان، وشعبة: ابن المطوس، وأبو المطوس. وعلقه البخاري في الصوم: باب إذا جامع في رمضان، فذكره في ترجمة الباب، وقال في ((التاريخ الكبير)): تفرد أبو المطوس بهذا الحَدِيث، ولا أدري سمع من أبي هريرة أم لا . وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٦١/٤: وصله أصحابُ السنن الأربعة، وصححه ابن خزيمة! قلت: هذا سبق قلم من الحافظ رحمه الله، فإن ابن خزيمة - وإن رواه في صحيحه - لم يصححه، بل أعلَّه في ترجمة الباب فقال: إن صحّ الخبر، فإني لا أَعْرف ابنَ المطوّس ولاَ أَباه. تم قال الحافظ بعد ذلك: اختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافاً كثيراً، فَحَصَلَتْ فيه ثلاثُ عِلَل : الاضطرابُ والجهلُ بحال أبي المطوس، والشكّ في سماع أبيه من أبي هريرة. ١٧٨ ١٥٢٢ - وكما حدثنا إبراهيمُ، قال: حدثنا سعيد بن عامر، قال: حدثنا شعبةُ، عن حبيب، عن ابن المطوِّس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي8# *... مثلَه، غير أنَّه لم يذكرْ قولَ حبيب: وقد رأيتُ أبا المطوِّس(١). ١٥٢٣ - وما قد حدَّثنا أحمدُ بن شعيب، قال: حدثنا محمد بن بشّار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبدُالرحمن بن مهدي، قال: حدّثنا سفيان، ثم ذكر كلمةٌ معناها عن حبيب، قال: حدثني أبو المطوّس، عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَفطَرَ يَوْمَاً مِنْ رَمَضانَ من غيرِ رُخْصَةٍ ولا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِ عنْهُ صيام الدَّهْرِ وإنْ صامه»(٢). (١) إسنادُه ضعيفٌ، وهو مكرر ما قبله. وانظر الحديث الآتي. م (٢) إسناده ضعيفٌ كسابقيه، وهو عند النسائي في ((السنن الكبرى)) (٣١٧٥). ورواه الترمذي (٧٢٣) عن محمد بن بشار، بهذا الإِسناد. وقال: حديث أبي هريرة لا نعرفه إلّ من هذا الوجه، وسمعت محمداً يقول: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس، ولا أعرف له غير هذا الحديث. ورواه عبدُ الرزاق (٧٤٧٥)، وابن أبي شيبة ١٠٥/٣، وأحمد ٤٤٢/٢ ٤٧٠، والنسائي في ((الكبرى)) (٣١٧٤) و(٣١٧٦)، وابن ماجه (١٦٧٢)، والدارمي ١٠/٢، والدارقطني ٢١١/٢، وابن حجر في ((التغليق)) ١٧٠/٣ مِنْ طرقٍ عن سفيان، به. قال بعضُهم: أبو المطوس، وقال آخرون: ابن المطوّس عنْ أبيه. ورواه أحمد ٤٧٠/٢، وعنه أبو داود (٢٣٩٧) عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني حبيب، عن عمارة، عن ابن المطوس، قال: فلقيت ابن المطوس، فحدثني = ١٧٩ فكان جوابُنا له بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ هذا الحديثَ غيرُ مخالفٍ للحديثِ الأوَّل؛ لأنَّ الحديثَ الأوَّلَ فيه ذكرُ القضاء، وفي هذا الحديث أنَّه لا يُدْرِكُ صوم الدَّهر عَنْ ذُلك اليوم صومه لو كان صامَهُ في غير ذلك اليوم، كما يكون من تركٍ صلاةٍ مِن الصَّلوات في غير عذرٍ حتى فاتَّهُ وقتُها واجباً عليه قضاؤها، غيرَ مُصيبٍ بقضائِها ما يصيبُه لو كان صلَّها في وقتها. فمثلُ ذُلك المفطرُ في رمضان مأمورٌ بالقضاء غيرُ مدرِكٍ بذلك القضاءَ ما كان يصيبُه لو صامه في عينه. فبانَ بحمد الله ونعمته أن لا تضادَّ في هذين الحديثين، وأنَّ كلَّ واحدٍ منهما في معنى غيرِ المعنى الذي في صاحبِهِ. والله نسأله التَّوفيقَ. لله تعالى = عن أبيه، عن أبي هريرة. ١٨٠