النص المفهرس
صفحات 141-160
٢٣٥ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِمنالدول في السبب الذي. نزلتْ فيه: ﴿غَيْرُ أُولي الضَّرَرِ﴾ بعد أن نزلَ قبلَها: ﴿لا يَستوي القاعدونَ مِنَ المؤمِنِينَ ... والمُجاهِدونَ في سبِيلِ اللهِ بأموالِهِم وأَنفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩٥] ١٤٩٦ - حدثنا عليُّ بنُ عبد الرحمن بن محمد بن المغيرةِ، قال: حدثنا يحيى بنُ معين، قال: حدثنا حجاجٌ، عن ابن جُريج، قال: أخبرني عبد الكريم أنْ مِقْسماً(١) مولى عبدِ الله بن الحارث يُحَدِّثُ عن ابن عباس أنه سَمِعَهُ يقول: لا يَستوي القاعدُون من المؤمنين عن بدرٍ والخارجونَ إلى بدرٍ، قال: لما نزلَ غزو بَدْرٍ، قال عبدُ(٢) بنُ جحش الأسديُّ أبو أحمد وابنُ أمِّ مكتوم: إنَّا أَعمَيَان يا رسولَ الله، فهل لنا من رُخصةٍ؟ فنزلت: ﴿لا يَستوي القاعدونَ مِنَ المؤمِنِينَ غَيْرُ أولي الضَّرَرِ(٣) ... (١) في الأصل: ((مقسم))، والجادة ما أثبت. (٢) وقع في رواية الترمذي والبيهقي: ((عبدالله بن جحش))، وجزم الحافظ في ((الإصابة)) ٣/٤ بأن اسمه ((عبد)) بغير إضافة، وقال في ((الفتح)) ٢٦٢/٨: فإن عبدالله أخوه، وأما هو، فاسمه عبد بغير إضافة، وهو مشهور بكنيته. (٣) إسناده صحيح على شرط البخاري. رجاله ثقات رجال الشيخين غير مقسم = ١٤١ ١٤٩٧ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا عبدُ العزيز بنُ عبد الله الأويسي(١)، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعد، قال: حدثني صالحُ بن کیسان، عن ابن شهابٍ عن سهل بن سعد السَّاعِدي أنه قال: رأيتُ مروانَ بنَ الحكم جالساً في المسجد، فأقبلتُ حتَّى جَلَسْتُ إلى جَنْبِهِ، فأخبرنا أن زيدَ بنّ ثابت أخبره أن رسول الله وَل﴿ أَملى عليه: ﴿لا يَستوي القاعدونَ مِنَ المؤمِنِينَ ... والمجاهدونَ في سبيلِ الله﴾قال: فجاءَهُ ابنُ أُمِّ مكتومٍ وهو = مولى ابن عباس، فقد روى له البخاري هذا الحديث، وهو ثقة. حَجَّاج: هو ابن محمد المصيصي الأعور، وعبدالكريم: هو ابن مالك الجزري. ورواه الترمذي (٣٠٣٢)، والبيهقي ٤٧/٩ من طريق الحسن بن محمد الزعفراني، عن الحجاج بن محمد، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. قلت: والزيادة التي وردت فيه عندهما، قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٦٢/٨: إنها مدرجة في الخبر من كلام ابن جريج. وقد رواه الطبري في ((جامع البيان)) (١٠٢٤٢) من طريق الحجاج نحو حديث الترمذي والمصنف دونَ زيادة الترمذي . ورواه البخاري (٣٩٥٤)، و(٤٥٩٥) من طريق هشام، وعبد الرزاق كما في ((تفسير ابن كثير)) ٥٥٣/١، ومن طريقه البخاري (٤٥٩٥)، والطبري (١٠٢٤١) عن ابن جريج مختصراً. وأورده السيوطي في ((الدرِّ المنثور)) ٦٤١/٢ بالرواية المطولة، وزاد نسبته لابن المنذر والنسائي . ونسبه في الرواية الثانية لعبد بنِ حُميدٍ، وابنِ المنذر، وابن أبي حاتم. (١) تحرف في الأصل إلى: ((الأيسي)). ١٤٢ يُملِيها عليَّ، فقال: يا رسولَ الله، والله لو أُستَطِيعُ الجهادَ لجَاهدتُ - وكان رجلاً أعمى - فأنزل الله على رسولهِ، وفخِذُهُ على فَخِذِي فَتَقُلَتْ حتى خِفْتُ أن تَرُضَّ فخذِي ثم سُرِّيَ عنه فأنزلَ الله: ﴿غيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾(١). ١٤٩٨ - حدثنا محمد بن علي بن داود البغداديُّ، قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة الزُّبيريُّ، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد ... ثم ذكرَ بإسناده مثله(٢). ١٤٩٩ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال: حدثنا عبد (١) إسناده صحيح على شرط البخاري. ورواه البخاري (٢٨٣٢) ومن طريقه البغوي في ((معالم التنزيل)) ٤٦٧/١ عن عبدالعزيز بن عبدالله الأويسي، بهذا الإِسناد. ورواه البخاري (٤٥٩٢) عن إسماعيل بن أبي أويس، والترمذي (٣٠٣٣)، والنسائي ٩/٦-١٠، وابن سعد ٢١١/٤ -٢١٢ وابن الجارود في (المنتقى)) (١٠٣٤) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، كلاهما عن إبراهيم بن سعد، به. ورواه ابن سعد ٢١٢/٤، والنسائي ٥٩/٦، والطبري (١٠٢٣٩)، والطبراني في ((الكبير)) (٤٨١٤) و(٤٨١٥) من طريق عبدالرحمن بن إسحاق، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص١١٧-١١٨ من طريق ابن إسحاق، كلاهما عن الزهري، به. وأورده السيوطي في ((الدرِّ المنثور)) ٦٣٩/٢، وزاد نسبته إلى عبد بن حُميد، وأبي داود، وابن المنذر، وأبي نعيم في ((الدلائل)). وانظر ما بعده. (٢) إسنادُه صحيحٌ على شرط البخاري، وهو مكرر ما قبله. ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٤٨١٦)، والبيهقي ٢٣/٩ من طريقين عن إبراهيم بن حمزة، بهذا الإِسناد. ١٤٣ الله بنُ وهب، قال: وأخبرني عبدُالرحمن بن أبي الزِّنَادِ، عن أبيه، عن خارجة بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ عن أبيه، عن رسولِ الله وَِّ أن السكينةَ غَشَيَتْ رسولَ الله ◌ِ، قال زيدٌ - وأنا إلى جنبه -: فوقعتْ فَخِذُ رسولِ اللهِنََّ على فَخِذِي، فما وجَدْتُ ثِقَلَ شيءٍ هو أثقل من فخِذِ رسولِ اللهِِّ، ثم سُرِّي عنه، فقال لي: ((اكتُبْ: ﴿لا يَستَوي القاعِدُونَ من المُؤْمِنِينَ ... والمُجَاهِدونَ في سَبيلِ الله بأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِم﴾ الآيةَ كُلُّها))، قال زيدٌ: فكتبتُ ذلك في كَتِفٍٍ، فقام ابنُ أُمِّ مكتومٍ - وكان رجلاً أعمى حين سَمِعَ تفضيلَهُ المجاهِدِين على القاعدين - فقال: يا رسولَ الله كَيْفَ بِمَنْ لا يَستطيعُ الجهادَ مِن المؤمنين؟ قال خارجةُ : قال زيدٌ: فما قضَى ابنُ أُمِّ مكتومَ كلامَه، أو قال: فما هو إلَّ أن قضى كلامَه، فَغَشِيَتْ رَسولَ اللهَ وَّ السكينةُ، فوقعت فَخِذُه على فخذي، فوجدت مِنْ ثقلها المرَّة الثانية مثلَ ما وجدتُ منها في المرّة الأولى، ثم سُرِّي عن رسول الله وَّه، فقال: ((اقْرَأ) فقرأْتُ: ﴿لا يَستَوي القاعِدُونَ من المُؤْمِنِينَ والمُجَاهِدونَ﴾ فقال رسول الله وَّل: ﴿غيرُ أولي الضَّرَرِ﴾ فألحقُها، فكأنِّي أنظر إلى ملحقِها عند صدْعٍ من الكَتِفِ (١). (١) إسنادُه حسنٌ. رجاله ثقاتٌ رجالُ الشيخين غيرَ عبد الرحمن بن أبي الزناد، فقد روى له أصحابُ السنن ومسلم في المقدمة، وهو حسن الخديث، وأبوه أبو الزناد: اسمه عبدالله بن ذكوان. ورواه أحمد ١٩٠/٥-١٩١، وسعيد بن منصور (٢٣١٤)، وابن سعد ٢١١/٤، وأبو داود (٢٥٠٧)، والطبراني في ((الكبير)) (٤٨٥١) و(٤٨٥٢)، والحاكم ٨١/٢-٨٢، والبيهقي ٢٣/٩-٢٤ من طرق عن عبدالرحمن بن أبي الزناد، بهذا = ١٤٤ ١٥٠٠ - حدثنا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حدثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحَضرِمِيُّ، وَرَوْح بنُ عبادة القيسيُّ، قالا: حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق عن البَرَاءِ بن عازبٍ، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لا يَستَوي القاعِدُونَ من المُؤْمِنِينَ﴾ جاءَ ابنُ أمِّ مكتوم إلى رسولِ اللهِوَّ فشكى ضَرَارَتَه، فنزلت: ﴿غيرُ أُولي الضَّرَرِ﴾(١). ١٥٠١ - حدثنا الحسن بن غُلَيب، قال: حدثنا يوسفُ بنُ عَدِي، قال: حدثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن زكريا بن أبي زائدةً، عن أبي إسحاق عن البَرَاءِ بن عازب، قال: لما نزلت: ﴿لا يَستَوي القاعِدُونَ من تعلن = الإِسناد، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي! (١) إسنادُه صحيحٌ على شرط الشيخين. أبو إسحاق: هو السبيعي، وشعبة سمع منه قبل التغير. ورواه الطيالسي (٧٠٥)، وابن سعد ٢١٠/٤، وأحمد ٢٨٢/٤، و٢٨٤، و٢٩٩، و٣٠٠، والبخاري (٢٨٣١) و(٤٥٩٣)، ومسلم (١٨٩٨)، والدارمي ٢٠٩/٢، والطبري في ((جامع البيان)) (١٠٢٣٧)، وأبو يعلى (١٧٢٥)، وابن حبان (٤٢)، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص١١٨، والبيهقي ٢٣/٩ من طرق عن شعبة، بهذا الإِسناد. ورواه علي بن الجعد (٢٦٠٥)، وأحمد ٣٠١/٤، والترمذي (١٦٧٠)، والنسائي ١٠/٦، والطبري (١٠٢٣٣) و(١٠٢٣٤)، والواحدي ص١١٨، وابن حبان (٤١) من طرق عن أبي إسحاق، به. وانظر الأحاديث الآتية. ١٤٥ الْمُؤْمِنِينَ ... والمُجَاهِدونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ فقال ابنُ أُمِّ مكتوم: يا رسولَ الله فما تأمرُني فإنِّي لا أَستَطيعُ الجهادَ؟ فأنزلَ الله مكانَه: ﴿غيرُ أولي الضَّرَر﴾(١). ١٥٠٢ - حدثنا عبدُ الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا الفريابيُّ، قال: حدثنا إسرائيلُ، قَالَ: حدثنا أبو إسحاق عن البَرَاءِ بن عازب، قال: لما نزلت: ﴿لا يَستَوي القاعِدُونَ من الْمُؤْمِنِينَ ... والمُجَاهِدونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ دعا رسولُ الله رجلاً، فجاء ومعه اللوحُ والدواةُ، أو الكتِفُ، فقالَ: اكْتُبْ: ﴿لا يَستَوي القاعِدُونَ من الْمُؤْمِنِينَ ... والمُجَاهِدونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ - وخلفَ ظهر رسولِ الله وَله ابنُ أُمِّ مكتوم الأعمى - فقال: يا رسولَ الله أنا ضِرِيرُ البصر، قال: فنزلَت مكانَها: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنينَ غيرُ أولي الضَّرَّرِ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾(٢). وحدثنا ابنُ أبي مريم، قال: حدثنا الفِرِيَابِيُّ، قال: حدثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق عن البراءِ بن عازب في قوله عز وجل: ﴿لا يَستَوي القاعِدُونَ من المُؤْمِنِينَ غيرُ أولي الضَّرَرِ﴾ قال: ابنُ أُمِّ مكتوم (٣). (١) إسناده على شرط البخاري. رجاله رجال الشيخين غير يوسف بن عدي، فمن رجال البخاري. وانظر ما بعده. (٢) إسناده على شرط الشيخين. الفريابي: هو محمد بن يوسف، ورواه عنه البخاري (٤٥٩٤)، بهذا الإِسناد. ورواه أيضاً البخاري (٤٥٩٠)، وابن حبَّان (٤٠) من طريق عُبيدالله بن موسى، عن إسرائيل، به . (٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ١٤٦ حدثنا إبراهيم بنُ مرزوق، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسيُّ ومسلم بنُ إبراهيم الأزديّ، قالا: حدثنا أبو عقيل، قال: حدثنا أبو نَضْرة، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قوله عز وجل: ﴿لا يَستَوي القاعِدُونَ من الْمُؤْمِنِينَ غيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الآية. قال ابنُ عباسٍ : أقوامٌ حَبَسَتْهُم أمراضٌ وأوجاعٌ، وكان أولئكَ أُولي الضَّرر، وكان القاعَدُ المريضُ أعذرَ من القاعد الصحيح(١). حدثنا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حدثنا يعقوبُ بنُ إسحاق الحضرميُّ، عن أبي عقيل، عن أبي نضْرة، قال: سأَلتَ ابنَ عباس عن قول الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيرُ أُولِ الضَّرَّرِ﴾ قال: كان قومٌ يَعرِضُ لهم أوجاعٌ وأمراضُ(٢). = ورواه أحمد ٢٩٠/٤ و٢٩٩، والترمذي (٣٠٣١)، والطبري في ((جامع البيان)) (١٠٢٣٥) من طريق وكيع، عن سفيان الثوري، بهذا الإسناد. (١) إسناده صحيحٌ على شرط مسلم. رجاله ثقات رجال الشيخين غيرَ أبي نضرة، واسمه المنذربن مالك بن قطعة، فمن رجال مسلم، أبو الوليد الطيالسي : اسمه هشام بن عبد الملك، وأبو عَقيل: هو بشير بن عقبة الدورقي. ورواه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٧٧٥) من طريق ياسين بن حماد المخزومي، وأبي الوليد الطيالسي، قالا: حدثنا أبو عَقيل الدورقي، بهذا الإِسناد. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٩/٧، وقال: رواه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما ثقات. وانظر ما بعده. (٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه البيهقي ٢٤/٩ من طريق محمد بن يعقوب، عن إبراهيم بن مرزوق، بهذا الإِسناد. = ١٤٧ قال أبو جعفر: فإن قال قائل: أَفيكون ما في حديث أبي نضرة هذا عن ابن عبّاسٍ مخالفاً لِما في حديث مِقْسَم، عن ابن عباسٍ الذي قد رويته في هذا الباب، لأنَّ في ذلك أنَّه نزلت: ﴿لَّ يَسْتَوي القاعِدُونَ من المُؤْمِنِينَ ... والمُجَاهِدونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ ثم أنزلَ بعدَها: ﴿غَيْرُ أَوْلِي الضَّرَرِ﴾. وفي حديث أبي نضْرة ذكر ذلك كُلَّه نَسَقاً، فظاهرُه يوجب أن نزولَها كلَّها كان معاً. قيلَ له: ما بينهما اختلافٌ، لأنَّ حديث مِقسم إنَّما فيه إخبارُ ابن عباس عن سبب نزولها على رسول الله وَجٍ كيف كانَ، وحديثُ أبي نضرة إنما فيه عن ابن عباس الإِخبارُ بتأويلها الذي استقرَّ عليه أمرُها، وكان ذلك منه بعدَ رسول الله وََّ، فكلَّ واحدٍ منه ومن حديثٍ مِقسم في معنى غيرِ المعنى الذي فيه صاحبُه، وإنْ كان ما استقرَّت عليه الآية فيهما جميعاً مؤتلفاً(١) غيرَ مختلف. ١٥٠٣ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، وعلي بنُ عبدِ الرحمن، جميعاً قالا: حدثنا عفَّان بن مسلم، قال: حدثنا عبدُ الواحد بن زياد، قال: حدثني عاصم بن كُليبٍ، قال: حدثني أبيّ عن الفَلَتَانِ بن عاصم الجَرْمي أنه قال: كنَّا قعوداً مع النبيِّ ◌َِه فَأَنْزِلَ عليه - وكان إذا أُنزل عليه دامَ بصرُه مفتوحةٌ عيناهُ وفَرَّغَ سمعَه وبَصَرَه لِما جَاءَه من الله عز وجل - فلما فرغَ، قال للكاتب الكُتُبْ: ﴿لَاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ فَضَّلَ الله = وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٦٤٢/٢، وزاد نسبته لعبد بن حميد. (١) في الأصل: ((مؤتلف))، والجادة ما أثبت. ١٤٨ .. المُجاهِدينَ بِأَمْوالِهِمْ واَنْفُسِهِمْ على القاعِدِينَ درجةٌ﴾ فقامَ الأعمَى فقال: يا رسولَ الله ما ذَنْبُنا؟ فأنزل الله عليه، فقلنا للأعمى: إنَّ رسول الله حَ﴿ أُنزلَ عليه. قال: فبقي قائماً يقول: أَتُوبُ إلى رسول الله(١) وَّر، فقال للكاتب: اكتُب: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾(٢). فقال قائلٌ: كيف تقبلون هذه الأخبارَ، وتُثْبِتونَ بها أن نزولَ هُذه الآية كان في البدءِ ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ﴾ وفي ذلك تفضيلُ المجاهدين في سبيل الله على القاعِدين بعذرٍ وبغير عذرٍ، والقاعدون بعذر لم يقعدوا اختياراً لِتَرْك الجهاد، وإنما قعدوا عجزاً عن الجهادِ، فكيف يجوز أن يستَويَ في ذلك فضلُ (١) في الطبراني: ((أتوب إلى الله))، وعند أبي يعلى، وابن حبّان: أعوذ بغضب رسول الله . (٢) إسناده قوي، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عاصم بن كليب، فمن رجال مسلم، وأبوه كليب بن شهاب روى له أصحاب السنن، وهو صدوق، والفلتان بن عاصم الجرمي صحابي، وهو خال كليب بن شهاب، يعد في الكوفيين. ورواه الطبراني في ((الكبير)» ١٨/ (٨٥٦) عن أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري، عن عفان، بهذا الإِسناد. ورواه أبو يعلى (١٨٥٣)، والطبراني (٨٥٦)، وابن حبان (٤٧١٢)، والبزار (٢٢٠٣) من طرق عن عبدالواحد بن زياد، به. وقال البزار: حديث الفَلَتان يروى بإسناد أحسن من هذا. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٨٠/٥ و٩/٧، وقال: رواه أبو يعلى والطبراني والبزار، ورجال أبي يعلى ثقات. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور) ٦٤١/٢-٦٤٢، وزاد نسبته لعبد بن حميد. ١٤٩ المجاهدين على القاعدين المعذورينَ، ويكونون في ذلِكَ مع العُذرِ الذي معهم كمن سواهم من القاعدين، ممن لا عُذْرَ معهم، وكيف يجوزُ أن يكونَ ذوو الضُّرَر من أصحاب رسول الله ◌ِّرِ وهم في الفِقْه على ما هم عليه منه، والقُرآنُ أيضاً نزلَ بلغتهم يَظُنُونَ بالله عز وجل أنَّه سوَى في ذلك بينهم مع العذر الذي معهم، وبين غيرهم من القاعدين عن الجهاد مِمَّن لا عُذْرَ معه، وقد سَمِعُوا الله عز وجلَّ يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّ مَا آتَاها﴾ [الطلاق: ٧]، ولم يُؤْتِهم الله القوةَ على الجهادِ، وسمعُوه يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهِ نَفْساً إِلَّ وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأَعْظَمَ أن تكونَ هذه الأخبارُ على ما قد ذكر فيها، وقال: مُحَالٌ أن يكون كان نزول هذه الآية إلَّ كما يقرؤها: ﴿لَا يَستَوي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنينَ غَيْرُ أُولي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ بِأُمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ هذه الآثار التي رويناها آثارٌ صِحاحٌ ثابتةٌ لا يدفع العلماءُ صِحتَها، ولا يطعُنُون في أسانيدِها، ولا يختلفونَ أن الآيةَ المذكورةَ فيها كان بدْءُ نزولها: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدون في سَبيلِ الله بِأموالِهِمْ وأَنْفُسهم﴾ وأن ابنَ أُمِّ مكتوم وأبا أحمد بن جَحْش لما ذَكَرًا لرسولِ الله عَجْزَهُما عن الجهادِ بالضُّرِّ الذي بهما أنزل الله: ﴿غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فصارت الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدون في سَبيلِ الله﴾ ولم يكن ذلك عندنا - والله أعلمُ - على أن الله عز وجل أرادَهما وأمثالَهما بهذه الآية، مع عجزهما عن ١٥٠ المعنى الذي فيها ممَّا يُفضَّلُ به المجاهدون على القاعِدين غير أولي الضَّرر، ولكنهما ذهبَ ذُلك عنهما، حتى كان منهما من القولِ ما ذكر عنهما في هذه الآثار لرسولِ اللهِ وَعليه، فأنزل الله عز وجل عند ذلك على رسوله: ﴿غَيْرُ أُوِي الضَّرَرِ﴾ إعلاماً منه إياهما أنه لم يُرِدْهما ولا أمثالَهما بذلك التفضيل الذي فضَّل به المجاهدين على القاعدين، فكيفَ يجوزُ أن يكونَ الأمرُ بخلاف ذلك وقد سمعوا الله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ على الأَعْمَى حَرَجٌ ولا على الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا على المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] يعني في تخلَّفهم عن الجهاد مع رسول الله وَلچر . فإن قال قائلٌ: أَفيجوزُ أن يذهبَ عنهما مثلُ هذا من مرادِ الله عز وجل بهذه الآية؟ قيل له: وما تنكر من هذا وقد كان رسولُ الله وَلّ لما أنزل عليه في الصيام: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيِّن لَّكُمُ الخَيْطُ الأَبيضُ من الخَيْطِ الأسودِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وتَلاها عليهم، حملوها على ما قد ذكره سهلُ بن سعد السَّاعديُّ من حملهم إيَّاها عليه حتى أنزل الله عز وجل على رسوله وََّ ما أعلمَهم به أن مُرادَه جل وعز غيرُ ما ظنُّوه به جَلَّ وعزَّ. كما قد حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا المقدَّمي، قال: حدثنا الفُضيلُ بن سليمان النّميري، عن أبي حازم عن سهْل بن سعد السَّاعدي، قال: لما نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيِّن لَكُمُ الخَيْطُ الأبيضُ من الخَيْطِ الأسودِ﴾ جعل الرجلُ يأخذُ خيطاً أبيضَ وخيطاً أسودَ، فيجعلُهما تحت وسادة، فينظر متى يتبيُّهما، ١٥١ فيترك الطعام. قال: فبيّن الله ذلك ونزلت: ﴿من الفجر﴾(١). فكان في هذا الحديث تبيانُ الله أنَّ الذي أرادَ بالخيط الأبيض والخيط الأسود غيرَ الذي ظنُّوا أنه أراده بهما. وكذلك عَدِي بنُ حاتم الطّائي فيما رُوي عنه في هذا المعنى. ١٥٠٤ - كما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا هُشيم، قال: حدثنا حُصين بن عبدالرحمن، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم ١٥٠٥۔ وکما حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: حدثنا إسماعيلُ بن سالم، قال: حدثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ ومُجَالِدٌ، عن الشعبي، قال: كو (١) حديث صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين، والفضيل بن سليمان - وإن كان سيء الحفظ - قد توبع. المُقدَّمي: هو محمد بن أبي بكربن علي بن عطاء، وأبو حازم: هو سلمة بن دينار. ورواه البخاري (١٩١٧) و(٤٥١١)، ومسلم (١٠٩١)، والنسائي في ((التفسير)) كما في ((التحفة)) ١٢١/٤، والطبري في ((جامع البيان)) (٢٩٩٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٥٧٩١)، والبيهقي ٢١٥/٤، والبغوي في ((معالم التنزيل)) ١٥٨/١ من طريق سعيد بن أبي مريم، عن أبي غسان محمد بن مطرف، عن أبي حازم، بهذا الإِسناد. ورواه البخاري (١٩١٧) من طريق عبدالعزيز بن أبي حازم، عن أبي حازم، به. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٤٨٠/١، وزاد نسبته لابن المنذر، وابن أبي حاتم . ١٥٢ أخبرنا عديُّ بنُ حاتم، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّن لَكُمُ الخَيْطُ الأَبيضُ من الخَيْطِ الأسودِ﴾ عَمَدْتُ إلى عِقالين أحدُهما أسود، فجعلتُ أنظرُ إليهما، فلا يتبيِّن لي الأبيضُ من الأسودِ، فلما أصبحتُ، غدوتُ على رسولِ اللهِ وَ﴿ فأخبرتُه بالذي صنعتُ، فقال: ((إنَّ وسَادَكَ لَعَرِيضٌ، إنَّما ذلك بياضُ النَّهارِ وسَوادُ الليلِ))(١). أفلا تَرَى أنهم لما سَمِعُوا قوله جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتْبِّن لَكُمُ الخَيْطُ الأَبيضُ من الخَيْطِ الأسودِ﴾ حملوا ذلك على ما حمَلُوه عليه حتَّى بَيَّن الله عز وجل لهم في كتابه وعلى لسان رسوله أنَّ الذي أرادَهُ خلافُ ما ظنّوه، وكذلك ما كان من قِصة ابن أمِّ مكتوم وأبي أحمد لما تلا عليهما رسولُ اللهِ وَلَه ما تلا ظنًّا أنهما من المفضولين فيما تلاه عليهما، فبَيِّن الله عز وجل لهما بإنزاله على رسوله وَله: ﴿غَيْرُ أولي الضَّرَرِ﴾ أنه لم يُرِدْهُما ولا أمثالَهما من ذوي الضَّرر، وإنما أراد غيرَهما ممن لا ضرر به. وفيما ذكرنا ما قد دلَّ على أن القراءةَ في ذلك كما قرأها من قرأها بالرفعِ وهم: عاصم، والأعمش، وأبو عمرو، وحمزة، لا كما قرأها (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه المصنَّف في ((شرح معاني الآثار)) ٥٣/٢ بالإِسنادين معاً. ورواه البخاري (١٩١٦)، وعنه البغوي في ((معالم التنزيل)) ١٥٨/٢ عن حجاج بن منهال، عن هشيم، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ٣٧٧/٤، والبيهقي ٢١٥/٤ من طريق هشيم، به. ورواه الدارمي ٥/٢-٦، والبخاري (٤٥٠٩)، ومسلم (١٠٩٠)، من طرق عن حصين، به. وصححه ابن حبان (٣٤٦٢) و(٣٤٦٣). وانظر تمام تخريجه فيه. ١٥٣ مخالِفُوهم: ﴿غَيْرَ أُولي الضَّرَرِ﴾ بالنصب، وهم: أبو جعفر، وشيبةُ، ونافعٌ، وابنُ كثير، وعبدُ الله بن عامر(١)، وقد كان أبو عبيد القاسمُ بنُ سلَّام ذهب إلى قراءة هؤلاء المدنيين، وقال مع ذلك: إنَّ الرفعَ وجهٌ في العربية ممكنٌ غيرُ مُستنكَرٍ، وكذلك كان الفرَّاء يذهبُ إلى صحته في العربية، ويقول(٢): هو على النَّعتِ للقاعدِين. قال: وما كان من نعتِهم كان كذلك إعرابُه بالرفع لا بغيره كما قال عز وجلّ: ﴿أو التَّابعين غَيرِ أولي الإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] فكان نعتُه إياهم بمثل ما ذكرَهم به من الجَرِّ لا ما سواه. والله نسأله التوفيقَ. وقد قال أبو عبيد القاسمُ بنُ سلَّام في السبب الذي به اختارَ غيرَ أولي الضرر بالنصب، فقال: وروى عن أصحاب رسولِ اللهِ وَّر غير واحدٍ ذَكَرَهُم أن نزولَها كان على الاستثناءِ، فوجبَ بذلك أن تكون منصوبةً . فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونِه أنه لم يُرْوَ عن واحدٍ من أصحاب النبي ◌َّ أَنَّه قال: إنَّما نزلت للاستثناءِ مما كان نزلَ قَبْلَها، وإنما رُوي عنه منهما في سبب نزولها ما قد رويناهُ في ذلك في صدر هذا الباب. ولو كانت كلَّها نزلت معاً، لَجَازَ أن يكونَ ذلك على الاستثناءِ، فيكون النصبُ فيه أَوْلى من الرفع ، ولكنَّه إنَّما كان الذي نزل أولاً منها هو قولُه عز وجل: ﴿لَا يَستَوي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجَاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ﴾ ونحن نُحيطُ علماً أنَّ الله عز (١) انظر ((حجة القراءات)) ص٢٠٩-٢١١. (٢) ((معاني القرآن)) ٢٨٣/١. ١٥٤ وجل لم يعْن القاعدين بالزَّمانة مع النِّيَّةِ أَنَّهم لو أطاقُوا الجهادَ لَجَاهدوا، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن المجاهدونَ أَفْضَلَ منهم، لأنَّهم جاهدوا بقوّتهم، وتخلَّف الآخرون عن الجهاد بعجزهم عنه. وقد قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ على الضَّعَفَاءِ ولا على المَرْضى ولا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُون ما يُنْفِقونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى المُحسِنِينَ مِنْ سَبيلِ والله غَفُورٌ رَحِيمٌ. ولا على الَّذِينَ إذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُم قُلْتَ لا أَجَدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عليهِ﴾ [التوبة: ٩١، ٩٢]، ثم أَعْلَم بعدَ ذلك أنَّ السبيل على خلافِ هؤلاء بقوله عز وجلَّ: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلَ على الَّذِينَ يَسْتَأْذِنونَكَ وهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٩٣]. وقال عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلى الْأَعْمَى حَرَجٌ ولا على الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا على المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]. ومن حمَل الأمر على غير ما ذكرنا، كان قد قال قولاً عظيماً، ونَسَبَ الله عزَّ وجلَّ إلى أنَّه قد تعبّدَ خلقَه بما هم عاجزون عنه. وإذا كان نزولُ ما قد تلَوْنا على ما قد ذكرنا، كان ما أنزل الله عز وجل بعدَ ذُلك مِنْ قوله: ﴿غَيْرُ أولي الضَّرَرِ﴾ تبياناً لما كان أنزله قبل ذلك مِن القاعدين الَّذين فضّل عليهم المجاهدِينَ، فكان الرفعُ أَوْلى به من غيره. وقد سأل سائلٌ، فقال: قد كان من ابن أمِّ مكتوم ما كان من الاعتذارِ إلى رسولِ اللهِ وَ ◌ّ بما اعتذر به إليه، وقد كان يومَ القادسيةِ على حالِه التي اعتذر بها إلى رسولِ الله وَّ يحملُ الرايةَ في قتالِهِ الكفارَ، فكيف لم يَبْذُلْ ذُلك مِنْ نفسِه لرسولِ اللهِ لَّه. وذكر ما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا عفّان بن مسلم، ١٥٥ قال: حدثنا يزيدُ بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد - وهو ابن أبي عَروبة - عن قتادة عن أنس بن مالك، أنَّ عبد الله ابن أمِّ مكتوم يومَ القَادِسيةِ كانت معه رايةٌ سوداء، وعليه دِرْعٌ(١). وما قد حدثنا أبو أميةً، قال: حدثنا أبو نُعيم، قال: حدثنا ابن عيينةً، عن عليٍّ بن زيد عن أنس بن مالك، قال: رأيت ابنَ أُمِّ مكتوم في بعض مشاهِدٍ المسلمينَ في يدِهِ اللَّواءُ (٢). فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّه قد يُحتمل أن يكون ابنُ أم مكتوم يومَ كان منه لرسول الله وََّ ما كانَ لم يكنْ يُحْسِنُ يومئذٍ حملَ الرايةِ، ثم أحسَنَهُ بعد ذلك، فتكلفه لَمَّا أحسنه للمسلمين، وتَرَك أن يتكلَّفَه قَبْلَ ذلك لما كان لا يُحْسِنُه، والله عز وجل نسأله التوفيق . (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. يزيد بن زريع حدّث عن سعيد بن أبي عروبة قبل الاختلاط. ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢١٢/٤ عن عفان، بهذا الإِسناد. ورواه ابن سعد من طريقين عن أبي هلال الراسبي، عن قتادة، بنحوه. (٢) إسناده ضعيف. علي بن زيد، وهو ابنُ جدعان، ضعيف الحديث، لكنْ يتقوى بالرواية السالفة. ورواه سعيد بن منصور في ((سُنَّنِه)) (٢٨٨٠) عن سفيان، بهذا الإِسناد. وروى ابنُ سعد ٢١٢/٤ عن الواقدي قال: حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس أن ابن أم مكتوم شهد القادسية ومعه الراية. ١٥٦ ٠ ٢٣٦ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله ◌ِله ممَّا كان منه يومَ فتحِ مكةَ من أمانةِ الناس جميعاً إلّ الأربعةَ الرجال الذين سمَّاهم وإلّ القَيْتَتَينِ اللتين كان سمَّاهُما معهم ١٥٠٦ - حدثنا أبو أميةً، قال: حدثنا أحمد بن المفضَّل الحَفَرِيُّ، قال: حدثنا أسباطُ بن نصرِ، قالَ: زَعَمَ السُّدِّيُّ، عن مُصعب بنِ سعد عن أبيه، قال: لما كان يومُ فتح مكةٍ أَمَّنَ رسول اللهِوَِّ الناسَ إلَّ أربعةَ نَفَرِ وامرأتين، وقال: ((اقْتُلُوهُم وإنْ وجدتُموهُم مُتَعَلِّقينَ بِأُسْتَارِ الكعْبَةِ: عِكرمةَ ابنَ أَبِي جهلٍ ، وعبدَ الله بنَ خطَل، ومِقْيَسَ بنَ صبابة، وعبدَ الله بنَ سعدٍ بن أبي سَرْحٍ)) فأمَّا عبدُ الله بن خطَل: فأتي وهو متعلَّقُ بأستار الكعبة، فاستبَقَ إليه سعيدُ بن حُريث، وعمارُبنُ ياسر رضي الله عنهما، فسبَقَ سعيدٌ عماراً، وكان أشدَّ الرجلين فقتله، وأما مِقْيَسُ بنُ صَبَابة، فأدركَه الناسُ في السوق، فقتلُوه، وأما عكرمةُ بن أبي جهل: فركب البحرَ، فأصابهم ريحُ عاصف، فقال أصحاب السفينة لأهل(١) السفينةِ: أخلِصُوا، فإنَّ آلهتكُم لا تُغني عنكم شيئاً هاهنا، وقال (١) في الأصل: ((الأصحاب))، والمثبت من ((شرح معاني الآثار)) للمؤلف. ١٥٧ عكرمةُ: والله لَئِن لم يُنجني في البحر إلّ الإِخلاصُ لا يُنجيني في البَرِّ غيرُه، اللهمَّ إنَّ لك عليَّ عهداً إنْ أنجَيتني ممَّا أنا فيه، أنِّي آتي محمداً مَِّ فأضعُ يدي في يده، فلأجدنَّهُ عَفُوّاً كريماً، فنجا، فأسلمَ. وأما عبدُ الله بنُ أبي سرح، فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما دَعا رسولُ اللهِنََّ الناسَ للبيعة، جاء به، حتى أوقفَهُ على النبيِّ وَّ فقال: يا رسولَ الله بايعْ عبدَ الله، فرفَعَ رأسَه، فنظر إليه ثلاثاً، كلُّ ذُلك يأبى، فبايَعَهُ بَعْدَ ثلاث، ثم أقبلَ على أصحابِه، فقال: ((أما كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ يَقُومُ إلى هذا حينَ رآنِي كَفَفْتُ يَدِي عنِ بيعتِهِ، فَيَقْتُلَهُ)) فقالوا: ما دَرَيْنا يا رسول الله ما في نفسك، فهلَا أَوْمَأْتَ إلينا بعينِكَ، فقال: ((إنَّه لا ينبغي لنبيٍّ أن تكونَ له خائِنَةُ عَيْنِ))(١). (١) إسناده حسن. أحمد بن المفضل الحفري روى عنه جمع، وذكره ابن حبَّان في (الثقات)) وأثنى عليه ابنُ أبي شيبة، وقال أبو حاتم، وكذا الذهبي: صدوق، وأسباط بن نصر، وثّقه ابن معين، وابن حبّان، وابن شاهين، وتوقف فيه أحمد، وضعَّفه أبو نعيم، وقال النسائي: ليس بالقوي، وحديثه في صحيح مسلم والسنن الأربعة، والسدي - واسمه اسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة - قال علي ابن المديني: لا بأس به، ووثقه أحمد، وابن حبان، والعجلي. وقال النسائي: صالح ليس به بأس، وقال ابن عديّ: له أحاديث يرويها عن عدة شيوخ، وهو عندي مستقيمُ الحديث صدوق لا بأس به. وقال الحاكم في ((المدخل)) في باب الرواة الذين عِيب على مسلم إخراجُ حديثهم: تعديل عبدالرحمن بن مهدي أقوى عندَ مسلم ممن جرحه بجرح غير مفسر، وقال الذهبي في ((الكاشف)): حسن الحديث. ورواه المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ٣٣١/٣، بهذا الإِسناد، ولم يسق لفظه . = ١٥٨ قال أبو جعفرٍ: ففي هذا الحديث أن النبيَّ مَّ كان أمر في هؤلاء الأربعةِ الرجالِ المسمَّيْنَ بما أمر به فيهم أمراً مطلقاً، ثم خرج عن ذلك: عكرمةُ بن أبي جهل، وعبدُ الله بنُ سعد بإسلامهما، فَحَقَن ذُلك دماءَهما، وقُتِلَ الآخرانِ على ما قُتِلا عليه من الكفر الذي ثَبَتَا عليه، فَدَلَّ ذلك أن أُمْرَ النبي ◌َّ كان فيهم بما أمر به فيهم مستثنى من خروجهم عن السبب الذي أمر من أجلِه بما أمر به فيهم إلى ضِدِّه وهو الإِسلامُ. فكان ذلك استثناءً بالشريعةِ، وإنْ لم يُسْنَ باللسان، فدلَّ ذلك أنَّ كذلك تكون أمورُ الأئمة بالعقوبات مستثنى منها ما يَرْفَعُ العقوباتِ بالشريعة، وإنْ لم يستثنوا ذلك بالسِنَتهم، وبالله عز وجل التوفيق . ورواه ابن أبي شيبة ١٤ /٤٩١-٤٩٢، وأبو داود (٢٦٨٣) و(٤٣٥٩)، والنسائي = ١٠٥/٧-١٠٦، والمصنف ٣٣٠/٣، وابن أبي شيبة ٤٩١/١٤-٤٩٢، وأبو يعلى (٧٥٧)، والبزار (١٨٢١)، والدارقطني ٥٩/٣، والحاكم ٤٥/٣، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٤٠/٧، وفي ((دلائل النبوة)) ٥٩/٥، وابن الأثير في «أسد الغابة)) ٤ / ٧٠-٧١ من طرق عن أحمد بن المفضل، به. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي! وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٦٨/٦-١٦٩: ورواه أبو داود وغيره باختصار، ورواه أبو يعلى والبزار، ورجالهما ثقات! وفي الباب عن أنس عند البيهقي في ((الدلائل)) ٦٠/٥-٦١، وفيه الحكم بن عبدالملك، وهو ضعيف، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ١٦٧/٦-١٦٨، ونسبه إلى الطبراني في ((الأوسط)) وأعله بالحكم بن عبدالملك. وعن سعيد بن المسيب مرسلاً عند ابن سعد ١٤١/٢ من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عنه. ١٥٩ ٢٣٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَل من قوله: ((لا يُقْتَلُ قُرَشِيُّ بَعْدَ اليومِ صَبراً)) ١٥٠٧ - حدثنا عبدُ الله بنُ محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: حدثني أبي، عن الشَّعبي، قال: قال عبدُ الله بن مُطيع: سمعتُ مُطيعاً يقول: سمعتُ رسول اللّه ◌َ يومٍ فَتْحِ مكة يقول: ((لا يُقْتَلُ قُرَشِيِّ صَبْراً بعد هذا اليَوْمِ إلى يَومِ القيامَةِ))(١). ١٥٠٨ - حدثنا أحمد، قال: حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس البغداديُّ، قال: حدثنا محمد بن منصور الطّوسيُّ، قال: حدثنا يعقوبُ - يعني ابنَ إبراهيم بن سعد - قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني شُعْبَةُ، عن عبد الله بن أبي السَّفَر، عن الشّعبي، عن عبدٍ الله بن مُطيع بنِ الأسود عن أبيه - وكان اسمه العاصي، فسمَّاه رسولُ اللهِ وَلِّ مُطيعاً - قال: (١) إسناده صحيح. أسد بن موسى ثقة، ومن فوقه من رجال الشيخين، غير عبدالله بن مطيع، فمن رجال مسلم. ورواه ابن حبان (٣٧١٨) من طريق مسدد عن يحيى بن زكريا، بهذا الإِسناد، وقد صرح زكريًّا بن أبي زائدة بالتحديث عنده، وانظر تمام تخريجه فيه. ١٦٠