النص المفهرس
صفحات 261-280
أبي ذَرِّ الذي رويته في أوَّلِ الباب، لأن في حديث أبي ذَرِّ غروبَ الشمس في السماء، وفي هذا غروبُها في طينة سوداء، والطينُ فإنّما يكون في الأرضِ ، لا في السماءِ. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله أَنَّ الطينَ قد يكونُ في السماء كما يكون في الأرض، وقد دَلَّ على ذلك قولُ الله تعالى مما ذكره عن أَضْیافٍ إبراهيمَ عليه السلام، مما كانَ جواباً منهم لإبراهيمَ من قوله: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَومٍ مُجرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الزمر: ٣١]، فَدَلَّ ذلك على أنَّ الطين في السماء كما هو في الأرض. فقال هذا القائل: ففي شعر تُبِّع الذي رويْتَه: ((فرأى مغيب الشمس)) فذلك مما قَدْ دَلَّ أنَّه قد رَأَى مغيبَها، وأنه في الأرض لا في السماء . فكان جوابُنا له عن ذلك أنَّ الذي رويناه عن أبي ذرّ هو عن رسول اللّه عليه السلام، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم هو الحُجَّةُ في اللغةِ، وفيما سِواها، ومع هذا فقد يجوزُ أن تكون تلك الرؤيةُ التي أرادها تُبُّع رؤيةً يقينٍ وعلمٍ بالقلب، لا رؤيةَ عينٍ، كما قالَ اللّهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] فكان ذلك على رؤية القلوب ويقينها، لا على رؤية الأبصارِ، فَخَرَجَ بذلك جميعُ ما ذكرناه عن رسولِ الله صلَّى اللَّهُ عليه وسلم في هذا البابِ على الالتئامِ بغير تضادٌّ فيه ولا اختلافٍ. وقد قرأَ هذا الحرفَ - أعني ﴿حمئة﴾ - غيرُ ابنِ عباسٍ بخلافٍ ما قرأه ابنُ عباس، وهو ﴿حامية﴾، منهم: ابنُ مسعود: = الحقيقة والواقع، كما هو معلوم لكل من له إلمام بعلم الهيئة، وقد تقدم كلام الإمام الخطابي في ذلك. ٢٦١ كما حدَّثنا أحمد بن أبي عمران، حدثنا خَلّفُ بنُ هشام، حدثنا الخَفَّافُ، عن هارونَ، عن عاصم، عن زِرِّ، عن ابن مسعود أنَّه كانَ يقرأ ﴿حامية﴾ يقول: حَارة(١). ومنهم ابنُ الزبير: كما قد حدثنا أحمد، حدثنا خَلَفٌ، حدثنا عُبِيدُ بن عقيل، عن شِبْلٍ، عن محمدٍ بن عبدالرحمن بن مُخَيْصِنٍ، عن أبيهِ، عن ابنِ الزَّبيرِ ﴿حامية﴾ بِأَلِفٍ كَمِثْل(٢). وفي الفصلِ الأوَّلِ عن الذي كان مع ابنِ عباس عند معاويةً من عمرو، ومن ابنه عبدالله هذه القراءة أيضاً، ولا نَعْلَمُ عن أحدٍ مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى ابنِ عباس موافقةً ابنٍ عباس في ﴿حمئة﴾، والأكثر منهم على ﴿حامية﴾، وقد روينا من ذلك ما رويناه وتركنا ما سواه مما لا يتصل أسانيدُه. وكانَ ممّنْ قَرَأَ هذا الحرف أيضاً عاصمٌ، وسليمانُ الأعمشُ، وحمزةُ، وذكر لنا عليّ بنُ عبدالعزيز، عن أبي عُبَيْدٍ أَنَّهُ كانَ يذهَبُ إلى ذلك، ويختارُه لكثرةٍ عَدَدِ القراءِ(٣)، ولأنّ عاصماً لِقراءته من صحةِ المَخْرَجِ ما ليسَ لقراءة غيرِه. (١) إسناده حسن. الخفاف: هو عبدالوهّاب بن عطاء، وهارون: هو ابن موسى الأزدي العَتْكِي النحوي، وعاصم: هو ابن أبي النّجود، وزر: هو ابن حُبَيْش. (٢) محمد بن عبدالرحمن - ويقال: عمر بن عبدالرحمن - بن محيصن السُّهمي مولاهم المكي قارىء أهل مكة مع ابن كثير وحميد الأعرج قال الإمام الذهبي في ((التذهيب)): ثقة في الحديث مقل، ضعيف في القراءة، له في روايته أشياء شاذة، وأبوه لم أقف له على ترجمة. وباقي السند رجاله ثقات. شبل: هو ابن عباد القارىء. (٣) لكن ابن جرير يقول: إن الصواب أنهما قراءتان مشهورتان، فأيهما قرأ القارىء، فهو مصيب. ٢٦٢ سمعتُ أحمد بنَ أبيٍ عمران يقول: سمعت يحيى بن أكثمّ يَقُول: إنْ كانتِ القراءةُ تُؤخذُ بصحة المخرج، فما نعلم لقراءةٍ مِن صحةٍ المخرج ما صَحُّ لقراءةِ عاصمٍ، لأنّه يقولُ: قرأتُ القرآنَ على أبي عبد الرحمنِ، وقرأ أبو عبدالرحمن على عليٍّ، وقرأ عليٌّ على النبيِّ عليه السلامُ، قال: وكنت أنصرفُ من عند أبي عبدالرحمن فَأَمُرُّ بزِرِ بنِ حُبَيْشٍ، فأقرأ عليه كما قرأتُ على أبي عبدالرحمن، فلا يغير عليَّ شيئاً، قال: وقرأ زِرِّ على ابنِ مسعود، وقرأ ابنُ مسعود على رسولِ الله عليه السلام. قال أبو جعفر: وصَدَقَ، وقد كُنَّا أَخَذْنَا قراءةَ عاصِمٍ حرفاً حرفاً، عن روح بنِ الفرج، وحدثنا أنَّه أخذها عن يحيى بنِ سليمانَ الجُعْفيِّ، وأنَّه قال لهم: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: قرأتُ على عاصِمٍ، قال أبوبكر: فقلت لعاصم: على مَنْ قرأتَ؟ فقال: على السُّلَمِي، وقرأ على عليٍّ، وقرأ عليّ على النبيِّ عليه السَّلامُ. قال عاصم: وكنتُ أجعلُ طريقي على زِرِّ، فأقرأ عليه، وقرأ زِرِّ على ابن مسعودٍ، وقرأ على النبيِّ عليه السلامُ(١). ولقد حدثني إبراهيمُ بن أحمد بن مروانَ الواسِطي، حدثنا محمدُ بن خالد بن عبدالله الواسطي، قال: سمعت حفصَ بنَ سليمانَ الكوفيَّ، عن عاصم، قال: قال أبو عبدالرحمن: قرأتُ على عليٍّ، فأكثرتُ وأمسكتُ عليه، فأكثرتُ، وأقرأتُ الحسن والحسينَ حتى ختما القرآنَ، ولقيتُ زيدَ بنَ ثابت بحروف القرآن، فما خالفَ عليّاً في حرفٍ. فلو أضافَ مضيفٌ(٢) قراءةً عاصمٍ كلَّها إلى النبيِّ عليه السَّلامُ لما كانَ معنفاً. ومما يُقَوِّي ذلك: ٢٨٦ - ما حدثنا فَهْدٌ، حدثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، حدثنا (١) رجاله ثقات، وسنده قوي. (٢) في الأصل: ((أصاب مصنف))، وهو تصحيف عجيب. ٢٦٣ شريكُ بن عبدالله، وأبو مُعَاويةَ، ووكيعٌ، عَنِ الأعمشِ، عن أبي ظَبْيان، قال: قلتُ لابن عباس: على القراءة الأولى تَقْرَأ قراءةَ ابنٍ مسعود؟، [قال: بل قراءةُ ابن مسعود هي الآخرة](١)، إنَّ جبريلَ عليه السَّلامُ كانَ يَعْرِضُ على نبيِّ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم القرآنَ في كُلُّ رمضانَ، فلما كانَ العامُ الذي قُبِضَ فيهِ عَرَضَه مرتين، فَشَهِدَ عبدالله ما نُسِخَ مِنْهُ وما بُدِّلَ(٢). ٢٨٧ - وما حدثنا فَهْدٌ، حدثنا أبو غَسَّانَ، حدثنا إسرائيلُ بنُ يونُسَ، عن إبراهيمَ بنِ مُهَاجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباس، أنَّهُ قال لأصحابه: أيَّ القراءتينِ تَرَوْنَ آخِراً؟ قالوا: قراءةَ زيدٍ، قالَ: إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَعْرِضُ القرآنَ على جبريلَ في كُلِّ سنةٍ، فَمّا كانتِ السنةُ التي قُبِضَ فيها عَرَضَهُ عليه مرتينِ، فَشَهِدَه ابنُ مسعودٍ، فكانتْ قراءةُ عبدِ اللَّهِ آخِراً(٣). قال أبو جعفر: والاختلافُ في هاتين القراءتينِ في هذا الحرفِ من أَيْسَرِ الاختلافِ، لأَنَّا إذا صححنا ما رُوِيَ في العين التي تَغْرُبُ فيها الشمسُ، استحق بذلك الحمأ والحرارةُ جميعاً، فكانتا مِنْ صفاتِها، وكانَ مَنْ قرأ ﴿حَامِيَةٍ﴾، وصفَها بإحدى صفاتها، ومن قرأ ﴿حَمثَةٍ﴾ وَصَفها بصفتها الأخرى، وذلك واسع غيرُ ضَيِّق على أحدٍ ممن روى قراءة من هاتين القراءتين. (١) ما بين الحاصرتين زيادة من ((مسند)) أحمد، والمطبوع. (٢) إسناده صحيح على شرط البخاري. أبو ظبيان: هو حصين بن جندب بن الحارث الجنبي . ورواه أحمد ٣٦٢/١، والنسائي في (الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٧٩/٤ من طريق الأعمش، بهذا الإسناد. (٣) حديث صحيح، وهذا سند حسن في المتابعات. أبو غسان: هو مالك بن إسماعيل النهدي . ورواه أحمد ٢٧٥/١ - ٢٧٦ من طريق إسرائيل، بهذا الإسناد. ٢٦٤ ٤٨ - بابُ بيانٍ مُشْكِلِ ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللَّهِ عليهِ السلامُ في جوابِهِ كانَ لزوجتيهِ أُمُّ سَلَمَةَ ومَيْمُونَةَ رضوانُ الله عليهما لَمَّا دَخَلَ عليه ابنُ أُمّ مكتومٍ الْأَعْمى، وهما عنده بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ: ((احتجبا منه))، فَقُلْنا يا رسول الله، إنه أعمى، لا يرانا ولا يَعْرِفُنا، ومن قوله لهما: (أعمياوانٍ أنْتُما)) ٢٨٨ - حدثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، حدثني يونُسُ بنُ يَزِيدَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن نّبْهانَ مولى أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أَمِّ سَلَمَةَ أخبرتْهُ: أَنَّا كانتْ عِنْدَ رَسولِ الله عليهِ السلامُ، وميمونةَ، قالتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَه، أَقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَدَخَلَ عليهِ، وذلك بَعْدَ أَنْ أُمِرَ بالحجابِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ عليه السلامُ: ((احْتَجِبَا مِنْهُ))، فقلنا: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يُبْصِرُنا ولا يَعْرِفُنا؟، فقالَ رسولُ اللَّهِ عليه السلام: ((أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُما، أَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ))(١). ٢٨٩ - حدثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا (١) إسناده ضعيف. نبهان: هو المخزومي أبو يحيى المدني مولى أم سلمة، لم يوثقه غير ابن حبان ٤٨٦/٥ على عادته في توثيق المجاهيل، وباقي رجاله ثقات. ورواه النسائي في (الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٥/١٣ عن يونس، بهذا الإسناد. ورواه كذلك من طريق عقيل، عن الزهري، به. ٢٦٥ عبدُالرزاقِ، حدثني ابنُ المباركِ، عن يونسَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن نَبْهَانَ مولى أمُّ سلمةَ عن أم سلمةَ قالتْ: كُنْتُ عندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَمَ، وعندَهُ مَيْمُونَةُ، فَاسْتَأْذَنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وذلك بَعْدَ الحجابِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((قُومَا))، فقلت: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أعمى لا يُبْصِرُنا، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أَفَعَمْيَاوانٍ أَنْتُمَا؟))(١). فكانَ في هذا الحديث، ما قد دَلَّ أنَّ اللَّهَ عز وجل لمَّا حجب أمهات المؤمنينَ عن النَّاسِ، فَمَنَعَهُمْ من رؤيتهِنَّ بقولهِ تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أنَّه قَدْ كان في (١) إسناده ضعيف كسابقه. ورواه أحمد ٢٩٦/٦، وأبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨) من طرق عن ابن المبارك، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. كذا قال، وقد علمت أن نبهان لم يوثقه غیر ابن حبان. وهو معارض بحديث فاطمة بنت قيس عند مسلم (١٤٨٠) (٤١)، وأحمد ٣٧٣/٦ و٤١٢، وفيه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتدَّ في بيت ابن أم مكتوم، وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يراها. وبحديث عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد ويوم فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبة العيد مضى إلى النساء فذكرهن ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة قال ابن قدامة في («المغني» ٥٦٤/٦: فأما حديث نبهان، فقال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين يعني هذا الحديث، وحديث (إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه)) وكأنه أشار إلى ضعف حديثه إذ لم يرو إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول. وقال ابن عبدالبر: نبهان مجهول لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث، وحديث فاطمة صحيح، فالحجة به لازمة. ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك قال أحمد وأبو داود. قال الأثرم: قلت لأبي عبدالله: كأن حديث نبهان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وحديث فاطمة لسائر الناس؟ قال: نعم. وإن قدر التعارض، فتقديم الأحاديث الصحيحة أولى من الأخذ بحديث مفرد في إسناده مقال. ٢٦٦ ذلك حجبَ الناسَ عَنْهُنَّ، كما حَجَبَهُنَّ عن الناسِ ، وأَنَّه حرام عليهِنَّ النظرُ إلى النَّاسِ الذين يَحْرُمُ عليهم النظرُ إليهنَّ، فدَخَلَ في ذلك العُمْيَانُ والبُصَرَاءُ جميعاً. فتوهّمَ متوهمٌ أنَّ ما في هذا الحديث مما ذكرنا ما قد خالف ما في الحديث المروي في أمرٍ عائشةً رضوانُ الله عليها: ٢٩٠ - وهو ما حدثنا يونسُ، حدثنا ابنُ وهبٍ، حدثني عمرو بنُ الحارث، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةً عن عائشةَ قالت: رأيتُ رسولَ اللَّهِ عليه السلامُ يَسْتُرُني برِدائِهِ، وأنا أنظرُ إلى الحَشَةِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ، وأنا جارية فاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ العَرِبَةِ الحديثةِ السِّنِّ(١). ٢٩١ - وما قد حدثنا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب قال: قال عمرو، عن أبي الأسودِ، عن عُروةً عن عائشة، وكانَ يَوْماً عِنْدِي ـ تعني رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - فَلَعِبَ السُّودانُ بِالدَّرَقِ والحِرَابِ، فإمَّا سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإمَّا قالَ: ((تَنْظُرِينَ؟))، فقلتُ: نَعَمْ، فأقامَنِي وراءَهُ حِذَاءَ خَدِّهِ، وهو يقول: ((دونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ))، حتى إذا مَلِلْتُ، قال: (حَسْبُكِ))؟ قلتُ: نَعَمْ، قال: ((اذْهَبِي))(٢). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري (٤٥٥)، ومسلم (٨٩٢) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، بهذا الإسناد. ورواه البخاري (٤٥٤) و(٩٨٨) و(٣٥٣٠) و (٥١٩٠)، والنسائي ١٩٥/٣ - ١٩٦ من طرق عن الزهري، به. (٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو الأسود: هو محمد بن عبدالرحمن بن نوفل الأسدي . ٢٦٧ ٢٩٢ - حدثنا يونسُ، حدثنا ابنُ وهبٍ، وحدثني بكرُ بنُ مُضَرَ، عن ابن الهادٍ، عن محمدٍ بن إبراهيمَ بنِ الحارثِ، عن أبي سَلَمَةً عن عائشةَ قالت: دخلَ الحبشةُ المسجدَ يلعبونَ، فقال لي: (يا حُميراءُ، أُحُبِّينَ أَنْ تَنْظُري إليهم؟))، فقلتُ: نَعَمْ، فقامَ بالبابِ، وجِئْتُهُ، فوضَعْتُ ذَقَنِي على عاتِقِهِ، وأسنَدْتُ وجهي إلى خَدِّهِ، وَمِنْ قولِهِم يومَئِذٍ: أبا القاسم طيباً، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلم: (حَسْبُكِ))، فقلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا تَعْجَلْ، فَقَامَ، ثم قالَ: ((حَسْبُكِ))، فقلتُ: لَا تَعْجَلْ يا رسولَ اللَّهِ، قالت: وما بي حُبُّ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ، ولكنْ أَحْبَيْتُ أَنْ يَبْلُغَ النِّساءَ مقامُه لي، أو مكاني منه(١). ٢٩٣ - وما قد حدثنا سليمانُ بنُ شُعيب الكَيْسَانيُّ، حدثنا بِشْرُ بنُ بَكْرٍ، حدثني الْأُوْزاعيُّ، حدثني ابنُ شِهابٍ، حدثني سعيدُ بنُ المُسَيِّبِ عن أبي هريرة قالَ: دخل عمرُ بنُ الخطابِ، والحبشةُ يَلْعَبُونَ في المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُم، فقالَ رسولُ اللَّهِ عليهِ السلامُ: ((دَعْهُمْ يا عُمَرُ، = ورواه البخاري (٩٥٠) و(٢٩٠٧)، ومسلم (٨٩٢) (١٧) من طريق ابن وهب، بهذا الإسناد. ورواه مسلم (٨٩٢)، والنسائى ١٩٥/٣، وأحمد ٥٦/٦ - ٥٧، والحميدي (٢٥٤) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ابن الهاد: هو يزيد بن عبدالله. ورواه النسائي في ((الكبرى)) في عشرة النساء ورقة ٧٥ وجه أول، عن يونس بن عبدالأعلى، بهذا الإسناد. وصحح إسناده الحافظ في ((الفتح)) ٣٥٥/٢، وقال: ولم أرّ في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا. وانظر تعليقنا على ((تهذيب الكمال)) ٣٢٨/١ - ٣٢٩. ٢٦٨ فإِنْهُمْ بنو أَرْفِدَةَ))(١). فكانَ جوابُنا له عن ذلك أنَّ ما في حديث عائشةَ هذا لم يَبِنْ لنا مضادَّتُه لحديثٍ أُمِّ سَلَمَةَ وميمونةَ الذي رويناهُ في الفصلِ الأوَّل من هذا الباب، وكانَ ما في حديثٍ أُمِّ سلمةَ وميمونةَ مكشوفَ المعنى، وموقوفاً به على أنَّهُ كانَ بَعْدَ نُزول الحجابِ، وعلى أنَّ ما فيهِ مّا خاطب به رسولُ الله عليه السلام أمَّ سَلَمَة وميمونةَ زوجتيهِ، كانَ لامرأتين بالِغَتَيْنْ قَدْ لَقَهما العبادةُ، وكانَ حديثُ عائشةَ لا ذكرَ فيه لتقدُّمِ نزولِ الحجاب في نساء رسولِ اللَّهِ عليه السلام عن الناس، وفي حجاب الناس عنهُنَّ، وليس لأحدٍ أن يحمِلَهُ على أنَّه كان بَعْدَ نزول الحجابِ إلَّا كانَ لمخالفِه أن يحمِلَهُ على أنَّه كانَ قَبل نزولِ الحجابِ، فيتكافآنِ في ذلك، وإذا تكافآ فيه ارتفعَ، وقد يَحْتَمِلُ أيضاً أَنْ يَكُونَ ما في حديث عائشةً كانَ وهي حينئذٍ لم تبلغْ مَبْلَغَ النساءِ، فلم يلحقْها العباداتُ، فكانَ ذلك الذي كانَ منها، كان ولا تَعَبُّدَ عليها . فقال هذا القائل: وفيما رويتُم عن عائشةَ ما يَجِبُ دفعُه، وتَرْكُ قبولِهِ لأنَّ فيه لَعِبَ السُّودانِ بالدَّرَقِ فِي مَسْجِدٍ رسولِ اللَّهِ عليه السلام، وذلك من اللهو الذي لا يَصْلُحُ في غيرِهِ من المساجدِ، وكيفَ فيه على تجاوز حرمتِه حرمتَهم (٢) غيرَ المسجدِ الحرام، وَوَصَلَ ذلك بما قَدْ رُوِيَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: (١) إسناده صحيح على شرط البخاري. ورواه البخاري (٢٩٠١)، ومسلم (٨٩٣)، والنسائي ١٩٦/٥، وأحمد ٣٠٨/٢ و٥٤٠، والبغوي (١١١٢) من طريق الزهري، بهذا الإسناد. (٢) في المطبوع: ((على أنه تزيد حرمته على حرمتها)). ٢٦٩ ٢٩٤ - مما قد حدثناه عليّبن مَعْبد، حدثنا عبدُاللَّهِ بنُ بكرِ السُّهْميُّ - قال أبو جعفر: لم يكن هذا مِن سَهْم قُريش، كان من سَهْم باهلةَ - عن ◌ُميّدٍ الطويلِ، عن أنس بن مالك. وما قد حدثنا عليّ بن شَيبة، حدثنا يزيدُ بن هارونَ، حدثنا حميدٌ عن أنس بن مالك قال: قَدِمَ رسولُ الله عليه السلام المدينةَ وَلهم يومانٍ يَلْعَبُونَ فيهما في الجاهلية، فقال: ((إِنَّ اللَّهَ أَبْدَلَكُمَا بِهَا خَيْراً مِنْهُمَا يَوْمَ الفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ)(١). وكانَ جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله، أَنَّ الذي في حديث عائشةً مما كان من السودان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من اللهو المذموم ، لأنه مما يُحتاجُ إليه من أمثالهم في الحرب، فذلك محمودً منهم في المسجد، وفيما سِواه، والذي في حديث أنسٍ ممّا كانوا يفعلونَهُ في الجاهلية من اللَّعِبِ كان على جِهَة اللهو مما لا يُقابَلُ بمثلِه عدُوَّ، ولا منفعةً فيهِ للإِسلامِ، ولا لأهلِه، فذلك مذمومٌ من أهله غيرُ محمود منهم، وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صنفٍ من اللهوِ الذي يرجع إليه أنه آلة في حرب العدو، وأنه محمود. ٢٩٥ - كما حدثنا بَكَّارٌ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا هشامٌ الدَّسْتَوائي، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلام، عن عبدِ الله بنِ زيدٍ الأزرقِ عن عُقْبَةَ بن عامر، عن رسولِ الله عليه السلام قال: ((إِنَّ اللَّهَ (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه أحمد ١٠٣/٣ و١٧٨ و٢٣٥ و٢٥٠، والنسائي ١٧٩/٣ - ١٨٠ من طرق عن حميد، بهذا الإِسناد. : ٢٧٠ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الوَاحِدِ ثَلاثَةُ الجِنَّةَ: صانعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْأَجْرَ، والرَّامِيَ بِهِ، والمُنْبِلَهُ، فَارْمُوا وارْكَبُوا، وأنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَلَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلَّ ثَلاثةً: تأديبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمُدَاعَبَتُهُ امْرَأَتَهُ، وَرَمْيُّهُ بِقَوْسِهِ، وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ كَانَتْ نِعْمَةٌ كَفَرَهَا))(١). (١) عبدالله بن زيد الأزرق: روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ١٥/٥ - ١٦، وقال: كان قاصاً لمسلمة بن عبدالملك بالقسطنطينية، وباقي رجاله ثقات. أبو سلام: هو ممطور الحبشي الأعرج الدمشقي. ورواه الترمذي (١٦٣٧)، وابن ماجه (٢٨١١)، والطيالسي (١٠٠٧)، والدارمي ٢٠٤/٢ - ٢٠٥، وأحمد ١٤٤/٤، والطبراني ١٧/ (٩٤٠) و(٩٤١) من طرق عن هشام الدستوائي، بهذا الإسناد. وحسنه الترمذي. ورواه عبدالرزاق (١٩٥٢٢)، ومن طريقه أحرجه: أحمد ١٤٨/٤ و١٥٤، والطبراني ١٧/(٩٣٩) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام، عن عبدالله بن زيد بن الأزرق، عن عقبة بن عامر. وقد خالف يحيى بن أبي كثير عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، فرواه عن أبي سلام، عن خالد بن زيد الجهني، عن عقبة. رواه أحمد ١٤٦/٤، والحاكم ٩٥/٢، والطبراني ١٧/(٩٤٢)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وخالد بن زيد: ذكره ابن حبان في الثقات ١٩٧/٤، وقد فرق البخاري وأبو حاتم وغيرهما بينه وبين عبدالله بن زيد الأزرق. وقال الخطيب وابن عساكر: هما واحد. انظر التفصيل في ((تهذيب التهذيب)) ٩٢/٣. وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة عند الحاكم ٩٥/٢، وفي سنده سويد بن عبدالعزيز، قال الحافظ في ((التقريب)): لين الحديث، فهو يصلح شاهداً. ومن حديث جابر بن عبدالله عند الطبراني في «الكبير)) (١٧٨٥)، والبزار (١٧٠٤)، والنسائي في ((عشرة النساء)) من ((الكبرى)) ورقة ٧٤ وجه ثان - وانظر ((التحفة)) ٤٠٤/٢ من طريق محمد بن سلمة، عن أبي عبدالرحيم، عن عبدالوهّاب بن بُخت، عن عطاء بن أبي رباح، قال: رأيت جابر بن عبدالله، وجابر بن عمير يرتميان، فملَّ أحدهما، فجلس، فقال له الآخر: كسلت، قال: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كُلُّ شيءٍ ليس مِنْ ذِكْرِ الله، فهو لعب، إلا أربعة: ملاعبةُ الرجل امرأته، وتأديبُ الرجل فرسه، ومشيُ الرجل بين الغرضين، وتعليم الرجلِ السباحة)). وإسناده صحيح كما قال الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة جابر بن عمير، وذكره المنذري في = ٢٧١ ٢٩٦ - وحدثنا الربيع بن سليمان المُرادي، حدثنا أسدُ بن موسى، حدثنا مروان بن معاويةً، حدثنا هشام بن زكريا بإسناده(١). ٢٩٧ - وكما حدثنا الربيعُ، حدثنا بِشْرُ بن بكر، حدثنا أبو رَجَاء، حدثني أبوسلام، حدثني خالدُ بن زيد قال: قال لي عُقبة بن عامر: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ... ثم ذكرَ مثلَه(٢). وكان ما قد رويناه من حديثٍ عُقبة هذا قد دَلَّ على أَنَّ ما كان من اللهو مما يُرادُ به تعليمُ آلة الحرب ممَّا هو مأمورٌ به، محمود عليه أهلُه، فبانَ مما ذكرنا بتوفيق الله وعونه أَنْ لا شيءَ فيما رويناه في هذا الباب عن رسول الله عليه السلام مضادٌّ لشيءٍ ممّا رويناه عنه فيه، وأنَّ كلَّ نَوْعٍ منه فلمعنىِّ أرادَهُ صلى الله عليه وسلم به، وأنَّ تمييزَ ذاك ووضعَهُ مواضِعَهُ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ العلم بمثله، لا يِمِّنْ سواهم، والحمدُ لله. الله تعالى ((الترغيب)) ١٧٠/٢، ونسبه إلى الطبراني في ((الكبير)) وجوَّد إسناده، وأورده الهيثمي في = ((المجمع)) ٢٦٩/٥، ونسبه للطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، والبزار، وقال: ورجال الطبراني رجال الصحيح، خلا عبدالوهّاب بن بُخت، وهو ثقة. (١) هو مکرر ما قبله. (٢) تقدم تخريجه في التعليق على الحديث (٢٩٥). ٢٧٢ ٤٩ - بابُ بيانٍ مُشْكِلٍ ما رُوِيَ عنْ رسولِ اللَّهِ عليه السلام في قولِهِ لِمِّ سَلَمَة زوجتِهِ: ((إذا كَانَ الإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وكان عِنْدَهُ مَا يُؤدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» ٢٩٨ - حدثنا المُزَنيُّ، حدثنا الشافعيُّ، حدثنا ابنُ عيينةً، عن الزهري عن نّبْهان مولى أمِّ سَلَمَةَ، أنَّه كان معها، وأنَّا سَأَلَتْ: كَمْ بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابَتِكَ؟ فَذَكَرَ شيئاً قَدْ سَمَّاهُ، فَأَمَرَتْهُ أن يُعْطِيَهُ أَخَاهَا، أو ابنَ أخيها، وأَلْقَتِ الحجابَ مِنْهُ، وقالَتْ: عليكَ السلامُ، وذَكَرَت عَن النبيِّ عليه السلام أَنَّهُ قالَ: ((إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ))(١). قال سفيان: سمعته من الزهري، وثبته معمر. ٢٩٩ - وحدثنا محمدُ بن داودَ البغداديّ، حدثنا سعيدُ بنُ داودَ بن أبي زَنْبَرِ، حدثنا مالك بن أنس، حدثني ابنُ شِهاب (١) إسناده ضعيف. وهو في ((مسند الشافعي)) ٤٤/٢ - ٤٥. ورواه أبو داود (٣٩٢٨)، والترمذي (١٢٦١)، وابن ماجه (٢٥٢٠)، وأحمد ٢٨٩/٦، والبيهقي ٣٢٧/١٠ من طريق ابن عيينة، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح. كذا قال مع أن نبهان مولى أم سلمة مجهول، لم يوثقه غير ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل. ٢٧٣ أَنَّ نَبْهَانَ مولى أمِّ سلمة حدَّثَه أنَّه بينَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ أم سَلَمَة زوجٍ النبيِّ عليه السلام في طريقٍ مكةً، وقَدْ بَقِيَ من كتابِهِ أَلْفَا دِرْهَمٍ، قالَ: فكنتُ أتمسكُ بها كيما أدخلَ عَلَيْها وأَراها، فقالَتْ وَهِيَ تَسِيرُ: ماذا بَقِيَ عَلَيْكَ من كتابتِكَ يَا نَبْهَانُ؟ قلتُ: أَلفا درهم، قالت: فَهُمَا عِنْدَك؟ فقلتُ: نعم، فقالت: ادفَعَ ما بَقِيَ عليك من كتابتك إلى محمد بن عبدِ الله بن أبي أُميةَ، فإنّ قد أَعَنْتُهُ بهما في نكاحِهِ، وعليكَ السلامُ. ثم أَلْقَتْ دوني الحجابَ، فبكيتُ، وقُلْتُ: واللَّهِ لا أُعطيها إِيَّاها أَبَداً، قالَتْ: إِنَّكَ واللَّهِ يَا بُنِيَّ لَنْ تَراني أَبَداً، إِنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم عَهِدَ إلينا أَنَّا (إذا كانَ عند مُكَاتَبِ إِحْدَاكُنَّ وَفَاءٌ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ، فَأَضْرِبْنَ دُونَهُ الحِجَابَ))(١). ٣٠٠ - حدثنا أبو أُميةَ، حدثنا عبيدُ اللَّهِ بن موسى العَبْسي، أخبرنا إبراهيم بنُ إسماعيلَ بن ◌ُجَمِّعٍ، عن الزُّهري، عن نَبْهان مولى أم سَلَمَةٍ، ثم ذكرَ مثلَه(٢). فَتَأَمَّلْنا ما في هذا الحديث ممّا ذُكِرَ من قول رسول الله عليه السلام فيه لزوجته أُمِّ سَلَمَة بعد وقوفنا به، وبما سواه من الآثارِ المرويَّة في الكتابة أنَّ المكاتَبَ لا يُعْتَقُ بإلقاءِ الحجابِ(٣) بينَه وبينَ من كاتَبَهُ عَلَيْهَا. (١) إسناده ضعيف كسابقه، وسعيد بن داود بن أبي زنبر: ضعفه ابن معين وغيره، وله ـ مناكير عن مالك. ورواه أحمد ٣٠٨/٦ و٣١١، وعبدالرزاق (١٥٧٢٩)، وابن حبان (١٢١٤)، والحاكم ٢١٩/٢، والبيهقي ٣٢٧/١٠ من طريق الزهري، بهذا الإسناد. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. (٢) إسناده ضعيف، وهو مكرر ما قبله. (٣) في الأصل: لا يعتق بابتعاد المكاتب، والمثبت من المطبوع. ٢٧٤ ثُمَّ تَأَمُّلْنَا معنى قولِهِ هذا: ((إِذا كانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ ما يُؤَّدِّي)) مما قَدْ بُيْنَ في بعض ما قد رويناه منها في هذا الباب أنَّه الوفاءُ بما(١) بقي عليه من كتابته أن تَحْتَجِبَ مِنْهُ، وهو غيرُ عتيقٍ، يكونُ ذلك عنده قبلَ أدائِهِ إِيَّاه عن نفسه من كتابته إلى من كانَ كاتّبُهُ. وَوَجَدْنَا الله تعالى ذَكّرَ ما أباحَ لأزواجٍ نبيه عليه السلام من النظر إلى من أباحَ لَهُنَّ النظر إليه من الناس، وأباح لمن أباحَ غُنَّ ذلك منه النظرَ إليهنُ بقوله: ﴿لَا جُنّاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَائِهِنْ ... - إلى - وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]. فَوَجَدْنَا مِن كاتَبَهُنَّ مِمّا ذكرنا قد دَخَلَ فيما ملكت أيمانُهن بالدِّلالة على ذلك من هذا الحديثِ، وكانَ ما دَلَّ على مَنْ كاتَبْنَ مِنَ الْمُكاتَبَةِ ممَّا إذا أدَّاه المكاتَبُ الذي قد حل عليه عَتَقَ به، وحَرُمَ عليه النظرُ إلى سَيِّدَتِهِ التي هيَ من أزواجِ النبيِّ عليه السلام، وكانَ تأخيرُه ذلك ليَسَعَ لَّهُ النظرُ إليها بمْكِهَا إِيَّاهُ حراماً عليه، لأَنَّهُ مَنْعَ وَاجِباً عليه ليبقى له ما يَحْرُمُ عليه إذا أَدِّى ذلك الواجب لمن هو له عليه، فهذا وجهُ قولِهِ لزوجته أُمَّ سلمةَ: ((إِذَا كَانَ الإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وكانَ عندَهُ ما يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ)). ومما يُستخرَجُ من هذا الحديث من الأحكام ممّا يدخُلُ فيه مَعَ أزواجِ النبيِّ عليه السلام من سِواهُنَّ من الناس، أَنَّا قد وجدنا المكاتبةَ في حال مكاتبتها لها أَنْ تُصَلِّي بلا قِناعٍ ، وإذا بَرِثَتْ مِنْ مُكَاتَبَتِها بأدائها إيَّها إلى من كاتبها لم يَكُنْ ذلك لها، وكانَ عليها أن تُصَلَّى كما تُصلي سائرُ النساء بِقِناع ، فاحتباسُها مكاتبتها ليتسعَ ذلك لها في صلاتها حرامٌ عَلَيها. (١) في الأصل: ((كم)). ٢٧٥ ورأيناها في عدتها من وفاة زوجها أو من طلاقِهِ إِيَّها تَعْتَدُّ نصفَ عدة الْحُرّة، وإذا أدَّتْ فعتقت حالت عن ذلك، وكانت فيما يجب عليها من العدد كسائر النساء الحرائر سواها وكانت في عِدَّتِها قبلَ أدائها مكاتبتَها لا إحدادَ عليها في ذلك، وبعدَ أدائِها إيّاها عليها فيها من الإحدادِ ما على سائرِ الحرائر سواها في مثلها، فإذا احْتَبَسَتْ مكاتبَتَها ليتسعَ لَمَا ما يحلّ لها (١) من ذلك، ولتكونَ في عِدَّتها بخلافٍ سائِرِ الحرائر سواها كانَ ذلك حراماً عليها . ورأيناها في مكاتبتها لها أنْ تُسافرَ بلا تَخْرَمِ إلى حيثُ شاءت، وهي بعد أدائها مكاتبتَها في ذلك بخلافِ هذا الحكم، فإذا احْتَبَسَتْ مكاتبتها ليتَسِعَ لها هذا المعنى، كان حراماً عليها. ووجدنا سائرَ المكاتبين من الذُّكرانِ في حال مكاتباتِهم لا زكاةً عليهم في أموالهم، وهم فيها بعدَ أدائهم مكاتباتهم، وعتاقِهم بذلك بخلاف ذلك من وجوب الزكوات عليهم كوجوبها على سائر ذوي الزكوات منهم في أموالهم، فإذا احتّبَسُوا مكاتباتهم لِسقوط الزكوات عنهم في أموالهم لو أَدُّوا مكاتباتِهِم، كانَ ذلك حراماً عليهم . فهذه وجوه من وجوهِ الفقه موجودةٌ في قولِ رسولِ الله عليه السلامُ الذي خاطبَ به زوجته أُمَّ سَلَمَةَ، يَجِبُ على أهلِ الفقه الوقوفُ عليها، والتأملُ لها في أقوالِ رسولِ الله عليه السلام من الفوائد، ومن المعاني التي لا يَعْلَمُها (٢) إلا اللَّهُ تعالى مما يُنَزِّلُه في كتابِهِ، ومما يُجريه على لسانِ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم. (١) في الأصل: ((يحلو له)). (٢) تحرف في الأصل إلى: ((تحملها)). ٢٧٦ ٥٠ - بابُ بيانٍ مُشكل ما روي عن رسولِ الله عليه السلام في رَفْعِ العلمِ عن الناسِ وقبضِهِ مِنْهم ٣٠١ - حدثنا الربيعُ، حدثنا ابنُ وَهب، سمعت الليثَ، يقول: حدثني إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن الوليد بن عبدالرحمن الجُرَشِيِّ، عن جُبَيْبِنِ نُفَيْرِ، أَنَّه قال: حدَّثني عوفُ بنُ مالك الْأَشْجَعِيُّ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ عليه السلامِ نَظَرَ إلى السماءِ يَوْماً، فقالَ: ((هَذَا أَوَانُ يُرْفَعُ العِلْمُ))، فقالَ له رجلٌ من الأنصارِ يُقالُ له: لَبِيدُ بنُ زيادٍ: يا رسولَ اللَّهِ، يُرْفَعُ العِلْمُ وقَدْ أُثْبِتَ، وَوَعَنْهُ(١) القُلُوبُ! فقالَ له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنْ كُنْتُ لَأَحْسِبُكَ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ المَدِينَةِ)) ثم ذكر ضلالةَ اليهودِ والنَّصارى على ما في أيديهم من كتابِ اللهِ تعالى، قالَ: فلقيت شدادَ بنَ أوسٍ ، فحدثتُهُ بحديث عوف، فقال: صدقَ عوفٌ، أَلَا أخبرك بأوَّلِ ذلك يُرْفَعُ؟ الخشوعُ حتى لا ترى خاشعاً(٢). (١) تحرف في الأصل إلى: ((أتيت روعته))، وما أثبتناه من (ر) و((المعتصر)) ٢٥٧/٢. (٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه النسائي في ((الكبرى)) كما في التحفة)) ٢١١/٨ من طريق ابن وهب، والطبراني في ((الكبير)) ١٨/(٧٥)، وفي (مسند الشاميين)) اللوحة ٨، ومن طريقه الخطيب في ((اقتضاء العلم العمل)) (٨٩) عن عبدالله بن صالح، ويحيى بن بُكير، والخطيب في ((اقتضاء العلم)) (٨٩)، والبزار (٢٣٢) من طريق عبدالله بن صالح، ثلاثتهم عن الليث، بهذا الإسناد، وصححه الحاكم ٩٨/١ - ٩٩، ووافقه الذهبي . وفات الهيثمي في ((المجمع)) ٢٠٠/١ أن ينسبه للطبراني، فأَعَلَّ الحديث بعبد الله بن = ٢٧٧ ٣٠٢ - حدثنا إبراهيم بنُ أبي داود، حدثنا خَطَّابُ بن عثمان الفَوْزِي، حدثنا محمد بن حْيَر، حدثني ابن أبي عَبْلَةً، عن الوليد الجُرَشِيُّ، حدثنا جُبير، عن عوف .. ، ثم ذكر مثلَه إلاّ أنَّه قالَ مكان لبيد بن زياد: زياد بن لبيد، وإلا أنه قال: يُرْفَعُ يا رسولَ اللَّهِ وفينا کتابُ اللَّهِ، وقَدْ عَلَّمناه أبناءَنا ونِساءَنا؟(١). ٣٠٣ - حدثنا الربيع الجيزيُّ، والحسينُ بن نصر البغدادي، قالا: حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرني يحيى بن أيوب، حدثنا أبو إسماعيلَ إبراهيمُ بن أبي عَبْلَةً، أنَّ الوليد بن عبدالرحمن حَدَّثه، عن جُبير عن عَوْفٍ، قال: بينما نحنُ عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (هذا أَوَانُ يُرْفَعُ العِلْمُ))، فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، يُرْفَعُ العلمُ وعندَنا كتابُ الله قد قرأناه، وعلَّمْنَاهُ صبيانَنَا ونساءًنا؟ فذكر ضلالةً أهلِ الكتابين اليهود والنصارى، ثم قال: ((ذَهَابُهُ بِذَهَابٍ أَوْعِيَتِهِ». قال جُبَيْرٌ: فلقيت شدادَ بنَ أَوْسٍ ، فذكرتُ له حديثَ عَوف، فقال: صدقَ عوفٌ، وأولُ ما يُرفعُ الخشوعُ حتى لا تَرَى خَاشِعاً (٢). صالح كاتب الليث، وقد علمت أنه قد تابعه عليه ابن وهب، ويحيى بن بكير. وقوله: ((لبيد بن زياد)): هو مقلوب، صوابه: زياد بن لبيد، وهو صحابي. انظر ترجمته في ((الإصابة)) ٥٤٠/١ - ٥٤١، وسيذكر المصنف الحديث من طريقه على الصواب فيما بعد. (١) إسناده صحيح على شرط الصحيح. ورواه أحمد ٢٦/٦ - ٢٧ من طريق محمد بن حمير، بهذا الإسناد. وفيه زياد بن لبيد أيضاً على الصواب. (٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. وانظر ما قبله. ٢٧٨ ٣٠٤ - وحدثنا فَهْدُ، حدثنا عبدالله بن صالح، حدثنا معاويةُ بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه عن أبي الدِّزْدَاءِ، أنَّه قال: كُنَّا مَعَ رسولِ الله عليه السلام، فَشَخَصَ ببصرِهِ إلى السماءِ، فقال: ((هذا أَوَانُ يُخْتَلَسُ العِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتْى لاَ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ))، فقال زيادُ بنُ لَبيدِ الأنصاريُّ: يا رسولَ اللَّهِ، وكيفَ يُخْتَلَسُ مِنَّ، وقد قرأْنَا القرآنَ، فواللَّهِ لَنَقْرَأَنْهُ، وَلَنُفْرِثَنْهُ نساءَنا وأبناءَنا؟ فقال: (( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ، وإِنْ كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلٍ المَدِينَةِ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ والإِنْجِيلُ عندَ اليَهُودِ والنَّصَارَى، فَمَاذا يُغْنِيِ عَنْهُمْ)). قال جبير: فلقيت عُبادة بنَ الصَّامِتِ، فقلتُ له: أَلَا تَسمع ما يقولُ أخوك أبو الدرداء، فأخبرتُه بالذي قال، قال: فقال: صَدَقَ أبو الدَّرْداء، إِنْ شئتَ لَأَحَدِّثْكَ بِأَوْلٍ عِلْمٍ يُرفع مِنَ الناسِ؟ الخُشُوعُ، يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مسجدَ الجماعةِ فلا ترى فيه خاشعاً(١). ٣٠٥- حدثنا الربيع المُرادي، حدثنا اَسَدُ بن موسى، حدثنا وَكيعُ بن الجَرَّاحِ، عن الأعمشِ ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ عن زياد بن لَبيدٍ، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً، وذاك عِنْدَ أوانٍ ذهاب العلم ، قلنا: يا رسول الله، وكيفَ يَذْهَبُ العلمُ ونحن نقرأ القرآنَ، ونُقْرَتُهُ أبناءَنا ونساءنا، ويُقْرَتُه أبناؤنا أبناءَهم إلى يومٍ (١) عبدالله بن صالح: هو كاتب الليث، حديثه حسن في الشواهد، وهذا منها، وباقي رجاله ثقات. ورواه الترمذي (٢٦٥٣) من طريق عبدالله بن صالح، بهذا الإسناد. وقال: حسن غريب. ورواه الحاكم ٩٩/١ من طريق عبدالله بن صالح، به، وصححه، ووافقه الذهبي . ٢٧٩ القيامةِ؟ قال: (( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ابْنَ أُمّ ◌َبِيدٍ، إِنْ كُنْتُ أَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بالَدِينَةِ، أَوَ لَيْسَ هَذِهِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ لا يَفْقَهُونَ بِمَا فِيهما شَيْئاً)(١). قال أبو جعفر: فأنكرَ منكرٌ هذه الأحاديثَ، وقال: كيف يكونُ العلم يُرْفَعُ في زمنِ النبي عليه السلامُ، وأيامُه هي الأيامُ السعيدة التي لا أمثالَ لها، والوحيُ فإنما كان ينزِلُ عليه فيها، فمحالٌ أن يكونَ العلمُ الذي ينزِلُ فيها، ويبقى في أيدي الناس ليُبلِّغَهُ بعضُهم بعضاً إلى يوم القيامة كما أُمروا به فيه يكونُ ذلك مرفوعاً في تلك الأيام ، لأن ذلك لو كان كذلك، انقطع التبليغُ، وبقيَ الناسُ في أيام رسولِ الله بلا علمٍ، وكانوا بعده في خروجهم عنه أغلط، وهذا يَستحيلُ، لأنَّ العِلْمَ إِنَّمَا عُلِّمَ ليأخذه خَلَفَ عن سَلَفٍ إلى يوم القيامة . فكان جوابُنا له في ذلك أنَّ هذا الحديث من أحسن الأحاديث، وأصحِّها، وأنَّ الذي فيهِ من نظر النبي عليه السلام إلى السماء، ومن قوله عند ذلك: ((هذا أَوَانُ يُرْفَعُ فيه العلمُ)) إَما هو إشارةٌ منه إلى وقت يُرفعُ فيه العلمُ، قد يجوز أن يكونَ هو وقت يكون بعدَه، لأنَّ هذا إنما هو كلمة يشار بها إلى الأشياء، من ذلك قولُ الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ليس هم فيه يومَ أنزل ذلك على رسولِ الله عليه السَّلامُ، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا ما تُوعَدُونَ لِكُلُّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق: ٣٢] ليس على شيءٍ مرئيّ يوم قيل لهم ذلك في أمثال لهذا كثيرة في القرآن. (١) حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن سالم بن أبي الجعد لم يلق زياد بن لبید، وهو یتقوی بما قبله. ورواه أحمد ٢١٨/٤ و٢١٩، وابن ماجه (٤٠٤٨)، والحاكم ١٠٠/١، وأبو خيثمة في العلم (٥٢) من طريق سالم، بهذا الإسناد. ٢٨٠