النص المفهرس

صفحات 181-200

فإن قال قائل: فقد جاء الخطابُ في حديث التحليل من الغِيبةِ الذي
رَوَيْتَهُ بالمظلِمة في العِرض والمالِ جميعاً، فكيف يجوزُ أن يَرْجِعَ بشيءٍ من
الكلام المعطوفِ عليه على بعض ما ابتدىء به دون بقيته؟
قيل له: العرب تفعل هذا كثيراً، تُخَاطِبُ بالشيء بِعَقِبٍ ذكر شيئين
تُرِيدُ بخطابها أحدَ ذينك الشيئين جميعاً.
وَمِنْ ذلك قولُ الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ
لا يَبْغِيَانِ﴾ ثم قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُوُ والمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ١٩-٢٢]
وإنما يخرجان مِن أَحدهما دون الآخر.
ومن ذلك قولُه: ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإِنْسِ أَلْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ؟
[الأنعام: ١٣٠]، والرسل فإنّما كانوا من الإِنس لا مِنَ الجن.
وَمِنْ ذلك ما يُروى عن النبي عليه السَّلامُ:
١٩٤ - مما قد حدثناه يونس، حدثنا سفيانُ، عن الزّهْرِيِّ، عن
أبي إدريس
عن عُبَادَة، قال: كنا عندَ النبي عليه السلام في مجلس ، فقال:
(تُبَايِعُونِي على أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً - الآية ... - فَمَنْ أوفى منكم،
فَأَجْرُهُ على اللَّهِ، ومَنْ أصابَ شيئاً، فَعُوقِبَ عليه، فَهُوَ كَفَّارَةٌ له، وَمَنْ
أَصَابَ مِنْ ذلك شيئاً، فستره اللَّهُ عليه، فأمرُهُ إلى اللَّهِ إن شاءَ عَذَّبَهُ،
وإنْ شَاءَ رَحِمَهُ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو إدريس: عائذالله بن عبدالله الخولاني.
ورواه البخاري (٣٨٩٢) و (٣٩٩٩) و (٤٨٩٤) و (٦٧٨٤) و(٦٨٠١) و (٧٢١٣)
و (٧٤٦٨)، ومسلم (١٧٠٩)، والنسائي ١٤١/٧، والترمذي (١٤٣٩)، وأحمد
٣١٤/٥ من طرق عن ابن شهاب، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح.
١٨١

قال أبو جعفر: ونحن نعلمُ أن مَنْ أشرك بالله، فَعُوقِبَ على
شركه لم تكن تلكَ العقوبةُ كفارةً له، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ
لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءِ﴾ [النساء: ٤٨]، وأنه إن
لم يُعاقَبْ، وسُتِرِ عليه، لم يكن ممن قد يجوزُ أن يَغْفِرَ الله له.
فكانَ قولُه عليه السلام: ((فمن أصاب مِنْ ذلك شيئاً) إنما هو على
بعضِ تلك الأشياء لا على كُلِّها.
فكذلك قولُه في تحويل بعضٍ حسنات الظالم إلى المظلوم، وفي
تحويلِ بعضِ سيئات المظلوم إلى الظالم ليس ذلك في الظُّلْمِ في الأعراض،
وإنما هو في الظلم في الأموال لا الظلم في الأعراض، واللّهَ نسألُه التوفيقَ.
الله تعالى
:
٠
١٨٢

٣٣ - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله عليه
السلام فيمن قتل نفسَه متعمداً، هل يجوزُ أن يُغْفَرَ
له أم لا؟
١٩٥ - حدثنا الربيعُ المراديُّ، حدثنا ابن وهبٍ، حدثني
عبدالرحمن بنُ أبي الزِّنَادِ، ومالكُ بنُ أنس، عن أبي الزُّناد، عن
عبدالرحمن - يعني ابنَ هُرْمُزٍ - الأعرج
عن أبي هُريرة أن رَسُولَ الله عليه السَّلَامُ قال: ((الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ
يَخْنُقُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَقْتَحِمُ نفسه يَقْتَحِمُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ،
والَّذِي يَطْعُنُ نَفْسَهُ يَطْعُنُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ)(١).
١٩٦ - حدثنا فهد، حدثنا عُمَرُ بنُ حفصٍ بنِ غياث النّخَعي،
حدثنا أبي، حدثنا الأعمشُ، حدثنا أبو صالح
حدثنا أبو هريرة، عن النبيِّ عليه السَّلامُ قال: ((مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ
بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ في نارٍ جَهَنَّم يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً
◌ُخَلَّداً فيها أَبَداً؛ وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَّلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى في جَهَنُمَ
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو الزناد: عبدالله بن ذكوان.
ورواه البخاري (١٣٦٥) عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، بهذا
الإسناد. والزيادة من المطبوع.
قال ابن حجر: وهو من أفراد البخاري من هذا الوجه.
١٨٣

خَالِداً مُخَلَّداً فيها أَبَداً، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمَّ فَسُمُّه فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ
جَهَنَّمَ خَالِداً فيها مُخُلَّداً فِيهَا أَبَدا))(١).
١٩٧ - حدثنا محمدُ بن علي بنِ زيدٍ المكي، حدثنا أحمدُ بنُ محمد
القواسُ، حدثنا عبدُ المجيد بنُ عبدالعزيز بنِ أبي رَوَّاد، عن ابنِ جُرَيْجٍ،
قال: أخبرني فَافَاهُ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيْرَة،
عن رسولِ الله عليه السلامُ مثله(٢).
قال أبو جعفر: فافاه هذا: رجل من أهلِ الكوفة، وأهلِ القرآن
واسمهُ: إسماعيل بنُ زياد!
فقال قائل: فقد رُوِيَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حديثٌ
يُخَالِفُ هذا، ثم ذكر:
١٩٨ - ما حدثنا أبو أمية، وإبراهيمُ بن أبي داود، ومحمدُ بن
إبراهيم بن يحيى بن جناد البغداديُّ أبو بكر، قالوا: حدثنا سُلَيْمَان بنُ
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. الأعمش: هو سليمان بن مهران، أبو صالح:
هو ذكوان السمان .
ورواه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩)، والترمذي (٢٠٤٤)، وأبو داود (٣٨٧٢)،
والطيالسي (٢٤١٦)، والدارمي ١٩٢/٢، وأحمد ٢٥٤/٢ و٤٧٨ و ٤٨٨ - ٤٨٩،
والبغوي (٢٥٢٣) من طرق عن الأعمش، بهذا الإِسناد.
وقال الترمذي: صحيح.
وقوله: ((يتوجأ بها في بطنه)) أي: يضرب بها، يقال: وجأته بالسكين وغيرها وجأً: إذا
ضربته بها.
وقوله: ((يتحساه)) أي: يتجرعه.
(٢) إسناده حسن. فافاه: لقب أبي معاوية الضرير، وأخطأ أبو جعفر، فظنه إسماعيل بن
زياد، وهو لم يروِ عن الأعمش أحاديث مسندة، وإنما روى عنه حكايات، كما في (الجرح
والتعديل)) ١٧١/٢.
١٨٤

حربٍ، حدثنا حمادُ بنُ زيد، عن حجاج الصَّوَّاف، عن أبي الزبير
عن جابرٍ، أن الُّفَيْلَ بنَ عمرٍو الدَّوْسِيِّ أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّم، فقال: يا رسولَ الله، هل لك في حِصْنِ حصين؟ ومعه حِصْنَ كان
لدَوْسٍ في الجاهلية، فأبى ذلك النبيُّ عليه السلامُ للذي ذُخِرَ للأنصارِ،
فلما هَاجَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجَرَ إليه الطّفَيْلُ بنُ
عمرو، وهاجر معه رَجُلٌ، فَاجْتَوَوُا المدينةَ(١)، فَمَرِضَ فَجَزِعَ، فأخذ
مَشَاقِصَ له، فقطع بها بَرَاجِمه فَشَخَبَتْ يداه حتى ماتَ، فرآه الطَّفَيْلِ بنُ
عمرو في منامه في هيئة حسنة، ورآه مغطياً يديه، فقال له: مَا صَنَعَ بِكَ
رَبُّكَ؟ قال: غَفَرَ لي بهجرتي إلى نبيه عليه السَّلامُ، قال: ما لي أراك مُغَطّاً
يَدَيْكَ؟ فقال: قيل لي: لن نُصْلِحَ منك ما أفسدتَ، فقصَّها الطَّفَيْلُ على
رسول الله عليه السَّلامُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ
فَاغْفِرْ))(٢).
فكان مِنْ جوابنا له في ذلك - بتوفيق الله وعونه - أنه قد يَحْتَمِلَ أن
unS
(١) وقوله: ((فاجتووا المدينة))، معناه: كرهوا المقام بها لضجر ونوع من سقم، يقال:
اجتويت البلد: إذا كرهت المقام به، وإن كنت في نعمة. قال الخطابي: وأصله من
الجوى، وهو داء يصيب الجوف.
و ((المشاقص)»: جمع مشقص، سهم فيه نصل عريض.
و((البراجم)): مفاصل الأصابع.
وقوله: «فشخبت يداه»، أي: سال دمهما.
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم، إلا أن أبا الزبير - وهو محمد بن مسلم بن تدرس -:
مدلس، وقد عنعنه.
ورواه أحمد ٣٧٠/٣ - ٣٧١، ومسلم (١١٦) من طريق سليمان بن حرب، بهذا
الإسناد.
ورواه أبو يعلى (٢١٧٥) عن إبراهيم - بن عبدالله الهروي - حدثنا إسماعيل بن
إبراهيم، حدثنا الحجاج، به .
١٨٥

يكونَ الرجلُ المذكورُ في هذا الحديثِ فَعَل بنفسه ما فَعَلَ مما ذكر فيه على أنه
عنده علاجٌ، تبقي به بقيةُ يديه، ففعل ما فعل لتسلم له نفسُه، وتبقى له
بَقِيّةً یدیه، فلم یکن في ذلك مذموماً، وكان گرجل أصابه في يده شيء،
فخاف إن لم يقطعها أن يذهبَ بها سائِرُ بدنه، ويُتْلِفَ بها نفسه، فهو في
سَعَةٍ من قطعِهَا.
فإن لم يقطعها، وهُويرى أنه بذلك يَسْلَمُ له بذلك بقيةُ بدنه، ويأمنُ
على نفسه، ثم مات منها، أنه غيرُ ملومٍ في ذلك ولا معاقب عليه.
وكذلك هذا الرجلُ فيما فعل ببراجمه حتى كان مِن فعله تَلَفُ نفسه،
وهو خلافُ مَنْ قتل نفسَه طاعناً لها، أو متردياً مِن مكانٍ إلى مكان لِيُتْلِفَ
نَفْسَهُ، أو متحسياً لسُمَّ ليقتل به نفسَه فلم يَبِنْ بحمد الله فيما رويناه في هذا
الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تَضَادَّ ولا اختلاف(١).
فإن قال قائل: ففي هذا الحديث دعا رسولُ الله عليه السَّلامُ ليدي
هذا الرجلِ بالغُفران، ودعاؤه ليديه بذلك دعاءً له، وذلك لا يكونُ إلا
عن جنايةٍ كانت منه على يديه استحق بها العقوبةَ، فدعا له رسولُ الله عليه
السَّلامُ بالغُفران ليديه، فيكون ذلك غفراناً له.
قيل له: ما في هذا الحديث دليلٌ على ما ذكرت، لأنه قد يجوزُ أن
يَكُونَ ما كان مِنْ رسولِ الله عليه السَّلامُ من ذلك الدُّعاء ليدي ذلك
(١) قال الإمام النووي في ((شرح مسلم)) ١٣١/٢ - ١٣٢: في هذا الحديث حجة لقاعدة
عظيمة لأهل السنة: أن من قتل نفسه، أو ارتكب معصية غيرها، ومات من غير توبة،
فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة، ... وهذا الحديثُ شرحٌ
للأحاديث التي قبلَه الموهِم ظاهرها تخليدَ قاتلِ النفس وغيره من أصحاب الكبائر في
النار، وفيه إثباتُ عقوبة بعضِ أصحاب المعاصي، فإن هذا ◌ُوقِبَ في يديه، ففيه رَدّ
على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تَضُرُ.
١٨٦

الرجل كان الإشفاقه عليه، ولِعمل الخوف من الله كان في قلبه، فدعا له
بذلك لهذا المعنى لا لما سواه، كما قد رُوِيَ عنه مما علمه حُصيناً الخزاعي
أبا عِمْرَان بنَ حُصين، وأمره أن يدعُو به:
١٩٩ - کما قد حدثنا أبو أمية، حدثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، حدثنا
محمدُ بنُ بشرِ العبدي، أخبرنا ابنُ أبي زائدةً، حدثنا منصورُ بنُ الْمُعْتَمِرِ،
قال: حدثنا رِبعي بن حِراش
عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أباه
حصيناً بعدما أسلم فقال: ((قل: اللَّهُمَّ أَغْفِرْ لي ما أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ،
ومَا أَخْطَأْتُ وَمَا عَمَدْتُ، وما جَهِلْتُ وما عَلِمْتُ))(١).
فكان في هذا الحديث تعليمُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ
خُصيناً أن يَدْعُوَ الله أن يَغْفِرَ له ما أخطأ، يعني: الخطأَ الذي موضِدُ
العَمْدِ، وذلك مما هو غيرُ مأخوذٍ به، ولا معذَّبٍ عليه، لأن الله تعالى قال:
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيهَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمْدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
[الأحزاب: ٥].
فكان الخطأ الذي ليس معه تَعَمُّدُ القلوبِ معفواً عنه، غيرَ مأخوذ به
صاحبُه، وكان أمرُ النبي عليه السَّلامُ حُصيناً أن يَدْعُوَ اللّه بِغُفرانه إياه له
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ابن أبي زائدة: هو زكريا.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٦٧/١٠ - ٢٦٨، ومن طريقه: القضاعي (١٤٨٠)، ورواه
أحمد ٤٤٤/٤ من طريق شيبان، وابن حبان (٢٤٣١)، والحاكم ٥١٠/١ من طريق
إسرائيل، كلاهما عن منصور، بهذا الإسنادِ. وقال الحاكم: صحيح على شرط
الشيخين، ووافقه الذهبي.
١٨٧

على الرهبة من الله، والتعظيمِ له، والخوفِ مما عسى أن يَكُونَ يُخَالِطُ قَلْبَ
المخطىء في حال خطئه من مَّيْلٍ (١) إلى ما أخطأ به.
وكذلِكَ ما في حديثٍ جابرٍ من دُعاءِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بالغُفران للرجل المذكور فيه يحتمل أن يكون لمثل هذا أيضاً، والله نسألُه
التوفيقَ.
الله تعالى
(١) تَصَحَّفَ في الأصل إلى: ((مثل)).
١٨٨

٣٤ - بابُ بيان مشكل ما روي عن رسول الله عليه
السلام فيما كان مِن بعثه محمد بن مسلمة لِقتله
كَعْبَ بِنَ الأشرفِ، بما يدفع التضاد عن ما تَوَهَّمَ
بعضُ الناس أنه قد ضادَّ ما فيه
٢٠٠ - حدثنا يونس، حدثنا سفيان بنُ عُيينة، عن عمرو
عن جَابِرٍ، قال: قال رسولُ الله عَلَيْهِ السَّلامُ: ((من لِكَعْبٍ(١)؟ فإنَّه
قد آذى اللَّهَ ورسوله)»، فقام محمدُ بنُ مسلمة، فقال: يا رسولَ الله، أُتُحِبُ
أن أقتلَه؟ قال: ((نعم))، قال: فَأَذَنْ لي أن أقولَ شيئاً، [قال: ((قل))] قال:
(١) هو كعبُ بن الأشرف، قال ابنُ إسحاق وغيره: كان عربياً من بني نبهان، وهم بطن من
طيىء، وكان أبوه أصاب دماً في الجاهلية، فأتى المدينة، فحالف بني النضير، فَشَرُفَ
فيهم، وتزوج عقيلته بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبا، وكان طويلاً جسيماً ذا بطنٍ
وهامَةٍ، وهجا المسلمين بعدَ وقعة بدر، وخرج إلى مكة، فنزل على ابن وَدَاعَة السُّهْيِيِّ
والدِ المطلب، فهجاه حسان، وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية،
فطردته، فرجع كعبٌ إلى المدينة، وتشبب بنساءِ المسلمين حتى آذاهم.
وروى أبو داود (٣٠٠٠) من طريق الزهري، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن
مالك، عن أبيه: كان كعبُ بنُ الأشرف يهجو النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ويُحَرِّضُ
عليه كفار قريش، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وأهلها أخلاط،
منهم المسلمون والمشركون يعبدون الأوثان واليهود، وكانوا يؤذون النبيِّ صلى الله عليه
وسلم وأصحابه، فأمر الله عز وجل نبيّه بالصبر والعفو، ففيهم أنزل اللهُ: ﴿وَلَتَسْمَعُنْ
مِنَ الْذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فلما أبى كعبُ بنُ الأشرف أن يُنْزِعَ عن أذى
النبي صلى الله عليه وسلم، أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم سعدَ بنَ معاذ أن يبعث
رهطاً يقتلونه، فبعث محمد بن سلمة.
١٨٩

فأتاه، فقال: إنَّ هذا الرجلَ قد سَأَلَنا الصَّدَقَةَ، وقد عَنَّانا، و[إِنِّي قَدْ أتيتُكَ
أُسْتَسْلِفُكَ، قال: وأيضاً والله لتَملُّنَّه قال: إنا] قَدِ اتبعناه، ونحنُ نكره أن
نَّدَعَهُ حتى نَنْظُرَ إلى أيُّ شيءٍ يصيرُ أَمْرُهُ، قال: أيّ شيءٍ تَرْهَنُونَني؟ قالوا:
وما تُرِيدُ منا؟ قال: تَرْهَنُونَني نساءَكم، قالوا: أَنْتَ أجملُ العَرَبِ، كيف
نَّرْهَنُكَ نساءَنَا؟! فَأَبَوْا، فأبى، قالوا: يكونُ ذلك عاراً علينا، قال:
فَتَرْهَنُونَني أولادَكم، قالوا: يا سُبْحَانَ اللَّهِ، يُسَبُّ ابنُ أَحَدِنا، فيُقال:
رُمِنْتَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنْ، قالوا: نرهنك الْلامَةَ، قال: تُريدون السِّلاَحَ،
[فواعده أن يأتِيهُ، فجاءه ليلاً] فلما أتاه، ناداه، فخرج إليه، وهو متطيِّبٌ،
فلما أن جلس إليه، وقد كان جاء معه بِنَفَرِ ثلاثةٍ أو أربعةٍ، وريحُ الطَّيب
يَنْضَحُ منه، فذكروا له، قال: عندي فُلَنَةُ، وهي مِنْ أَعْطَرِ نساءِ الناسِ ،
قال: تأذنُ لِي فَأَشُمَّ؟ قال: نَعَمْ، فوضع يَدَهُ في رأسه فَشَمُّهُ، قال: أَعُودُ؟
قال: نَعَمْ، قال: فلما اسْتَمْكَنَ مِن رأسه قال: دُونكم، فضربوه حتى
قتلوه(١).
حدثنا بحر بن نصرِ بنِ سابق الخولاني، حدثنا ابن وهب، حدثني
سفيانُ بنُ عُيَيْنَةً، عن عُمَرَ بنِ سعيد أخي سُفيان الثوري، عن أبيه
عن عَبَايَةَ، قال: ذُكِرَ قَتْلُ كَعْبِ بنِ الأشرفِ عند معاويةً، فقال
ابنُ يامين: كان قَتْلُهُ غدراً، فقال محمدُ بن مسلمة: يا معاوية أَيُغْدَرُ
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه البخاري (٢٥١٠) و(٣٠٣١) و(٣٠٣٢)
و (٤٠٣٧)، ومسلم (١٨٠١)، وأبو داود (٢٧٦٨)، والحميدي (١٢٥٠)، والبغوي
(٢٦٩٢)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٥٣/٢ من طرق عن سفيان، بهذا
الإسناد.
وقوله: ((الوسق)): هو مكيلة معلومة، وهو ستون صاعاً.
و((اللأمة)): الدرع، وقيل: السلاح، وهو المراد هنا.
١٩٠

عندك رَسُولُ الله عليه السَّلامُ، ولا تُتْكِرُ !! والله لا يُظِلّفي وإِيَّاكَ سقفُ بيتٍ
أبداً، ولا يَحْلُو لي دَمُ هذا إلا قتلتُّه(١).
فتوهّم متوهم أن فيما روينا مما كان مِنْ محمد بن مسلمة وأصحابِهِ قد
دخلوا به في خلافٍ ما رُوِيَ عن رسول الله عليه السلام:
٢٠١ - مما قد حدثناه عليّ بنُ معبدٍ بنِ نوحٍ، حدثنا يونس بن محمد
المُؤَدِّب، حدثنا حمادٌ - وهو ابن سلمة(٢) - عن عبد الملك بنِ عُمَيْر
عن رِفَاعَةَ بنِ شَدَّادٍ، قال: كُنْتُ أقومُ على رأسِ المختار(٣)، فلما
تَبَيْنَتْ لي كذابتُه، عَمَمْتُ واللَّهِ أن أَسُلِّ سيفي، فأضربَ به عُنُقَهُ حتى
ذكرتُ حديثاً حدثنيه عمرو بن الحَمِقِ، قال: سَمِعْتُ النبيِّ عليه السَّلامُ
يقول: (مَنْ آمَنَ رَجُلاً على نَفْسِهِ، فَقَتَلَهُ، أَعْطِيَ لِوَاءَ غَدْرِ يَوْمَ القيامَةِ))(٤).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. وعَبَايَة: هو ابن رفاعة بن رافع بن خَدِيج الأنصاريّ
الزَّرَقِيُّ أبو رفاعة المدني، ثقة، روى له الجماعة. وابن يامين: ربما يكون عبدالله
الطائفي، وقد ترجمه في ((التهذيب)) وهو مجهول.
(٢) في الأصل: ((مسلمة))، وهو تحريف.
(٣) هو المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب، كان والده الأمير أبو عبيد بن مسعود قد أسلم
في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استعمله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على
جيش، فغزا العراق، وإليه تُنسب وقعة جسر أبي عبيد، ونشأ المختار، وكان من كبراء
ثقيفٍ وذوي الرأي، والفصاحة، والشجاعة، والدِّهَاءِ، وقلة الدين، وفي ((صحيح مسلم))
(٢٥٤٥) من حديث أسماء بنت أبي بكر مرفوعاً: ((يكون في ثقيف كذاب ومبير) قال
الإمام الذهبي في ((السير)) ٠٥٣٩/٣ فكان الكذاب هذا، ادَّعى أن الوحي يأتيه، وأنه
یعلمُ الغيب، وكان المبیرَ الحجاج، قبحهما الله.
(٤) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٢٢٣/٥ و٢٢٤ و٤٣٦، وابن ماجه (٢٦٨٨)، والبخاري
في ((التاريخ)) ٢٩٥/٢، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة) ١٤٩/٨ - ١٥٠ من
طريق عبدالملك بن عمير، بهذا الإسناد.
١٩١

٢٠٢ - ومما قد حدثنا أيوبُ بنُ نصرِ العُصْفُرِيُّ، قال: حدثنا
أحمدُ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هارون، أخبرنا حمادُ بنُّ سَلَمَة، عن عَبْدِ المَلِكِ بنِ
عُمیر
عن رِفاعَةَ بنِ شَدَادٍ، قال: كُنْتُ أقومُ على رأسِ المختار، فلما
سَمِعْتُ كذابَتَهُ هممتُ أن أَخْتَرِطَ سيفي، فَأَضْرِبَ به عُنْقَهُ، حتى ذكرتُ
حديثاً حدثنيه عمرو بنُ الحَمِقِ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم قال:
(مَنْ أَمِنَ رَجُلاً على نَفْسِهِ فَقَتْلَهُ، أُعْطِيَ لِوَاءَ غَدْرٍ يَوْمَ القِيَامَةِ)(١).
فاختلف علي وأيوب في الحرف الذي ذكرنا اختلافَهما فيه،
وهو: ((آمَنَ)) و ((أَمِن))، وقال أيوب: ((أُمِن)) وهو الصحيحُ.
٢٠٣ - ومما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حدثنا محمدُ بنُ
الصَّلْتِ، حدثني عيسى بنُ يونس، عن نُصير بن أبي نصير، عن السُّدي
عن رِفاعة الفِتْياني - قال أبو جعفر: وفِتْيَانُ مِن بَجِيلَةَ - قال: دخلتُ
على المختار، فإذا وِسَادَتَانِ مطروحتانِ فقال: يا جارية هَلُّمِّي لفلانٍ وِسَادً،
فَقُلْتُ: ما بالُ هاتين؟ فقال: قام عن إحداهما جبريلُ، وعن الأخرى
ميكائيل، وما منعني أن أَقْتُلَه إلا حَدِيثٌ حدثني عمرو بنُ الحَمِقِ، قلتُ:
وما حدثك؟ قال: سَمِعْتُ النبيَّ عليه السَّلامُ يقول: (مَنِ ائتمنه رَجُلٌ على
دَمِهِ فَقْتَلَهُ، فَأَنَا مِنْهُ يَرِيء، وإنْ كَانَ المَقْتُولُ كَافِراً))(٢).
(١) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله.
(٢) إسناده حسن رجاله ثقات غير نُصير بن أبي نصير، فلم أتبينه، لكنه توبع، والسدي:
هو إسماعيل بن عبدالرحمان، وهو صدوق يهم.
ورواه أحمد ٢٢٣/٥ و٢٢٤، والبخاري في ((التاريخ)) ٢٩٥/٢، وابن حبان
(١٦٨٢)، والطيالسي (١٢٨٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٤/٩ من طرق عن السدي،
بهذا الإِسناد.
=
١٩٢

وقد حقق ما في هذا الحديث من رواية ابنٍ أبي داود: ((من ائتمنه
رجل)) صحةَ ما روى أيوب في الحديثِ الأولِ مما خَالَفَنَا فيه عليّ.
وكان ما توقَّمَهُ هذا المتوهّمُ جهلاً بلغة العرب وسَعَتها إذ كان قولُ
رسولِ الله عليه السَّلامُ في حديثٍ عمرو بنِ الحَمِقِ هو على من كان آمناً إما
بالإِسلامِ، وإما بِذِمَّةٍ، وإما بأمانٍ بإعطاءٍ من المسلمين إيَّه ذلك الأمان
حتى صار به آمِناً على نفسه، وحتى صار به دَمُّهُ في حاله تلك حراماً على
أَهْلِ الملة، وأهلِ الذمة جميعاً.
فكان معنى قوله فيه: ((من ائتمن)) أي: ممن هذه صفته ((رجلًا على
نفسه فقتله، أُعْطِيَ لِوَاءَ غَدْرٍ يومَ القيامة)).
وكان ما في حديث جابر في قصة مُحَمَّدٍ بنَ مسلمة، وأصحابه في
كعبِ بنِ الأشرف، وفي ائتمانه محمد بن مسلمة على نفسه إنما بأمنٍ كافٍ (١)
لا يَحلَّ أمانُه لِملي، ولا لِذميٍّ، وَلا يَكُونُ لملي ولا لِذمي إعطاؤه ذلك،
وذلك لِما كان عليه مِنَ الأذى لِلَّهِ تعالى ولرسوله، ولو أنَّ رجلاً مِنْ أهل
المِلَّةِ أَمَّنَهُ، لما أَمِنَ بذلك، ولا حَرُمَ به دمُّه.
فَدَلَّ ذلك أن ما كان مِن ائتمان کعبِ محمدِ بنّ مسلمة على نفسه،
كان كَلا ائتمانٍ، وأنه كان بعدَه في حِلُّ دمه كهو كان في ذلك مِنْ قبل
ورواه عبدالرزاق (٩٦٧٩) من طريق معمر، عن الزهري، قال: دخل على المختار بن
=
أبي عبيد رجل، وقد اشتمل على سيفه، قال: فجعل المختار يكذب على الله وعلى
رسوله صلى الله عليه وسلم، قال: فهممتُ أن أضربه بسيفي، فذكرت حديثاً حدثنيه
عمروبن الحمق، أو عمروبن فلان، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(أيما رجل أمِّنَ رجلاً على دمه، فقَتَلَه، فقد برِئَت من القاتل ذمةُ الله، وإنْ كانَ المقتولُ
کافراً)).
(١) في (ر) والمطبوع: ((وفي إيمانه محمد بن مسلمة على نفسه إيمان من كافر)).
١٩٣

ما كان منه من ائتمانه محمد بن مسلمة على ما ائتمنه عليه مِن نفسه،
فعادت أحاديثُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلَّمَ هُذه إلى انتفاءِ التَّضَادِ
عنها، وانصرف كُلَّ صنفٍ منها إلى خلافِ الصنف الذي انصرف إليه غَيْرُهُ
منها .
الله تعالى
C
الله
١٩٤

٣٥ - باب بيان مشكل ما روي عن حكيم بن حزام
من قوله: بايعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم
على أن لا أُخِرَّ إلا قائماً
٢٠٤ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حدثنا سعيدُ بنُ عامِرِ الضَّبَعِي،
حدثنا سعيدٌ، عن أبي بِشْرٍ، عن يوسفَ بنِ مَاهَك
عن حكيمِ بنِ حِزَامٍ، قال: بايعتُ رَسُولَ الله عليه السَّلامُ على أن
لا أَخِرَّ إلا قَائماً (١).
فاختلف الناسُ في تأويل هذا الحديثِ، فقال قومٌ: معناه على أنه
بايع رسولَ الله صلَّى الله عليه وسَلَّم على أن لا يكونَ سجودُه إلا خروراً
مِنْ قيامه، لِتكون صلاته لا شيء فيها مما قد رُوِي عن رسولِ الله عليه
السَّلامُ أنه إذا كان من مصليها فيها [شيء]، لم ينظر اللَّهُ إلى صلاته.
٢٠٥ - وهو ما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدثنا بِشْرُ بن عُمَرَ
الزَّهْرَاني، حدثنا شُعبة، حدثني سليمانُ الأعمش، قال: سمعت عمارة بن
عمير، عن أبي معمر
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين إلا أن سعيداً - وهو ابن أبي عروبة - قد اختلط،
لكنه متابع. فقد رواه النسائي ٢٠٥/٢، والطيالسي (١٣٦٠) من طريق شعبة، عن
أبي بشر، بهذا الإسناد. وأبو بشر: هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية.
١٩٥

عن أبي مسعود أن النبي عليه السلام قال: ((لا صَلَةً لِمَن
لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ والسُّجُودِ))(١).
٢٠٦ - وما قد حدثنا عبدُالملكِ بنُ مروان، حدثنا الفِريابيُّ، عن
سفيانَ، عن الأعمش ، عن عُمَارَةَ، عن أبي معمٍ
عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((لا تَجْزِىءُ صَلَةٌ لا يُقِيمُ الرَّجُلُ فيها صُلْبَهُ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ
الرُّكُوعِ والسُّجُودِ))(٢).
قال: فأخبر حكيمٌ في حديثه هذا أنه بايعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه
وسلم على أن تكونَ صلاتُهم الصلاةَ التي علمهم إِيَّاها رَسُولُ الله صلّى الله
عليه وسلم، لا الصلاةَ التي يكرهها اللَّهُ منهم، ولا ينظر إليها.
وقال آخرون: الخُرورُ هنا أُرِيدَ به الخرورُ بالموت مِن حال القيامِ ،
ومِن حال القعودِ إلى الأرض التي يخر إليها مِن القيام، ومن القعود، فأخبر
أنَّ ما بايَعَ عليه رَسُولُ الله عليه السَّلامُ لا يموتُ إلا وهو قائم عليه،
وهو الإِسلامُ، يُريد بقيامه ذلك القيامَ الذي هو العَزْمُ، كما قال الله تعالى
في أهلِ الكتاب: ﴿وَمِنْهُم من إِن تَأَمَّنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤدِّهِ إِلَيكَ إِلَّ مَا دُمتَ
عَلَيهِ قَائماً﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي بالمطالبة لديه، وطلب أخذه منه.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو مسعود: هو عقبة بن عمرو، وأبو معمر:
هو عبدالله بن سَخْبَرة.
ورواه أبو داود (٨٥٥)، والنسائي ١٨٣/٢ و٢١٤، والترمذي (٢٦٥)، وابن ماجه
(٨٧٠)، وابن حبان ١٨٩٢، وأحمد ١١٩/٤ و١٢٢، والبغوي (٦١٧) من طرق عن
الأعمش، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. الفريابي: هو محمد بن يوسف بن واقد.
وهو مکرر ما قبله.
١٩٦

وقال آخرون: كانت مبايعتُه رسولَ الله عليه السَّلامُ على الموت،
وهي أشرفُ البيعات، وهو الذي لا يجوزُ أن يُبَايَعَ عليه غَيْرُ رَسُولِ الله
عليه السَّلامُ لأن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسَلَّمَ كان معصوماً غيرَ موهوم
منه زوالُ الحال التي بها ثبتت بيعتُه على مبايعته، وغَيْرُهُ ليس كذلك، فمما
رُوِي مما بُوِيعَ عليه رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلم كذلك:
٢٠٧ - ما قد حدثناه عليّ بنُ معبد، حدثنا أحمد بنُ إسحاق
الحضرمي، حدثنا وهيبُ بنُ خالد، حدثنا عمرو بنُ يحيى المازني
عن عَبَّادِ بن تميم، قال: لما كان زَمَنُ الحَرَّةِ(١)، جاء رَجُلٌ إلى
عبدالله بن زيد، فقال: هاذاك ابنُ حنظلة يُبايعُ الناسَ على الموتِ، فقال:
لا أُبايعُ أَحَداً على هذا بَعْدَ رسولِ الله عليه السَّلامُ(٢).
(١) وذلك في سنة ٦٣هـ. والحرة: أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت بالنار،
والحرار كثيرة في بلاد العرب، أكثرها حوالي المدينة إلى الشام، والحرة التي وقعت فيها
هذه الوقعة تقع شرقَ المدينة اسمها حرَّة واقم، وكانت ليزيد بن معاوية على أهل
المدينة. قال ابن حزم في ((جوامع السيرة)) ص ٣٥٧: وهي أكبر مصائب الإسلام
وخرومه، لأن أفاضل المسلمين، وبقية الصحابة، وخيار المسلمين من جِلَّةِ التابعين قُتلوا
جهراً ظلماً في الحرب وصبراً، وجالت الخيل في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم،
وراثت وبالت في الروضة بين القبر والمنبر، ولم تصل جماعة في مسجد النبي صلى الله
عليه وسلم، ولا كان فيه أحد حاشا سعيد بن المسيِّب، فإنه لم يفارق المسجد ... وأكره
الناس على أن يبايعوا يزيد على أنهم عبيد له، إن شاء باع، وإن شاء عتق ...
(٢) إسناده صحيح. أحمد بن إسحاق الحضرمي: ثقة من رجال مسلم، ومن فوقه من رجال
الصحیحین .
ورواه البخاري (٢٩٥٩)، ومسلم (١٨٦١)، وأحمد ٤١/٤ و٤٢، والفسوي في
((تاريخه)) ٢٦٠/١ - ٢٦١ من طرق عن وهيب بن خالد، بهذا الإسناد.
ورواه البخاري (٤١٦٧) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن
سلیمان بن بلال، عن عمرو بن یحیی، به.
وعبدالله بن زيد: هو ابن عاصم بن كعب الأنصاري المازني صحابي مشهور وهو =
١٩٧

فكان ما أخبر به حكيمٌ في حديثه مما بايع عليه رسولُ الله عليه
السَّلامُ هذه البيعةَ التي هي أشرفُ البيعات، والتي لا تجوزُ إلا لِرسولِ
الله عليه السَّلامُ، وكُلَّ هذه الأصولِ التي تأوَّل عليها حديثُ حكيم هذا
محتملة أن يكونَ ما تأولت عليه هو الذي أراده حَكِيمٌ، والله أَعْلَمُ ما كان
أراد منها، ومما سواها مما قد يحتمل أن يكون عليه.
ـف
الله تعالى
= صاحب حديث الوضوء، وهو الذي شارك وحشي بن حَرب في قتل مسيلمة الكذاب،
واستشهد يوم الحرة. وابن حنظلة: هو عبدالله بن حنظلة بن أبي عامر الراهب
الأنصاري، له رؤية، وأبوه حنظلة غسيل الملائكة، والسبب في تلقيبه بذلك أنه قُتل
بأحد وهو جنب، فغسلته الملائكة، وعلقت امرأته تلك الليلة بابنه عبدالله بن
حنظلة، فمات النبيُّ صلى الله عليه وسلم وله سبع سنين. واستشهد عبدالله يوم الحرة
لثلاثٍ بقين من ذي الحجة سنةَ ثلاث وستين، وكانت الأنصار قد بايعته يومئذ على
الطاعة، وخلع يزيد بن معاوية.
١٩٨

٣٦ - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله عليه
السلام في المؤذنين أنهم أطولُ النَّاسِ أعناقاً
يَوْمَ القيامة
٢٠٨ - حدثنا بكارّ، وإبراهيمُ بنُ مرزوق، قالا: حدثنا أبو عامر
العَقَدِي، حدثنا سفيانُ، عن طلحةَ بنِ يحيى، عن عيسى بنِ طلحة،
قال :
سمعتُ معاوية يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
((المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقاً يَوْمَ القِيَامَةِ))(١).
فتأملنا ما رُوي عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ما معناه
فوجدنا المؤذنين أحدَ العاملين في الدنيا بطاعة الله تعالى مما يعانونه مِن الأذان .
ووجدنا الله قد ذكرهم في كتابه بأحسن ما ذكر به أحداً ممن يَعْمَلُ في
الدنيا بطاعته بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾
[فصلت: ٣٣] .. الآية، وكان العاملون بأصنافِ طاعاتِ الله في الدنيا
ينتظِرُون يَوْمَ القيامة ثوابَ أعمالِهِم في الدنيا، فَتَطَاوَلُ إلى ذلك أعناقُهم،
ويكونون في العلو بذلك أضداداً لما وصفهم اللَّهُ من أهل معاصيه،
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو عامر العقدي: هو عبدالملك بن عمرو.
ورواه مسلم (٣٨٧)، وأحمد ٩٥/٤ و٩٨، وابن ماجه (٧٢٥)، والبغوي (٤١٥) من
طرق عن طلحة بن يحيى، بهذا الإسناد. وانظر ابن حبان (١٦٦٩).
١٩٩

والخروج عن أمره في الدنيا بقوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعِنَاقُهُم لَهَا خَاضِعِينَ﴾
[ الشعراء: ٤].
وكان المؤذنون فيما كانوا يُعانونه من أذانهم في الدنيا، ورفعٍ
أصواتهم به فَوْقَ ما غَيْرُهُم عليه مِن أهل الطاعات سواه في معاناتهم إيَّهم
كانت في الدنيا فاحتمل أن يكونوا بِعُلُّوِّ أصواتهم في أذانهم الذي كانوا
يُعانونه في الدنيا، ومداومتِهم عليه في كُلِّ يومٍ وليلةٍ خمس مرات،
وإتباعِهِم ذلك إقامات الصَّلواتِ، واجتهادِهم في ذلك بأصواتهم،
واستعلائهم على الأمكنة التي يأتون بالأذان فيها مع ما في ذلك من المشقة
التي لا خفاء بها جعلوا في ذلك في طُولِ أعناقهم يَوْمَ القيامة إلى ثوابهم
عليه فَوْقَ مَنْ سواهم مِنْ أهل الأعمالِ بطاعات الله سواه في انتظارٍ
الثواب له، والجزاءِ عليه، ولم نَجِدْ في تأويل هذا الحديثِ مما قال الناسُ فيه
أحسنَ من هذا التأويل الذي ذكرناه فيه، والله أعلمُ بما أراده رسولُه في
ذلك، وإيّه نسأل التوفيق.
تعالى
٢٠٠