النص المفهرس

صفحات 81-100

مدبرٍ، أُتْكفّرُ عني خطاياي؟ فقال: ((نَعَمْ))، فلما أَدْبَرَ قال: ((تَعَالَ، هذا
جِبْرِيلُ يَقُولُ: إلَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ دَيْنَ)) (١).
قال أبو جعفر: ومعنى قوله: أُتُكفر عني خطاياي، أي: أدخل الجنة
فأجابه بما أجابه به في ذلك، كان بأن لا يُصلي على من هو محبوس عن الجنة
بما هو أغلظ من الدِّين أحرى.
الله تعالى
٠
٠
(١) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله. وأخرجه مسلم (١٨٨٥)، (١١٨) من طريق
سفيان، بهذا الإسناد.
٨١

١٠ - باب بيانٍ مُشْكِلٍ ما روي عنه صلّى الله عليه
وسلم في الأعداد من الزمان التي لو وقفها مَنْ مَرٌ
بین یدي المصلی کانت خیراً له من مروره من بین
يديه، ماهي، وهَلْ هي من السنين،
أو مِن الشهور، أو من الأيَّام؟
٨٤ - حدثنا يونس قال: حدثنا سفيانُ، عن أبي النَّضْرِ، عن
بُسر بن سعيدٍ.
أَرْسَلَهُ أبو جُهيم ابنُ أختِ أبي بنِ كعب إلى زيدٍ بنِ خالدٍ الْجُهَني يسأله
ما سمعتَ من النبي عليه السَّلامُ في الذي يمر بين يدي المصلي، فحدثه عن
النبي عليه السّلامُ: ((لأنْ يَقُومَ أَحَدُكُمْ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»
لا يَذْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةٌ، أَوْ شَهْراً، أَوْ يَوْماً(١))
٨٥ - حدثنا يونس، أخبرنا ابنُ وهب، عن مالكٍ، عن
أبي النضر، عن بُسْرٍ، كما قد حُدِّثناه عن ابنِ عُيينة عن أبي النضر إلاّ أنَّه
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. سفيان: هو ابن عيينة، وأبو النضر: هو سالم،
وأبو جُهيم: هوابن الحارث بن الصِّمة الأنصاري. قيل: اسمه عبدالله، وقال
أبو حاتم: يقال: أبوجهم بن الحارث بن الصِّمة، ويقال: إنه الحارث بن الصمة، وقد
صحح أبو حاتم أن الحارث اسم أبيه، لا اسمه.
ورواه ابن ماجه (٩٤٤)، والدارمي ٣٢٩/١ من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
وقال المزي في ((التحفة)) ٢٣١/٣: ومن جعل الحديث من مسند زيدبن خالد، فقد
وهم.
٨٢

قال: أرسله زيدٌ إلى أبي الجُهيم(١).
قال أبو جعفر: ولما اختلف مالكٌ، وسفيانُ في المردود إليه روايةٌ
ما في هذا الحديثِ عن النبيِّ عليه السَّلامُ مَنْ هُوَ مِن زيدِ بن خالد، ومِن
أبي الجُهَيْمِ الأنصاري، احتجنا إلى طلبه مِن روايةٍ غيرِهما من الأئمة
الذين رَوَوْهُ عن أبي النّضر، ليكون ما عسى أن نَجِدَه في ذلك قاضياً بينَ
مالكٍ، وابنٍ عيينة فيه.
٨٦ - فوجدنا إبراهيم بنّ مرزوق قد حدثناقال: حدثنا أبو عامر العَقَدِي،
حدثنا سفيانُ - يعني الثوريَّ - عن سالم أبي النّضرِ، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ
عن أبي الجُهَيْمِ الأنصاريِّ قال: سَمِعْتُ النَّبِيِّ عليه السّلامُ يقول: (((لأنْ
يَقُومَ أَحَدُكُمْ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرِّ بَيْنَ يَدَيْهِ) قال: ما أَدْرِي: أَرْبَعِينَ يوماً،
أَوْ أربعين شَهْراً، أَوْ أربعين سنةً(٢).
فكان في ذلك أن راوِيَه عن النَّبيِّ عليه السلامُ هو أبو الجُهْمِ
الأنصاري لا زيدُ بنُ خالدٍ، فوجب بذلك القَضَاءُ فيما اختلف فيه مالكٌ،
وسفيانُ بن ◌ُعُيَيْنَةَ لمالكِ على ابن عيينة، لأن مالكاً والثوريَّ لما اجتمعا في
ذلك على شيء كانا أولى بحفظه من ابن عيينة فيما خالفهما فيه(٣).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو في ((الموطأ)) ١٥٤/١ - ١٥٥، ومن طريق
مالك رواه البخاري (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧)، وأبو داود (٧٠١)، والترمذي (٣٣٦)،
والنسائي ٦٦/٢، والدارمي ٣٢٩/١ - ٣٣٠، وأحمد ١٦٩/٤، والبيهقي ٢٦٨/٢،
والبغوي (٥٤٣)، وعبدالرزاق (٢٣٢٢).
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه مسلم (٥٠٧)، وابن ماجه (٩٤٥)،
من طريق الثوري بهذا الإسناد.
(٣) على أن ابن عيينة وافق مالكاً في كون الحديث من مسند أبي جهيم في رواية ابن خزيمة
(٨١٣)، وكأن أبا جعفر والحافظ لم تقع لهما رواية ابن عيينة هذه، فلم يشيرا إليها.
وانظر ((الفتح)) ٥٨٤/١ _ ٥٨٥.
٨٣

ثم رجعنا إلى طلب الأعدادِ المذكورةِ فيه: هَلْ هي من السِّنين،
أو من الشهور، أو مِن الأيام؟
٨٧ - فوجدنا أبا أمية قد حدّثنا قال: حدثنا عليّ بنُ قادم، حدثنا
عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عبدالرحمن - قال أبو جعفر: يعني ابن موهب - عن عمِّه
عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ عليه السَّلامُ: ((لَوْ يَعْلَمُ الَّذِي
يُرِّ بَيْنَ يَدَي أَخِيهِ مُعْتَرِضاً، وَهُوَ يُنَاجِي ربَّهُ، لَكَان [أن] يَقِفَ مكانَه مئةً
عامٍ خَيْرُ(١) له مِنَ الخَطْوَةِ الَّتِي خَطَ))(٢).
قال أبو جعفر: فدلَّ ذلك أن تِلْكَ الأربعينَ مِن الأعوام، لا مما
سِواها من الشهور، ومن الأيام ، واللَّهَ نسأَلُه التوفيقَ.
وحديثُ أبي هريرة هذا هو عندنا - والله أعلمُ - متأخرً عن حديثٍ
أبي الجُهيم الذي رويناه في صدرِ هذا الباب، لأن في حديث أبي هُريرةً
الزيادةَ في الوعيدِ للمار بين يدي المُصَلِّ، والذي في حديثِ أبي الجُهيم
التخفيفُ، وأولى الأشياءِ بنا أن نَظُنَّهُ باللَّهِ تعالى الزيادةُ في الوعيدِ للعاصي
المارِّ بين يدي المصلي، لا التخفيف مِن ذلك عنه في مروره بَيْنَ يدي
5.
المصلى.
(١) كذا الأصل، وهي رواية الترمذي، وقد أعربها أبو بكر بن العربي على أنها اسم كان،
وأشار إلى تسويغ الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة. قال الحافظ: ويحتمل أن يقال:
اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها، ورواية البخاري ((خيراً) بالنصب، وهي الوجه.
(٢) إسناده ضعيف. عبيدالله بن عبدالرحمان ليس بالقوي، وعمه: عبيدالله بن عبدالله،
لم يوثقه غير ابن حبان.
ورواه أحمد ٣٧١/٢، وابن ماجه (٩٤٦)، وابن حبان (٤١٠)، وابن خزيمة (٨١٤) من
طرق عن عبيدالله بن موهب، بهذا الإسناد.
٨٤

١١ - بابُ بيانِ مُشَكِل ما رُوِيَ عن رسول الله عليه
السلام من قوله: ((إنَّ الأمير إذا ابتغى الرِّيبةَ في
الناس أفسدهم))
٨٨ - حدثنا أبو أمية، ومحمدُ بنُ علي بن داود، قالا: حدثنا
سعيدُ بنُ سليمان الواسطي، حدثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّش، عن ضَمْضَمٍ بن
زُرعة، عن شُرَيْحٍ بن عبيد
عن أبي أمامة، والمقدام بنِ مَعْدِي كَرِبَ، وكثيربنٍ مُرَّةً،
وعمرٍو بنِ الأسود أن رسولَ الله عليه السلامُ قال: ((إِنَّ الْأُمِيرَ إِذَا ابْتَغَى
الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَقْسَدَهُمْ))(١).
٨٩ - حدثنا إبراهيمُ بن أبي داود، حدثنا إبراهيمُ بنُ العلاءِ بنِ
زِبْرِيقِ الحمصي، ومحمدُ بنُ عبد العزيز الواسطي قالا: حدثنا إسماعيلُ بنُ
عَيَّاش، عن ضَمْضم بنِ زُرْعَة، عن شُرَيْحِ بنِ عُبيد
(١) إسناده حسن. إسماعيل بن عياش: صدوق الحديث في روايته عن أهل بلده، وهذا
منها. أبو أمية: هو الحافظ الكبير محمد بن إبراهيم بن مسلم البغدادي ثم الطرسوسي،
صاحب ((المسند)) وثقه أبو داود وغيره، وقال أبو بكر الخلال: إمام في الحديث، رفيع
القدر جدّاً. مترجم في ((التذكرة)) ٥٨١/٢.
ورواه أحمد ٤/٦، وأبو داود (٤٨٨٩)، والحاكم ٣٧٨/٤ من طرق عن إسماعيل بن
عياش، بهذا الإِسناد.
٨٥

عن جُبير بن نُقَيْرِ، وكثير بنِ مُرَّة، وعمرو بنِ الأسود، والمِقِدام
وأبي أمامة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثله(١).
٩٠ - حدثنا ابنُ أبيّ داود، حدثنا يزيدُ بنُ عَبْدِ رَبِّهِ الحمصي،
حدثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليد، عن إسماعيل بن عياش، عن ضَمْضَم، عن
شُریح بنِ عُبید
عن جُبَيْرِبنِ نُفيرٍ، وعمرو بنِ الأسود، وأبي أمامة قالا: إن رسولَ
الله عليه السَّلام قال: ((إِنَّ الْأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ))(٢).
قال أبو جعفر: معنى ذلك عندنا أنَّ الله قد أمر عِبَادَه بالسُّتر(٣)،
وأن لا يَكْشِفُوا عنهم سَتْرَهُ الذي سترهم به فيما يُصِيبُونه مما قد نهاهم عنه
لمن سواهم مِن الناس ، وروي عنه في ذلك:
٩١ - ما قد حدثنا نصر بنُ مرزوق أبو الفتح، حدثنا أسدُ بنُ
موسى، حدثنا أنسُ بن عِياض، عن يحيى بنِ سعيدٍ، حدثني عبدُالله بن
دینار
عن ابنِ عُمَرَ أن رسولَ الله عليه السَّلامُ قام بعد أن رجم الأسلمي
فَقَال: ((اجتنبوا هذه القاذورَةَ التي نهى الله عنها، فمن أَلَّمَّ، فليستتر بستر الله
تعالى، وليتب إلى الله، فإنه من يُبْدِ لنا صفحته نُقِمْ عليهِ كتابَ الله))(٤).
(١) إسناده حسن، وهو مكرر ما قبله. إبراهيم بن العلاء: هو إبراهيم بن العلاء بن
الضحاك بن المهاجر بن عبدالرحمان الزَّبيدي الحمصي المعروف بابن زِبْريق.
(٢) رجاله ثقات، إلا أن فيه تدليس بقية، وهو مكرر ما قبله. ابن أبي داود: هو عبدالله بن
سليمان بن الأشعث السجستاني الثقة صاحب التصانيف المتوفى سنة ٣١٦هـ. مترجم في
(السير)) ١٣ / رقم الترجمة (١١٨).
(٣) في الأصل: ((بالسترة))، والتصحيح من المطبوع، والمعتصر ١٣٠/٢.
(٤) إِسناده قوي. أسد بن موسى: ثقة، وباقي السند على شرطهما.
٦
=
٨٦
٠٠

٩٢ - وما قد حدثنا يونسُ، أخبرني أنسُ بن عياض اللَّيثي، عن
٠
يحيى، حدثني عبدُالله بنُ دينارٍ مولى ابنٍ عُمَرَ أنه بلغه أن رسولَ الله عليه
السَّلام، ثم ذكر هذا الحَدِيثَ حرفاً حرفاً(١).
٩٣ - وما قد حدثنا أحمدُ بن داود، حدثنا أبو الوليد الطيالسي،
حدثنا أبانُ بن يزيدَ، حدثنا يحيى بنُ أبي كثير، حدثني أبو سَلَمة
عن يزيد بن نعيم بن هزَّال، وكان هزَّال استرجم لماعِزِ قال: كان في
أهله جاريةٌ ترعى غنماً، وإن ماعزاً وقع عليها، وإن هزَّالاً أخذه، فمكر به
= ورواه الحاكم ٢٤٤/٤، والبيهقي ٣٣٠/٨ من طريقين عن أنس بن عياض، بهذا
الإِسناد.
وقال الحاكم: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، كذا قالا، مع أن
أسد بن موسى لم يخرجا له، ولا أحدهما.
ورواه البيهقي من طريق آخر، عن يحيى بن سعيد، به.
وقد جاء في الأصل: ((حدثنا نصر بن مرزوق، حدثنا أبو الفتح)) وهو خطأ، فإن ((أبا
الفتح» كنية نصر بن مرزوق.
ورواه مالك ٨٢٥/٢ عن زيد بن أسلم مرسلاً. قال ابن عبدالبر في ((التمهيد))
٣٢١/٥: هكذا روى هذا الحديث مرسلاً جماعة الرواة للموطأ، ولا أعلمه يستند بهذا
اللفظ من وجه من الوجوه، ومراده كما قال الحافظ ((من حديث مالك)) وأمَّا من غير رواية
مالك، فقد ورد مسنداً كما تقدم، وقد قال إمام الحرمين في ((النهاية)): حديث متفق على
صحته، وقد تعجب منه ابن الصلاح، وقال: أوقعه فيه عدمُ إلمامه بصناعة الحديث التي
يفتقر إليها كل عالم. قال الحافظ: لأن في اصطلاحهم أن المتفق عليه ما رواه الشيخان
معاً. انظر ((شرح الموطأ)) ١٤٧/٤ الزرقاني.
وقوله: ((القاذورة)) قال ابن الأثير: القاذورة ها هنا الفعل القبيح والقول السيىء. أراد
به ما فيه حدّ كالزنى والشرب، والقاذورة من الرجال: الذي لا يبالي ما قال وما صنع.
وقال الزرقاني: سميت قاذورة لأن حقها أن تقذر، فوصفت بما يوصف به صاحبها.
وقوله: «صفحته)» أي: جانبه ووجهه وناحيته.
(١) رجاله رجال الشيخين، لكنه مرسل، وقد ورد موصولاً في الإسناد السابق.
٨٧

وخَدَعَه، فقال: انطلق إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَنُخْبِرَهُ بالذي.
صنعتَ عسى أن يَنْزِلَ فيك قرآنً، فأمر به نبيُّ اللَّهِ عليه السَّلامُ أن يرجم
فرجِم، فلما عَضَّه مسُّ الحِجَارة، انطلق يسعى، فاستقبله رَجُلٌ بلحْي بعِيرٍ
فضربه فَصَرَعَهُ، فقال النبيُّ عليهِ السَّلامُ: ((يَا هَزَّالُ لَوْكُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْلِكَ
كَانَ خَيْراً لَكَ))(١).
قال أبو جعفر: وكأن الأميرَ إذا تَتَبَّعَ ما قَدْ أمر الله بترك تَتَبُّعِهِ،
امتثل النَّاسُ ذلك منه، وكان في ذلك فسادُهم.
فإن قال قائل: فكيف يكونُ ما ذكرتَ كما ذكرتَ، وقد أمر النبيُّ
عليه السلام أَنَّيْساً الأسلميَّ أن يأتي امرأةَ الرَّجُلِ الذي ذُكِرَ له عنها أنها
زنت، فيسألها عن ذلك، وأن يَرْجُمَها إن اعترفت عنده بذلك، وذكر في
ذلك:
(١) رجاله ثقات إلا أن رواية يزيد بن نعيم عن جده مرسلة.
ورواه ابن أبي شيبة ٧١/١٠، وأحمد ٢١٦/٥ - ٢١٧ و٢١٨، وأبو داود (٤٤١٩)
من طريق وكيع، عن هشام بن سعد، عن يزيد بن نعيم، عن نعيم ... ورجاله ثقات
إلا أن نعيم بن هزال مختلف في صحبته، قال ابن حبان: له صحبة، وأخرج أبو داود
والحاكم حديثه، وذكره ابن السكن في الصحابة، ثم قال: يقال: ليست له صحبة،
والصحبة لأبيه، وصوب ذلك ابن عبدالبر، ونقله الحافظ في ((الإصابة)) ٥٣٩/٤،
وسكت عليه. وقول الشيخ الفاضل ناصر الألباني في (إرواء الغليل)) ٣٥٨/٧: رجاله
رجال مسلم، وهم منه. وانظر ((نصب الراية)) ٣٠٧/٣.
ورواه أحمد ٢١٧/٥، وأبو داود (٣٤٧٧)، والحاكم ٣٦٣/٤، والنسائي في ((الكبرى))
كما في ((التحفة)) ٣٤/٩ من طرق، عن سفيان عن زيد بن أسلم، عن يزيد بن نعيم،
عن نعيم ..
ورواه أحمد ٢١٧/٥، والحاكم ٣٦٣/٤، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة))
٧٠/٩ من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن
المنكدر، عن ابن هزال، عن أبيه.
٨٨

--
٩٤ - ما قد حدثنا يونس، وعيسى بنُ إبراهيم الغافِقي، قالا:
حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيدالله
عَنْ أبي هُريرةً، وزَيدِ بن خالدٍ، وشِبلٍ قالوا: كنا قعوداً عند
النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فقام إليه رَجُلٌ، فقال: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إلا
قضيتَ بيننا بكتابِ الله، فقام خَصْمُهُ، وكان أفقه منه، فقال: صَدَقَ
اقْضِ بيننا بكتابِ اللّه وائذَنْ لي، قال: قُلْ، قال: إنَّ ابني كان عَسِيفاً على
هذا، فزنى بامرأتِه، فافتديتُ منه بمئةٍ شاةٍ وخادمٍ ، ثم إني سألتُ رجالاً مِن
أهل العِلْمِ ، فأخبروني أَنَّ على ابني جَلْدَ مئة وتغريبَ عام، وعلى امرأةٍ هذا
الرجم، فقال: ((والَّذِي نَفْسِي بيده لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَاب [الله]، المئةُ شاةٍ
والخادمُ رَدِّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ، وتَغْرِيبُ عَامِ ، واغْدُ يا أَنّيْسُ إلى
امرأةٍ هذا، فإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)) فغدا عليها، فاعترفَتْ، فَرَجَها(١).
٩٥ - وما قد حدثنا الْمُزَنيُّ، حدثنا الشافعيُّ، عن مالكٍ، عن ابنِ
شهاب، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبد الله
عن أبي هُريرة، وزيدٍ بن خالد أنهما أخبراه أنَّ رجلين اختصما إلى
رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عليه وسلَّم، فقال أحدُهما: يا رسولَ الله اقضٍ بيننا
بكتاب الله، فقال الآخرُ وهو أفقههما: أَجَلْ يا رسولَ الله اقضِ بيننا
بكتابِ الله، وائْذَنْ لي في أَنْ أَتَكَلَّمَ، فقال: (تَكَلَّمْ))، فقال: إنَّ ابني كان
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، إلا أن سفيان - وهو ابن عيينة - وهم فيه حيث
ذكر شبلاً، فالصواب إسقاطُه كما في الرواية التي سيذكرها المصنف بإثر هذه، لأن شبلاً
- وهو ابن حامد، أو ابن خلید - المزني ليس له صحبة.
ورواه أحمد ١١٥/٤ - ١١٦، والنسائي ٢٤١/٨ - ٢٤٢، والترمذي (١٤٣٣)،
وابن ماجه (٢٥٤٩)، والدارمي ١٧٧/٢ من طرق عن ابن عيينة، بهذا الإسناد. وانظر
((الفتح)) ١٣٧/١٢.
٠
م
٨٩

عَسيفاً على هذا، فزنى بامرأَتِه، فأخبرت أن على ابني الرجم فافتديتُ مِنه
بمئة شاةٍ وبجارية، ثم إني سألتُ أهلَ العلم، فأخبروني أن على ابني جَلْدَ
مئةٍ وتغريبَ عامٍ، وإنما الرجمُ على امرأته، فقال رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم: ((أَمَا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا غَنَمُكَ
وجَارِيَتُكَ فَرَدٍّ عَلَيْكَ))، وجلد ابنَه مئةً، وغرَّبه عاماً، وأمر، أُنَّيْساً الأسلمي
أن يأتيَ امرأةَ الآخَرِ، فإن اعترفت رَجَهَا، فاعترفت، فَرجمها(١).
قال مَالِك: والعَسِيفُ: الأجير.
٩٦ - وما قد حدثنا يونس، أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرني يونسُ،
ومالكٌ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ
عن أبي هُريرة، وزيدٍ قالا: كنا جلوساً عند النبيِّ عليه السَّلامُ ثم
ذکر مثله(٢).
قيل له: قد كان الشَّافِعِيُّ يقول في ذلك ما قد حكاه لنا المزنيُّ عنه في
((مختصرِه)) قوله: إنَّه قال: وليس للإِمام إذا رُمِيَ رجلٌ بالزِّنى أن يبعث
إليه، فيسألَه عن ذلك، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾، فإنْ شُبِّهَ
على أحدٍ بأن النبيَّ عليه السَّلامُ بعث أنيساً إلى امرأةٍ رجل، فقال: ((إنٍ
(١) إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين غيرَ الإِمام الشافعي، فإنه من رجال السنن.
ورواه البخاري (٢٦٩٥) و(٢٦٩٦) و (٢٧٢٤) و (٢٧٢٥) و (٦٦٣٣) و (٦٦٣٤)
و (٦٨٢٧) و(٦٨٢٨) و(٦٨٣٥) و(٦٨٣٦) و(٦٨٤٢) و(٦٨٤٣) و(٦٨٥٩)
و (٦٨٦٠) و(٧١٩٣) و(٧١٩٤) و(٧٢٥٨) و (٧٢٥٩) و (٧٢٧٨) و (٧٢٧٩)،
ومسلم (١٦٩٧) و(١٦٩٨)، ومالك ٨٢٢/٢، وأبو داود (٤٤٤٥)، والنسائي
٢٤٠/٨ - ٢٤١، والترمذي ٤٠/٤، والشافعي في ((الرسالة)) (٦٩١) من
طرق عن ابن شهاب، بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين، ويونس شيخ ابن وهب فيه: هو ابن يزيد الأيلي.
وهو مکرر ما قبله.
4
٩٠

اعْتَرَفَتْ فَارْجْهَا)) فتلكَ امرأةً ذكر أبو الزاني بها أَنَّهَا زَنَتْ، فكان يَلْزَمُهُ أن
يسأل، فإن اعترفت، حُدَّتْ، وسقط الحَدُّ عمن قَذَفَها، وإن أنكرت، حُدُّ
قاذِفُها .
قال أبو جعفر: وأنا أقولُ جواباً عن ذلك لِقائِله: هذا الحديثُ
لم يَسْتَوْعِبْ لنا فيه ما كان مما جرى مِن الْخَصْمَيْنْ، ومن (١) ابن أحدهما عندَ
النبي عليه السَّلامُ، وذلك أنَّ فيه أن أحدَهما قال: إنَّ ابني كان عَسِيفاً
على هذا، يعني الآخرَ منهما، فزنى بامرأته، فأخبرت أنَّ على ابني الرَّجْمَ،
فافْتَدَيْتُ منه بمئة شاة وخادم، ونحن نُحِيطُ علماً أنه لم يكن خَافَ على ابنه
مِن اعترافه عليه، ونَعْلَمُ أنه إنما كان خَافَ عليه مِن اعترافه بذلك على
نفسه، لأنَّ أحداً لا يُؤخذ باعترافِ غيره عليه .
ولما عَقَلْنَا ذلك، عَقَلْنَا أن ابنَ هذا الخصمِ قد كان صادقاً فيما ذكره
عن نفسه بزناه بامرأةٍ خصمِ أبيه، فيكون الذي عليه في ذلك حَدَّ الزنى
لا ما سواه، أو يكون كاذباً في ذلك، فيكون الذي عليه فيه حدَّ القذفِ
لامرأةٍ خصمٍ أبيه لما رماها مِن الزنى لا ما سوى ذلك.
فلما وقف النبيُّ عليه السَّلامُ على وجوب حَدِّ عليه مِن ذينك الحَدَّيْنِ
لا يدري أيُّهُما هو؟ دعته الضرورةُ في ذلك إلى استعلامِ ما تقولُه المرأة
المرميَّةُ بالزنى في ذلك مِنْ تصديق راميها به، فيكون الذي عليها فيه حَدُّ
الزنى لا ما سواه، أو تُكذبه في ذلك، فيكون الذي عليه حَدُّ القَذْفِ لها فيما
رماها به من الزنى لا ما سواه.
فهذا عندنا - واللَّهُ أعلم - هو المعنى الذي أمر النبيُّ عليه السَّلامُ
أنيساً أن يَغْدُوَ إلى تلك المرأةِ فيه، وبالله التوفيق.
(١) في الأصل: وممن، والمثبت من (ر).
٩١

١٢ - بابُ بيان ما أشكل مما رُوي عنه عليه السلام
أن ابنَ آدم خُلِقَ على ثلاث مئة وستين مَفْصِلاً، فإذا
كَبَّر الله تعالى، وهلَّلَه، وحَمِدَه، واستغفره،
وسبَّحه، وعَزَلَ العَظْمَ، والحَجَر، والشَّوْكَ عن
طريق الناس، وأَمَرَ بالمعروف، ونهى عن المنكر
عَدَّ ذلك ثلاث مئة مَفْصِلٍ
٩٧ - حدثنا جعفرٌ الفريابي، حدثنا هُدْبَةُ، حدثنا أبانُ العطارُ،
حدثنا يحيى بنُ أبي كثير أن زيداً حدَّثه - يعني ابنَ سلام - أن أبا سلام
حدَّثه أن عبد (١) الله بن فروخ حدثه - قال أبو جعفر: وهو مولى
أبي طلحة -
أن عائشة حَدَّثته أن رسولَ الله عليه السَّلامُ قال: ((خُلِقَ ابنُ آدَمَ
على ثَلاثِ مِثَةٍ وسِتِّينَ مَفْصِلاً، فإذَا كَبَّرَ اللَّهَ، وهَلَّلَهُ، وَحَمِدَ اللَّهَ،
واسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وسَبِّحَ اللَّهَ، وَعَزَلَ العَظْمَ عَنْ طَرِيقِ الَّاسِ، والحَجَرَ
والشَّوكَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَهَى عَنِ الْمنْكَرِ عَدَّ ذلِكَ ثَلاثَ
مِئَة - قال أبو جعفر: وأراه سَقَطَ من الحديث: ((وستين مفصلاً)) - أمسى
يومئذٍ وقد زحزح نفسه عن النار))(٢).
(١) تحرف في الأصل و (ر) إلى: ((عبيد)).
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. وهُذْبة - ويقال: هدَّاب -: هو ابن خالد بن الأسود
القيسي .
ورواه مسلم (١٠٠٧) من طريقين عن زيد بن سلام، بهذا الإسناد.
٩٢

قال أبو جعفر: فتأملنا ذلك لِنقف على المعنى الذي جَعَلَ به
الثوابَ لِكُلُّ مَفْصِلٍ من هذه المفاصلِ ، وهل نَجِدُ لذلك مثلاً فيما قد رُوِيَ
عنه عليه السلامُ فيما سوى هذا الحديث.
٩٨ - فوجدنا يونس قد حدثنا قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرنا ابنُ
أبي ذئبٍ، عن الحارث بنِ عبدالرحمان، عن أبي سلمة
عن أبي هُريرة أن رسولَ الله عليه السَّلامُ قال: ((كَتَبَ اللَّهُ على كُلِّ
عُضْو حَظَّهُ مِنَ الزِّنِى، فالعَيْنُ تَزْنِي وزِنَاهَا النَّظَرُ، واللَّسَانُ يَزْنِ وَزِنَاه
الكَلَمُ، والَيَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْبَطْشَُ، والرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا المَشْيُ، والسَّمْعُ
يَزْنِ وَزِنَاهُ الاسْتِمَاعُ، ويُصَدِّقُ ذُلِكَ الفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ))(١).
وإذا كانَ ما في هذا الحديث في الأمرِ المذمومِ معموماً به كُلُّ الأعضاءِ
كان الأمرُ المحمودُ أيضاً معموماً به كُلّ الأعضاء، فاتّفق بما ذكرنا معنى
هذين الحديثين، وبان به المرادُ فيهما، والله أعلمُ.
ثم وجدنا عن رسولِ الله عليه السَّلامُ حديثاً فيه بيانُ معنى الحديث
الذي ذكرناه في أول هذا الباب، وهو ما:
٩٩ - حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ المؤمن المَرْوَزِي، حدثنا عليُّ بنُ
الحسن بن شقيق، أخبرنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن عبدالله بن بُرَيْدَةً قال:
(١) إسناده قوي. الحارث بن عبدالرحمان: هو القرشي العامري خال ابن أبي ذئب،
صدوق، وباقي السند على شرط الصحيح .
ورواه ابن أبي عاصم (١٩٣) عن أبي بكر بن خلاد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن
ابن أبي ذئب، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري (٦٣٤٣) و(٦٦١٢)، ومسلم (٢٦٥٧)، وأحمد ٢٧٦/٢ و٣٤٣
و ٣٧٩ و٥٣٦، والحاكم ٤٧٠/٢ من طرق، عن أبي هريرة.
٩٣

سمعتُ أبي يقول: [سَمِعْتُ رسَولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ]
(في الإِنْسَانِ سِتُّونَ وَثَلاثُ مِثَةٍ مَفْصِلٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ
مِنْهُ صَدَقَةٌ)) قَالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذُلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: ((النُّخَاعَةُ في
المَسْجِدِ تَدْفِئُها (١)، أو الشَّيءُ تُنَجِّيهِ عَنِ الطّرِيقِ، فإِنْ لَمْ تَقْدِرْ، فَرَكْعَتَا
الضُّحَى تُجْزِئُكَ))(٢).
فوقفنا بهذا على أن المرادَ في الحديث الأول هو الصَّدَقَةُ عن كل
مَفْصِلٍ من تلك المفاصِلِ المذكورةِ فيه لما ذُكِرَ في هذا الحديثِ الثاني، والله
نسألُه التوفيق.
الله تعالى
(١) تحرفت في الأصل إلى: ((فيها)).
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه أبو داود (٥٢٤٢)، وأحمد ٣٥٤/٥ و٣٥٩ من
طرق عن حسين بن واقد، بهذا الإسناد. وصححه ابن حبان (١٦٤٣) و (٢٥٤٠).
٩٤

%
١٣ - باب بيان ما أشكل علينا مما رويناه عن
النبيِّ عليه السلام من قوله: ((وعلى المقتلين أن
يُنْحَجِزُوا الأدنى، فالأدنى، وإن كانت امرأةً»
١٠٠ - حدثنا محمدُ بن عبدالحكم قال: حدثنا بِشرُ بنُ بكر، عن
الأوزاعيِّ، حدثني حِصن، عن أبي سَلَمَةً قال:
حدثتني عائشة أنَّ رسولَ الله عليه السلام قال: ((عَلَى الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ
يَنْحَجِزُوا الْأُوَّلَ فِالْأُوَّل، وإِنْ كَانَتِ امْرَأةً))(١).
١٠١ - حدثنا أبو زرعة النُّصْرِي الدُّمشقي، حدثنا محمدُ بنُ المبارك
- وهو الصُّوري - حدثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن الأوزاعي، حدثني
حِصْنُ، عن أبي سَلَمَةً.
عن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((وعَلَى
الْمُقْتَتِلِينَ أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأُوَّلَ فِالْأَوَّل، وإنْ كَانَتِ امْرَأَةً))(٢).
سمعتُ أبا زرعة يقول: وحدثني سليمانُ - يعني ابنَ عبد الرحمن -
(١) إسناده ضعيف. حصن - وهو ابن عبدالرحمان التراغمي الدمشقي -: لم يرو عنه غير
عبدالرحمان بن عمرو الأوزاعي. وقال الدارقطني: يعتبر به، وباقي رجاله ثقات.
(٢) هو مكرر ما قبله، ورواه أبو داود (٤٥٣٨)، والنسائي ٣٨/٨ - ٣٩ من طرق عن
الوليد، به، ولم يصرح الوليد بالسماع عندهما. وأبو زرعة: هو الحافظ عبدالرحمان بن
عمرو بن عبدالله بن صفوان البصري الدمشقي، المتوفى سنة (٢٨١) هذا هو صاحب =
٩٥

بهذا الحديث أيضاً عن الوليد بن مسلم، وزاد فيه قال: قال الأوزاعي:
لَيْسَ لِنساءٍ عَفْوٌ (١).
١٠٢ - وحدثنا محمدُ بنُ سِنان الشَّيزري، حدثنا عبدُ الوهّاب بنُ
نجدة الخَوْطِي، حدثنا الوليد بن مسلم. ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه، ولم يذكر
ما حكاه لنا أبو زرعة عن سليمانَ في حديثه عن الأوزاعيِّ في عفو النساء.
قال أبو جعفر: وقد كنا سألنا غَيْرَ واحدٍ من شيوخنا عن تأويلٍ
هذا الحديث، فأما محمدُ بنُ عبدالله بن عبدالحكم، فكان جوابُه لنا في ذلك
أن قال: قال الفِريابيُّ - يعني محمد بن يوسف -: سألتُ الأوزاعيِّ عن
تأويل هذا الحديثِ فقال: لا أدري ما هو؟ قال محمد بنُ عبدالله: فإذا كان
الذي روى هذا الحديثَ لا يدري ما تَأْوِيلُهُ، كنا نحن بأن لا ندريّ
ما تأويلُه أولى.
وأما إسماعيلُ بنُ يحيى الُزني، فقال: تأويلُه عندي والله أعلَمُ أنه
في المقتِلينَ من أهلِ القِبلة على التأويل، فإنَّ البصائرَ ربما أدركت
بَعْضَهم، فيحتاج مَنْ أدركته منهم إلى الانصرافِ من مقامِهِ الَّذْمُوم إلى
المقامِ المحمودِ، فإذا لم يَجِدْ طريقاً يُمُّ إليه فيه بقي في مكانِه الأول، وعساه
يُقْتَلُ فِيهِ، فَأُمِرُوا بما في هذا الحديث لهذا المعنى.
وأما أحمدُ بنُ أبي عمران، فكان جوابُه في ذلك أن حكى عن
أبي عُبيد أنه كان يَزْعُمُ أن هذا الحديث يُحَدِّثُ به الناسُ على خلاف
= ((تاريخ دمشق))، وقد طبع في مجلدين في مجمع اللغة العربية بدمشق، بتحقيق شكر الله
القوجاني .
(١) إسناده كسابقه.
٩٦

ما هو عليه في الحقيقة، ويَذْكُرُ أنه بلغه عن الوليدِ بنِ مسلم أنه كان يُحَدِّثُ
به عن الأوزاعي، عن حِصْنٍ، عن أبي سَلّمَةَ، عن عائشة أن النبيَّ عليه
السُّلامُ قال، لأهل القتيل: أَنْ يَنْحَجِزُوا الْأُدْنَى فَالْأُدْنَى، وإنْ كَانَتِ
امْرَأَةٌ.
قال أبو عُييد: وهذا الانحجازُ هو العفو عن الدم، وفي هذا
الحديث ما قد دل على جواز عفوِ النساء عن الدم العمدِ كما يجوز عفو
الرجال عنه. كُلُّ هُذا مِن كلام أبي عُبيد(١).
(١) ونصه في ((غريب الحديث)) ١٦٠/٢ - ١٦١: وقال أبو عبيد: في حديث
النبي عليه السلام لأهل القتيل أن ينحجزوا الأدنى فالأدنى، وإن كانت امرأة. وذلك
أن يقتل القتيل وله ورثة رجال ونساء، يقول: فأيُّهم عفا عن دمه من الأقرب فالأقرب
مِن رجلٍ أو امرأة، فعفوُه جائز؛ لأنَّ قوله: ((أن ينحجزوا)) يعني: يكفوا عن الفَوَدِ،
وكذلك كلّ من ترك شيئاً، وكفَّ عنه، فقد انحجز عنه ...
وقال الخطابي في ((معالم السنن)) ٢١/٤: قوله: (ينحجزوا)) معناه: يكفوا عن القتل،
وتفسيره: أن يُقتل رجل، وله ورثة رجال ونساء، فأيهم عفا وإن كانت امرأة سقط
القود، وصار دية، وقوله: ((الأول فالأول)) يريد الأقرب فالأقرب.
.قلت (القائل الخطابي): يشبه أن يكون معنى المقتتلين ها هنا أن يطلب أولياء القتيل
القود، فيمتنع القتلة، فينشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك، فجعلهم مقتتلين
بنصب التائين، يقال: اقتتل، فهو مقتتل، غير أنَّ هذا إنما يستعمل أكثره فيمن قتله
الحب.
وقد اختلف الناس في عفو النساء، فقال أكثرُ أهل العلم: عفو النساء عن الدم جائز
كعفو الرجال، وقال الأوزاعيُّ وابن شبرمة: ليس للنساء عفو، وعن الحسن وإبراهيم
النخعي: ليس للزوجِ ولا للمرأة عفو في الدم.
وقال ابن الأثير في ((النهاية)) ٣٤٥/١: وفيه: ((لأهل القتيل أن ينحجزوا الأدنى فالأدنى))
أي: يكفوا عن القود، وكل من ترك شيئاً، فقد انحجز عنه، والانحجاز مطاوع
((حَجَزَه)»: إذا منعه، والمعنى أن لورثة القتيل أن يعفوا عن دمه، رجالهم ونساؤهم أيّهم
عفا - وإن كانت امرأةً - سقط القود، واستحقوا الدية. وقوله: ((الأدنى فالأدنى)) أي:
الأقرب فالأقرب .
٩٧

قال أبو جعفر: فتأمُّلْنا نحن ذلك، فوجدنا ما ذكره أبو عبيدٍ من
:
هذا وهماً منه، إذ كان أصحابُ الوليد من أهل الشام الذين رَوَوْا هذا
الحديثَ عنه هُمُ الحجةَ في حديثه قد رَوَوْهُ عنه بخلاف ما بلغ أبا عبيد عنه
أنه كان يُحدثه، فما رَوَوْا من ذلك أولى مما بلغه لا سيما ومعهم سماعُهم إياه
مِن الوليد وإنما معه هو بلاغُه إيَّه عن الوليدِ، وقد تابعهم على ذلك عن
الأوزاعي بشرُ بن بكر، فرواه عن الأوزاعي، كما رَوَوْهُ عن الوليد عن
الأوزاعي .
:
ولما انتفى ذلك، لم يكن تأويلُه أحسنَ مما ذكرناه فيه عن المزني، غير
أنَّ بعضَ الناسِ من أهل العلم قد ذكر أنه يَدْخُلُ في ذلك أيضاً المُقْتَتِلُونَ
من المسلمين في قتالهم أهلَ الحرب إذ كان قد يجوزُ أن يَطْرَأَ عليهم مِن أهل
الجرب من معه العَدَدُ الذي يُبِيحُ لهم الانصرافَ عن قتاله إلى فئة المسلمين
الذي يقوون بها على عَدُوِّهم، فيُقاتِلونهم معهم، وليس هذا التأويلُ ببعيد
مما قال.
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا في هذا البابِ من قول الأوزاعيِّ عقيباً
لهذا الحديث: ((ليس للنِّساءِ عفو))، فَدَلَّ ذلك أن الأوزاعي قد كان عند
هذا القول أن ذلك الحديثَ على نحو ما حكاه أبو عبيدٍ بلاغاً عن الوليد في
العفو عن الدم، ثم خالفه الأوزاعيُّ بأن قال: ليس للنساء عفو.
٩٨

١٤ - بابُ بيانٍ مشكل ما قد رُوي عنه عليه السّلام
(َيُوشِكَنَّ أن ينزِلَ فيكم ابنُ مريمَ عليه السَّلامُ حكماً
مُفْسِطاً يَكْسِرُ الصليبَ، ويَقْتُلُ الخنزيرَ، ويَضَعُ
الجزية»
١٠٣ - حدثنا محمد بن زکریا بن یحیی بن صالح أبو شریح، حدثنا
الفِريابيُّ، حدثنا الأوزاعيُّ، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب
عن أبي هُريرة أنَّ رَسُولَ الله عليه السَّلامُ كان يقول: ((والَّذِي
نَفْسِي بِيَدِه لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فيكمِ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً مُفْسِطاً، يَكْسِرُ الصَّلِيبَ،
ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويَفِيضُ الْمَالُ حَتَّ لا يَقْبَلَهِ أَحَدٌ))(١).
١٠٤ - حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا ابنُ
أبي ذئب، حدثنا الزهريُّ، عن سعيدٍ
عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ عليه السلامُ مثلَه إلا أنَّه قال: ((حَكَماً
عَادِلاً))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. الفريابي: هو محمد بن يوسف.
ورواه البخاري (٢٢٢٢) و(٢٤٧٦) و (٣٤٤٨)، ومسلم (١٥٥) (٢٤٢)، والترمذي
(٢٢٣٣)، وابن ماجه (٤٠٧٨)، وأحمد ٢٤٠/٢ و ٥٣٨ من طرق عن ابن شهاب،
بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو بكر الحنفي: هو عبدالكبير بن عبدالمجيد،
وابن أبي ذئب: هو محمد بن عبدالرحمان بن المغيرة.
٩٩

١٠٥ - حدثنا محمدُ بن عبدالله بن عبدالحكم، أخبرنا
أبي، وشعيبُ بن الليث، قالا: حدثنا الليثُ، عن سَعِيدٍ المقْبُرِيِّ، عن
عطاء بنِ ميناء مولى ابن أبي ذُباب
عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((لَيُنْزِلَنَّ
ابْنُ مَرْيَمَ حَاكِماً عَادِلًا، وَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، ولَيَقْتُلَنُ الخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ
الجِزْيَةَ، وَتَتَرَكَنَّ القِلاصُ فلا يُسعى عليها، ولتذهبنَّ الشحناءُ والتَّبَاغُضُ
والتَّحاسُدُ، وَلَيُدْعَوُنَّ إِلَى الْمَالِ فلا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ))(١).
قال أبو جعفر: فتأَمَّلنا هذيْنِ الحديثين فوقفنا على أن المالَ إذا عاد
في الناس إلى أن صارَ لا يَقْبَلُهُ أحد، صاروا بذلك جميعاً أغنياءَ، وذهب
الفقرُ والمسكنة، وجميع الوجوه التي جعل الله الصدقةً لأهلها بقوله تعالى:
﴿إِنّما الصَّدَقاتُ لِلفُقَرَاءِ وَاْلمساكِين ... - إلى قوله -
وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] فلم يكن للزكاةِ أهلٌ يُوضَعُ فيهم، وإذا كان
ذلك، سَقَطَ فرضُها، وكذلك الجزيةُ إنما جعلها اللَّهُ تعالى على من جعلها
عليه لِتصرف فيما يحتاج إليه من قتال ومما سواء مما يجب صرفُها فيه، فإذا
ذهب ذلك، ولم يكن لها أهل تُصرف إليهم، سقط فرضُها، فهذا عندنا
وجهُ ما رُوِيَ في هذين الحديثين والله أعلم.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. والليث: هو ابن سعد. ورواه مسلم (١٥٥) (٢٤٣)،
وأحمد ٤٩٤/٢ من طريق الليث، بهذا الإسناد.
١٠٠