النص المفهرس

صفحات 601-620

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٥٢ - حديث أبي هريرة
والذكر حقيقة في ذكر اللسان ويؤجر عليه الناطق ، ولا يشترط استحضار
معناه ، وإنما يشترط أن لا يقصد غيره ؛ فإن انضاف إلى الذكر باللسان الذكر
بالقلب فهو أكمل ، وإن انضاف إليهما استحضار معنى الذكر ، وما اشتمل عليه
من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ، ازداد كمالاً ؛ فإن وقع ذلك في عمل
صالح مما فرض من صلاة ، أو جهاد، أو غيرهما ، فكذلك ؛ فإن صح التوجه
وأخلص لله ، فهو أبلغ في الكمال .
وقال الفخر الرازي : المراد بذكر اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح
والتحميد والتمجيد ، والذكر بالقلب التفكر في أدلة الذات والصفات ، وفي أدلة
التكاليف من الأمر والنهي ، حتّى يطلع على أحكامه ، وفي أسرار مخلوقات
الله؛ والذكر بالجوارح هو أن تصير مستغرقة بالطاعات ومن ثمة سمى الله الصلاة
ذكراً في قوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩].
وذكر بعض العارفين أن الذكر على سبعة أنحاء : فذكر العينين بالبكاء ،
وذكر الأذنين بالإصغاء ، وذكر اللسان بالثناء ، وذكر اليدين بالعطاء ، وذكر البدن
بالوفاء ، وذكر القلب بالخوف والرجاء ، وذكر الروح بالتسليم والرضاء .
وورد في الحديث ما يدل على أن الذكر أفضل الأعمال جميعها ، وهو ما
أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعاً :
((ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير
لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا
أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟))، قالوا: بلى، قال: ((ذكر الله)).
٦٠١

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٥٣ - حديث أبي هريرة
ولا تعارضه أحاديث فضل الجهاد وأنه أفضل من الذكر ؛ لأن المراد بالذكر
الأفضل من الجهاد ذكر اللسان والقلب والتفكر في المعنى واستحضار عظمة
الله ؛ فهذا أفضل من الجهاد ، والجهاد أفضل من الذكر باللسان فقط .
وقال ابن العربي : إنه ما من عمل صالح إلا والذكر مشترط في تصحيحه ؛
فمن لم يذكر الله عند صدقته ، أو صيامه ، فليس عمله كاملاً ، فصار الذكر أفضل
الأعمال من هذه الحيثية ، ويشير إليه حديث: ((نية المؤمن خير من عمله)).
١٤٥٣ - وَعَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((ما قعدَ
﴿ إلا كان عليهمْ
قَوْمٌ مقعداً لمْ يذكروا الله فيه ، ولم يُصلُّوا على النبي
حسرةً يَوْمَ القيامة)) . أَخرجهُ الترمذي ، وقال : حَسَنٌ .
(وَعَنْهُ) : أي : أبي هريرة (قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما
قعدَ قَوْمٌ مقعداً لمْ يذكروا الله فيه ، ولم يُصلُّوا على النبي ◌َ﴿ إلا كان عليهمْ
حسرةٌ يَوْمَ القيامة)). أخرجهُ الترمذي، وقال: حَسَنٌ) : زاد: ((فإن شاء عذبهم ،
وإن شاء غفر لهم)) ، وأخرجه أحمد بلفظ : «ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله
تعالى فيه إلا كان عليهم تِرَة ، وما من رجل يمشي طريقاً فلم يذكر الله تعالى إلا
كان عليه تِرَة ، وما من رجل أوى إلى فراشه فلم يذكر الله عزَّ وَجَلَّ إلا كان عليه
تِرَة))، وفي رواية: ((إلا كان عليه حسرة يوم القيامة، وإن دخل الجنة))، والترة:
بمثناة فوقية مكسورة فراء ، بمعنى الحسرة ، وقال ابن الأثير: هي النقص .
والحديث دليل على وجوب الذكر والصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه
وآله وسلم في المجلس ، سيما مع تفسير الترة بالنار ، أو العذاب ؛ فقد فسرت
٦٠٢

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٥٣ - حديث أبي هريرة
بهما ؛ فإن التعذيب لا يكون إلا لترك واجب ، أو فعل محظور ، وظاهره أن
الواجب هو الذكر والصلاة عليه ◌َ ه معاً ، وقد عدّت مواضع الصلاة عليه صلى
الله عليه وآله وسلم ، فبلغت ستة وأربعين موضعاً .
قال أبو العالية : معنی صلاة الله علی نبیه ثناؤه علیه عند ملائكته ، ومعنى
صلاة الملائكة عليه الدعاء له بحصول الثناء والتعظيم ، وفيها أقوال أخر هذا
أجودها .
وقال غيره : الصلاة منه تعالى على رسوله تشريف وزيادة تكرمة ، وعلى من
دون النبي رحمة ؛ فمعنى قولنا : اللهم صل على محمد ، عظم محمداً ، أو المراد
بالتعظيم إعلاء ذكره ، وإظهار دينه ، وإبقاء شريعته في الدنيا ، وفي الآخرة ؛
بإحراز مثوبته وتشفيعه في أمته ، والشفاعة العظمى للخلائق أجمعين في المقام
المحمود. ومشاركة الآل والأزواج بالعطف يراد به في حقهم التعظيم اللائق بهم ؛
وبهذا يظهر وجه اختصاص الصلاة بالأنبياء استقلالاً دون غيرهم ، ويتأيد هذا
بما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس يرفعه : ((إذا صليتم عليّ فصلوا على
أنبياء الله ؛ فإن الله تعالى بعثهم كما بعثني))، فجعل العلة البعثة ؛ فتكون
مختصة بمن بعث ، وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عباس : ما أعلم
الصلاة تنبغي لأحد على أحد إلا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم . وحکی القول به عن مالك وقال : ما تعبدنا به .
وقال القاضي عياض : عامة أهل العلم على الجواز، قال : وأنا أميل إلى قول
مالك ، وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء .
٦٠٣
1

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٥٣ - حديث أبي هريرة
قالوا : يذكر غير الأنبياء بالترضي والغفران ، والصلاة على غير الأنبياء - يعني
استقلالاً - لم تكن من الأمر بالمعروف ، وإنما حدثت في دولة بني هاشم؛ يعني
العبيديين ، وأمّا الملائكة ، فلا أعلم فيه حديثاً ، وإنما يؤخذ ذلك من حديث ابن
عباس لأن الله سماهم رسلاً، وأمّا المؤمنون فقالت طائفة : لا تجوز استقلالاً وتجوز
تبعاً فيما ورد به النص ؛ كالآل والأزواج والذرّية ، ولم يذكر في النص غيرهم؛
فيكون ذلك خاصاً ، ولا يقاس عليهم الصحابة ، ولا غيرهم ، وقد بينا أنه يدعى
للصحابة ونحوهم بما ذكره الله من أنه رضي عنهم ، وبالمغفرة كما أمر بها رسوله :
﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩]، وأمّا الصلاة عليهم فلم ترد .
والمسألة فيها خلاف معروف ، فقال بجوازه البخاري ، ووردت أحاديث بأنه
صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صلى على آل سعد بن عبادة . أخرجه أبو داود
والنسائي بسند جيد ، وورد أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صلى على آل
أبي أوفى ، فمن قال بجوازها استقلالاً على سائر المؤمنين ، فهذا دليله ، ومن
أدلته أن الله تعالى قال: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾ [الأحزاب: ٤٣]،
ومن منع قال: هذا ورد من الله ومن رسوله ◌َ هه ولم يرد الإذن لنا .
وقال ابن القيم : يصلى على غير الأنبياء والملائكة ، وأزواج النبي
وذرّيته ، وأهل طاعته ؛ على سبيل الإجمال ، ويكره في غير الأنبياء لشخص
مفرد بحيث يصير شعاراً ، لا سيما إذا ترك في حق مثله وأفضل منه كما تفعل
الرافضة ؛ فلو اتفق وقوع ذلك مفرداً في بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعاراً
لم یکن فيه بأس .
٦٠٤

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٥٤ ۔ حديث أبي أيوب
واختلفوا أيضاً في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في
تحية الحي ؛ فقيل : يشرع مطلقاً ، وقيل: تبعاً ، ولا يفرد بواحد لكونه صار شعاراً
للرافضة ، ونقله النووي عن الشيخ محمد الجويني ، قلت : هذا التعليل بكونه
صار شعاراً لا ينهض على المنع ، والسلام على الموتى قد شرعه الله على لسان
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((السلام عليكم دار قوم
مؤمنین» ، وکان ثابتاً في الجاهلية كما قال الشاعر :
علیك سلام الله قیس بن عاصم
ورحمته ما شاء أن يترحما
وما کان قیس موته موت واحد
ولكنه بنيان قوم تهدما
١٤٥٤ - وعن أبي أيوبَ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللهُ عَلُهِ: ((مَنْ
قالَ: لا إله إلا الله وحده لا شريك لهُ، عشر مرات، كان كمنْ أَعْتق أربعة
أَنفس من ولد إسماعيل)) . متفقٌ عليه .
(وعن أَبي أيوبَ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ عَهُ: ((مَنْ قالَ: لا
إله إلا الله وحده لا شريك لهُ ، عشر مرات، كان كمنْ أَعْتق أربعة أَنفس من
ولد إسماعيل)) . متفقٌ عليه) : زاد مسلم: ((له الملك وله الحمد ، وهو على كل
شيء قدير))، وفي لفظ: ((من قال ذلك في يوم مائة مرة ، كانت له عدل عشر
رقاب ، وكتبت له مائة حسنة ، ومحيت عنه مائة سيئة ، وكانت له حرزاً من
الشيطان يومه ذلك ، حتّى يمسي ، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به ، إلا أحد
عمل أكثر من ذلك))، وأخرج أحمد من طريق عبد الله بن يعيش عن أبي
أيوب، وفيه: ((من قال إذا صلى الصبح: لا إله إلا الله))، فذكره بلفظ: ((عشر
٦٠٥

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٥٥ - حديث أبي هريرة
مرات كنّ كعدل أربع رقاب وكتب له بهن عشر حسنات ، ومحي عنه بهن
عشر سيئات ورفع له بهن عشر درجات وكنّ له حرزاً من الشيطان ، حتّى
يمسي ، وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك))، وسنده حسن ، وأخرجه جعفر في
((الذكر)) عن أبي أيوب رفعه قال: ((من قال حين يصبح)) فذكر مثله ، لکن زاد :
(يحيي ويميت))، وقال: ((تعدل عشر رقاب، وكان له مسلحة من أوّل نهاره
إلى آخره، ولم يعمل يومئذ عملاً يقهرهن ، وإن قال مثل ذلك حين يمسي
فمثل ذلك)) .
وذكر العشر الرقاب في بعضها ، والأربع في بعضها ؛ كأنه باعتبار الذاكرين
في استحضارهم معاني الألفاظ بالقلوب ، وإمحاض التوجه والإخلاص لعلام
الغيوب ؛ فيكون اختلاف مراتبهم باعتبار ذلك وبحسبه ؛ كما قال القرطبي .
١٤٥٥ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قال رسولُ اللهَ ﴿هُ: ((مَنْ
قال : سبحان الله وبحمده مائةَ مرَّة ، حُطّت عَنْهُ خطایاهُ ، وإن كانت مثل زبد
البحْر)). متّفقٌ عليه .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِعَ ◌ّهُ: ((مَنْ قال:
سبحان الله وبحمده مائةَ مرَّة ، حُطّت عَنْهُ خطایاهُ ، وإن كانت مثل زبد البحْر)).
متّفقٌ عليه) : معنى سبحان الله تنزيهه عما لا يليق به من نقص ، فيلزم منه
نفي الشريك والصاحب والولد وجميع ما لا يليق ، والتسبيح يطلق على جميع
ألفاظ الذكر ، ويطلق على صلاة النافلة ، ومنه صلاة التسبيح خصت بذلك
لكثرة التسبيح فيها .
٦٠٦

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٥٥ - حديث أبي هريرة
وفيه أنه تكفر بهذا الذكر الخطايا ، وظاهره ، ولو كبائر، والعلماء يقيِّدون
ذلك بالصغائر ويقولون : لا تمحى الكبائر إلا بالتوبة ، وقد أورد على هذا سؤال :
وهو أنه يدل على أن التسبيح أفضل من التهليل ؛ فإنه قال في التهليل : ((إن من
قال مائة مرة في يوم محيت عنه مائة سيئة)) كما قدمناه، وهنا قال: ((حطت
عنه خطاياه ، ولو كانت مثل زبد البحر))، والأحاديث دالة على أن التهليل
أفضل ؛ فقد أخرج الترمذيّ والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث
جابر مرفوعاً: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من
قبلي : لا إله إلا الله ، وهي كلمة التوحيد والإخلاص ، وهي اسم الله
الأعظم))، ومعنى التسبيح داخل فيها ؛ فإنه التنزيه عما لا يليق بالله ، وهو
داخل في لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ... إلخ ؛ وفضائلها عديدة؛
وأجيب عنه بأنه انضاف إلى ثواب التهليل مع التكفير ثلاثة أمور: رفع الدرجات،
وكتب الحسنات ، وعتق الرقاب ، والعتق يتضمن تكفير جميع السيئات ؛ فإن
من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار كما سلف .
وظاهر الأحاديث أن هذه الفضائل لكل ذاكر ، وذكر القاضي عن بعض
العلماء أن الفضل الوارد في مثل هذه الأعمال الصالحة والأذكار إنما هو لأهل
الفضل في الدين ، والطهارة من الجرائم العظام ، وليس من أصر على شهواته
وانتهك دين الله وحرماته بلا حق من الأفاضل المطهرين في ذلك ، وشهد له
قوله تعالى: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا
وعملوا الصالحات﴾ [الجاثية: ٢١]
٦٠٧

١٨ - كتاب الجامع ٦ - باب الذكر والدعاء ١٤٥٦ و١٤٥٧ - حديثا جويرية بنت الحارث وأبي سعيد
١٤٥٦ - وعن جُويْريةَ بنْت الحارث رضي الله عنهَا قالَتْ: قال لي رسولُ
اللّه صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((لقَدْ قُلْتُ بعْدكِ أَرْبع كلمات لَوْ وزنَتْ بِمَا
قُلتِ مُنْذُ اليَوْمِ ، لوزنَتْهُنَّ: سبحان الله وبحمده عدد خَلْقِهِ ورضاءَ نَفْسه وزنةً
عرْشه ومداد كلماته)) . أخرجَهُ مُسْلمٌ .
(وعن جويرية بنت الحارث رضيَ الله عنها قالت: قال لي رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم: ((لقَدْ قُلْتُ بعْدكِ أَرْبع كلمات لَوْ وزنَتْ بَمَا قُلت):
بكسر التاء خطاب لها (مُنْذُ اليَوْمِ ، لَوزَنَتْهُنَّ: سبحان الله وبحمدهِ عَددَ خَلْقِهِ
ورضاءَ نفْسِهِ وزنَةَ عِرْشِهِ ومِدادَ كلماتِهِ)) . أخرجه مسلم) .
عدد خلقه منصوب صفة مصدر محذوف تقديره : أسبحه تسبيحاً ، ومثله
أخواته ، وخلقه شامل لما في السموات والأرض ، وفي الدنيا والآخرة ، ورضاء
نفسه ؛ أي : عدد من رضي الله عنهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ،
ورضاه عنهم لا ينقضي ، ولا ينقطع ، وزنة عرشه ؛ أي : زنة ما لا يعلم قدر وزنه إلا
الله ، ومداد كلماته ؛ بكسر الميم، هو ما تمد به الدواة كالحبر ، والكلمات هي
معلومات الله ومقدوراته وهي لا تنحصر ، وهي لا تتناهى ، ومدادها هو كل مدة
يكتب بها معلوم ، أو مقدور ، وذلك لا ينحصر فمتعلقه غير منحصر ، كما قال
تعالى: ﴿قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي﴾، الآية [الكهف: ١٠٩]. الحديث
دليل على فضل هذه الكلمات وأن قائلها يدرك فضيلة تكرار القبول بالعدد المذكور .
١٤٥٧ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلَّى
اللهُ تعالَى عليه وعلى آله وسلّمَ: ((الباقيات الصَّالحات: لا إله إلا اللهُ
٦٠٨

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٥٨ - حديث سمرة بن جندب
وسُبحانَ الله والله أَكْبِرُ والحمدُ لله ولا حَوْلَ ولا قوةَ إلا بالله)). أخْرجَه
النسائي ، وصحّحه ابنُ حبّان والحاكمُ .
(وعن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((الباقيات الصَّالحات: لا إله إلا اللهُ وسُبحانَ
الله والله أَكْبِرُ والحمدُ لله ولا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله)). أخْرجَه النسائي،
وصحّحه ابنُ حبّان والحاكمُ) : الباقيات الصالحات يراد بها الأعمال الصالحة
التي يبقى لصاحبها أجرها أبد الآباد ، وفسرها صلى الله تعالى عليه وآله وسلم
بهذه الكلمات ، ويحتمل أنه تفسير لقوله تعالى : ﴿والباقيات الصالحات خير
عند ربك ثواباً وخير أملاً﴾ [الكهف: ٤٦].
وقد جاء في الأحاديث تفسيرها بأفعال الخير ، فأخرج ابن المنذر وابن أبي
حاتم وابن مردويه من حديث ابن عباس : الباقيات الصالحات هنّ: ذكر لا إله
إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله وتبارك الله ولا حول ولا قوة إلا بالله
وأستغفر الله وصلى الله على رسول الله صل﴿ والصيام والصلاة والحج والصدقة
والعتق والجهاد والصلة وجميع أنواع الحسنات؛ وهنّ الباقيات الصالحات التي
تبقى لأهلها في الجنة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن قتادة : الباقيات
الصالحات : كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات؛ ولا ينافي
تفسیرها في الحديث بما ذكر؛ فإنه لا حصر فيه عليها .
١٤٥٨ - وعن سَمُرة بن جُندب رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله
صلّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((أَحُّ الكلام إلى الله أَربعٌ لا يضركَ بأيهنَّ
بدأت: سُبحانَ الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبرُ)). أخرجهُ مُسْلمٌ .
٦٠٩

١٨ - كتاب الجامع
سعة ٦ - باب الذكر والدعاء ١٤٥٩ - حديث أبي موسى الأشعري
(وعن سَمُرة بنَّ جُندب رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله
عليه وآله وسلم: ((أَحبُّ الكلام إلى الله أَربعٌ لا يضركَ بأيهنَّ بدأت : سُبحانَ
الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبرُ)). أَخرجهُ مُسْلمٌ) : يعني إنما كانت
أحبه إليه تعالى لاشتمالها على تنزيهه وإثبات الحمد له والوحدانية والأكبرية ،
وقوله: «لا يضرك بأيهنّ بدأت))، دل على أنه لا ترتيب بينها، ولكن تقديم
التنزيه أولى لأنه تقدّم التخلية - بالخاء المعجمة - على التحلية - بالحاء المهملة -؛
والتنزيه تخلية عن كل قبيح ، وإثبات الحمد والوحدانية والأكبرية تحلية بكل
صفات الكمال ، لكنه لما كان تعالى منزهة ذاته عن كل قبيح، لم تضر البداءة
بالتحلية ، وتقديمها على التخلية .
والأحاديث في فضل هذه الكلمات مجموعة ومتفرقة بحر لا تنزفه الدلاء ،
ولا ينقصه الإملاء ، وكفى بما فى الحديث من أنها الباقيات الصالحات ، وأنها
أحب الكلام إلى الله تعالى .
١٤٥٩ - وعن أبي موسى الأشْعري رضي الله عنه قال: قال لي رسولُ الله
وَّةِ: ((يا عبْد الله بِن قَيْسِ! ألا أَدُلَّكَ على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا
قوَّةَ إلا بالله)) . مُتّفقٌ عليه، زاد النسائي: ((ولا ملجأ من الله إلا إليْه)) ...
(وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قالَ : قالَ لي رسولُ الله.
((يا عيْد الله بن قَيْسِ! ألا أدُلَّكَ على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوَّةَ إلا
بالله) . مُتّفْقٌ عَلِيهِ ،زادُ النسائي): من حديث أبي موسى ((ولا ملجأ من الله
إلا إليْه))): أي أن ثوابها مدخر في الجنة، وهو ثواب نفيس، كما أن الكنز
٦١٠

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٦٠ و١٤٦١ - حديثا النعمان بن بشير وأنس
أنفس أموال العباد ، فالمراد مکنون ثوابها عند الله لكم ؛ وذلك لأنها كلمة
استسلام وتفويض إلى الله ، واعتراف بالإذعان له وأنه لا صانع غيره ، ولا رادٌ
لأمره ، وأن العبد لا يملك شيئاً من الأمر.
والحَوْل : الحركة والحيلة ؛ أي: لا حركة، ولا استطاعة، ولا حيلة إلا بمشيئة
الله، وروي تفسيرها مرفوعاً: ((أي : لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله ، ولا
قوة على طاعة الله إلا بالله))، ثم قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم:
((كذلك أخبرني جبريل عن الله تبارك وتعالى)).
وقوله: ((ولا ملجأ))، مأخوذ من لجأ إليه ، وهو بفتح الهمزة؛ يقال: لجأت
إليه والتجأت إذا استندت إليه واعتضدت به ؛ أي : لا مستند من الله ، ولا
مهرب عن قضائه إلا إليه .
١٤٦٠ - وعن الثُّعمان بن بشير رضيَ الله عنهُ عن النّبيّ صلَّى اللهُ عليه وعلى
آله وسلَّم قال: ((إن الدعاءَ هُوَ العبادةُ». رواهُ الأربعةُ، وصحّحَهُ التِّرمذيُّ.
(وعن النُّعمان بن بشير رضي الله عنهُ عن النّبي صلّى الله عليه وعلى آله
وسلم قال: ((إن الدعاءَ هُوَ العبادةُ)). رواهُ الأربعةُ، وصحّحَهُ التِّرمذيُّ) : ويدل له
قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]، ثم قال: ﴿إن الذين يستكبرون
عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر: ٦٠]؛ وتقدّم الكلام عليه به لمدايم
١٤٦١ - ولهُ من حديث أنس مرفوعاً بلفظ: ((الدعاءُ مُخُ العبادة».
(وله): أي: للترمذي (من حديث أنس مرفوعاً بلفظ: ((الدعاءُ مُخُ العبادة))).
أي خالصها لأن مخ الشيء خالصه، وإنما كان مخها لأمرين: "
٦١١

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء ١٤٦٢ و١٤٦٣ - حديثا أبي هريرة وأنس
الأول : أنه امتثال لأمر الله ، حيث قال: ﴿ادْعُونِي﴾ .
الثاني : أن الداعي إذا علم أن نجاح الأمور من الله انقطع عما سواه وأفرده
بطلب الحاجات وإنزال الفاقات ، وهذا هو مراد الله من العبادة .
١٤٦٢ - ولهُ منْ حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعهُ: ((ليس شيءٌ أَكْرَمَ
على الله من الدعاء))، وصحّحهُ ابنُ حبّانَ والحاكمُ.
(وله) : أي : للترمذي (من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: ((ليس
شيءٌ أكرمَ على الله من الدعاء))، وصححه ابن حبان والحاكم).
١٤٦٣ - وعن أَنَّس رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: ((الدُّعَاءُ بَيْن
الأذان والإقامة لا يُرَدُّ». أَخْرجهُ النسائي وغيرهُ، وصحّحَهُ ابنُ حبان وغيرهُ .
(وعن أَنَس رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ ◌ّهِ: ((الدُّعَاءُ بَيْن الأذانِ
والإقامة لا يُرَدُّ)). أَخْرجهُ النسائي وغيرهُ، وصحّحُهُ ابنُ حبان وغيرهُ) : تقدم
الحديث بلفظ آخر في باب الأذان ، وتقدم الكلام عليه ، ويتأكد الدعاء بعد
الصلاة المكتوبة ؛ لحديث الترمذي عن أبي أمامة ؛ قلت : يا رسول الله ! أي
الدعاء أسمع؟ قال: ((جوف الليل وأدبار الصلوات المكتوبة)).
وأما هذه الهيئة التي يفعلها الناس في الدعاء بعد السلام من الصلاة ؛ بأن
يبقى الإمام مستقبل القبلة والمؤتمون خلفه ، يدعو ويدعون ، فقال ابن القيم : لم
یکن ذلك من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا روي عنه في حديث
صحيح ، ولا حسن ، وقد وردت أحاديث في الدعاء بعد الصلاة معروفة ، وورد
٦١٢

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٦٤ - حديث سلمان
التسبيح والتحميد والتكبير؛ كما سلف في الأذكار .
١٤٦٤ - وعن سَلْمان رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ تعالَى
عليه وعلى آله وسلَّمَ : ((إِنَّ رَبّكُمْ حَييٌّ كريمٌ يَسْتَحِي من عبده إذا رفعَ يَدِيْه
إِلَيْهِ أَنْ يُرُدَّهُما صفْرً)) . أَخرجَهُ الأربعةُ إلا النسائي، وصحّحُهُ الحاكمُ .
(وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم : ((إنَّ ربّكمْ حَييٍّ) : بزنة : نسي ، وحشي (كريم يَسْتَحِي مِنْ
عَبْدِهِ إذا رفَعَ يَدِيْهِ إليهِ أَنْ يَرُدَّهُما صفْراً)). أخرجه الأربعة إلا النسائي،
وصححه الحاكم) .
وصفه تعالی بالحياء يحمل على ما يليق به كسائر صفاته ؛ نؤمن بها ، ولا
نكيفها ، ولا يقال : إنه مجاز وتطلب له العلاقات ، هذا مذهب أئمة الحديث
والصحابة وغيرهم؛ و((صفراً)) - بكسر الصاد وسكون الفاء - أي: خالية.
وفي الحديث دلالة على استحباب رفع اليدين في الدعاء ، والأحاديث فيه
كثيرة ، وأمّا حديث أنس : لم يكن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، فالمراد به المبالغة في الرفع،
وأنه لم يقع إلا في الاستسقاء ، وأحاديث رفعه صلى الله عليه وآله وسلم يديه
في الدعاء أفردها الحافظ المنذري في جزء ، وأخرج أبو داود وغيره من حديث
ابن عباس : المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك ، والاستسقاء أن تشير بأصبع
واحدة ، والابتهال أن تمد یدیك جمیعاً؛ وهو موقوف ، وأمّا مسح الیدین بعد
الدعاء فورد فيه الحديث الآتي :
٦١٣

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء ١٤٦٥ و١٤٦٦ - حديثا عمر وابن مسعود
١٤٦٥ - وعن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: كان رسولُ الله صلَّى اللهُ تعالَى
عليه وعلى آله وسلَّمَ إذا مدَّ يديه في الدُّعاءِ لمْ يردّهُما ، حتّى يمسَحَ بهما
وَجْهَهُ . أَخْرِجَهُ الترمذيُّ ، وَلَهُ شواهدُ ؛ منْها حديثُ ابن عباس عنْد أَبي
داود وغيره ، ومجموعُها يقضي بأنهُ حديثٌ حسنٌ .
(وعن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: كان رسولُ الله صلّى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم إذا مدَّ يديه في الدُّعاءِ لمْ يردّهُما ، حتّى يمسَحَ بهما وَجْهَهُ)).
أَخْرِجَهُ الترمذيُّ ، وَلَهُ شواهدُ ؛ منْها حديثُ ابن عباس عنْد أبي داود وغيره ،
ومجموعُها يقضي بأنهُ حديثٌ حسنٌ) : وفيه دليل على مشروعية مسح الوجه
باليدين بعد الفراغ من الدعاء ؛ قيل : وكأنّ المناسبة أنه تعالى لما كان لا يردهما
صفْراً؛ فكأن الرحمة أصابتهما ، فتناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو
أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم .
١٤٦٦ - وعن ابن مَسْعود رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله عَله: ((إن
أَوْلَى النّاس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاةً». أخرجهُ الترمذيُّ، وصحّحهُ
ابنُ حبّان .
(وعن ابن مَسْعود رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهُعَض ◌ُه: ((إن أَوْلَى
النّاس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاةً)). أخرجهُ الترمذيُّ ، وصحّحِهُ ابنُ
حبّان): المراد أحقهم بالشفاعة ، أو القرب من منزلته في الجنة ، وفيه فضيلة
الصلاة عليه ﴿، وقد تقدمت قريباً ، ولو أضاف هذا الحديث إلى ما سلف
لكان أوفق .
٦١٤

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٦٧ - حدیث شداد بن أوس
١٤٦٧ - وعن شدَّاد بن أوس رضي الله عنهما قال: قالَ رسولُ الله ◌َُّهُ :
((سَيِّد الاستغفار أن يقول العبْدُ: اللهمَّ أَنْتَ ربي لا إلهَ إلا أنتَ، خَلَقْتني
وأَنا عبدُكَ ، وأَنا على عَهْدكَ وَوَعْدك ما استطعت ، أعوذُ بكَ منْ شرِّ ما
صنَعْتُ، أَبوءُ لك بنعمتك عليَّ وأَبوءُ بذنبي فاغفرْ لي ؛ فإنه لا يغفرُ الذنوبَ
إلا أنت)) . أخرجهُ البخاري .
(وعن شدَّاد بن أوس رضي الله عنهما قال: قالَ رسولُ الله عَزَّةٍ: ((سَيّد
الاستغفار أَن يقول العبْدُ: اللهمَّ أَنْتَ ربي لا إلهَ إلا أنتَ، خَلَقْتني وأَنا
عبدُكَ ، وأَنا على عَهْدِكَ وَوَعْدِك ما استطعت، أَعوذُ بكَ مِنْ شرِّ ما صنَعْتُ،
أَبوءُ لك بنعمتك عليَّ وَأَبوءُ بذنبي فاغفرْ لي ؛ فإنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا
أنت)). أَخرجهُ البخاري): وتمام الحديث: ((من قالها من النهار موقناً بها
فمات من يومه قبل أن يمسي ، فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل ، وهو
موقن بها فمات قبل أن يصبح ، فهو من أهل الجنة)) .
قال الطيبي : لما كان هذا الدعاء جامعاً لمعاني التوبة استعير له اسم السيد ،
وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد إليه في الحوائج ، ويرجع إليه في الأمور؛
وجاء في رواية الترمذي : ((ألا أدلك على سيد الاستغفار؟))، وفي حديث
جابر عند النسائي: ((تعلموا سيد الاستغفار))، وقوله: ((لا إله إلا أنت ،
خلقتني))، ووقع في رواية: ((اللهم لك الحمد لا إله إلا أنت خلقتني)) ، وزاد
وج لبور فاهيس:
فیه : ((آمنت لك مخلصاً لك ديني)) .
وقوله: ((وأنا عبدك))، جملة مؤكدة لقوله: ((أنت ربي))، ويحتمل: («أنا
٦١٥

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٦٧ - حدیث شداد بن أوس
عبدك))، بمعنى عابدك؛ فلا يكون تأكيداً، ويؤيده عطف قوله: ((وأنا على
عهدك))، ومعناه كما قال الخطابي : أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من
الإيمان بك ، وإخلاص الطاعة لك ما استطعت ، ومتمسك به ، ومستنجز وعدك
في المثوبة والأجر .
وفي قوله: ((ما استطعت)) ، اعتراف، بالعجز والقصور عن القيام بالواجب من
حقه تعالى .
قال ابن بطال : يريد بالعهد الذي أخذه الله على عباده حيث أخرجهم أمثال
الذرّ وأشهدهم على أنفسهم ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، فأقرّوا له بالربوبية
وأذعنوا له بالوحدانية ، وبالوعد ما قال على لسان نبيه أن من مات لا يشرك بي
شيئاً أن يدخله الجنة .
ومعنی «أبوء» أُقرّ وأعترف، وهو مهموز وأصله البواء ، ومعناه اللزوم ، ومنه :
بوّأه الله منزلاً؛ أي: أسكنه ، فكأنه ألزمه به، «وأبوء بذنبي)): أعترف به وأقرّ .
وقوله : ((فاغفر لي ؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) ، اعترف بذنبه أولاً ، ثم
طلب غفرانه ثانياً ، وهذا من أحسن الخطاب وألطف الاستعطاف ، كقول أبي
البشر: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾
[الأعراف: ٢٣] .
وقد اشتمل الحديث على الإقرار بالربوبية الله تعالى، وبالعبودية للعبد في
التوحيد له ، وبالإقرار بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه على الأم ، والإقرار
بالعجز عن الوفاء من العبد ، والاستعاذة به تعالى من شر السيئات نحو: ((نعوذ
٦١٦

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٦٨ - حديث ابن عمر
بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا))، والإقرار بنعمته على عباده - وأفردها
للجنس -، والإقرار بالذنب ، وطلب المغفرة ، وحصر الغفران فيه تعالى؛ وفيه أنه
لا ينبغي طلب الحاجات إلا بعد الوسائل .
وأما ما استشكل به من أنه كيف يستغفر ، وقد غفر له صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم ما تقدم من ذنبه ، وما تأخر ، وهو أيضاً معصوم ، فإنه من
الفضول؛ لأنه * أخبر بأنه يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم سبعين مرّة،
وعلَّمنا الاستغفار، فعلينا التأسي والامتثال لا إيراد السؤال والإشكال ، وقد علم
هذا من خاطبهم بذلك فلم يوردوا إشكالاً ولا سؤالاً ، ويكفينا كونه ذكر الله
على كل حال ، وهو مثل طلبنا للرزق ، وقد تكفل به وتعليمه لنا ذلك : ﴿وارزقنا
وأنت خير الرازقين﴾ [المائدة: ١١٤]، وكله تعبد وذكر الله تعالى.
١٤٦٨ - وعن ابن عُمرَ رضي الله عنهُمَا قال: لم يكُنْ رسولُ الله صلَّى اللهُ
تعالَى عليه وآله وسلَّمَ يَدَعُ هؤلاءِ الكلمات حين يمسي وحينَ يُصْبِحُ: «اللهُمَّ
إني أَسأَلِكَ العَافِيةَ في ديني ودنياي وأَهْلي ومالي ، اللهمَّ اسْتَرْ عوْراتي وآمِنْ
رَوْعاتي ، واحْفظني منْ بين يديَّ ومن خَلْفي ، وعن يميني وعن شمالي ومنْ
فوْقي ، وَأَعوذُ بعظمتك أن أُغتالَ مِنْ تَحْتِي)). أَخرجهُ النسائِيُّ وابنُ مَاجَهْ،
وصحّحهُ الحاكمُ .
(وعن ابن عُمرَ رضيَ الله عنهُمَا قال: لم يكُنْ رسولُ الله صلّى الله تعالی
عليه وآله وسلم يَدَعُ هؤلاءِ الكلمات حين يمسي وحينَ يُصْبحُ: («اللهُمَّ إني
أَسأَلِكَ العَافِيةَ في ديني ودنياي وَأَهْلي ومالي، اللهمَّ اسْتَرْ عوْراتي وآَمِنْ
٦١٧

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٦٩ - حديث ابن عمر
رَوْعاتي ، واحْفظني منْ بين يديَّ ومن خَلْفي ، وعن يميني وعن شمالي ومنْ
فوْقي، وَأَعوذُ بعظمتك أن أُغتالَ مِنْ تَحْتِي)). أَخرجهُ النسائيُّ وابنُ مَاجَهْ،
وصحّحُهُ الحاكمُ): العافية في الدين: السلامة من المعاصي والابتداع ، وترك
ما يجب ، والتساهل في الطاعات .
وفي الدنيا : السلامة من شرورها ومصائبها .
وفي الأهل : السلامة من سوء العشرة والأمراض والأسقام ، وشغلهم بطلب
التوسع في الحطام .
وفي المال : السلامة من الآفات التي تحدث فيه .
وستر العورات : عام لعورة البدن والدين والأهل والدنيا والآخرة .
وتأمين الروعات كذلك؛ والروعات : جمع روعة ، وهي الفزع .
وسأل الله الحفظ له من جميع الجهات؛ لأن العبد بين أعدائه من شياطين
الإنس والجن كالشاة بين الذئاب إذا لم يكن له حافظ من الله فما له من قوّة ؛
وخص الاستعاذة بالعظمة عن الاغتيال من تحته ؛ لأن اغتيال الشيء أخذه
خفية ؛ وهو أن يخسف به الأرض ، كما صنع تعالى بقارون ، أو بالغرق ، كما
صنع بفرعون ، فالكل اغتيال من التحت .
١٤٦٩ - وعن ابن عُمَر رضيَ الله عنهُمَا قالَ: كانَ رسولُ الله ◌ِلُهِ يقولُ:
(«اللهُمَّ إني أعوذُ بكَ منْ زوال نعمتك وتحوُّل عافيتك وفُجاءة نقمتكَ وجميع
سخطك)) . أخرجهُ مُسلمٌ .
٦١٨

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء ١٤٧٠ - حديث عبد الله بن عمرو
(وعن ابن عُمَر رضيَ الله عنهُمَا قالَ: كانَ رسولُ اللهَُّهِ يقولُ: («اللهُمَّ
إني أَعوذُ بكَ منْ زوال نعمتك وتحوُّل عافيتك وفُجَاءَة نقمتكَ وجميع
سخطك)). أخرجهُ مُسلمٌ) : الفجاءة : بفتح الفاء وسكون الجيم مقصور ، وبضم
الفاء وفتح الجيم والمد ؛ وهي : البغتة ، وزوال النعمة لا يكون منه تعالى إلا
بذنب يصيبه العبد . فالاستعاذة من الذنب في الحقيقة ، كأنه قال : نعوذ بك
من سيئات أعمالنا ، وهو تعليم للعباد .
وتحول العافية : انتقالها ، ولا يكون إلا بحصول ضدها ، وهو المرض .
١٤٧٠ - وعن عبد الله بن عَمْرو رضيَ الله عنهُمَا قالَ: كانَ رسولُ الله
يقولُ: ((اللهمَّ إنِّي أَعوذُ بك منْ غَلَبة الدين وغَلَبة العَدوِّ وشماتة الأعداءِ)).
رواه النسائي ، وصحّحهُ الحاكم .
(وعن عبد الله بن عَمْرو رضيَ الله عنهُمَا قالَ: كانَ رسولُ الله ◌َي ◌ُّهِ يقولُ :
((اللهمَّ إنِّي أَعوذُ بك منْ غَلَبة الدين وغَلَبةِ العَدوِّ وشماتة الأعداء)). رواهُ
النسائي ، وصحّحهُ الحاكم): غلبة الدين ما يغلب المدين قضاؤه ، ولا ينافي
عَرة استدان ومات ودرعه مرهونة في شيء من شعير؛ فإن
الاستعاذة كونه
الاستعاذة من الغلبة بحيث لا يقدر على قضائه ؛ ولا ينافيه أن الله مع المدين ،
حتّى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكره الله ، وروي هذا عن عبد الله بن جعفر
مرفوعاً؛ لأنه يحمل على ما لا غلبة فيه ، فمن استدان ديناً يعلم أنه لا يقدر
علی قضائه ؛ فقد فعل محرماً ، وفيه ورد حديث : ((من أخذ أموال الناس يريد
أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)) . أخرجه البخاري - وقد
٦١٩

١٨ - كتاب الجامع
٦ - باب الذكر والدعاء
١٤٧١ - حديث بريدة
تقدم -؛ ولذا استعاذ ﴿ من المغرم، وهو الدين ، ولما سألته عائشة عن وجه
إكثاره من الاستعاذة منه ، قال: ((إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب ووعد
فأخلف)) ، فالمستدين يتعرض لهذا الأمر العظيم.
وأما غلبة العدو؛ أي: بالباطل؛ لأن العدو في الحقيقة إنما يعادي في أمر
باطل ؛ إما لأمر ديني ، أو لأمر دنيوي ، كغصب الظالم لحق غيره مع عدم القدرة
على الانتصاف منه ، وغير ذلك .
وأما شماتة الأعداء ؛ فهي فرح العدو بضر نزل بعدوه ؛ قال ابن بطال : شماتة
الأعداء ما ینکأ القلب وتبلغ به النفس أشد مبلغ ، وقد قال هرون لأخيه عليهما
السلام: ﴿فلا تشمت بي الأعداء﴾ [الأعراف: ١٥٠]؛ لا تفرحهم بما تصيبني به .
١٤٧١ - وعن بريدةَ رضي الله عنه قالَ: سمع رسول الله صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّمَ رجلاً يقولُ: اللهمَّ إني أسألك بأني أَشهدُ أَنكَ أَنت الله لا إله إلا
أَنْتَ ، الأحدُ الصَّمدُ الذي لمْ يلد ، ولم يولد، ولم يكُنْ لَهُ كُفُواْ أَحَدٌ ، فقال
رسول الله ﴿: ((لَقَدْ سأَلَ الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به
أَجاب)) . أَخْرَجهُ الأربعةُ ، وصحّحه ابنُ حبّان .
(وعن بريدةَ رضي الله عنه قالَ: سمع رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم رجلاً يقولُ: اللهمَّ إني أَسأَلِك بأَنِي أَشهدُ أَنكَ أَنت الله لا إله إلا
أَنتَ ، الأحدُ الصَّمدُ الذي لمْ يلد ، ولم يولد ، ولم يكُنْ لَهُ كُفُواْ أَحَدٌ ، فقال
رسول الله ﴿: ((لَقَدْ سأَلَ الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به
أَجاب)). أَخْرَجِهُ الأربعةُ، وصحّحه ابنُ حبّان): الأحد: صفة كمال لأن
٦٢٠