النص المفهرس

صفحات 541-560

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤٠٠ - حديث ابن مسعود
أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ [التوبة: ٧٧]؛ فإنه آل به خلف الوعد
والكذب إلى الكفر ؛ فيكون الحديث للتحذير من التخلق بهذه الأخلاق التي
تؤول بصاحبها إلى النفاق الحقيقي الكامل .
١٤٠٠ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ الله صلَّى اللهُ
تعالَى عليه وعلى آله وسلَّمَ: ((سِبابُ الْمُسْلِمِ فُسوقٌ وقِتالُهُ كُفرٌ)) . متفق عليه .
(وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم: ((سباب): بكسر السين المهملة ، مصدر سبه (المسلم
فسوق وقتاله كفر)). متفق عليه): السب لغة الشتم والتكلم في أعراض الناس
بما لا يعني كالسباب؛ والفسوق مصدر فسق ، وهو لغة الخروج وشرعاً الخروج من
طاعة الله، وفي مفهوم قوله: ((المسلم)) دليل على جواز سب الكافر؛ فإن كان
معاهداً فهو أذية له ، وقد نهي عن أذيته ؛ فلا يعمل بالمفهوم في حقه ، وإن كان
حربياً جاز سبه ؛ إذْ لا حرمة له ؛ وأمّا الفاسق ، فقد اختلف العلماء في جواز
سبه بما هو مرتكب له من المعاصي ؛ فذهب الأكثر إلى جوازه لأن المراد بالمسلم
في الحديث الكامل الإسلام والفاسق ليس كذلك ، وبحديث: ((اذكروا الفاسق
بما فيه كي يحذره الناس))؛ وهو حديث ضعيف ، وأنكره أحمد ، وقال
البيهقي : ليس بشيء؛ فإن صح حمل على فاجر معلن فجوره ، أو يأتي
بشهادة ، أو يعتمد عليه ، فيحتاج إلى بيان حاله ، لئلا يقع الاعتماد عليه . انتهى
كلام البيهقي؛ ولكنه أخرج الطبراني في ((الأوسط الصغير)) بإسناد حسن رجاله
موثوقون ، وأخرجه في ((الكبير)) أيضاً من حديث معاوية بن حيدة قال : خطبهم
٥٤١
.

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤٠٠ - حديث ابن مسعود
رسول الله عَ ليه، فقال: ((حتّى متى ترعوون عن ذكر الفاجر؟! اهتکوه حتّی
يحذره الناس))، وأخرج البيهقي من حديث أنس بإسناد ضعيف: ((من ألقى
جلباب الحياء؛ فلا غيبة له))، وأخرج مسلم: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون))،
وهم الذين جاهروا بمعاصيهم فهتكوا ما ستر الله عليهم فيبيحون بها بلا ضرورة ،
ولا حاجة ، والأ کثر یقولون بأنه يجوز أن يقال للفاسق : یا فاسق ، ويا مفسد ،
وكذا في غيبته بشرط قصد النصيحة له ، أو لغيره لبيان حاله ، أو للزجر عن
صنيعه ، لا لقصد الوقيعة فيه ؛ فلا بد من قصد صحيح إلا أن يكون جواباً لمن
يبدأه بالسب؛ فإنه يجوزله الانتصار لنفسه لقوله تعالى : ﴿ولمن انتصر بعد
ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ [الشورى: ٤١]، ولقوله صلى الله تعالى عليه
وآله وسلم: ((المتسابان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم)). أخرجه
مسلم ، ولكنه لا يجوز أن يعتدي ، ولا يسبه بأمر كذب ؛ قال العلماء : وإذا انتصر
المسبوب استوفى ظلامته وبريء الأول من حقه ، وبقي عليه إثم الابتداء ، والإثم
المستحق لله تعالى، وقيل : برئ من الإثم ، ويكون على البادي اللوم والذم لا
الإثم ، ويجوز في حال الغضب لله تعالى ؛ لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم
لأبي ذر: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) ، وقول عمر في قصة حاطب : دعني أضرب
عنق هذا المنافق ، وقول أسيد لسعد: إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين ؛ ولم
ينكر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هذه الأقوال وهي بمحضره .
وقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((وقتاله كفر))، دال على أنه يكفر
من يقاتل المسلم بغير حق ، وهو ظاهر فيمن استحل قتل المسلم ، أو قاتله حال
إسلامه ، وأمّا إذا كانت المقاتلة لغير ذلك فإطلاق الكفر علیه مجاز، ويراد به
٥٤٢

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٠١ - حديث أبي هريرة
كفر النعمة والإحسان وأخوة الإسلام ، لا كفر الجحود؛ وسمّاه كفراً لأنه قد
يؤول به ما يحصل من المعاصي من الرين على القلب ، حتّى يعمى عن الحق ؛
فقد يصير كفراً ، أو أنه كفعل الكافر الذي يقاتل المسلم .
١٤٠١ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ
تعالَى عليه وعلى آله وسلَّمَ: ((إِيَّاكُمْ والظَّن؛ فإن الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ)).
مثَّفَقٌ عليه .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم: ((إياكم والظن ؛ فإن الظن أكذب الحديث)). متفق عليه) :
المراد بالتحذير التحذير من الظن بالمسلم شراً، نحو قوله : ﴿اجتنبوا كثيراً من
الظن﴾ [الحجرات: ١٢]، والظن هو: ما يخطر بالنفس من التجويز المحتمل للصحة
والبطلان؛ فيحكم به ويعتمد عليه ؛ كذا فسر الحديث في ((مختصر النهاية)).
وقال الخطابي : المراد التهمة ؛ ومحل التحذير والنهي إنما هو عن التهمة التي
لا سبب لما يوجبها ، كمن اتهم بالفاحشة ، ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك .
وقال النووي : والمراد التحذير من تحقيق التهمة والإصرار عليها ، وتقرّرها في
النفس دون ما يعرض ، ولا يستقر؛ فإن هذا لا يكلف به ، كما في الحديث:
((تجاوز الله عما تحدثت به الأمة أنفسها ما لم تتكلم ، أو تعمل)) ، ونقله عياض
عن سفيان ، والحديث وارد في حق من لم يظهر منه شتم ، ولا فحش ، ولا
فجور؛ ويقيد إطلاقه حديث : ((احترسوا من الناس بسوء الظنّ)). أخرجه
الطبراني في «الأوسط)» والبيهقي والعسكري من حديث أنس مرفوعاً، قال
٥٤٣

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤٠١ - حديث أبي هريرة
البيهقي : تفرد به بقية ، وأخرج الديلمي عن عليّ رضي الله عنه موقوفاً : يحرم
سوء الظن ، وأخرجه القضاعي مرفوعاً من حديث عبد الرحمن بن عائذ
مرسلاً ، وكل طرقه ضعيفة ، وبعضها يقوي بعضاً ويدل على أن لها أصلاً، وقد
قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أخوك البكري ، ولا تأمنه)). أخرجه الطبراني
في ((الأوسط)) عن عمر ، وأبو داود عن عمرو بن الفغواء .
وقد قسم الزمخشري الظن إلى واجب ومندوب وحرام ومباح ، فالواجب :
حسن الظن بالله ، والحرام : سوء الظن به تعالى وبكل من ظاهره العدالة من
المسلمين، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إياكم والظن))، الحديث،
والمندوب : حسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين ، والجائز: مثل قول أبي بكر
لعائشة : إنما هما أخواك ، أو أختاك ، لما وقع في قلبه أن الذي في بطن امرأته اثنان ،
ومن ذلك سوء الظن بمن اشتهر بين الناس بمخالطة الريب والمجاهرة بالخبائث ؛ فلا
يحرم سوء الظن به ؛ لأنه قد دل على نفسه ، ومن ستر على نفسه لم يظن به إلا
خير ، ومن دخل في مداخل السوء اتهم ، ومن هتك ستر نفسه ظننا به السوء .
والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لا تعرف له
أمارة صحيحة ، وسبب ظاهر كان حراماً واجب الاجتناب ؛ وذلك إذا كان
المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح؛ ومن عرفت منه الأمانة في الظاهر ،
فظن الفساد والخيانة به محرم ؛ بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطي الريب ؛
فنقابله بعكس ذلك ؛ ذكر معناه في ((الكشاف)) .
وقوله : ((فإن الظن أكذب الحديث))؛ سماه حديثاً لأنه حديث نفس ، وإنما
٥٤٤

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤٠٢ - حديث معقل بن يسار
كان الظن أكذب الحديث لأن الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة ،
وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى إظهاره ، وأمّا الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى
شيء ، فيخفى على السامع كونه كاذباً بحسب الغالب ؛ فكان أكذب الحديث .
١٤٠٢ - وعن مَعْقل بن يسار رضي الله عنه قالَ: سمعتُ رسولَ الله صلَّى
اللهُ عليه وآله وسلَّمَ يقولُ: ((ما منْ عَبْد يسترعيه الله رعيّةً يموتُ يومَ يُمُوتُ،
وهو غاشٌّ لِرَعيَّتِهِ ، إلا حرَّمَ الله عليه الجنَّةَ)). مُتّفقٌ عليهِ .
(وعن مَعْقل بن يسار رضي الله عنه قالَ : سمعتُ رسولَ الله صلى الله
عليه وآله وسلم يقولُ : ((ما مِنْ عَبْدٍ يسترعيه الله رعيّةً يموتُ يومَ يُوتُ ، وهو
غاشٌّ لِرَعيَّتِهِ ، إلا حرَّمَ اللّه عليه الجنَّةَ)). مُتَّفقٌ عليهِ) : أخرجه البخاري من
رواية الحسن ؛ وفيه قصة : وهي أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في
مرضه الذي مات فيه ، وكان عبيد الله عاملاً على البصرة في إمارة معاوية وولده
يزيد . أخرج الطبراني في ((الكبير)) من وجه آخر عن الحسن ، قال : قدم إلينا
عبيد الله بن زياد أميراً ، أمّره علينا معاوية غلاماً سفيهاً يسفك الدماء سفكاً
شديداً ، وفيها معقل المزني ، فدخل عليه ذات يوم ، فقال له : انته عما أراك
تصنع ، فقال له : وما أنت وذاك؟! ثم خرج إلى المسجد ، فقلنا له : ما كنت
تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟ فقال : إنه كان عندي علم فأحببت
أن لا أموت حتّى أقول به على رؤوس الناس ، ثم مرض فدخل عليه عبيد الله
یعوده ، فقال له معقل بن يسار : إني أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؛ قال: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم
٥٤٥

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤٠٢ - حديث معقل بن يسار
يحطها بنصيحة لم يرح رائحة الجنة)) ، ولفظ رواية المصنف أحد روايتي مسلم .
وأخرج مسلم: ((ما من أمير يلي أمر المسلمين ، لا يجتهد معهم، ولا ينصح
لهم، إلا لم يدخل معهم الجنة))، ورواه الطبراني وزاد: ((كنصحه لنفسه))،
وأخرج الطبراني بإسناد حسن: ((ما من إمام ، ولا وال ، بات ليلةً سوداء غاشاً
لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة ، وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين
عاماً))، وأخرج الحاكم - وصححه - من حديث أبي بكر رضي الله عنه : أن
النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ((من ولي من أمر المسلمين
شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة ، فعليه لعنة الله ؛ لا يقبل الله منه صرفاً ولا
عدلاً ، حتّى يدخله جهنم)) ، وأخرج أحمد والحاكم أيضاً - وصححه - من
حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من استعمل
رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه ، فقد خان الله ورسوله
والمؤمنين))، وفي إسناده واه ، إلا أن ابن نمير وثقه، وحسن له الترمذي أحاديث .
والراعي : هو القائم بمصالح من يرعاه .
وقوله : ((يوم يموت)) ، مراده أن يدركه الموت ، وهو غاش لرعيته غير تائب من
ذلك ، والغش بالكسر ضد النصح ، ويتحقق غشه بظلمه لهم ، وأخذ أموالهم ،
وسفك دمائهم ، وانتهاك أعراضهم ، واحتجابه عن خلتهم وحاجتهم ، وحبسه
عنهم ما جعله الله لهم من مال الله سبحانه المعين للمصارف ، وترك تعريفهم بما
يجب عليهم من أمر دينهم ودنياهم ، وإهمال الحدود ، وردع أهل الفساد ، وإضاعة
الجهاد ، وغير ذلك مما فيه مصالح العباد ، ومن ذلك توليته لمن لا يحوطهم ، ولا
٥٤٦
!
1

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٠٣ - حديث عائشة
يراقب أمر الله فيهم ، وتوليته من غيره أرضى الله منه مع وجوده .
والأحاديث دالة على تحريم الغش ، وأنه من الكبائر ؛ لورود الوعيد عليه
بعينه ؛ فإن تحريم الجنة هو وعيد الكافرين في القرآن ، كما قال تعالى : ﴿فقد
حرّم الله عليه الجنة﴾ [المائدة: ٧٢]، وهو على رأي من يقول بخلود أهل الكبائر
في النار واضح ، وقد حمله من لا يرى خلود أهل الكبائر في النار على الزجر
والتغليظ ؛ قال ابن بطال : هذا وعيد شديد على أئمة الجور؛ فمن ضيع من
استرعاه الله عليهم ، أو خانهم ، أو ظلمهم ، فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد
يوم القيامة ، فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة؟! ومعنى: ((حرم الله
عليه الجنة))؛ أي : أنفذ عليه الوعيد ، ولم يرض عنه المظلومين .
: «اللهُمَّ
١٤٠٣ - وعن عائشةَ رضيَ الله عنها قالت : قال رسولُ الله
مَنْ وليَ مِنْ أَمْرِ أُمّتي شيئاً فَشَقَّ عليهمْ فاشْقَقْ عليْهِ)). أخرجهُ مُسْلِمٌ .
: «اللهُمَّ مَنْ وليَ
(وعن عائشةَ رضيَ الله عنها قالت : قال رسولُ الله
مِنْ أَمْرِ أُمّتي شيئاً فَشَقَّ عليهمْ فاشْتَقْ عليْهِ). أخرجهُ مُسْلِمٌ) : شق عليهم:
﴿ بالمشقة جزاء من
أدخل عليهم المشقة ؛ أي : المضرة ، والدعاء عليه منه :
جنس الفعل ، وهو عام لمشقة الدنيا والآخرة ، وتمامه : ((ومن ولي من أمر أمتي
شيئاً فرفق بهم فارفق به))، ورواه أبو عوانة في ((صحيحه)) بلفظ: ((ومن ولي
منهم شيئاً فشق عليهم فعليه بهلة الله)) ، فقالوا: يا رسول الله ، وما بهلة الله؟
قال: ((لعنة الله)).
والحديث دليل على أنه يجب على الوالي تيسير الأمور على من وليهم
٥٤٧

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٠٤ و١٤٠٥ - حديث أبي هريرة
والرفق بهم ، ومعاملتهم بالعفو والصفح ، وإيثار الرخصة على العزيمة في حقهم
لئلا يدخل عليهم المشقة ، ويفعل بهم ما يحب أن يفعل به الله .
١٤٠٤ - وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله عَ لَةٍ: ((إذا
قاتلَ أَحدكُمْ فَلْيَجْتَنب الوجْهَ)). متّفقٌ عَلَيْهِ.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَّهُ: إذا قاتلَ
أحَدُكم) : أي : غيره ، كما يدل له فاعل (فلْيجتنب الوجْه)). متفق عليه) .
وفي رواية: ((إذا ضرب أحد كم))، وفي رواية: ((فلا يلطمن الوجه))، الحديث.
وهو دليل على تحريم ضرب الوجه ، وأنه يتقى فلا يضرب ، ولا يلطم ، ولو في
حدّ من الحدود الشرعية ، ولو في الجهاد ؛ وذلك لأن الوجه لطيف يجمع المحاسن ،
وأعضاؤه لطيفة ، وأكثر الإدراك بها ؛ فقد يبطلها ضرب الوجه ، وقد ينقصها ،
وقد يشين الوجه والشين فيه فاحش ؛ لأنه بارز ظاهر لا يمكن ستره، ومتى
أصابه ضرب لا يسلم غالباً من شين ، وهذا النهي عام لكل ضرب ولطم من
تأديب أو غيره .
١٤٠٥ _ وعَنْهُ رضي الله عنه: أَنَّ رجلاً قالَ: يا رسولَ اللهِ أَوْصِني ، قال :
((لا تغضب))، فردَّدَ مراراً؛ قالَ: ((لا تَغْضِبْ)). أخرجه الْبُخَارِيُّ.
(وعنه رضي الله عنه) : أي : أبي هريرة (أن رجلاً قال : يا رسول الله أوصني ،
قال: ((لا تغضب))، فردّد مراراً؛ قال: ((لا تغضب)). أخرجه البخاري).
جاء في رواية أحمد تفسيره بأنه جارية - بالجيم - ابن قدامة ، وجاء في
٥٤٨

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٠٥ - حديث أبي هريرة
حديث أنه سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت : يا رسول الله قل لي قولاً
أنتفع به وأقلل. قال: ((لا تغضب ولك الجنة))، وورد عن آخرين من الصحابة
مثل ذلك .
والحديث نهى عن الغضب ، وهو كما قال الخطابي : نهى عن اجتناب
أسباب الغضب وعدم التعرض لما يجلبه ، وأمّا نفس الغضب فلا يتأتى النهي
عنه لأنه أمر جبلي .
وقال غيره : وقع النهي عما كان من قبيل ما يكتسب فيدفعه بالرياضة ،
وقيل : هو نهي عما ينشأ عنه الغضب ؛ وهو الكبر ، لكونه يقع عند مخالفة أمر
يريده فيحمله الكبر على الغضب ، والذي يتواضع حتّى تذهب عنه عزة النفس
يسلم من شر الغضب . وقيل : معناه لا تفعل ما يأمرك به الغضب .
قيل : إنما اقتصر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على هذه اللفظة ؛ لأن
السائل كان غضوباً ، وكان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يفتي كل أحد بما هو
أولى به ، قال ابن التين : جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله : ((لا
تغضب))، خيري الدنيا والآخرة؛ لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ، ومنع الرفق ،
ويؤول إلى أن يؤذي الذي غضب عليه بما لا يجوز؛ فيكون نقصاً في دينه .
انتهى ، ويحتمل أن يكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأن الغضب
ينشأ عن النفس والشيطان ؛ فمن جاهدهما حتّى يغلبهما ، مع ما في ذلك من
شدّة المعالجة ، كان أملك لقهر نفسه عن غير ذلك بالأولى ، وتقدّم كلام يتعلق
بالغضب وعلاجه .
٥٤٩

١٨ - كتاب الجامع ٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤٠٦ و١٤٠٧ - حديثا خولة الأنصارية وأبي ذر
١٤٠٦ - وعن خَوْلَةَ الأنصارية رضي الله عنها قالتْ: قالَ رسول الله صلَّى
اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((إنّ رجالاً يتخوَّضونَ في مال الله بغير حق ؛ فَلَم النارُ
يومَ القيامة)) . أخرجه البخاريُّ.
( خَوْلَةَ الأنصارية رضي الله عنها قالتْ: قالَ رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: ((إنّ رجالاً يتخوَّضونَ في مال الله بغير حق ؛ فَلَهم النارُ يومَ
القيامة)). أخرجه البُخاريُ) : الحديث دليل على أنه يحرم على من لم يستحق
شيئاً من مال الله - بأن لا يكون من المصارف التي عينها الله تعالى - أن يأخذه
ويتملكه ، وأن ذلك من المعاصي الموجبة للنار .
وفي قوله: ((يتخوّضون)) ، دلالة على أنه يقبح توسعهم منه زيادة على ما
يحتاجون؛ فإن كانوا من ولاة الأموال أبيح لهم قدر ما يحتاجونه لأنفسهم من
غير زيادة ، وقد تقدم الكلام في ذلك .
١٤٠٧ - وعن أبي ذرّ رضي الله عنه عن النّبي صلَّى اللهُ تعالَى عليه وعلى
آله وسلَّمَ فيما يرويه عنْ رَبّه قال: «يا عبادي ! إني حرَّمتُ الظّلْمَ على نفسي
وجعلتُهُ بينكمْ محرَّماً؛ فلا تظالموا)). أخرجهُ مُسلمٌ .
(وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النّبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم فيما يرويه عنْ رَبّه) : من الأحاديث القدسية (قال): الرب تبارك وتعالى
((يا عبادي ! إني حرمت الظلم على نفسي) : وأخبرنا بأنه لا يفعله في كتابه
بقوله : ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦] (وجَعَلْته بينكم محرَّماً؛ فلا
تظالموا)) . أخرجه مسلم) .
٥٥٠

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٠٨ - حديث أبي المريرة
التحريم لغة : المنع عن الشيء ، وشرعاً : ما يستحق فاعله العقاب ، وهذا غير
صحيح إرادته في حقه تعالى ؛ بل المراد به أنه تعالى منزه متقدّس عن الظلم ،
وأطلق عليه لفظ التحريم لمشابهته الممنوع بجامع عدم الشيء ، والظلم مستحيل
في حقه تعالى ؛ لأن الظلم في عرف اللغة التصرف في غير الملك ، أو مجاوزة
الحدّ؛ وكلاهما محال في حقه تعالى؛ لأنه المالك للعالم كله المتصرف بسلطانه
في دقه وجله .
وقوله: ((فلا تظالموا))، تأكيد لقوله: ((وجعلته بينكم محرّماً))، والظلم قبيح
عقلاً، أقرّه الشارع وزاده قبحاً وتوعد عليه بالعذاب ﴿وقد خاب من حمل
ظلماً﴾ [طه: ١١١]، وغيرها .
١٤٠٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلَّى اللهُ تعالَى عليه
وعلى آله وسلَّمَ قال: ((أَتَدْرونَ ما الغِيبَةُ؟)) قالوا : الله ورسولهُ أَعْلمُ ، قال :
(«ذكرك أخاك بما يكْرهُ))، قالَ: أَفْرَأَيْت إنْ كان في أَخي ما أقولُ؟ قال: ((إنْ كانَ
فيه ما تقولُ فقد اغْتبتهُ ، وإن لم يكن فيه فقد بهتّهُ)). أخرجَهُ مُسْلِمٌ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم قال : ((أتدرون ما الغيبةُ؟))): بكسر الغين المعجمة (قالوا : الله
ورسولهُ أَعْلمُ، قال: ((ذكرُك أخاك بما يكْرُهُ))، قالَ: أَفرَأَيْت إنْ كان في أَخي
ما أقولُ؟ قال: ((إنْ كانَ فيه ما تقولُ فقد اغْتبتهُ ، وإن لم يكن فيه فقد
بهتّهُ))) : بفتح الموحدة وفتح الهاء من البهتان (أخرجه مسلمٌ) .
الحديث كأنه سيق لتفسير الغيبة المذكورة في قوله تعالى : ﴿ولا يغتب
٥٥١

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٠٨ - حديث أبي هريرة
بعضكم بعضاً﴾ [الحجرات: ١٢]، ودل الحديث على حقيقة الغيبة ، قال في
((النهاية)): هي أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء ، وإن كان فيه .
وقال النووي في ((الأذكار)) تبعاً للغزالي: ذكر المرء بما يكره سواء كان في بدن
الشخص ، أو دینه ، أو دنياه ، أو نفسه ، أو خلقه ، أو ماله ، أو والده ، أو ولده ، أو
زوجه ، أو خادمه ، أو حركته ، أو طلاقته ، أو عبوسته ، أو غير ذلك مما يتعلق به ،
ذكرَ سوء؛ سواء ذكر باللفظ ، أو بالرمز ، أو بالإشارة . قال النووي : ومن ذلك
التعريض في كلام المصنفين كقولهم قال : من يدّعي العلم ، أو: بعض من ينسب
إلى الصلاح، أو نحو ذلك مما يفهم السامع المراد به ، ومنه قولهم عند ذكره : الله
يعافينا ، الله يتوب علينا ، نسأل الله السلامة ، ونحو ذلك ؛ فكل ذلك من الغيبة.
وقوله : «ذكرك أخاك بما يكره)»، شامل لذكره في غيبته وحضرته ، وإلى هذا
ذهب طائفة ، ويكون الحديث بياناً لمعناها الشرعي ، وأمّا معناها لغة فاشتقاقها من
الغيب يدل على أنها لا تكون إلا في الغيبة ، ورجح جماعة أن معناها الشرعي
موافق لمعناها اللغوي ، ورووا في ذلك حديثاً مسنداً إلى النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أنه قال: ((ما كرهت أن تواجه به أخاك فهو غيبة))؛ فيكون هذا إن ثبت
مخصصاً لحديث أبي هريرة ، وتفاسير العلماء دالة على هذا؛ ففسرها بعضهم بقوله :
ذكر العيب بظهر الغيب ، وآخر بقوله : هي أن تذكر الإنسان من خلفه بسوء ، وإن
كان فيه ، نعم ذكر العيب في الوجه حرام لما فيه من الأذى ، وإن لم يكن غيبة .
وفي قوله : ((أخاك)) - أي : أخا الدين - دليل على أن غير المؤمن تجوز غيبته ،
وتقدّم الكلام في ذلك ؛ قال ابن المنذر: في الحديث دليل على أن من ليس بأخ
٥٥٢

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٠٨ - حديث أبي هريرة
كاليهودي والنصراني وسائر أهل الملل ، ومن قد أخرجته بدعته عن الإسلام لا
غيبة له ، وفي التعبير عنه بالأخ جذب للمغتاب عن غيبته لمن يغتاب ؛ لأنه إذا
كان أخاه فالأولى الحنو عليه ، وطي مساويه ، والتأول لمعايبه لا نشرها بذكرها .
وفي قوله : ((بما يكره)) ، ما يشعر بأنه إذا كان لا يكره ما يعاب به كأهل
الخلاعة والمجون ، فإنه لا يكون غيبة .
وتحريم الغيبة معلوم من الشرع ومتفق عليه ، وإنما اختلف العلماء هل هو من
الصغائر، أو الكبائر؟ فنقل القرطبي الإجماع على أنها من الكبائر ، واستدل
لكبرها بالحديث الثابت: ((إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام))،
وذهب الغزالي وصاحب ((العمدة)) من الشافعية إلى أنها من الصغائر. قال
الأذرعي : لم أرَ من صرح أنها من الصغائر غيرهما ، وذهب المهدي إلى أنها
محتملة بناءً على ما لم يقطع بكبره فهو محتمل كما تقوله المعتزلة . قال
الزركشي : والعجب ممن يعد أكل الميتة كبيرة، ولا يعد الغيبة كذلك، والله
أنزلها منزلة أكل لحم الآدمي - أي: ميتاً -؛ والأحاديث في التحذير من الغيبة
واسعة جداً ، دالة على شدّة تحريمها .
واعلم أنه قد استثنى العلماء من الغيبة أموراً ستة :
الأول : التظلم ؛ فيجوز أن يقول المظلوم : فلان ظلمني وأخذ مالي ، أو إنه
ظالم ، ولكن إذا كان ذكره لذلك شكاية على من له قدرة على إزالتها ، أو
تخفیفها ، ودليله قول هند عند شكايتها له صلى الله عليه وآله وسلم من أبي
سفيان : إنه رجل شحيح .
٥٥٣

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٠٩ - حديث أبي هريرة
الثاني : الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته ،
فيقول : فلان فعل كذا ، في حق من لم يكن مجاهراً بالمعصية .
الثالث : الاستفتاء بأن يقول للمفتي : فلان ظلمني بكذا ، فما طريقي إلى
الخلاص عنه؟ ودليله أنه لا يعرف الخلاص عما يحرم عليه إلا بذكر ما وقع منه .
الرابع : التحذير للمسلمين من الاغترار، كجرح الرواة والشهود ومن يتصدّر
للتدریس والإفتاء مع عدم الأهلية ، ودليله قوله صلی الله عليه وآله وسلم : ((بئس
أخو العشيرة))، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أما معاوية فصعلوك))، وذلك
أنها جاءت فاطمة بنت قيس تستأذنه ﴿﴿ وتستشيره وتذكر أنه خطبها معاوية
ابن أبي سفيان وخطبها أبو جهم فقال: ((أما معاوية فصعلوك لا مال له ، وأمّا
أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه))، ثم قال: ((انكحي أسامة))، الحديث.
الخامس : ذكر من جاهر بالفسق ، أو البدعة ؛ كالمكاسين وذوي الولايات
الباطلة ، فيجوز ذكرهم بما يجاهرون به دون غيره ، وتقدّم دلیله في حديث :
((اذكروا الفاجر)).
السادس : التعريف بالشخص بما فيه من العيب كالأعور والأعرج والأعمش ،
ولا يراد به نقصه وغيبته ؛ وجمعها ابن أبي شريف في قوله :
متظلم ومعرّف ومحذِّر
الذم ليس بغيبة في ستة
طلب الإعانة في إزالة منكر
ولمظھر فسقاً ومستفت ومن
: ((لا تَحَاسَدوا، ولا تناجَشُوا ، ولا
١٤٠٩ - وعنْهُ قال : قال رسول الله
تباغَضُوا ، ولا تدابَرُوا ، ولا يَبعْ بَعْضُكُم على بعض ، وكونوا عباد الله إخواناً ؛
٥٥٤

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٠٩ - حديث أبي هريرة
المسْلمُ أَخُو المسلم لا يظْلمُهُ ، ولا يخذُلُهُ ، ولا يحقرُهُ ، التّقوى ههنا - ويشيرُ
إلى صَدْرِهِ ثلاثَ مرَّات - بحسْب امرئ من الشرِّ أَنْ يحقر أخاه المسلمَ ، كُلُّ
المسلم على المسلم حرامٌ: دمُهُ ومالهُ وعرضُهُ». أَخرجَهُ مُسلمٌ .
: ((لا تحاسدوا ، ولا
(وعنه): أي: أبي هريرة (قال : قال رسول الله
تناجشوا) : بالجيم والشين المعجمة (ولا تباغضوا، ولا تدابروا ، ولا يبع) :
بالغين المعجمة من البغي ، وبالمهملة من البيع (بَعْضُكمْ على بعض ، وكونوا
عباد الله) : منصوب على النداء (إخواناً؛ المُسْلمُ أَخُو المسلم لا يظْلمهُ ، ولا
يخْذُلُهُ، ولا يحقِرُهُ) : بفتح حرف المضارعة وسكون الحاء المعجمة وبالقاف
فراء ، قال القاضي عياض : ورواه بعضهم: ((لا يخفره))، بضم الياء وبالخاء
المعجمة وبالفاء ؛ أي : لا يغدر بعهده ، ولا ينقض أمانه ، قال : والصواب الأول ،
(التّقوى هَهُنا - ويشيرُ إلى صدره ثلاث مرَّات - بحسب امرئ من الشّرِّ أَنْ
يحْفِر أَخَاهُ الْمُسْلم، كُلُّ المسلم على الْمُسْلِم حَرَامٌ: دَمُهُ ومالُهُ وعرْضُهُ)) .
أخرجه مسلم) .
الحديث اشتمل على أمور نهى عنها الشارع :
الأول : التحاسد ، وهو تفاعل یکون بین اثنین ، نهى عن حسد كل واحد
منهما صاحبه من الجانبين ، ويعلم منه النهي عن الحسد من جانب واحد
بطريق الأولى ؛ لأنه إذا نهى عنه مع من يكافئه ويجازيه بحسده مع أنه من
باب: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]، فهو مع عدم ذلك أولى
بالنهي ؛ وتقدّم تحقيق الحسد .
٥٥

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٠٩ - حديث أبي هريرة
الثاني : النهي عن المناجشة ، وتقدّم تحقيقها في البيع ؛ ووجه النهي عنها
أنها من أسباب العداوة والبغضاء، وقد روي بغير هذا اللفظ في ((الموطأ)) بلفظ :
((ولا تنافسوا))؛ من المنافسة وهي الرغبة في الشيء ومحبة الانفراد به ، ويقال :
نافست في الشيء منافسة ونفاساً إذا رغبت فيه ، والنهي عنها نهي عن الرغبة
في الدنيا وأسبابها وحظوظها .
والثالث : النهي عن التباغض، وهو تفاعل؛ وفيه ما في ((تحاسدوا)) من
النهي عن التقابل في المباغضة ، والانفراد بها بالأولى ، وهو نهي عن تعاطي
أسبابه ؛ لأن البغض لا يكون إلا عن سبب ، والذم متوجه إلى المباغضة لغير
الله ، فأما ما كانت لله فهي واجبة ؛ فإن البغض في الله والحب في الله من
الإيمان ؛ بل ورد في الحديث حصر الإيمان عليهما .
الرابع : النهي عن التدابر ، قال الخطابي : أي : لا تهاجروا فيهجر أحدكم
أخاه ؛ مأخوذ من تولية الرجل للآخر دبره ، إذا أعرض عنه حين يراه ، وقال ابن
عبد البرّ: قیل للإعراض : تدابر ؛ لأن من أبغض أعرض ومن أعرض ولی دبره،
والمحب بالعكس ، وقيل: معناه لا يستأثر أحدكم على الآخر، وسمي المستأثر
مستدبراً لأنه يولي دبره حين يستأثر بشيء دون الآخر ، وقال المازري : معنى
التدابر المعاداة ، تقول : دابرته ؛ أي: عاديته ، وفي ((الموطأ)) عن الزهري : التدابر
الإعراض عن السلام ، يدبر عنه بوجهه ، وكأنه أخذه من بقية الحديث وهي :
((يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))؛ فإنه
يفهم منه أن صدور السلام منهما ، أو من أحدهما يرفع الإعراض .
٥٥٦

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤٠٩ - حديث أبي هريرة
الخامس : النهي عن البغي ؛ إن كان بالغين المعجمة ، وإن كان بالمهملة ،
فعن بيع بعض على بيع بعض ؛ وقد تقدم في كتاب البيع ، قال ابن عبد البرّ :
تضمن الحديث تحريم بغض المسلم والإعراض عنه وقطيعته بعد صحبته بغير
ذنب شرعي ، والحسد له على ما أنعم الله تعالى عليه ، ثم أمر أن يعامله معاملة
الأخ النسيب ، ولا يبحث عن معايبه ، ولا فرق في ذلك بين الحاضر والغائب
والحي والميت .
وبعد هذه المناهي الخمسة حثهم بقوله : ((وكونوا عباد الله إخواناً))؛ فأشار
بقوله : ((عباد))، إلى أن من حق العبودية لله الامتثال لما أمر، قال القرطبي : المعنى
كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة ،
وفي رواية لمسلم زيادة: ((كما أمر الله))؛ أي : بهذه الأمور؛ فإن أمر رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم أمر منه تعالى وزاد المسلم حثاً على أخوة المسلم بقوله: ((المسلم
أخو المسلم))، وذكر من حقوق الأخوة أنه لا يظلمه ؛ وتقدم تحقيق الظلم وتحريمه ،
والظلم محرم في حق الكافر أيضاً وإنما خص المسلم لشرفه .
((ولا يخذله))، والخذلان ترك الإعانة والنصر، ومعناه إذا استعان به في دفع
أي ضر، أو جلب أي نفع أعانه ، ((ولا يحقره))، ولا يحتقره ، ولا يتكبر عليه
ويستخف به ؛ ویروی «لا يحتقره)) ، وهو بمعناه .
وقوله: ((التقوى هاهنا))، إخبار بأن عمدة التقوى ما يحل في القلب من
خشية الله ومراقبته وإخلاص الأعمال له، وعليه دل حديث مسْلم: ((إن الله لا
ينظر إلى أجسامكم ، ولا إلى صوركم؛ ولكن ينظر إلى قلوبكم)) ؛ أي : أن
٥٥٧

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٤١٠ - حديث قطبة بن مالك
المجازاة والمحاسبة إنما تكون على ما في القلب دون الصورة الظاهرة والأعمال
البارزة ؛ فإن عمدتها النيات ومحلها القلب ، وتقدم ((إن في الجسد مضغة إذا
صلحت صلح الجسد ، وإذا فسدت فسد الجسد)) .
وقوله : ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه))؛ أي : يكفيه أن يكون من
أهل الشر بهذه الخصلة وحدها ، وفي قوله: ((كل المسلم على المسلم حرام))،
إخبار بتحريم الدماء والأموال والأعراض ، وهو معلوم من الشرع علماً قطعياً .
١٤١٠ - وعن قُطبة بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلَّى اللهُ
تعالَى عليه وآله وسلَّمَ يقولُ: («اللهُمَّ جَنِّبني مُنْكراتِ الأخلاق والأعمال
والأهواءِ والأدواءِ». أَخرجهُ الترمذيُّ، وصحَّحهُ الحاكم ، واللفظ لهُ.
(وعن قطبة) : بضم القاف وسكون الطاء المهملة وفتح الموحدة (ابن مالك
رضي الله عنه) : يقال له : التغلبي ؛ بالمثناة الفوقية والغين المعجمة ، ويقال :
الثعلبي ؛ بالمثلثة والعين المهملة (قال: كان رسول الله صلَّى اللهُ تعالَى عليه
وآله وسلَّمَ يقول: «اللهُمَّ جَنّبْني مُنْكرات الأخلاق والأعمال والأهواء
والأدواء)). أخرجه الترمذي ، وصحّحه الحاكم ، واللفظ له) .
التجنيب : المباعدة ؛ أي : باعدني .
والأخلاق : جمع خلق ، قال القرطبي : الأخلاق أوصاف الإنسان التي
يعامل بها غيره ، وهي محمودة ومذمومة .
فالمحمودة على الإجمال : أن تكون مع غيرك على نفسك فتنتصف منها ، ولا
تنتصف لها ، وعلى التفصيل : العفو والحلم والجود والصبر وتحمل الأذى والرحمة
والشفقة وقضاء الحوائج والتودّد ولين الجانب ، ونحو ذلك .
٥٥٨

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤١١ ۔ حديث ابن عباس
والمذمومة : ضد ذلك وهي منكرات الأخلاق التي سأل صلى الله عليه وآله
وسلم ربه أن يجنبه إياها في هذا الحديث ، وفي قوله: ((اللهم كما حسنت
خلقي فحسّن خُلُقي)) . أخرجه أحمد ، وصححه ابن حبان ، وفي دعائه صلى
الله عليه وآله وسلم في الافتتاح: ((واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي
لأحسنها سواك ، واصرف عني سيئها؛ لا يصرف عني سيئها غيرك)).
ومنكرات الأعمال: ما ينكر شرعاً ، أو عادة ، ومنكرات الأهواء جمع هوى ،
والهوى : هو ما تشتهيه النفس من غير نظر إلى مقصد يحمد عليه شرعاً ،
ومنكرات الأدواء جمع داء ، وهي : الأسقام المنفرة التي كان النبي صلى الله
عليه وآله وسلم يتعوّذ منها كالجذام والبرص ، والمهلكة : کذات الجنب ، وكان
صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ من سيِّئ الأسقام .
١٤١١ - وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ
تعالَى عليه وعلى آله وسلَّمَ: ((لا تمار أخاكَ، ولا تمازحهُ، ولا تَعدْهُ موعداً
فَتُخْلفهُ» . أخرجهُ الترمذي بسندٍ ضعيفٍ .
(عن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم: ((لا تمار): من المماراة ، وهي المجادلة (أخاك، ولا تمازحْهُ):
من المزح (ولا تَعِدْهُ موعداً فَتَخْلِفَهُ)) . أخرجه الترمذي بسند ضعيف).
لكن في معناه أحاديث ، سيما في المراء؛ فإنه روى الطبراني أن جماعة من
الصحابة قالوا: خرج علينا رسول الله * ونحن نتمارى في شيء من أمر
الدين ، فغضب غضباً شديداً لم يغضب مثله، ثم انتهرنا وقال: ((أبهذا يا أمة
٥٥٩

١٨ - كتاب الجامع
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
١٤١١ - حديث ابن عباس
محمد أمرتم؟! إنما أهلك من كان قبلكم بمثل هذا، ذروا المراء لقلة خيره،
ذروا المراء ؛ فإن المؤمن لا يماري ، ذروا المراء ؛ فإن المماري قد تمت خسارته ،
ذروا المراء ، كفى إثماً أن لا تزال ممارياً، ذروا المراء ؛ فإن المماري لا أشفع له
يوم القيامة ، ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في رياضها أسفلها
وأوسطها وأعلاها لمن ترك المراء ، وهو صادق، ذروا المراء ؛ فإنه أوّل ما نهاني
عنه ربي بعد عبادة الأوثان))، وأخرج الشيخان مرفوعاً: ((إن أبغض الرجال
إلى الله الألد الخصم))؛ أي: الشديد المراء؛ أي : الذي يحج صاحبه .
وحقيقة المراء طعنك في كلام غيرك لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى
تحقير قائله ، وإظهار مزيتك عليه ، والجدال هو ما يتعلق بإظهار المذاهب
وتقريرها ، والخصومة لجاج في الكلام ليستوفى به ، أو غيره ، ويكون تارة ابتداء
وتارة اعتراضاً ، والمراء لا يكون إلا اعتراضاً ، والكل قبيح إذا لم يكن لإظهار
الحق وبيانه وإدحاض الباطل وهدم أركانه .
وأما مناظرة أهل العلم للفائدة ، وإن لم تخل عن الجدال ، فليست داخلة في
النهي ، وقد قال تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾
[العنكبوت: ٤٦]، وقد أجمع عليه المسلمون سلفاً وخلفاً ، وأفاد الحديث النهي عن
ممازحة الأخ ، والمزاح : الدعابة ، والمنهي عنه ما يجلب الوحشة ، أو كان بباطل ،
وأمّا ما فيه بسط الخلق وحسن التخاطب وجبر الخاطر فهو جائز؛ فقد أخرج
الترمذي من حديث أبي هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله! إنك لتداعبنا؟ قال :
((إني لا أقول إلا حقاً)).
٥٦٠