النص المفهرس
صفحات 501-520
١٨ - كتاب الجامع ٢ - باب البر والصلة ١٣٨٢ - حديث ابن عمر قالَ: ((مَن اسْتعاذکمْ ١٣٨٢ - وعن ابن عُمرَ رضيَ الله عنهُمَا عن النبي بالله فأَعيذوه ، ومَنْ سألكمْ بالله فأَعطوهُ، ومَنْ أَتى إليكم معروفاً فكانتُوهُ؛ فإِن لم تجدوا فادعوا له)). أَخْرجُهُ البيْهَقِيُّ . (وعن ابن عُمرَ رضيَ الله عنهُمَا عن النبيِ تَ ﴿ قالَ: ((مَنِ اسْتعاذكمْ بالله فَأَعيذوه ، ومَنْ سألكمْ بالله فَأَعطوهُ، ومَنْ أَتى إليكم معروفاً فكافئُوهُ؛ فإن لم تجدوا فادعوا له)). أَخْرجهُ البيْهَقيُّ): وقد أخرجه أبو داود وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم، وفيه زيادة: ((ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفاً فكافئوه؛ فإن لم تجدوا فادعوا له، حتّى تعلموا أنكم قد كافأتموه))، وفي رواية: ((فإن عجزتم عن مكافأته فادعوا له ، حتّى تعلموا أن قد شكرتم ؛ فإن الله يحب الشاكرين))، وأخرج الترمذي - وقال: حسن غريب -: ((من أعطي عطية فوجد ، فليجز بها ؛ فإن لم يجد ، فليثن ؛ فإن من أثنى ، فقد شکر، ومن کتم ، فقد کفر ومن تحلی بباطل ، فهو كلابس ثَوْبَي زور)). والحديث دليل على أنه من استعاذ بالله من أي أمر طلب منه غير واجب عليه ، فإنه يعاذ ويترك ما طلب منه أن يفعل ، وأنه يجب إعطاء من سأله بالله ، وإن كان قد ورد أنه لا يسأل بالله إلا الجنة ، فمن سأل من المخلوقين بالله شيئاً ، وجب إعطاؤه إلا أن يكون منهياً عن إعطائه ، وقد أخرج الطبراني - بسند رجاله رجال ((الصحيح)) ، إلا شيخه ، وهو ثقة على كلام فيه - من حديث أبي موسى الأشعري : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ملعون من سأل بوجه الله ، وملعون من سئل بوجه الله ، ثم منع سائله ، ما لم يسأل ٥٠١ ١٨ - كتاب الجامع ٢ - باب البر والصلة ١٣٨٢ - حديث ابن عمر هُجْرا))، بضم الهاء وسكون الجيم ؛ أي : أمراً قبيحاً لا يليق ، ويحتمل ما لم يسأل سؤالاً قبيحاً؛ أي : بكلام يقبح ، ولكن العلماء حملوا هذا الحديث على الكراهة ، ويحتمل أنه يراد به المضطر ، ویکون ذکره هنا أن منعه مع سؤاله بالله أقبح وأفظع ، ويحمل لعن السائل على ما إذا ألح في المسألة ، حتّى أضجر المسؤول . ودل الحديث على وجوب المكافأة للمحسن ، إلا إذا لم يجد ؛ فإنه يكافئه بالدعاء ، وأجزأه ، إن علم أنه قد طابت نفسه ، أو لم تطب به ، وهو ظاهر الحديث . ٥٠٢ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٣ - حديث النعمان بن بشير ٣ - باب الزُهد والورع الزهد : هو قلة الرغبة في الشيء ، وإن شئت قلت : قلة الرغبة عنه ، وفي اصطلاح أهل الحقيقة : بغض الدنيا والإعراض عنها ، وقيل : ترك راحة الدنيا لراحة الآخرة ، وقيل : أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك ، وقيل : بذل ما تملك، ولا تؤثر ما تدرك ، وقيل : ترك الأسف على معدوم، ونفي الفرح بمعلوم؛ قاله المناوي في ((تعريفاته)) . وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي ذرّ مرفوعاً: ((الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك)). انتهى؛ فهذا التفسير النبوي يقدّم على كل تفسير . والورع : تجنب الشبهات خوف الوقوع في محرّم ، وقيل : ترك ما يريبك ونفي ما يعيبك؛ وقيل : الأخذ بالأوثق وحمل النفس على الأشق؛ وقيل : النظر في. المطعم واللباس ، وترك ما به بأس ، وقيل : تجنب الشبهات ، ومراقبة الخطرات .. ١٣٨٣ - عن النُّعْمان بن بشير رضيَ الله عنهُمَا قال: سمعتُ رسُولَ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وعلى آله وسلَّمَ يقولُ : - وأَهْوِى النُّعمان بإصبعيه إلى أُذنيه ـ ((إنَّ الحلال بيِّنٌ ، والحرَامَ بيِّنٌ وبينَهُما مُشْتَبِهاتٌ لا يعلمهُنَّ كثيرٌ من النّاس، فَمن اتّقى الشُّبُهات فقد استبرأ لدينهِ وعرْضِهِ ، ومنْ وقعَ في الشُّبهاتِ وقعَ في الحَرَامِ ؛ كالرَّاعي يرْعَى حَوْلَ الحمى يوشِكُ أَنْ يقعَ فيه ، ألا ٥٠٣ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٣ - حديث النعمان بن بشير وإن لكلِّ ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمهُ ، ألا وإن في الجسد مُضْغَة إذا صَلَحتْ صلحَ الجسدُ كُلُّهُ؛ وإذا فسدتْ فَسَدَ الجسدُ كلَّهُ، ألا وهي القلبُ)) . مُتّفقٌ عليه . (عن النُّعْمان بن بشير رضيَ الله عنهُمَا قال: سمعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وعلى آله وسلَّمَ يقولُ : - وأَهْوِى النُّعمان بإصبعيه إلى أُذنيه - ((إنَّ الحلال بيِّنٌ ، والحرَامَ بَيِّنٌ وبينَهُما مُشْتَبِهاتٌ): ويروى: ((مشبِّهات))؛ بضم الميم وتشديد الموحدة ، ومشبهات ؛ بضمها أيضاً، وتخفيف الموحدة (لا يعْلمهُنَّ كثيرٌ من النّاس ، فَمن اتّقى الشّبُهات فقد استبرأ): بالهمزة من البراءة ؛ أي : حصل له البراءة من الذم الشرعي ، وصان عرضه من ذم الناس (لدينه وعرضه ، ومنْ وقع في الشبهات وقع في الحرام): أي : يوشك أن يقع فيه ، وإنما حذفه لدلالة ما بعده عليه ؛ إذْ لو كان الوقوع في الشبهات وقوعاً في الحرام لكانت من قسم الحرام البيِّن ، وقد جعلها قسماً برأسه ، وكما يدل له التشبيه بقوله (كالرَّاعي يرْعى حول الحمى يوشك أَنْ يقعَ فيه ، أَلا وإن لكُلِّ ملك حمى ، أَلا وإن حمَى الله محارمُهُ ، أَلا وإن في الجسدِ مُضغةً إذا صلحتْ صلح الجسدُ كُلُّهُ، وإذا فسدت فسَدَ الجَسَدُ كُلَّهُ؛ ألا وهي القلبُ)). متفق عليه). أجمع الأئمة على عظم شأن هذا الحديث ، وأنه من الأحاديث التي تدور عليها قواعد الإسلام ، قال جماعة : هو ثلث الإسلام ؛ فإن دورانه عليه وعلى حديث : ((الأعمال بالنيات)) ، وعلى حديث: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وقال أبو داود: إنه يدور على أربعة: هذه، ورابعها حديث: ((لا ٥٠٤ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٣ - حديث النعمان بن بشير يؤمن أحدكم ، حتّى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))، وقيل: حديث: ((ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)). قوله : ((الحلال بيِّن))؛ أي: قد بيّنه الله ورسوله إما بالإعلام بأنه حلال نحو: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ [المائدة: ٩٦] الآية ، وقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً﴾ [الأنفال: ٢٩]، أو سكت عنه تعالى ، ولم يحرمه فالأصل حله ، أو بما أخبر عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه حلال امتن الله ورسوله به ؛ فإنه لازم حله . وقوله : ((والحرام بيِّن))؛ أي: بينه الله لنا في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم نحو ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]، أو بالنهي عنه نحو: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [النساء: ٢٩]. والإخبار عن الحلال بأنه بين إعلام بحل الانتفاع به في وجوه النفع ، كما أن الإخبار بأن الحرام بين إعلام باجتنابه . وقوله : ((وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)»، المراد بها التي لم يعرف حلها ولا حرمتها ، فصارت مترددة بين الحل والحرمة عند الكثير من الناس ، وهم الجهال ؛ فلا يعرفها إلا العلماء بنص ، فما لم يوجد فيه شيء من ذلك اجتهد فيه العلماء وألحقوه بأيهما بقياس ، أو استصحاب ، أو نحو ذلك ؛ فإن خفي دليله فالورع تركه ، ويدخل تحت: ((فمن اتقى الشبهات ، فقد استبرأ) - أيْ: أخذ بالبراءة ـ (لدينه وعرضه))؛ فإذا لم يظهر فيه للعالم دليل تحريمه ، ولا حله ؛ فإنه يدخل في حكم الأشياء قبل ورود الشرع ، فمن لا يثبت للعقل حكماً ، يقول : لا حكم فيها بشيء لأن الأحكام شرعية ، والفرض أنه ٥٠٥ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٣ - حديث النعمان بن بشير لا يعرف فيها حكم شرعي ، ولا حكم للعقل ؛ والقائلون بأن العقل حاكم لهم في ذلك ثلاثة أقوال : التحريم والإباحة والوقف . وإنما اختلف في المشتبهات هل هي مما اشتبه تحريمه ، أو ما اشتبه بالحرام الذي قد صح تحريمه؟ رجح المحققون الأخير ، ومثلوا ذلك بما ورد في حديث عقبة ابن الحارث الصحابي الذي أخبرته أَمَةٌ سوداء بأنها أرضعته ، وأرضعت زوجته ، فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك؟ فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((كيف، وقد قيل؟!))؛ فقد صح تحريم الأخت من الرضاعة شرعاً قطعاً ، وقد التبست عليه زوجته بهذا الحرام المعلوم ؛ ومثله التمرة التي وجدها صلى الله عليه وآله وسلم في الطريق فقال : ((لولا أني أخاف أنها من الزكاة ، أو من الصدقة لأكلتها))؛ فقد صح تحريم الصدقة عليه ، ثم التبست هذه التمرة بالحرام المعلوم . وأما ما التبس هل حرمه الله علينا أم لا؟ فقد وردت أحاديث دالة على أنه حلال ؛ منها حديث سعد بن أبي وقاص: ((إن من أعظم الناس إثماً في المسلمين من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته)) ؛ فإنه يفيد أنه كان قبل سؤاله حلالاً ، ولما اشتبه عليه سأل عنه فحرم من أجل مسألته ، ومنها حديث : ((ما سکت الله عنه فهو مما عفي عنه)) ، له طرق كثيرة ، ويدل له قوله تعالى : ﴿ويحل لهم الطيبات﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ فكل ما كان طيباً ، ولا يثبت تحريمه ، فهو حلال ، وإن اشتبه علينا تحريمه ؛ والمراد بالطيب هو ما أحله الله على لسان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ، أو سكت عنه ، والخبيث ما حرمه ، وإن عدته ٥٠٦ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٣ - حديث النعمان بن بشير النفوس طيباً، كالخمر ؛ فإنه أحد الأطيبين في لسان العرب في الجاهلية . وقال ابن عبد البرّ: إن الحلال الكسب الطيب ، وهو الحلال المحض ، وإن المتشابه عندنا في حيز الحلال ؛ بدلائل ذكرناها في غير هذا الموضع ، ذكره صاحب ((تنضيد التمهيد)) في الترغيب في الصدقة ؛ نقله عنه السيد محمد بن إبراهيم، وقد حققنا أنه من قسم الحلال البيّن في رسالتنا المسماة ((القول المبين)). وقال الخطابي: ما شككت فيه فالأولى اجتنابه ، وهو على ثلاثة أحوال : واجب ، ومستحب ، ومكروه ؛ فالواجب : اجتناب ما يستلزم المحرم ، والمندوب : اجتناب معاملة من غلب على ماله الحرام ، والمكروه : اجتناب الرخصة المشروعة اهـ. قال في ((الشرح)): وقد ينازع في المندوب ؛ فإنه إذا كان في الأغلب الحرام فأولى أن يكون واجب الاجتناب ، وهو الذي بنى عليه الهادوية في معاملة الظالم فيما لم يظنّ تحريمه ؛ لأن الذي غلب عليه الحرام يظنّ فيه التحريم . اهـ، وقد أوضحنا هذا في ((حواشي ضوء النهار)). وقسم الغزالي الورع أقساماً : ورع الصديقين ، وهو ترك ما لم تكن فيه بينة واضحة على حله ، وورع المتقين ، وهو ما لا شبهة فيه ولكن يخاف أن يجر إلى الحرام ، وورع الصالحين ، وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع ، وإلا فهو ورع الموسوسين . قلت : ورع الموسوسين قد بوّب له البخاري فقال : باب من لم يرَ الوسواس في الشبهات؛ كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون انفلت من إنسان ، وكمن ترك شراء ما يحتاج إليه من ٥٠٧ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٣ - حديث النعمان بن بشير مجهول لا يدري أماله حرام أم حلال ، ولا علامة تدل على ذلك التحريم ، وكمن ترك تناول شيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه ويكون دليل إباحته قوياً وتأويله ممتنع ، أو مستبعد ، والكلام في الحديث متسع ، وفي هذا كفاية . وقوله : ((إن لكل ملك حمى))، إخبار عما كانت عليه ملوك العرب وغيرهم؛ فإنه کان لكل واحد حمی يحميه من الناس ويمنعهم عن دخوله ، فمن دخله أوقع به العقوبة ، ومن أراد نجاة نفسه من العقوبة لم يقربه خوفاً من الوقوع فيه ؛ وذکر هذا كضرب المثل للمخاطبين ، ثم أعلمهم أن حِمَاه تعالى الذي حرّمه على العباد . وقوله : ((ومن وقع في الشبهات إلخ)) ؛ أي : من وقع فيها ، فقد حام حول حمى الحرام فيقرب ويسرع أن يقع فيه ، وفيه إرشاد إلى البعد عن ذرائع الحرام ، وإن كانت غير محرّمة ؛ فإنه يخاف من الوقوع فيها الوقوع فيه ، فمن احتاط لنفسه لا يقرب الشبهات لئلا يدخل في المعاصي . ثم أخبر صلى الله عليه وآله وسلم منبهاً مؤكداً بأن في الجسد مضغة ، وهي القطعة من اللحم ، سمِّيت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها ، وأنها مع صغرها عليها مدار صلاح الجسد وفساده ؛ فإن صلحت صلح ، وإن فسدت فسد . وفي كلام الغزالي أنه لا يراد بالقلب المضغة ؛ إذْ هي موجودة للبهائم مدركة بحاسة البصر؛ بل المراد بالقلب لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلُّق ، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، وهي المدركة العارفة من الإنسان، وهو المخاطب والمعاقب والمطالب؛ ولهذه اللطيفة علاقة مع القلب الجسماني، وذكر أن جميع الحواس والأعضاء أجناد مسخرة للقلب ، وكذلك الحواس الباطنة ٥٠٨ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٤ - حديث أبي هريرة في حكم الخدم والأعوان ، وهو المتصرف فيها والمردّد لها ، وقد خلقت مجبولة على طاعة القلب لا تستطيع له خلافاً ، ولا عليه تمرداً؛ فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت ، وإذا أمر الرجل بالحركة تحرّكت ، وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم به تكلم ، وكذا سائر الأعضاء . وتسخير الأعضاء والحواس للقلب يشبه - من وجه - تسخير الملائكة الله تعالى؛ فإنهم جبلوا على طاعته لا يستطيعون له خلافاً ، وإنما يفترقان في شيء ، وهو أن الملائكة عالمة بطاعتها للرب ، والأجفان تطيع القلب بالانفتاح والانطباق على سبيل التسخير ، وإنما افتقر القلب إلى الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره إلى الله تعالى وقطع المنازل إلى لقائه ؛ فلأجله خلقت القلوب ، قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]، وإنما مركبه البدن وزاده العلم ، وإنما الأسباب التي توصله إلى الزاد وتمكنه من التزود منه هو العمل الصالح . ثم أطال في هذا المعنى بما يحتمل مجلدة لطيفة ، وإنما أشرنا إلى كلامه ليعلم مقدار الكلام النبوي ، وأنه بحر قطراته لا تنزف ، وأمّا كونه محل العقل ، أو محله الدماغ ، فليست من مسائل علم الآثار، حتّى يشتغل بذكرها وذكر الخلاف فيها . ١٣٨٤ - وعن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَ ◌ِّ: («تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ والدِّهَمِ والقَطِيفَة، إِنْ أُعْطِي رَضِيَ ، وإِن لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ). أخرجه البخاري . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ﴿: ((تعس): في ((القاموس)): كسمع ومنع ، وإذا خاطبت قلت : تعس كمنع ، وإذا حكيت قلت : ٥٠٩ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٥ ۔ حديث ابن عمر تعس كفرح، وهو الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط (عبد الدينار والدرهم والقطيفة) : الثوب الذي له خمل (إن أعطي رضي ، وإن لم يعط لم يرض)). أخرجه البخاري) : أراد بعبد الدينار والدرهم من استعبدته الدنيا بطلبها وصار كالعبد لها ، تتصرف فيه تصرف المالك لينالها وينغمس في شهواتها ومطالبها . وذكر الدينار والقطيفة مجرد مثال ؛ وإلا فكل من استعبدته الدنيا في أي أمر وشغلته عما أمر الله تعالى ، وجعل رضاه وسخطه متعلقاً بنيل ما يريد ، أو عدم نيله ، فهو عبده ، فمن الناس من يستعبده حب الإمارات ، ومنهم من يستعبده حب الصور ، ومنهم من يستعبده حب الأطيان . واعلم أن المذموم من الدنيا كل ما يبعد العبد عن الله تعالى ، ويشغله عن واجب طاعته وعبادته ، لا ما يعينه على الأعمال الصالحة ؛ فإنه غير مذموم ، وقد يتعين طلبه ويجب عليه تحصيله . وقوله : ((رضي))؛ أي: عن الله بما ناله من حطامها: ((وإن لم يعط لم يرض)) ؛ أي : عنه تعالى ، ولا عن نفسه ، فصار ساخطاً؛ فهذا الذي تعس ؛ لأنه أدار رضاه على مولاه وسخطه على نيل الدنيا وعدمه ، والحديث نظير قوله تعالى : ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه﴾ [الحج: ١١]. ١٣٨٥ - وعن ابن عُمَر رضي الله عنهُمَا قال: أَخذَ رسولُ الله عَزُ﴿ بمنكبيّ فقال: ((كُنْ في الدنيا كأَنّك غريبٌ ، أو عابر سبيل)) ، وكان ابن عمر رضيَ اللهُ عنهما يقولُ : إذا أمْسيتَ فلا تنتظر الصَّباح ، وإذا أصْبحتَ فلا تنتظر المساءَ، وخُذْ منْ صحتك لسَقمك ومِنْ حياتك لموتك. أخرجه البُخاريُّ. ٥١٠ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٥ - حديث ابن عمر (وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: أخذ رسول الله ◌َ ه بمنكبيَّ): يروى بالإفراد والتثنية ، وهو - بكسر الكاف - مجمع الكتف والعضد (فقال : ((كُنْ في الدُّنْيا كأَنّك غريبٌ، أو عابرُ سبيل»، وكان ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لسقمك ومن حياتك لموتك . أخرجه البخاري) . الغریب من لا مسکن له یاویه ، ولا سکن یأنس به ، ولا بلد یستوطن فیه ، كما قيل في المسيح: سعد المسيح؛ يسيح؛ لا ولد يموت ، ولا بناء يخرب . وعطف «عابر سبيل)»، من باب عطف الترقي، و ((أو)) ليست للشك؛ بل للتخيير ، أو الإباحة ، والأمر للإرشاد . والمعنى : قدِّر نفسك وأنزلها منزلة من هو غريب ، أو عابر سبيل ؛ لأن الغريب قد يستوطن ؛ ويحتمل أن ((أو)) للإضراب ، والمعنى : بل كن في الدنيا كأنك عابر سبيل لأن الغريب قد يستوطن بلداً بخلاف عابر السبيل ؛ فهمه قطع المسافة إلى مقصده ، والمقصد هنا إلى الله ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢]. قال ابن بطال : لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس ؛ بل هو مستوحش منهم لا يكاد يمر بمن يعرفه فيأنس به ؛ فهو ذليل في نفسه خائف ؛ وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته وتخفيفه من الأثقال ، غير متشبث بما يمنعه عن قطع سفره ، معه زاده وراحلته يبلغانه إلى ما يعنيه من مقصده ، وفي هذا إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا وأخذ البلغة منها والكفاف ، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره ، فكذلك المؤمن لا يحتاج في الدنيا إلى ٥١١ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٦ - حديث ابن عمر أكثر مما يبلغه المحل ، وقوله : وكان ابن عمر إلخ، قال بعض العلماء : كلام ابن عمر متفرع من الحديث المرفوع ، وهو متضمن لنهاية تقصير الأجل لأنّ العاقل إذا أمسى ينبغي له أن لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح ينبغي له أن لا ينتظر المساء ؛ بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك ، وفي كلامه الإخبار بأنه لا بد للإنسان من الصحة والمرض ؛ فيغنم أيام صحته وينفق ساعاته فيما يعود عليه نفعه ؛ فإنه لا يدري متى ينزل به مرض يحول بينه وبين فعل الطاعة ، ولأنه إذا مرض كتب له ما كان يعمل صحيحاً ؛ فقد أخذ من صحته لمرضه حظه من الطاعات . وقوله : ((من حياتك لموتك))؛ أي : خذ من أيام الحياة والصحة والنشاط لموتك بتقديم ما ينفعك بعد الموت ، وهو نظير حديث: ((بادروا بالأعمال سبعاً؛ ما تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال فإنه شر منتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر)). أخرجه الترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة . ١٣٨٦ - وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله عَّهِ: ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)). أَخْرَجَهُ أبو داود ، وصحَّحه ابنُ حبَّان . : ((من تشبه (وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله بقوم فهو منهم)) . أخرجه أبو داود ، وصححه ابن حبان) : الحديث فيه ضعف ، وله شواهد عند جماعة من أئمة الحديث عن جماعة من الصحابة تخرجه عن الضعف ، ومن شواهده ما أخرجه أبو يعلى مرفوعاً من حديث ابن مسعود: ((من رضي عمل قوم كان منهم))، والحديث دال على أن من تشبه ٥١٢ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٧ - حديث ابن عباس بالفساق كان منهم ، أو بالكفار، أو بالمبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس ، أو مركوب ، أو هيئة ؛ قالوا : فإذا تشبه بالكفار في زي واعتقد أن يكون بذلك مثله كفر ؛ فإن لم يعتقد ، ففيه خلاف بين الفقهاء ؛ منهم من قال : يكفر وهو ظاهر الحديث ومنهم من قال : لا يكفر ولكن يؤدب . ١٣٨٧ - وعن ابن عباس رضيَ اللهُ عنهما قال: كُنْتُ خَلفَ النَّبي يوماً، فقال: ((يا غُلام! احْفَظِ اللّه يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللّه تَجدْهُ تُجَاهَك ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بالله)). رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح . (وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا قال: كنت خلف النبي ◌َ﴿ُ يوماً فقال: ((يا غلام! احفظ الله يحفظك): جواب الأمر (احفظ الله تجده) : مثله. (تجاهك): في ((القاموس)): وجاهك وتجاهك مثلثين؛ تلقاء وجهك (وإذا سألت) : حاجة من حوائج الدارين (فاسأل الله) : فإن بيده أمورهما (وإذا استعنت فاستعن بالله)). رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح): وتمامه: ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ؛ جفت الأقلام وطويت الصحف))، وأخرجه أحمد عن ابن عباس - بإسناد حسن - بلفظ: كنت رديف النبي ﴿﴿ فقال: ((يا غلام ، أو يا غليم! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟)) فقلت: بلى، قال: ((احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في ٥١٣ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٧ - حديث ابن عباس الشدة ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ؛ قد جف القلم بما هو كائن ، فلو أن الخلق جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله تعالى ، لم يقدروا عليه ، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك ، لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً ، وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً))، وله ألفاظ أخر ، وهو حديث جلیل أفرده بعض علماء الحنابلة بتصنيف مفرد ؛ فإنه اشتمل على وصايا جليلة . والمراد من قوله: ((احفظ الله))؛ أي : حدوده وعهوده وأوامره ونواهيه ، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال ، وعند نواهيه بالاجتناب ، وعند حدوده أن لا يتجاوزها ، ولا يتعدى ما أمر به إلى ما نهى عنه ، فيدخل في ذلك فعل الواجبات كلها وترك المنهيات كلها . وقال تعالى : ﴿والحافظون لحدود الله﴾ [التوبة: ١١٢]، وقال: ﴿هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ﴾ [ق: ٣٢]؛ فسر العلماء الحفيظ بالحافظ لأوامر الله، وفُسِّر بحفظ الله يدخل فيه كل ما ذكر، بالحافظ لذنوبه ، حتّى يرجع منها ؛ فأمره وتفاصيلها واسعة . وقوله: ((تجده أمامك))، وفي اللفظ الآخر: ((يحفظك)) - والمعنى متقارب -؛ أي : تجده أمامك بالحفظ لك من شرور الدارين ، جزاء وفاقاً من باب: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهد كم﴾ [البقرة: ٤٠]؛ يحفظه في دنياه عن غشيان الذنوب وعن كل أمر مرهوب ويحفظ ذريته من بعده ، كما قال تعالى : ﴿وكان أبوهما صالحاً﴾ [الكهف: ٨٢] . ٥١٤ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٧ - حديث ابن عباس وقوله : ((فاسأل الله))، أمر بإفراد الله عزَّ وَجَلَّ بالسؤال وإنزال الحاجات به وحده، وأخرج الترمذي مرفوعاً: ((سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل)»، وفيه من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من لا يسأل الله يغضب عليه))، وفيه : ((إن الله يحب الملحين في الدعاء))، وفي حديث آخر: ((يسأل أحدكم ربه حاجته كلها ، حتّى يسأله شسع نعله إذا انقطع)) . وقد بايع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جماعة من الصحابة على أن لا يسألوا الناس شيئاً؛ منهم : الصدّيق وأبو ذرّ وثوبان ، وكان أحدهم يسقط سوطه ، أو يسقط خطام ناقته ، فلا يسأل أحداً أن يناوله ، وإفراد الله بطلب الحاجات دون خلقه يدل له العقل والسمع ؛ فإن السؤال بذل لماء الوجه وذل لا يصلح إلا لله تعالى؛ لأنه القادر على كل شيء ، الغني مطلقاً؛ والعباد بخلاف هذا . وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي ذر رضي الله عنه عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديث قدسي فيه : ((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد*، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك مما عندي ، إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر)) ، وزاد في الترمذي وغيره : «وذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد ، عطائي كلام وعذابي كلام، إذا أردت شيئاً فإنَّما أقول له: كن فيكون)». وقوله : ((إذا استعنت فاستعن بالله))، مأخوذ من قوله: ﴿وإيّاك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]؛ أي: نفردك بالاستعانة، أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ٥١٥ . ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٧ - حديث ابن عباس أن يستعين بالله وحده في كل أموره ؛ أي : إفراده بالاستعانة على ما يريده ، وفي إفراده تعالى بالاستعانة فائدتان : فالأولى : أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في الطاعات . والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه ، إلا الله عزَّ وَجَلَّ؛ فمن أعانه الله فهو المعان ، ومن خذله فهو المخذول . وفي الحديث الصحيح : ((احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ، ولا تعجز)) ، وعلّم صلى الله عليه وآله وسلم العباد أن يقولوا في خطبة الحاجة : ((الحمد لله نستعينه))، وعلّم معاذاً أن يقول دبر الصلاة: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك))، فالعبد أحوج شيء إلى مولاه في طلب إعانته على فعل المأمورات وترك المحظورات ، والصبر على المقدورات ، قال يعقوب ﴿ في الصبر على المقدور: ﴿والله المستعان على ما تصفون﴾ [يوسف: ١٨]. وما ذكر من هذه الوصايا النبوية لا ينافي القيام بالأسباب ؛ فإنها من جملة سؤال الله والاستعانة به ؛ فإن من طلب رزقه بسبب من أسباب المعاش المأذون فيها رُزق من جهته ؛ فهو منه تعالى ، وإن حرم فهو لمصلحة لا يعلمها ، ولو كشف الغطاء لعلم أن الحرمان خير من العطاء ، والكسب الممدوح المأجور فاعله عليه هو ما كان لطلب الكفاية له ولمن يعوله ، أو الزائد على ذلك إذا كان يعدّه لقرض محتاج، أو صلة رحم ، أو إعانة طالب علم ، أو نحوه من وجوه الخير لا لغير ذلك ؛ فإنه یکون من الاشتغال بالدنيا وفتح باب محبتها الذي هو رأس كل خطيئة ، وقد ورد في الحديث: ((کسب الحلال فريضة)). أخرجه الطبراني ٥١٦ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٨ - حديث سهل بن سعد والبيهقي والقضاعي عن ابن مسعود مرفوعاً ، وفيه عباد بن كثير ضعيف ، وله شاهد من حديث أنس عند الديلمي: ((طلب الحلال واجب))، ومن حديث ابن عباس مرفوعاً: ((طلب الحلال جهاد)). رواه القضاعي ومثله في ((الحلية)) عن ابن عمر . قال العلماء : الكسب الحلال مندوب ، أو واجب إلا للعالم المشتغل بالتدريس ، والحاكم المستغرقة أوقاته في إقامة الشريعة ، ومن كان من أهل الولايات العامة كالإمام؛ فترك الكسب بهم أولى لما فيه من الاشتغال عن القيام بما هم فيه ، ويرزقون من الأموال المعدّة للمصالح . ١٣٨٨ - وعن سهْل بن سَعْدٍ قالَ: جاءَ رجُلٌ إلى النّبيِ﴿﴿ فقال: يا رسولَ اللهِ! دلّني على عملٍ إذا عَمِلْتُهُ أحبّني اللهُ وأَحبّني النّاس؟ فقال: ((ازهد في الدنيا يحبّكَ الله، وازهدْ فيما عنْد النّاس يحبّكَ النّاسُ)). رواهُ ابنُ ماجه وغيرُهُ ، وسنَدُهُ حسنٌ . فقال: يا رسولَ الله! (وعن سهْل بن سَعْد قالَ: جاءَ رجُلٌ إلى النّبي دلّني على عملٍ إِذا عمَلْتُهُ أحبّني اللهُ وأَحبّني النّاس؟ فقال: ((ازهد في الدنيا يحبّكَ الله، وازْهِدْ فيما عنْد النّاس يحبّكَ النّاسُ)). رواهُ ابنُ ماجه وغيرُهُ، وسنَدُهُ حسنٌ) : فيه خالد بن عمرو القرشي مجمع على تركه ، ونسب إلى الوضع ؛ فلا يصح قول الحاكم : إنه صحيح ، وقد أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) من حديث مجاهد عن أنس برجال ثقات، إلا أنه لم يثبت سماع مجاهد من أنس ، وقد روي مرسلاً ، وقد حسن النووي الحديث ؛ كأنه لشواهده . ٥١٧ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٨٩ - حديث سعد بن أبي وقاص والحديث دليل على شرف الزهد وفضله ، وأنه يكون سبباً لمحبة الله لعبده ولمحبة الناس له ؛ لأن من زهد فيما هو عند العباد أحبوه ؛ لأنه جبلت الطبائع على استثقال من أنزل بالمخلوقين حاجاته ، وطمع فيما في أيديهم . وفيه أنه لا بأس بطلب محبة العباد ، والسعي فيما يكسب ذلك ؛ بل هو مندوب إليه ، أو واجب ؛ كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده، لا تؤمنوا، حتّى تحابوا))، وأرشد صلى الله عليه وآله وسلم إلى إفشاء السلام ؛ فإنه من جوالب المحبة ، وإلى التهادي ونحو ذلك . ١٣٨٩ - وعن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله يقولُ: ((إن الله يحبُّ العبدَ التّقيَّ الغنيَّ الخفيِّ». أخرجهُ مُسلمٌ . (وعن سعْد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال : سمعتُ رسولَ الله يقولُ: ((إن الله يحبُّ العبدَ التّقيَّ الغنيِّ الخفيِّ)). أخرجهُ مُسلمٌ): فسر العلماء محبة الله لعبده بأنها إرادته الخير له وهدايته ورحمته ، ونقيض ذلك بغض الله له، و((التقي)): هو الآتي بما يجب عليه المجتنب لما يحرم عليه، و((الغني)): هو غني النفس؛ فإنه الغنى المحبوب، قال ◌َّ لهُ: ((ليس الغنى بكثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس))، وأشار عياض إلى أن المراد به غنى المال ، وهو محتمل . و(الخفي)): بالخاء المعجمة والفاء؛ أيْ: الخامل المنقطع إلى عبادة الله والاشتغال بأمور نفسه ، وضبطه بعض رواة مسلم بالحاء المهملة ؛ ذكره القاضي . عیاض ، والمراد به الوصول للرحم اللطيف بهم وبغیرهم من الضعفاء ، وفيه دلیل على تفضيل الاعتزال وترك الاختلاط بالناس . ٥١٨ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٩٠ - حديث أبي هريرة ١٣٩٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَنٍ: ((من ، حُسْن إسلام المرءِ ترْكُهُ ما لا يَعْنيه)). رواهُ الترمذيُّ، وقال : حسنٌ . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله مح له: ((من حُسْن إسلام المرْءِ تركه ما لا يعنيه))) : أي : يهمه ؛ من عناه يعنوه ويعنيه ؛ أهمه (رواه الترمذي ، وقال : حسن) . هذا الحديث من جوامع الكلم النبوية ؛ يعم الأقوال ، كما روي أن في صحف إبراهيم عليهِ السَّلام : من عدّ كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه ؛ ويعم الأفعال ، فيندرج فيه ترك التوسع في الدنيا وطلب المناصب والرياسة وحب المحمدة والثناء ، وغير ذلك مما لا يحتاج إليه المرء في إصلاح دينه وكفايته من دنياه . وأما اشتغال العلماء بالمسائل الفرضية فقيل : إنه ليس من الاشتغال بما لا يعني؛ بل هو مما يؤجرون فيه ؛ لأنهم لما عرفوا من الأحاديث النبوية أنه في آخر الزمان يقل العلم ويفشو الجهل ، اجتهدوا في ذلك لما يأتي من الزمان ، ومن يأتي من العباد المحتاجين إلى معرفة الأحكام مع عجزهم عن البحث ، فإنهم أتعبوا القرائح وخرّجوا التخاريج وقدروا التقادير؛ والأعمال بالنيات . قلت : لا يخفى أن تخريج التخاريج وتقدير التقادير ليس من العلم المحمود ؛ لأن غايتها أقوال خرجت من أقوال المجتهدين ، وليست أقوالاً لهم ، ولا أقوالاً لمن يخرّجها ، ولا احتياج إليها ، والعمل بها مشكل ؛ إذْ ليست لقائل؛ إذ القائل بها ليس بمجتهد ضرورة ؛ فلا يقلد لأنه إنما يقلد مجتهد عدل ، والفرض أن المخرجين ٥١٩ ١٨ - كتاب الجامع ٣ - باب الزهد والورع ١٣٩١ - حديث المقدام بن معدیکرب ليسوا مجتهدين ، وأمّا تقدير التقادير فإنه قسم من التخاريج؛ إذْ غالب ما يقدر أنه يجاب عنه بأقوال المخرجين ، وفي كلام عليّ عليهِ السَّلام : العلم نقطة كثرها الجهال؛ بل هذه الموضوعات في التخاريج كانت مضرة للناظر في الكتاب والسنّة ؛ إذْ شغلت الناظرين عن النظر فيهما ونيل بركتهما ، فقطعوا الأعمار في تقرير تلك التخاريج ، وقد أشبع الكلام على ذلك وعلى ذم الاشتغال به طوائف من علماء التحقيق ، وإن كان الاشتغال بها قد عم كل فريق . ١٣٩١ - وعن المقدام بن مَعْدِيكربَ قالَ: قال رسول الله عَ ◌ّهُ: ((ما ملأ ابن آدمَ وعاءً شراً منْ بَطْنه)). أَخرجَهُ الترمذيُّ . (وعن المقدام بن مَعْدِيكربَ قالَ: قال رسول الله ◌َ ◌ّةٍ: «ما ملأ ابن آدمَ وعاءً شراً منْ بَطْنه)). أخرجَهُ الترمذيُ): وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) ، وتمامه : ((فحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ؛ فإن كان فاعلاً لا محالة)»، وفي لفظ ابن ماجه: «فإن غلبت ابن آدم نفسه، فثلثاً لطعامه ، وثلثاً لشرابه ، وثلثاً لنفسه)). والحديث دليل على ذم التوسع في المأكول والشبع والامتلاء ، والإخبار عنه بأنه شر لما فيه من المفاسد الدينية والبدنية ؛ فإن فضول الطعام مجلبة للسقام ومثبطة عن القيام بالأحكام ، وهذا الإرشاد إلى جعل الأكل ثلث ما يدخل المعدة ، من أفضل ما أرشد إليه سيد الأنام صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فإنه يخف على المعدة ويستمد من البدن الغذاء وتنتفع به القوى ، ولا يتولد عنه شيء من الأدواء . ٨٥٠٠ ٥٢٠