النص المفهرس

صفحات 481-500

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٠ - حديث جبير بن مطعم
المفرد)) من حديث أبي هريرة يرفعه: ((إن أعمال أمتي تعرض عشية الخميس
ليلة الجمعة؛ فلا يقبل عمل قاطع رحم)) ، وأخرج فيه من حديث ابن أبي
أوفى: ((إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم))، وأخرج الطبراني من
حديث ابن مسعود: ((إن أبواب السماء مغلقة دون قاطع الرحم)).
واعلم أنه اختلف العلماء في حدّ الرحم التي تجب صلتها ، فقيل : هي التي
يحرم النكاح بينهما بحيث لو كان أحدهما ذكراً حرم على الآخر ؛ فعلى هذا لا
يدخل أولاد الأعمام ، ولا أولاد الأخوال ، واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين
المرأة وعمتها وخالتها في النكاح؛ لما يؤدي إليه من التقاطع .
وقيل : هو من كان متصلاً بميراث ، ويدل عليه قوله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم: ((ثم أدناك أدناك»، وقيل: من كان بينه وبين الآخر قرابة ؛
سواء کان یرثه أوْ لا .
ثم صلة الرحم - كما قال القاضي عياض -: درجات بعضها أرفع من
بعض ، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ، ولو بالسلام ، ويختلف ذلك
باختلاف القدرة والحاجة ، فمنها واجب ، ومنها مستحب ، فلو وصل بعض
الصلة ، ولم يصل غايتها لم يسم قاطعاً ، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له ، لم
یسم واصلاً .
وقال القرطبي : الرحم التي توصل عامة وخاصة :
فالعامة : رحم الدين ، وتجب صلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف
والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة .
٤٨١

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٠ ۔ حدیث جبير بن مطعم
والرحم الخاصة : تزيد بالنفقة على القريب ، وتَفَقَّد حاله ، والتغافل عن زلته .
وقال ابن أبي جمرة : المعنى الجامع : إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما
أمكن من الشر بحسب الطاقة ، وهذا في حق المؤمنين ، وأمّا الكفار والفساق ،
فتجب المقاطعة لهم ، إذا لم تنفع الموعظة .
واختلف العلماء أيضاً بأي شيء تحصل القطيعة للرحم ، فقال الزين
العراقي: تكون بالإساءة إلى الرحم ، وقال غيره : تكون بترك الإحسان ؛ لأن
الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة ؛ فلا واسطة بينهما ، والصلة نوع من
الإحسان ، كما فسرها بذلك غير واحد ، والقطيعة ضدها ؛ وهي ترك الإحسان .
وأما ما أخرجه الترمذي من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((ليس
الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها))؛ فإنه ظاهر
في أن الصلة إنما هي ما كان للقاطع صلة رحمه ، وهذا على رواية ((قُطعتْ)) بالبناء
للفاعل وهي رواية، فقال ابن العربي في ((شرحه)): المراد الكاملة في الصلة .
وقال الطيبي : معناه ليس حقيقة الواصل ومن يعتد بصلته من يكافئ
صاحبه بمثل فعله ، ولكنه من يتفضل على صاحبه .
وقال المصنف : لا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع ، فهم ثلاث درجات :
واصل ومكافئ وقاطع ، فالواصل : هو الذي يتفضل ، ولا يتفضل عليه ،
والمكافئ: هو الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذه، والقاطع : الذي لا
يتفضل عليه ، ولا يتفضل؛ قال الشارح: وبالأولى من يتفضل عليه ، ولا
يتفضل أنه قاطع ، قال المصنف : وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين ، كذلك
٤٨٢

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧١ - حديث المغيرة بن شعبة
تقع بالمقاطعة من الجانبين ، فمن بدأ ، فهو القاطع ؛ فإن جوزي ، سمي من
جازاه : مكافئاً .
١٣٧١ - وعن المغيرة بنِ شُعْبةَ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله عَ﴿ قَالَ:
((إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكم عُقُوق الأمهات ، ووَأْدَ البنات ، وَمَنْعاً وَهَات ، وكرهَ لكُمْ
قيلَ وقالَ ، وكثرةَ السُّؤال ، وإضاعةَ المال)). مُتّفقٌ عَليه .
(وعن المغيرة بنِ شُعْبةَ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله ◌َ هِ قالَ: ((إنَّ اللهَ
حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوق الأمهات ، ووَأدَ البنات ، وَمَنْعاً وَهَات ، وكرهَ لَكُمْ قِيلَ
وقالَ، وكثرةَ السُّؤال، وإضاعةَ المالِ)). مُتّفقٌ عَليه) : الأمهات : جمع أمهة ؛
لغة في الأم ، ولا تطلق ، إلا على من يعقل بخلاف أم؛ فإنها تعم ، وإنما خصت
الأم هنا ؛ إظهاراً لعظم حقها ، وإلا فالأب محرم عقوقه .
وضابط العقوق المحرّم ، كما نقل خلاصته عن البلقيني ، وهو أن يحصل من
الولد للأبوين ، أو أحدهما إيذاء ليس بالهين عرفاً ، فيخرج من هذا ما إذا حصل
من الأبوين أمر ، أو نهي ، فخالفهما بما لا يعدّ في العرف مخالفته عقوقاً ؛ فلا
يكون ذلك عقوقاً ، وكذلك لو كان مثلاً على الأبوين دين للولد ، أو حق شرعي
فرافعه إلى الحاكم ؛ فلا يكون ذلك عقوقاً ، كما وقع من بعض أولاد الصحابة
شكاية الأب إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في احتياجه لماله ،
فلم يعدّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شكايته عقوقاً . قلت : في
هذا تأمل ؛ فإن قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((أنت ومالك
لأبيك)) ، دليل على نهيه عن منع أبيه عن ماله وعن شكايته .
٤٨٣

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧١ - حديث المغيرة بن شعبة
ثم قال صاحب الضابط : فعلى هذا ؛ العقوق : أن يؤذي الولد أحد أبويه بما
لو فعله مع غير أبويه ، كان محرماً ، من جملة الصغائر؛ فيكون في حق الأبوين
كبيرة ، أو مخالفة الأمر أو النهي ، فيما يدخل فيه الخوف على الولد من فوات
نفسه ، أو عضو من أعضائه في غير الجهاد الواجب عليه ، أو مخالفتهما في سفر
يشق عليهما ، وليس بفرض على الولد ، أو في غيبة طويلة فيما ليس لطلب علم
نافع، أو كسب ، أو ترك تعظيم الوالدين ؛ فإنه لو قدم عليه أحدهما ، ولم يقم
إليه ، أو قطب في وجهه ، فإن هذا ، وإن لم يكن في حق الغير معصية ، فهو
عقوق في حق الأبوين .
قوله : ((ووأد البنات)) بسكون الهمزة ، وهو دفن البنت حية ، وهو محرم،
وخص البنات ؛ لأنه الواقع من العرب ؛ فإنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية ؛
كراهة لهن ، يقال : أوّل من فعله قيس بن عاصم التيمي ، وكان من العرب من
يقتل أولاده مطلقاً خشية الفاقة والنفقة .
وقوله : ((منعاً وهات))، المنع : مصدر من منع يمنع ، والمراد منع ما أمر الله أن
لا يمنع ، وهات: فعل أمر مجزوم، والمراد النهي عن طلب ما لا يستحق طلبه .
وقوله : ((وكره لكم قيل وقال)) ، يروى بغير تنوين حكاية للفظ الفعل ، وروي
منوناً؛ وهي رواية في البخاري: ((قيلاً وقالاً))، على النقل من الفعلية إلى
الاسمية ، والأول أكثر، والمراد به نقل الكلام الذي يسمعه إلى غيره ، فيقول :
قيل : كذا وكذا بغير تعيين القائل ، وقال فلان: كذا وكذا ، وإنما نهي عنه ؛ لأنه
من الاشتغال بما لا يعني المتكلم ، ولكونه قد يتضمن الغيبة والنميمة والكذب ،
٤٨٤

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧١ - حديث المغيرة بن شعبة
ولا سيما مع الإكثار من ذلك قلما يخلو عنه .
وقال المحب الطبري : فيه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنهما مصدران للقول ؛ تقول :
قلت قولاً وقيلاً . وفي الحديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام .
ثانيها : إرادة حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ؛ لتخبر عنها ، فتقول : قال
فلان : کذا ، وقيل له : کذا ، والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه ، وإما لما
یکرهه المحکي عنه .
ثالثها : أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين ، كقوله : قال فلان :
كذا وقال فلان : كذا . ومحل كراهة ذلك في أن يكثر منه بحيث لا يأمن من
الزلل ، وهو في حق من ينقل بغير تثبت في نقله لما يسمعه ، ولا يحتاط له ،
ويؤيد هذا الحديث الصحيح: ((كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع)).
أخرجه مسلم . قلت : ويحتمل إرادة كل من الثلاثة .
وقوله : ((وكثرة السؤال))، هو السؤال للمال ، أو عن المشكلات من المسائل،
أو مجموع الأمرين ، وهو أولى؛ وتقدّم في الزكاة تحريم مسألة المال ، وقد نهي عن
الأغلوطات . أخرجه أبو داود ، وهي : المسائل التي يغلط بها العلماء ؛ ليزلوا؛
فينتج بذلك شر وفتنة ، وإنما نهي عنها ؛ لكونها غير نافعة في الدين ، ولا یکاد
أن يكون إلا فيما لا ينفع .
وقد ثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها
عادة ، أو يندر وقوعها جداً؛ لما في ذلك من التنطع والقول بالظن الذي لا يخلو
صاحبه عن الخطأ ، وقيل : كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان ، وكثرة
٤٨٥

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧١ - حديث المغيرة بن شعبة
سؤال إنسان معين عن تفاصيل حاله ، وكان مما يكرهه المسؤول .
وقوله : ((وإضاعة المال))، المتبادر من الإضاعة ، ما لم يكن لغرض ديني ،
ولا دنيوي ، وقيل: هو الإسراف في الإنفاق ، وقيَّده بعضهم بالإنفاق في الحرام،
ورجح المصنف أنه ما أنفق في غير وجوهه المأذون فيها شرعاً ، سواء كانت دينية
أو دنيوية ؛ لأن الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح العباد ، وفي التبذير تفويت
تلك المصالح ؛ إما في حق صاحب المال ، أو في حق غيره .
قال : والحاصل أن في كثرة الإنفاق ثلاثة وجوه :
الأول : الإنفاق في الوجوه المذمومة شرعاً ، ولا شك في تحريمه .
الثاني : الإنفاق في الوجوه المحمودة شرعاً ، ولا شك في كونه مطلوباً، ما لم
يفوت حقاً آخر أهم من ذلك المنفق فيه .
والثالث : الإنفاق في المباحات ، وهو منقسم إلى قسمين ؛ أحدهما : أن
يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله ؛ فهذا ليس بإضاعة ، ولا إسراف ،
والثاني : أن يكون فيما لا يليق به عرفاً؛ فإن كان لدفع مفسدة - إما حاضرة ، أو
متوقعة - ، فذلك ليس بإسراف ، وإن لم يكن كذلك ، فالجمهور على أنه إسراف .
قال ابن دقيق العيد : ظاهر القرآن أنه إسراف ، وصرح بذلك القاضي حسين ،
فقال في قسم الصدقات : هو حرام ، وتبعه الغزالي ، وجزم به الرافعي في الكلام
على الغارم ، وقال الباجي من المالكية : إنه يحرم استيعاب جميع المال بالصدقة ،
قال : ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا ، ولا بأس به إذا وقع نادراً لحادث ؛
كضيف ، أو عيد ، أو وليمة .
٤٨٦

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٢ - حديث عبد الله بن عمرو
والاتفاق على كراهة الإنفاق في البناء الزائد على قدر الحاجة ، ولا سيما إن
انضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة ، وكذلك احتمال الغبن الفاحش في
المبايعات بلا سبب .
وقال السبكي في ((الحلبيات)): وأمّا إنفاق المال في الملاذّ المباحة ، فهو موضع
اختلاف، وظاهر قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يَقتُرُوا وكان
بين ذلك قواماً﴾ [الفرقان: ٦٧] ، أن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف ،
ومن بذل مالاً كثيراً في عرض يسير ، فإنه يعده العقلاء مضيعاً ، انتهى ، وقد
تقدم الكلام في الزكاة على التصدق بجميع المال بما فيه كفاية .
١٣٧٢ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضيَ الله عنهُمَا عن النَّبي
قال: ((رضا الله في رضا الوالدين، وسخطُ الله في سخطِ الوالدين)).
أخرجه الترمذي ، وصحَّحه ابنُ حبان والحاكم .
ثم قال :
(وعن عبد الله بن عَمْرو بنِ العاص رضيَ الله عنهُمَا عن النبي
(رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين)). أخرجه
الترمذي ، وصححه ابن حبان والحاكم) .
الحديث دليل على وجوب إرضاء الولد لوالديه وتحريم إسخاطهما ؛ فإن الأول
فيه مرضاة الله ، والثاني فيه سخطه ، فيقدم رضاهما على فعل ما يجب عليه
من فروض الكفاية ، كما في حديث ابن عمر: أنه جاء رجل يستأذنه في 18 في
الجهاد ، فقال: ((أحي والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد))، وأخرج أبو
من اليمن فقال :
داود من حديث أبي سعيد : أن رجلاً هاجر إلى رسول الله
٤٨٧

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٢ - حديث عبدالله بن عمرو
يا رسول الله! إني قد هاجرت ، قال: «هل لك أهل باليمن؟)) فقال : أبواي،
قال: ((أذنا لك؟)) قال: لا، قال: ((فارجع فاستأذنهما؛ فإن أذنا لك ، فجاهد ،
وإلا فبرهما))، وفي إسناده مختلف فيه ، وكذلك غير الجهاد من الواجبات .
وإليه ذهب جماعة من العلماء كالأمير حسين - ذكره في ((الشفاء)) -،
والشافعي ؛ فقالوا : يتعين ترك الجهاد ، إذا لم يرض الأبوان ، إلا فرض العين ،
كالصلاة فإنها تقدم ، وإن لم يرض بها الأبوان بالإجماع ، وذهب الأكثر إلى أنه
يجوز فعل فرض الكفاية والمندوب ، وإن لم يرض الأبوان ، ما لم يتضررا بسبب
فقد الولد ، وحملوا الأحاديث على المبالغة في حق الوالدين ، وأنه يتبع رضاهما ،
ما لم يكن في ذلك سخط الله ، كما قال تعالى ﴿وإن جاهداك على أن تشرك
بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ [لقمان: ١٥].
قلت : الآية إنما هي فيما ، إذا حملاه على الشرك ، ومثله غيره من الكبائر ،
وفيه دلالة على أنه لا يطيعهما في ترك فرض الكفاية والعين ، لكن الإجماع
خصص فرض العين .
وأما إذا تعارض حق الأب وحق الأم ، فحق الأم مقدم ؛ لحديث البخاري : قال
رجل: يا رسول الله! من أحق بحسن صحبتي؟ قال: ((أمك)) - ثلاث مرات -،
ثم قال: ((أبوك))؛ فإنه دل على تقديم رضا الأم على رضا الأب؛ قال ابن بطال :
مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب ، قال : وكأنّ ذلك ؛ لصعوبة الحمل ،
ثم الوضع ، ثم الرضاع ، قلت : وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان
بوالديه إحساناً حملته أمه كُرهاً ووضعته كرهاً﴾ [الأحقاف: ١٥]، ومثلها:
٤٨٨

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٣ - حديث أنس
﴿حملته أمه وهناً على وهن﴾ [لقمان: ١٤].
قال القاضي عياض : ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل على الأب في البر،
ونقل الحارث المحاسبي الإجماع على هذا، واختلفوا في الأخ والجد من أحق
ببره منهما؟ فقال القاضي : الأكثر الجد ، وجزم به الشافعية ، ويقدم من أدلى
بسببين على من أدلى بسبب ، ثم القرابة من ذوي الرحم ، ويقدم منهم المحارم
على من ليس بمحرم ، ثم العصبات ، ثم المصاهرة ، ثم الولاء ، ثم الجار، وأشار
ابن بطال إلى أن الترتيب حيث لا يمكن البر دفعة واحدة .
وورد في تقديم الزوج ما أخرجه أحمد والنسائي ، وصححه الحاكم من
حديث عائشة : سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أي الناس أعظم حقاً
على المرأة؟ قال: ((زوجها))، قلت: فعلى الرجل؟ قال: ((أمه))، ولعل مثل هذا
مخصوص بما إذا حصل التضرر للوالدين ، فإنه يقدم حقهما على حق الزوج
جمعاً بين الأحاديث .
قال : ((والذي نفسي بيده ،
١٣٧٣ - وعن أَنسِ رضي الله عنه عنِ النّبي
لا يؤمنُ عَبْدٌ ، حتّى يحبُّ لجارهِ ، أو لأخيه ما يحبُّ لنفسه)). مُتّفقٌ عَلَيه .
وَ و قال : ((والذي نفسي بيده ، لا
(وعن أنس رضي الله عنه عنِ النّبي
يؤمنُ عَبْدٌ ، حتّى يحبَّ لجارهِ، أو لأخيه ما يحبُ لِنفسِهِ)). مُتّفقٌ عَلَيهِ) :
الحديث وقع في لفظ مسلم بالشك في قوله : ((لأخيه ، أو لجاره))، ووقع في
البخاري : (لأخيه)) ؛ بغير شك .
٤٨٩

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٣ - حديث أنس
الحديث دليل على عظم حق الجار والأخ ، وفيه نفي الإيمان عمن لا يحب
لهما ما يحب لنفسه ، وتأوله العلماء بأن المراد منه نفي كمال الإيمان ؛ إذْ قد علم
من قواعد الشريعة أن من لم يتصف بذلك لا يخرج عن الإيمان .
وأطلق المحبوب ، ولم يعيِّن ، وقد عينه ما في رواية النسائي في هذا الحديث
بلفظ: ((حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه))، قال العلماء : والمراد من
الطاعات والأمور المباحة .
قال ابن الصلاح: وهذا قد يعد من الصعب الممتنع ، وليس كذلك ؛ إذْ
معناه : لا يكمل إيمان أحدكم ، حتّى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه
من الخير ، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له مثل حصول ذلك من جهة لا
يزاحمه فيها ، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئاً من النعمة عليه ، وذلك
سهل على القلب السليم ، وإنما يعسر على القلب الدغل ، عافانا الله وإخواننا
أجمعین . اهـ .
هذا على رواية الأخ ، ورواية الجار عامة للمسلم والكافر والفاسق ، والصديق
والعدو ، والقريب والأجنبي ، والأقرب جواراً والأ بعد ، فمن اجتمعت فيه الصفات
الموجبة لمحبة الخير له ، فهو في أعلى المراتب ، ومن كان فيه أكثرها ، فهو لاحق
به ، وهلم جراً إلى الخصلة الواحدة ، فيعطي كل ذي حق حقه بحسب حاله .
وقد أخرج الطبراني من حديث جابر: ((الجيران ثلاثة : جار له حق ، وهو
المشرك له حق الجوار؛ وجار له حقان ، وهو المسلم له حق الجوار ، وحق
الإسلام؛ وجار له ثلاثة حقوق ؛ جار مسلم له رحم له حق الإسلام والرحم
٤٩٠

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٣ - حديث أنس
والجوار))، وأخرج البخاري في ((الأدب المفرد)): أن عبد الله بن عمر ذبح شاة
فأهدی منها جاره اليهودي . فإن كان الجار أخاً ، أحب له ما يحب لنفسه ، وإن كان
كافراً ، أحب له الدخول في الإيمان ، مع ما يحب لنفسه من المنافع بشرط الإيمان .
قال الشيخ محمد بن أبي جمرة : حفظ حق الجار من كمال الإيمان ،
والإضرار به من الكبائر؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر، فلا يؤذٍ جاره))، قال: ويفترق الحال في ذلك بالنسبة إلى الجار
الصالح وغيره ، والذي يشمل الجميع إرادة الخير وموعظته بالحسنى ، والدعاء له
بالهداية وترك الإضرار له ، إلا في الموضع الذي يحل له الإضرار بالقول
والفعل ، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم، وغير الصالح كفه عن
الأذى وأمره بالحسنى ؛ على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،
والكافر يعرض الإسلام عليه والترغيب فيه برفق ، والفاسق يعظه بما يناسبه
بالرفق ، ويستر عليه زلته وينهاه بالرفق ؛ فإن نفع ، وإلا هجره قاصداً تأديبه بذلك
مع إعلامه بالسبب ؛ ليكف .
ویقدّم عند التعارض من كان أقرب إليه باباً ، كما فى حديث عائشة قلت :
يا رسول الله! إن لي جارین فإلى أيهما أهدي؟ قال: ((إلى أقربهما باباً». أخرجه
البخاري ، والحكمة فيه أن الأقرب باباً يرى ما يدخل بيت جاره من هدية
وغيرها ، فيتشوف له ؛ بخلاف الأبعد ، وتقدم أن حد الجار أربعون داراً من كل
جهة ، وجاء عن علي عليه السلام: من سمع النداء ، فهو جار، وقيل : من
صلى معك صلاة الصبح في المسجد ، فهو جار .
٤٩١

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٤ - حديث ابن مسعود
١٣٧٤ - وعن ابن مَسْعود رضي الله عنه قال: سألتُ رسول اللّه ◌َانٍ : أي
الذَّنبِ أَعْظمُ؟ قالَ: ((أَنْ تجعَّل لله نداً، وهو خَلَقَك))، قُلْتُ: ثم أَيِّ؟ قال:
(أن تقتل ولدك؛ خشية أن يأكُلَ مَعَك))، قُلْتُ: ثم أَيِّ؟ قالَ : ((أَن تُزاني
بحليلة جارك)) . متفق عليه .
(وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله عَ ليه : أي الذنب
أعظم؟ قال: ((أَن تجعل لله نداً): هو الشبه ، ويقال له : ند وندید (وهو
خَلَقَك))، قلت: ثم أي؟ قال: ((أَنْ تقتل ولدك؛ خشْيَة أَنْ يأكُل مَعَك))،
قلت: ثم أي؟ قال: ((أَنْ تُزَاني بحَليلةٍ): بفتح الحاء المهملة : الزوجة
(جارك)) . متفق عليه) .
قال تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾ [البقرة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿ولا تقتلوا
أولادكم من إملاق﴾ [الأنعام: ١٥١]، والآية الأخرى: ﴿خشية إملاق﴾
[الإسراء: ٣١]، وقوله: ((أن تزاني بحليلة جارك))؛ أي: بزوجته التي تحل له،
وعبر بتزاني ؛ لأن معناه تزني بها برضاها ، وفيه فاحشة الزنا وإفساد المرأة على
زوجها ، واستمالة قلبها إلى غيره ، وكل ذلك فاحشة عظيمة ، وكونها حليلة
الجار أعظم ؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ، ويأمن بوائقه
ويركن إليه ، وقد أمر الله تعالى برعاية حقه والإحسان إليه ؛ فإذا قابل هذا
بالزنا بامرأته ، وإفسادها عليه ، مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن منه غيره ،
كان غاية في القبح .
والحديث دليل أن أعظم المعاصي الشرك ، ثم القتل بغير حق ، وعليه نص
٤٩٢

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٥ - حدیث عبد الله بن عمرو
الشافعي ، ثم تختلف الكبائر باختلاف مفاسدها الناشئة عنها .
قال : «مِنَ
١٣٧٥ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : أنَّ رسول الله ؟
الكبائر شَتمُ الرَّجل والديهِ))، قيل: وَهَلْ يسُبُّ الرجل والديهِ؟ قال: ((نعمْ،
يسبُ أَبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسبُّ أُمّهُ فيسبُ أُمّهُ)) . مُتّفقٌ عَلَيْهِ .
: قال : ((مِنَ الكبائر
(وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : أنَّ رسول الله
شَتمُ الرَّجل والديهِ))، قيل: وَهَلْ يسُبُّ الرجل والديهِ؟ قال: ((نعمْ ، يسبُّ أَبا
الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسبُّ أُمَّهُ فيسبُ أُمّهُ)). مُتّفقٌ عَلَيهِ): قوله: ((شتم الرجل
والديه))؛ أي : يتسبب إلى شتمهما ، فهو من المجاز المرسل ؛ من استعماله
المسبب في السبب ، وقد بينه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بجوابه
عمن سأله بقوله : ((نعم)) .
وفيه تحريم التسبب إلى أذية الوالدين وشتمهما ، ويأثم الغير بسبِّه لهما ، قال
ابن بطال : هذا الحديث أصل في سدّ الذرائع ، ويؤخذ منه أنه إن آل أمره إلى
محرّم، حرم عليه الفعل ، وإن لم يقصد المحرم ، وعليه دل قوله تعالى : ﴿ولا
تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٨].
واستنبط منه الماوردي تحريم بيع الثوب الحرير إلى من يتحقق منه لبسه ،
والغلام الأمرد إلى من يتحقق منه فعل الفاحشة ، والعصير لمن يتخذه خمراً .
وفي الحديث دليل على أنه يعمل بالغالب ؛ لأن الذي يسب أبا الرجل قد
لا يجازيه بالسب ، لكن الغالب هو المجازاة .
٤٩٣

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٦ - حديث أبي أيوب
١٣٧٦ - وعن أبي أَيُّوبَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله عَ ◌ّه قال: ((لا يحل
لمسلم أَنْ يهْجُر أَخَاهُ فوقَ ثلاث ليال؛ يلتقيان فيُعرضُ هذا ويعرضُ هذا،
وخيرهُما الذي يبدأُ بالسّلام)). مُتّفقٌ عليه .
قال : ((لا يحل لمسلم
(وعن أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِ
أَنْ يَهْجُر أَخَاهُ فوقَ ثلاث ليال ؛ يلتقيان فيُعرضُ هذا ويعرضُ هذا، وخيرهُما
الذي يبدأُ بالسّلام)). مُتّفقٌ عليه) : نفي الحل دال على التحريم ، فيحرم هجران
المسلم فوق ثلاثة أيام ، ودل مفهومه على جوازه ثلاثة أيام .
وحكمة جواز ذلك هذه المدة ، أن الإنسان مجبول على الغضب وسوء الخلق
ونحو ذلك؛ فعفي له هجر أخيه ثلاثة أيام ؛ ليذهب العارض تخفيفاً على
الإنسان ، ودفعاً للإضرار به ، ففي اليوم الأول يسكن غضبه ، وفي الثاني يراجع
نفسه ، وفي الثالث يعتذر ، وما زاد على ذلك كان قطعاً لحقوق الأخوّة ، وقد فسر
معنى الهجر بقوله : ((يلتقيان ... )) إلى آخره، وهو الغالب من حال المتهاجرين
عند اللقاء .
وفيه دلالة على زوال الهجر له بردّ السلام ، وإليه ذهب الجمهور ومالك
والشافعي ، واستدل له بما رواه الطبراني من طريق زيد بن وهب عن ابن مسعود
في أثناء حديث موقوف ، وفيه : ورجوعه أن يأتي فيسلم عليه ، قال أحمد وابن
القاسم : إن كان يؤذيه ترك الكلام ، فلا يكفيه رد السلام؛ بل لا بدّ من الرجوع
إلى الحال الذي كان بينهما ؛ وقيل : ينظر إلى حال المهجور فإن کان خطابه بما
زاد على السلام عند اللقاء ، مما تطيب به نفسه ، ويزيل علة الهجر ، كان من تمام
٤٩٤

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٧ - حديث جابر
الوصل وترك الهجر ، وإن كان لا يحتاج إلى ذلك ، كفى السلام .
وأما فوق اليوم الثالث ، فقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق
ثلاث لمن كانت مكالمته تجلب نقصاً على المخالف له في دينه ، أو مضرة تحصل
عليه في نفسه ، أو دنياه ، فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية .
وتقدم الكلام في هجر من يأتي ما يلام عليه شرعاً ، وقد وقع من السلف
التهاجر بين جماعة من أعيان الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وقد عدّ الشارح
جماعة من أولئك يستنكر صدوره من أمثالهم أقاموا عليه ، ولهم أعذار إن شاء
الله ، والحمل على السلامة متعين ، والعباد مظنة المخالفة .
وأما قول الذهبي : إنه لا يقبل جرح الأقران بعضهم على بعض سيما
السلف - قال : وحدّهم رأس ثلاثمائة من الهجرة -، فقد بيّنا اختلال ما قال في
((ثمرات النظر في علم الأثر))، وقد نقل في الشرح قضايا كثيرة لا يحسن
ذكرها ؛ إذْ طيّ ما لا يحسن ذكره لا يحسن نشره .
١٣٧٧ - وعن جابر رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ◌َ اهِ: ((كلُّ معروف
صدقةٌ)) . أخرجه البخاري .
(وعن جابر رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله عَ لَهُ: ((كلُّ معروف
صدقةٌ)). أخرجه البُخاري) : المعروف: ضد المنكر ، قال ابن أبي جمرة : يطلق
اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر؛ سواء جرت به العادة
أم لا ؛ فإن قارنته النية ، أجر صاحبه جزماً ، وإلا ففيه احتمال .
٤٩٥

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٨ - حديث أبي ذر
والصدقة : هي ما يعطيه المتصدّق لله تعالى ، فيشمل الواجبة والمندوبة ؛ والإخبار
عنه بأنه صدقة من باب التشبيه البليغ ، وهو إخبار بأن له حكم الصدقة في الثواب،
وأنه لا يحتقر الفاعل شيئاً من المعروف، ولا يبخل به ، وفي الحديث: ((إن كل
تسبيحة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، والأمر بالمعروف صدقة ، والنهي عن المنكر
صدقة))، وقال: ((في بضع أحدكم صدقة، والإمساك عن الشر صدقة))،
وغير ذلك من الأعمال الصالحة ، ولفظ: «كل معروف» ، عام ، وقد أخرج الترمذي
- وحسنه - مرفوعاً من حديث أبي ذرّ: ((تبسمك في وجه أخيك صدقة لك،
وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة لك ، وإرشادك الرجل في أرض
الضلالة صدقة لك ، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق صدقة لك ،
وإفراغك من دلوك إلى دلو أخيك صدقة))، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)).
وفي الأحاديث إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر فيما هو أصلها ، وهو ما
أخرجه الإنسان من ماله متطوعاً؛ فلا تختص بأهل اليسار؛ بل كل أحد قادر
على أن يفعلها في أكثر الأحوال من غير مشقة ؛ فإن كل شيء يفعله الإنسان أو
يقوله من الخیر ، یکتب له به صدقة .
١٣٧٨ - وعن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله عَلُون: ((لا تحقرن
من المعروف شيئاً ، ولو أنْ تَلْقَى أَخاك بوجْهٍ طَلْقٍ)) .
(وعن أَبي ذرّ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله عَ ليه: ((لا تحقرن من
المعروف شيئاً ، ولو أنْ تَلْقى أخاك بوجه طلّق))): بإسكان اللام، ويقال :
طليق ، والمراد : سهل منبسط .
٤٩٦

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٧٩ و١٣٨٠ - حديثا أبي ذر وأبي هريرة
١٣٧٩ - وَعَنْهُ قال: قال رسول الله عَّهِ: «إذا طبخت مرقةً فأكثرْ ماءَها
وتعاهد جيرانك)). أخرجهُما مُسْلمٌ .
(وَعَنْهُ قال: قال رسول الله عَ ﴿: ((إذا طبخت مرقةً فأكثرْ ماءَها وتعاهد
جيرانك)). أخرجهُما مُسْلمٌ): فيهما الحث على فعل المعروف ، ولو بطلاقة
الوجه والبشر والابتسام في وجه من يلاقيه من إخوانه ، وفيه الوصية بحق الجار
وتعاهده ، ولو بمرقة تهديها إليه .
١٣٨٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول اللهعَ له: «مَنْ
نَفّس عَنْ مُسْلم كُربةً من كرب الدنيا ، نفَّس اللهُ عَنْهُ كُرْبةً منْ کرب يومٍ
القيامة، ومَنْ يسّر على مُعْسر، يَسر اللهُ عليه في الدنيا والآخرة ، وَمَنْ ستر
مُسْلماً، ستره اللهُ في الدنيا والآخرة ، والله في عَوْن العَبْدِ ما كان العبدُ في
عون أَخيه)» . أخرجهُ مُسْلمٌ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ﴿ه: ((منْ نَفْس) :
لفظ مسلم : ((من فرّج)) (عَنْ مُسْلِم كُرْبةً من كُرب الدنْيا ، نفّس اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً
من كُرَب يوم القيامةِ، ومَنْ يَسِّرِّ على مُعْسر، يَسّر الله عليْهِ في الدنيا
والآخرة) : هذا ليس في مسلم كما قال الشارح ، وقد أخرجه غيره (ومن ستر
مُسلماً ، سترهُ اللهُ في الدنيا والآخرة ، واللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في
عَوْنِ أَخیه)) . أخرجه مسلم) .
الحديث فيه مسائل :
الأولى : فضيلة من فرّج عن المسلم كربة من كرب الدنيا ، وتفريجها إما
٤٩٧

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٨٠ - حديث أبي هريرة
بإعطائه من ماله إن كانت كربته من حاجة ، أو بذل جاهه في طلبه له من
غيره، أو قرضه ، وإن كانت كربته من ظلم ظالم له فرجها بالسعي في رفعها
عنه ، أو تخفيفها ، وإن كانت كربة مرض أصابه أعانه على الدواء إن كان لديه ،
أو على طبيب ينفعه ؛ وبالجملة تفريج الكرب باب واسع ؛ فإنه يشمل إزالة كل
ما ينزل بالعبد ، أو تخفيفه .
الثانية : التيسير على المعسر هو أيضاً من تفريج الكرب ، وإنما خصه ؛ لأنه
أبلغ ، وهو إنظاره لغريمه في الدین ، أو إبراؤه له منه ، أو غير ذلك ؛ فإن الله ييسر
له عليه أموره ويسهلها له ؛ لتسهيله لأخيه فيما عنده له ، والتيسير لأمور الآخرة
بأن يهون عليه المشاق فيها ويرجح وزن الحسنات ، ويلقي في قلوب مَنْ لهم عنده
حق يجب استيفاؤه منه في الآخرة ، المسامحة ، وغير ذلك .
ویؤخذ منه أن من عسّر علی معسر عُسِّر علیه ، ویؤخذ منه أنه لا بأس على
من عسر على موسر ؛ لأن مطله ظلم يحل عرضه وعقوبته .
الثالثة : من ستر مسلماً، اطلع منه على ما لا ينبغي إظهاره من الزلات
والعثرات ، فإنه مأجور بما ذكره من ستره في الدنيا والآخرة ، فيستره في الدنيا
بأن لا يأتي زلة يكره اطلاع غيره عليها ، وإن أتاها ، لم يطلع الله عليها أحداً ،
وستره في الآخرة بالمغفرة لذنوبه ، وعدم إظهار قبائحه وغير ذلك ، وقد حث
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الستر، فقال في حق ماعز: ((هلا
سترت عليه بردائك يا هزَّال؟)) .
وقال العلماء : وهذا الستر مندوب لا واجب ، فلو رفعه إلى السلطان ، كان
٤٩٨

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٨٠ - حديث أبي هريرة
لم يلم هزالاً ، ولا أبان له أنه آثم ؛
جائزاً له ، ولا يأثم به، قلت: ودليله أنه عَ﴾
بل حرضه على أنه كان ينبغي له ستره ؛ فإن علم أنه تاب وأقلع ، حَرُم عليه ذكر
ما وقع منه ووجب عليه ستره ، وهو في حق من لا يعرف بالفساد والتمادي في
الطغيان ، وأمّا من عرف بذلك ، فإنه لا يستحب الستر عليه ؛ بل يرفع أمره إلى
من له الولاية ، إذا لم يخف من ذلك مفسدة؛ وذلك لأن الستر عليه يغريه على
الفساد ، ويجرّئه على أذيّة العباد ، ويجرئ غيره من أهل الشر والعناد ، وهذا بعد
انقضاء فعل المعصية .
فأما إذا رآه وهو فيها ، فالواجب المبادرة لإنكارها والمنع منها مع القدرة على
ذلك ، ولا يحل تأخيره؛ لأنه من باب إنكار المنكر، لا يحل تركه مع الإمكان .
وأما إذا رآه يسرق مال زید ؛ فهل يجب عليه إخبار زيد بذلك ، أو ستر
السارق؟ الظاهر أنه يجب عليه إخبار زيد ، وإلا كان معيناً للسارق بالكتم منه
على الإثم ، والله تعالى يقول: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة: ٢] .
وأما جرح الشهود والرواة والأمناء على الأوقاف والصدقات وغير ذلك ، فإنه
من باب نصيحة المسلمين الواجبة على كل من اطلع عليها ، وليس من الغيبة
المحرمة ؛ بل من النصيحة الواجبة ، وهو مجمع عليه .
الرابعة : الإخبار بأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ؛ فإنه
دال على أنه تعالى يتولى إعانة من أعان أخاه ، وهو يدل على أنه يتولى عونه
في حاجة العبد التي يسعى فيها ، وفي حوائج نفسه ، فينال من عون الله ما لم
يكن يناله بغير إعانته ، وإن كان تعالى هو المعين لعبده في كل أموره ، لكن إذا
٤٩٩

١٨ - كتاب الجامع
٢ - باب البر والصلة
١٣٨١ - حديث ابن مسعود
كان في عون أخيه ، زادت إعانة الله ، فيؤخذ منه أنه ينبغي للعبد أن يشتغل
بقضاء حوائج أخيه ؛ فيقدمها على حاجة نفسه ؛ لينال من الله كمال الإعانة
في حاجاته .
وهذه الجمل المذكورة في الحديث دلت على أنه تعالى يجازي العبد من
جنس فعله ، فمن ستر ، ستر عليه ، ومن يسر ، يسر عليه ، ومن أعان ، أعين ،
ثم إنه تعالى بفضله وكرمه جعل الجزاء في الدارين في حق الميسر على المعسر
والساتر للمسلم ، وجعل تفريج الكربة يجازى به في يوم القيامة ؛ كأنه لعظائم
يوم القيامة أَخَّر عزَّ وَجَلَّ جزاء تفريج الكربة ، ويحتمل أن يفرج عنه في الدنيا
أيضاً ، لكنه طوي في الحديث وذكر ما هو أهم .
١٣٨١ - وعن ابن مَسْعُود رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَُّهُ: ((مَنْ
دَلَّ على خير فلَهُ مِثْلُ أَجْر فاعله)) . أَخرَجَهُ مُسْلمٌ .
(وعن ابن مَسْعُود رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنْ دَلَّ على
خير فلَهُ مِثْلُ أَجْر فاعله)). أَخرَجَهُ مُسْلِمٌ): دل الحديث على أن الدلالة على
الخير يؤجر بها الدال عليه كأجر فاعل الخير، وهو مثل حديث : ((من سن سنّة
حسنة في الإسلام، كان له أجرها وأجر من عمل بها))، والدلالة تكون
بالإشارة على الغير بفعل الخير، وعلى إرشاد ملتمس الخير على أنه يطلبه من
فلان، والوعظ والتذكير ، وتأليف العلوم النافعة، ولفظ: ((خير)) يشمل الدلالة
على خير الدنيا والآخرة ، فللّه درّ الكلام النبوي ما أشمل معانيه ، وأوضح
مبانيه ، ودلالته على خير الدنيا والآخرة !
٥٠٠