النص المفهرس

صفحات 341-360

١٥- کتاب الأيمان والنذور
الأيمان ؛ بفتح الهمزة : جمع يمين ، وأصل اليمين في اللغة : اليد ، وأطلقت
على الحلف ؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه .
والنذور: جمع نذر، وأصله الإنذار؛ بمعنى: التخويف، وَعَرَّفَهُ الرَّاغب بأنه :
إیجاب ما ليس بواجب ؛ حدوث أمر .
:: أَنّهُ أَدْرِكَ عُمَرَ
١٢٧٨ - عن ابن عُمرَ رضيَ الله عنهُمَا عنْ رسول اللّه ◌َا
ابنَ الخطاب رضيَ اللهُ عنهُ في رَكْب ، وعُمرُ يحلفُ بأبيه ، فناداهم رسول
: ((أَلا إن الله ينهاكمْ أَنْ تحلِفُوا بآبائكمْ؛ فمنْ كان حالفاً ، فلْيحلف
اللهَوُ
بالله ، أو ليصمتْ)) . متّفقٌ عليه .
(عن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا عن رسول الله عَ ﴿: أنه أدرك عمر بن
الخطاب رضي الله عنه في ركب): الركب : ركبان الإبل؛ اسم جمع، أو جمع ،
وهم العشرة فصاعداً ، وقد يكون للخیل (وعمر یحلف بأبيه ، فناداهم رسول الله
: ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم؛ فمن كان حالفاً، فليحلف
بالله): ليس المراد أنه لا يحلف إلا بهذا اللفظ، بدليل أنه تم * كان يحلف بغيره
نحو: ((مقلب القلوب))، كما يأتي (أَوْ لِيَصْمُت))): بضم الميم ، مثل : قتل
يقتل (متفق عليه) .
١٢٧٩ - وفي رواية لأبي داودَ والنسائيّ عنْ أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تحلفوا
بآبائكمْ، ولا بأمهاتكُمْ، ولا بالأنْدادِ ، ولا تحلفوا بالله، إلا وأنتمْ صادقونَ)).
(وفي رواية لأبي داود والنسائي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تحلفوا بآبائكم،
٣٤١

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٧٩ - حديث أبي هريرة
ولا بأمهاتكم ، ولا بالأنداد) : الند ؛ بكسر أوله : المثل ، والمراد هنا أصنامهم
وأوثانهم التي جعلوها لله تعالى أمثالاً؛ لعبادتهم إياها ، وحلفهم بها ؛ نحو
قولهم : واللات وَالعُزّى (ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون))) .
الحديثان دليل على النهي عن الحلف بغير الله تعالى ، وهو للتحريم ، كما هو
أصله ، وبه قالت الحنابلة والظاهرية .
وقال ابن عبد البرّ: لا يجوز الحلف بغير الله تعالى بالإجماع ، وفي رواية
عنه : إن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها ، لا يجوز لأحد الحلف بها ، وقوله :
لا يجوز، بيان أنه أراد بالكراهة التحريم ، كما صرح به أولاً ، وقال الماوردي : لا
يجوز لأحد أن يحلف أحداً بغير الله تعالى لا بطلاق ، ولا عتاق ، ولا نذر ، وإذا
حلف الحاكم أحداً بذلك ، وجب عزله ، وعند جمهور الشافعية ، والمشهور عن
المالكية أنه للكراهة ، ومثله للهادوية ما لم يسوّ في التعظيم .
قلت: لا يخفى أن الأحاديث واضحة في التحريم؛ لما سمعت ، ولما أخرج
أبو داود والحاكم واللفظ له من حديث ابن عمر: أنه قال عَمريم: ((من حلف بغير
الله، كفر))، وفي رواية للحاكم: ((كل يمين يحلف بها دون الله تعالى شرك))،
ورواه أحمد بلفظ: ((من حلف بغير الله، فقد أشرك))، وأخرج مسلم: ((من
حلف منكم، فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله))،
وأخرج النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص : أنه حلف باللات والعزى ،
قال: فذكرت ذلك للنبي ؛ فقال: ((قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير، وانفث عن يسارك ثلاثاً ،
٣٤٢

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٧٩ - حديث أبي هريرة
وتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم ، ولا تعد)).
فهذه الأحاديث الأخيرة تقوّي القول بأنه محرّم ؛ لتصريحها بأنه شرك من
غير تأويل ؛ ولذا أمر بتجديد الإسلام ، والإتيان بكلمة التوحيد .
. واستدل القائل بالكراهة بحديث : ((أفلح - وأبيه -، إن صدق)) . أخرجه
مسلم ، وأجيب عنه أولاً : بأنه قال ابن عبد البرّ: إن هذه اللفظة غير محفوظة ،
وقد جاءت عن راويها: ((أفلح - والله -، إن صدق))؛ بل زعم بعضهم أن راويها
صحف ((والله))، إلى ((وأبيه))، وثانياً: أنها لم تخرج مخرج القسم؛ بل هي من
الكلام الذي يجري على الألسنة ، مثل : تربت يداه ، ونحوه .
وقولنا : من غير تأويل إشارة إلى تأويل القائل بالكراهة ؛ فإنه تأول قوله :
((فقد أشرك))، بما قاله الترمذي : قد حمل بعض العلماء مثل هذا على التغليظ ،
كما حمل بعضهم قوله: ((الرياء شرك)) على ذلك ، وأجيب بأن هذا إنما يرفع
القول بكفر من حلف بغير الله ، ولا يرفع التحريم ، كما أن الرياء محرّم اتفاقاً،
ولا يكفر من فعله ؛ كما قال ذلك البعض .
واستدل القائل بالكراهة بأن الله تعالى قد أقسم في كتابه بالمخلوقات من
الشمس والقمر وغيرهما ، وأجيب بأنه ليس للعبد الاقتداء بالرب تعالى ؛ فإنه
يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، على أنها كلها مؤوّلة بأن المراد : ورب الشمس ،
ونحوه .
ووجه التحريم أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به ، ومنع النفس عن الفعل ،
٣٤٣

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٠ - حديث أبي هريرة
أو عزمها عليه بمجرد عظمة من حلف به ، وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى ؛
فلا يلحق به غيره .
ويحرم الحلف بالبراءة من الإسلام، أو من الدين ، أو بأنه يهودي ، أو نحو
ذلك؛ لما أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي بإسناد على شرط مسلم من
حديث بريدة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من حلف فقال: إني
بريء من الإسلام ؛ فإن کان کاذباً ، فهو کما قال ، وإن كان صادقاً ، فلن
يرجع إلى الإسلام سالماً)).
والأظهر عدم وجوب الكفارة في الحلف بهذه المحرّمات؛ إذ الكفارة مشروعة
فيما أذن الله تعالى أن يحلف به ، لا فيما نهى عنه ، ولأنه لم يذكر الشارع
كفارة ؛ بل ذكر أنه يقول كلمة التوحيد لا غير.
: «يمينك
١٢٨٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َ﴾
على ما يصدِّقك به صاحبك))، وفي رواية: ((اليمين على نيّة المسْتحلف)).
أخرجھما مسلمٌ .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَ ◌ّهُ: (يمينك على ما
يصدّقك به صاحبك))، وفي رواية: ((اليمين على نيّة المسْتحلف)). أَخرجهما
مسلمٌ) : الحديث دليل على أن اليمين تكون على نية المحلف ، ولا ينفع فيها نية
الحالف إذا نوى بها غير ما أظهره ، وظاهره الإطلاق ؛ سواء كان المحلف له
الحاكم ، أو المدعي للحق ؛ والمراد حيث كان المحلف له التحليف ، كما يشير إليه
قوله : (علی ما یصدّقك به صاحبك))؛ فإنه يفيد أن ذلك حیث کان للمحلف
٣٤٤

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨١ - حديث عبد الرحمن بن سمرة
التحليف ، وهو حيث كان صادقاً فيما ادعاه على الحالف ، وأمّا لو كان على غير
ذلك ، كانت النية نية الحالف ، واعتبرت الشافعية أن يكون المحلف الحاكم ، وإلا
كانت النية نية الحالف .
قال النووي : وأمّا إذا حلف بغير استحلاف وورّی ، فتنفعه ، ولا يحنث ؛ سواء
حلف ابتداء من غير تحليف ، أو حلفه غير القاضي ، أو غير نائبه ؛ ولا اعتبار في
ذلك بنية المحلف - بكسر اللام - غير القاضي ؛ والحاصل أن اليمين على نية
الحالف في جميع الأحوال ، إلا إذا استحلفه القاضي ، أو نائبه في دعوى توجهت
عليه ، فتكون اليمين على نية المستحلف ، وهو مراد الحديث ؛ أما إذا حلف بغير
استحلاف القاضي ، أو نائبه في دعوى توجهت عليه ، فتكون اليمين على نية
الحالف ، وسواء في هذا كله اليمين بالله تعالى ، أو بالطلاق والعتاق ، إلا أنه إذا
حلفه القاضي بالطلاق والعتاق ، فتنفعه التورية ، ويكون الاعتبار بنية الحالف؛
لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق ، وإنما يستحلف بالله . اهـ.
قلت : ولا أدري من أين جاء تقييد الحديث بالقاضي ، أو نائبه !؛ بل ظاهر
الحديث أنه إذا استحلفه من له الحق ، فالنية نية المستحلف مطلقاً .
: ١٢٨١ - وعن عبد الرحمن بن سمرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله
: ((وإذا حَلَفتَ على يمين فرَأَيْتَ غيرها خيراً منها ، فَكَفّر عَنْ يمينك ، وأت
الذي هُو خيرٌ)). مُتّفقٌ عليه، وفي لَفْظ للبخاري: ((فأت الذي هُوَ خَيْرٌ ، وكَفّر
عنْ يمينك))، وفي رواية لأبي داود : ((فكفِّر عنْ يمينك ، ثم ائت الذي هو
خیرٌ) . وإسنادهما صحيحٌ .
٣٤٥

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨١ - حديث عبد الرحمن بن سمرة
(وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه) : ابن حبيب بن عبد شمس
"العبشمي أبي سعيد ، صحابي من مسلمة الفتح ، افتتح سجستان ، ثم سكن
البصرة ومات بها سنة خمسين، أو بعدها (قال: قال رسول الله عن الله: ((وإذا
حلفت على يمين): أي: على محلوف منه ؛ سماه يميناً مجازاً (فرأيت غيرها
خيراً منها ، فكفِّرْ عن يمينك ، وائت الذي هو خيرٌ)). متفق عليه ، وفي لفظ
للبخاري: ((فائت الذي هو خيرٌ، وكفر عن يمينك)) ، وفي رواية لأبي داود) :
عن عبد الرحمن أيضاً ((فكفِّرْ عنْ يمينك، ثم ائت الذي هو خيرُ)). وإسنادهما) :
بالتثنية ؛ أي : لفظ البخاري ورواية أبي داود ، والأولى إفراد الضمير ؛ ليعود إلى
رواية أبي داود فقط ؛ لما علم من عرفهم أن ما في ((الصحيحين)) صحيح لا
يحتاج إلى أن يقال : إسناده (صحيح) .
الحديث دليل على أن من حلف على شيء ، وكان تركه خيراً من التمادي
على اليمين ، وجب عليه التكفير ، وإتيان ما هو خير ، كما يفيده الأمر ، ولكنه
صرح الجماهير بأنه إنما يستحب له ذلك ، لا أنه يجب .
وظاهره وجوب تقديم الكفارة ، ولكنه ادعي الإجماع على عدم وجوب
تقديمها ، وعلى جواز تأخيرها إلى ما بعد الحنث ، وعلى أنه لا يصح تقديمها قبل
اليمين ، ودلت رواية: ((ثم ائت الذي هو خير))، على أنه يقدّم الكفارة قبل
الحنث؛ لاقتضاء ((ثم)) الترتيب، ورواية الواو تحمل على رواية ((ثم))؛ حملاً
للمطلق على المقيد ؛ فإن تم الإجماع على جواز تأخيرها ، وإلا فالحديث دال على
وجوب تقديمها .
٣٤٦

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٢ - حديث ابن عمر
وممن ذهب إلى جواز تقديمها على الحنث مالك والشافعي وغيرهما ، وأربعة
عشر من الصحابة ، وجماعة من التابعين ؛ وهو قول جماهير العلماء ، لكن قالوا :
يستحب تأخيرها عن الحنث ، وظاهره أن هذا جار في جميع أنواع الكفارة .
وذهب الشافعي إلى عدم إجزاء تقديم التكفير بالصوم ، وقال : لا يجوز قبل
الحنث ؛ لأنها عبادة بدنية لا يجوز تقديمها على وقتها كالصلاة ، وصوم رمضان ،
وأمّا التكفير بغير الصوم ، فجائز تقديمه ، كما يجوز تعجيل الزكاة .
وذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه لا يجوز تقديم التكفير على الحنث على
كل حال ؛ قالت الهادوية : لأن سبب وجود الكفارة هو مجموع الحنث واليمين ؛
فلا يصح التقديم قبل تمام سبب الوجوب ؛ وعند الحنفية : السبب الحنث . ولا
يخفى أن الحديث دال على خلاف ما عللوا به وذهبوا إليه ؛ فالقول الأوّل أقرب
إلى العمل به .
١٢٨٢ - وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ رسولَ الله عَزِ قال: ((مَنْ
حَلَفَ على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنْثَ عَلَيْه)). رواهُ أَحْمَدُ والأربعةُ ،
وصحّحهُ ابنُ حِبّانَ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ رسولَ الله ◌َيُ قال: ((مَنْ حَلَفَ على
يمين فقال: إن شاء الله ، فلا حْثَ عَلَيْه)). رَواهُ أَحْمدُ والأربعةُ ، وصحّحهُ ابنُ
حِبّانَ) : قال الترمذي: لا نعلم أحداً رفعه غير أيوب السختياني . قال ابن علية :
كان أيوب يرفعه تارة ، وتارة لا يرفعه . قال البيهقي : لا يصح رفعه ، إلا عن
أيوب مع أنه شك فيه .
٣٤٧

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٢ - حديث ابن عمر
قلت : كأنه يريد أنه رفعه تارة ووقفه أخرى ، ولا يخفى أن أيوب ثقة حافظ
لا يضر تفرّده برفعه ، وكونه وقفه تارة لا يقدح فيه ؛ لأن رفعه زيادة عدل مقبولة ،
وقد رفعه عبد الله العمري ، وموسى بن عقبة ، وكثير بن فرقد ، وأيوب بن
موسى ، وحسان بن عطية ، كلهم عن نافع مرفوعاً ، فقوى رفعه ، على أنه وإن
كان موقوفاً ، فله حكم الرفع ؛ إذْ لا مسرح للاجتهاد فيه .
وإلى ما أفاده الحديث ذهب الجماهير ؛ وقال ابن العربي : أجمع المسلمون
بأن قوله : إن شاء الله ، يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلاً ، قال : ولو جاز
منفصلاً، كما قال بعض السلف ، لم يحنث أحد في يمين ، ولم يحتج إلى
الكفارة ! واختلفوا في زمن الاتصال ؛ فقال الجمهور: هو أن يقول : إن شاء الله
متصلاً باليمين من غير سكوت بينهما ، ولا يضره التنفس ؛ قلت : وهذا هو
الذي تدل له الفاء في قوله : ((فقال)).
وعن طاوس والحسن وجماعة من التابعين : أن له الاستثناء ، ما لم يقم من
مجلسه ، وقال عطاء : قدر حلبة ناقة ، وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر ،
وقال ابن عباس : له الاستثناء أبداً متى يذكر .
قلت : وهذه تقادير خالية عن الدليل ، وقد تأوّل بعضهم هذه الأقاويل بأن
مرادهم أنه يستحب له أن يقول : إن شاء الله ؛ تبركاً ، أو يجب على ما ذهب
إليه بعضهم؛ لقوله تعالى: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ [الكهف: ٢٤]؛ فيكون
الاستثناء رافعاً للإثم الحاصل بتركه ، أو لتحصيل ثواب الندب على القول
باستحبابه ، ولم یریدوا به حل اليمين ومنع الحنث .
٣٤٨

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٢ - حديث ابن عمر
واختلفوا ؛ هل الاستثناء مانع للحنث في الحلف بالله ، وغيره من الطلاق
والعتاق ، وغيره من الظهار والنذر والإقرار؟ فقال مالك: لا ينفع إلا في الحلف
بالله دون غيره ، واستقواه ابن العربي ، واستدل بأنه تعالى قال : ﴿ذلك كفارة
أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة: ٨٩]؛ فلا يدخل في ذلك إلا اليمين الشرعية ؛ وهي
الحلف بالله .
وذهب أحمد إلى أنه لا يدخل العتق ؛ لما أخرجه البيهقي من حديث معاذ
مرفوعاً: ((إذا قال لا مرأته: أنت طالق إن شاء الله ؛ لم تطلق ، وإذا قال لعبده :
أنت حرّ إن شاء الله؛ فإنه حر))، إلا أنه قال البيهقي: تفرّد به حميد بن
مالك؛ وهو مجهول ، واختلف عليه في إسناده .
وذهبت الهادوية إلى أن الاستثناء بقوله : إن شاء الله ، معتبر فيه أن يكون
المحلوف عليه فيما شاءه الله ، أو لا يشاؤه ؛ فإن كان مما يشاؤه الله ؛ بأن كان واجباً ،
أو مندوباً ، أو مباحاً في المجلس أو حال التكلم - لأن مشيئة الله حاصلة في الحال -،
فلا تبطل اليمين ؛ بل تنعقد به ، وإن كان لا يشاؤه؛ بأن يكون محظوراً ، أو
مكروهاً ، فلا تنعقد اليمين ، فجعلوا حكم الاستثناء بالمشيئة حكم التقييد
بالشرط ، فيقع المعلق عند وقوع المعلق به وينتفي بانتفائه ، وكذا قوله : إلا أن يشاء
الله؛ حكمه حكم إن شاء الله ، ولا يخفى أن الحديث لا تطابقه هذه الأقوال .
وفي قوله : ((فقال: إن شاء الله))، دليل على أنه لا يكفي في الاستثناء النية؛
وهو قول كافة العلماء، وحكي عن بعض المالكية صحة الاستثناء بالنية من غير
لفظ ، وإلى هذا أشار البخاري وبوّب عليه : باب النية في الأيمان - يعني: بفتح
٣٤٩

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٣ - حديث ابن عمر
الهمزة -؛ ومذهب الهادوية صحة الاستثناء بالنية ، وإن لم يلفظ بالعموم إلا من
عدد منصوص ، فلا بدّ من الاستثناء باللفظ .
عَلِ: («لا ، ومقلّب
١٢٨٣ - وعَنْهُ رضي الله عنه قال: كانتْ يمين النّبي
القُلوب)) . رواهُ البخاريُّ .
: ((لا ، ومقلّب القُلوب)).
(وعَنْهُ رضي الله عنه قال : كانتْ يمين النّبي
رواهُ البُخاريُ) .
المراد أن هذا اللفظ الذي كان يواظب عليه في القسم ، وقد ذكر البخاري
الألفاظ التي كان صلى الله عليه وآله وسلم يقسم بها: ((لا ومُقلِّب الْقُلُوبِ»، وفي
رواية : «لا ومصرف القلوب ، والذي نفسي بيده، والذي نفس محمد بيده،
والله ، ورب الكعبة))، ولابن أبي شيبة : كان إذا اجتهد في اليمين قال: ((والذي
نفس أبي القاسم بيده)) ، ولابن ماجه : كانت يمين رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم التي يحلف بها: ((أشهد عند الله ، والذي نفسي بيده)).
والمراد بتقليب القلوب ، تقليب أعراضها وأحوالها ، لا تقليب ذات القلب ؛
قال الراغب : تقليب الله القلوب والبصائر، صرفها عن رأي إلى رأي ، والتقلب :
التصرف ، قال الله تعالى: ﴿أو يأخذهم في تقلبهم﴾ [النحل: ٤٦]، وقال ابن
العربي : القلب جزء من البدن ؛ خلقه الله ، وجعله للإنسان محل العلم والكلام،
وغير ذلك من الصفات الباطنة ، وجعل ظاهر البدن محل التصرفات الفعلية
والقولية ، ووكل به ملكاً يأمر بالخير ، وشيطاناً يأمر بالشر ، والعقل بنوره يهديه ،
والهوى بظلمته يغويه ، والقضاء مسيطر على الكل ، والقلب يتقلب بين الخواطر
٣٥٠

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٣ -حديث ابن عمر
الحسنة والسيئة ، واللمة من الملك تارة ، ومن الشيطان أخرى ، والمحفوظ من
حفظه الله . اهـ.
قلت : وقوله : والكلام ؛ بناء منه على إثبات الكلام النفسي ، وأن محله
القلب ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا))، رد ونفي للسابق من الكلام .
والحديث دليل على جواز الإقسام بصفة من صفات الله ، وإن لم تكن من
صفات الذات؛ وإلى هذا ذهبت الهادوية ؛ حيث قالوا : الحلف بالله ، أو بصفة
لذاته ، أو لفعله ، لا يكون على ضدها ؛ ويريدون بصفة الذات كالعلم والقدرة ،
ولكنهم قالوا : لا بدّ من إضافتها إلى الله تعالى كعلم الله ، ويريدون بصفة الفعل
كالعهد والأمانة إذا أضيفت إلى الله ، إلا أنه قد ورد حديث بالنهي عن الحلف
بالأمانة ؛ أخرجه أبو داود من حديث بريدة بلفظ : ((من حلف بالأمانة ، فليس
منا))، وذلك؛ لأن الأمانة ليست من صفاته تعالى ؛ بل من فروضه على العباد .
وقولهم : لا يكون على ضدها ، احتراز عن الغضب والرضا والمشيئة ؛ فلا
تنعقد بها اليمين .
وذهب ابن حزم - وهو ظاهر كلام المالكية والحنفية - إلى أن جميع الأسماء
الواردة في القرآن ، أو السنّة الصحيحة وكذا الصفات: صريح في اليمين ، وتجب
به الكفارة .
وفصلت الشافعية في المشهور عنهم ، والحنابلة فقالوا : إن كان اللفظ يختص
بالله تعالی کالرحمن ، ورب العالمين ، وخالق الخلق ، فهو صریح ینعقد به اليمين ؛
سواء قصد الله تعالى ، أو أطلق ، وإن كان يطلق عليه تعالى وعلى غيره ، لكن
٣٥١

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٤ - حديث عبدالله بن عمرو
يقيد ، كالرب ، والخالق ، فتنعقد به اليمين ، إلا أن يقصد به غير الله تعالى.
وإن كان يطلق عليه وعلى غيره على السواء ، نحو : الحي والموجود ؛ فإن نوى
غير الله تعالى ، أو أطلق ، فليس بيمين ، وإن نوى به الله تعالى ، انعقد على
الصحيح .
١٢٨٤ - وعن عبد الله بن عمرو رضيَ الله عنهُمَا قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى
فقال: يا رسول الله! ما الكبائرُ؟ ، فذكر الحديث ، وفيه : ((الیمینُ
النّبي ◌َّـ
الغَمُوسُ))، وفيه: قلت: وما اليمينُ الغَموس؟ قالَ: ((التي يُقْتطعُ بها مالُ
امرئ مُسلم هُوَ فيها كاذبٌ» . أخرجهُ البخاري .
(وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما): أي : ابن العاص (قال: جاء
أعرابي إلى النبي
﴿ فقال: يا رسول الله ! ما الكبائر؟ ، فذكر الحديث،
وفيه : ((اليمين الغمُوس))): وهي بفتح الغين المعجمة وضم الميم آخره ومهملة
(وفيه : قلت) : ظاهره أن السائل ابن عمرو راوي الحديث ، والمجيب هو النبي
** ، ويحتمل أن يكون السائل غير عبد الله لعبد الله ، وعبد الله المجيب،
والأوّل أظهر (وما اليمين الغموس؟ قال: ((التي يقتطعُ بها مالُ امرئ مُسْلم هو
فيها كاذبٌ)) . أخرجه البخاري).
اعلم أن اليمين إما أن تكون بعقد قلب وقصد ، أوْ لا ؛ بل تجري على اللسان
بغير عقد قلب ؛ وإنما تقع بحسب ما تعوّده المتكلم ؛ سواء كانت بإثبات أو نفي ؛
نحو: والله ، وبلى والله ، ولا والله ، فهذه هي اللغو الذي قال الله تعالى فيه : ﴿لا
يؤاخذ كم الله باللغو في أيمانكم﴾ [البقرة : ٢٢٥]، كما يأتي دليله .
٣٥٢

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٤ - حديث عبد الله بن عمرو
وإن كانت عن عقد قلب فينظر إلى حال المحلوف عليه ، فينقسم بحسبه إلى
أقسام خمسة : إما أن يكون معلوم الصدق ، أو معلوم الكذب ، أو مظنون
الصدق ، أو مظنون الكذب ، أو مشكوكاً فيه .
فالأول : يمين برّة صادقة ؛ وهي التي وقعت في كلام الله تعالى نحو: ﴿فورب
السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾ [الذاريات: ٢٣]، ووقعت في
كلام رسول اللّه ◌َ ؛ قال ابن القيم: إنه ﴿ حلف في أكثر من ثمانين موضعاً،
وهذه هي المرادة في حديث: ((إن الله تعالى يحب أن يحلف به))؛ وذلك لما
يتضمن من تعظيم الله تعالى .
والثاني : وهو معلوم الكذب ، اليمين الغموس ، ويقال لها : الزور والفاجرة ،
وسميت في الأحاديث: يمين صبر وبيميناً مصبورة؛ قال في ((النهاية)): سميت
غموساً؛ لأنها تغمس صاحبها في النار، فعلى هذا هي فعول بمعنى فاعل ، وقد
فسرها في الحديث بالتي يقتطع بها مال المرء المسلم ، فظاهره أنها لا تكون
غموساً ، إلا إذا اقتطع بها مال امرئ مسلم ، لا ، أن كل محلوف عليه كذباً يكون
غموساً ، ولكنها تسمى : فاجرة .
الثالث : ما ظن صدقه ؛ وهو قسمان : الأول : ما انكشف فيه الإصابة ، فهذا
ألحقه البعض بما علم صدقه ؛ إذْ بالانكشاف صار مثله . والثاني : ما ظن صدقه
وانكشف خلافه ، وقد قيل: لا يجوز الحلف في هذين القسمين؛ لأن وضع
الحلف ؛ لقطع الاحتمال ؛ فكأن الحالف يقول : أنا أعلم مضمون الخبر ، وهذا
كذب ؛ فإنه إنما حلف على ظنه .
٣٥٣

٠ ١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٤ - حديث عبد الله بن عمرو
الرابع : ما ظن كذبه والحلف عليه محرم .
الخامس : ما شك في صدقه وكذبه ، وهو أيضاً محرم ، فتلخص أنه يحرم ما
عدا المعلوم صدقه .
وقوله : ما الكبائر؟ فيه دليل على أنه قد كان معلوماً عند السائل أن في
المعاصي كبائر وغيرها ، وقد اختلف العلماء في ذلك ؛ فذهب إمام الحرمين
وجماعة من أئمة العلم إلى أن المعاصي كلها كبائر، وذهب الجماهير إلى أنها
تنقسم إلى كبائر وصغائر، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون
عنه﴾ [النساء: ٣١]، وبقوله: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش﴾
[الشورى: ٣٧]، قلت: ولا يخفى أنه لا دليل على تسمية شيء من المعاصي
صغائر، وهو محل النزاع .
وقيل : لا خلاف في المعنى ، إنما الخلاف لفظي ؛ لاتفاق الكل على أن من
المعاصي ما يقدح في العدالة ، ومنها ما لا يقدح فيها ، قلت : وفيه أيضاً تأمل .
وقوله : فذكر الحديث ، ذكر فيه : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل
النفس ، واليمين الغموس ، وقد تعرّض الشارح رحمهُ الله إلى ما قاله العلماء في
تحديد الكبيرة ، وأطال نقل أقاويلهم في ذلك ، وهي أقاويل مدخولة ، والتحقيق
أن الكبر والصغر أمر نسبي ؛ فلا يتم الجزم بأن هذا صغير ، وهذا كبير ، إلا
بالرجوع إلى ما نص الشارع على كبره ؛ فهو كبير ، وما عداه باق على الإبهام
والاحتمال .
٣٥٤
٠٠٠٠.

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٤ - حديث عبدالله بن عمرو
وقد عدّ العلائي في ((قواعده)) الكبائر المنصوص عليها بعد تتبعها من
النصوص ، فأبلغها خمساً وعشرين ، وهي الشرك بالله ، والقتل ، والزنى - وأفحشه
بحليلة الجار -، والفرار من الزحف ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، وقذف
المحصنات، والسحر ، والاستطالة في عرض المسلم بغير حق ، وشهادة الزور،
واليمين الغموس ، والنميمة ، والسرقة ، وشرب الخمر ، واستحلال بيت الله
الحرام ، ونكث الصفقة، وترك السنّة، والتعرب بعد الهجرة ، واليأس من روح
الله ، والأمن من مكر الله ، ومنع ابن السبيل من فضل الماء ، وعدم التنزه من
البول ، وعقوق الوالدين ، والتسبب إلى شتمهما ، والإضرار في الوصية .
وتعقب بأن السرقة لم يرد النص بأنها كبيرة، وإنما في ((الصحيحين)): ((لا
يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن))، وفي رواية النسائي: ((فإن فعل ذلك ،
فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه؛ فإن تاب ، تاب الله عليه))، قد جاء في
أحاديث صحيحة النص على الغلول - وهو إخفاء بعض الغنيمة - بأنه كبيرة ،
وجاء في الجمع بين الصلاتين لغير عذر ، ومنع الفحل ، ولكنه حديث ضعيف ،
وجاء في الأحاديث ذكر أكبر الكبائر، كحديث أبي هريرة: ((إن من أكبر الكبائر
استطالة المرء في عرض رجل مسلم)) . أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد حسن ،
ونحوه من الأحاديث ، ولا مانع من أن يكون في الذنوب الكبير والأكبر .
وظاهر الحديث أنه لا كفارة في الغموس ، وقد نقل ابن المنذر وابن عبد البر
اتفاق العلماء على ذلك ، وقد أخرج ابن الجوزي في التحقيق عن أبي هريرة
رضي الله عنه مرفوعاً : أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
٣٥٥

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٥ - حديث عائشة
يقول: ((ليس فيها كفارة: يمين صبر، يقتطع بها مالاً بغير حق))، وفيه راو
مجهول .
وقد روى آدم بن أبي إياس وإسماعيل القاضي عن ابن مسعود موقوفاً : كنا
نعد الذنب الذي لا كفارة له : اليمين الغموس ؛ أن يحلف الرجل على مال
أخيه كاذباً ؛ ليقتطعه ؛ قالوا : ولا مخالف له من الصحابة ، ولكن تكلم ابن حزم
في صحة أثر ابن مسعود ، وإلى عدم الكفارة ذهبت الهادوية .
وذهب الشافعي وآخرون إلى وجوب الكفارة فيها ، وهو الذي اختاره ابن
حزم في شرح ((المحلى))؛ لعموم ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقد تم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩]،
والیمین الغموس معقودة ؛ قالوا : والحديث لا تقوم به حجة ، حتّی تخصص
الآية ، والقول بأنه لا يكفرها إلا التوبة ؛ فالكفارة تنفعه في رفع إثم اليمين ،
ويبقى في ذمته ما اقتطعه بها من مال أخيه ؛ فإن تحلل منه وتاب ، محا الله
تعالى عنه الإثم .
١٢٨٥ - وعن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذ كم الله
باللغو في أيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٥]؛ قالتْ: هو قوْلُ الرَّجل: لا والله، وبَلى والله .
أَخرِجَهُ البخاريُّ ، ورواهُ أَبو داودَ مُرْفوعاً .
(وعن عائشة رضيَ الله عنهَا في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذ كم الله باللغو
في أيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٥]، قالت: هو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله .
أخرجه البخاري) : موقوفاً على عائشة (ورواه أبو داود مرفوعاً) .
٣٥٦

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٦ - حديث أبي هريرة
فيه دليل على أن اللغو من الأيمان ما لا يكون عن قصد الحلف ، وإنما جرى
على اللسان من غير إرادة الحلف ؛ وإلى تفسير اللغو بهذا ذهب الشافعي ، ونقله
ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة ، وجماعة من التابعين .
وذهب الهادوية والحنفية إلى أن لغو اليمين أن يحلف على الشيء ، يظنّ
صدقه ، فينكشف خلافه ، وذهب طاوس إلى أنها الحلف ، وهو غضبان ، وفي
ذلك تفاسير أخر لا يقوم عليها دليل ، وتفسير عائشة أقرب ؛ لأنها شاهدت
التنزيل ، وهي عارفة بلغة العرب .
وعن عطاء والشعبي وطاوس والحسن وأبي قلابة : لا والله، وبلى والله ، لغة
من لغات العرب لا يراد بها اليمين ، وهي من صلة الكلام؛ ولأن اللغو في اللغة
ما كان باطلاً، وما لا يعتدّ به من القول ، ففي ((القاموس)): اللغو واللغى،
کالفتی : السقط ، وما لا يعتد به من كلام وغيره .
١٢٨٦ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهُ: ((إن لله
تسعة وتسعين اسْماً؛ من أَحْصاها ، دخل الجنّة)). مُتّفقٌ عليه ، وساق الترمذي
وابنُ حِبّان الأسماء ، والتحقيق أنَّ سرْدَها إدراجٌ منْ بعض الرُّواة .
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((إن لله تسعة
وتسعين اسماً؛ مَنْ أَحْصَاها): وفي لفظ: ((من حفظها)) (دخل الجنّة)). متفق
عليه . وساق الترمذي وابن حبان الأسماء ، والتحقيق أن سردها إدراج من
بعض الرواة) .
٣٥٧

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٦ - حديث أبي هريرة
اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة ، وظاهر
الحديث أن أسماء الله الحسنى منحصرة في هذا العدد ؛ بناءً على القول بمفهوم
العدد ، ويحتمل أنه حصر لها باعتبار ما ذكر بعده من قوله : ((من أحصاها،
دخل الجنة))، وهو خبر المبتدأ ، فالمراد أن هذه التسعة والتسعين تختص بفضيلة
من بين سائر أسمائه تعالى ، وهو أن إحصاءها سبب لدخول الجنة ، وإلى هذا
ذهب الجمهور .
وقال النووي : ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى ، وليس معناه أنه
ليس له اسم غير التسعة والتسعین ، ويدل عليه ما أخرجه أحمد ، وصححه ابن
حبان من حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((أسألك بكل اسم هو لك سميت به
نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في
علم الغيب عندك))؛ فإنه دل على أن له تعالى أسماء لم يعرفها أحد من
خلقه ؛ بل استأثر بها ، ودل على أنه قد يعلم بعض عباده بعض أسمائه ، ولكنه
يحتمل أنه من التسعة والتسعين .
وقد جزم بالحصر فيما ذكر أبو محمد بن حزم ، فقال : قد صح أن أسماءه
تعالى لا تزيد على تسعة وتسعين شيئاً؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مائة
إلا واحداً)، فنفى الزيادة وأبطلها ، ثم قال : وجاءت أحاديث في إحصاء
التسعة والتسعين اسماً ، مضطربة لا يصح منها شيء أصلاً ، وإنما تؤخذ من
نص القرآن ، وما صح عن النبي :{8* ، ثم سرد أربعة وثمانين اسماً ؛ استخرجها
من القرآن والسنّة .
٣٥٨

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٦ - حديث أبي هريرة
وقال الشارح؛ تبعاً لكلام المصنف في ((التلخيص)): إنه ذكر ابن حزم أحداً
وثمانین اسماً ، والذي رأيناه في كلام ابن حزم أربعة وثمانون ، وقد نقلنا كلامه
وتعيين الأسماء الحسنى على ما ذكره في هامش ((التلخيص)).
واستخرج المصنف من القرآن فقط تسعة وتسعين اسماً، وسردها في
((التلخيص)) وغيره، وذكر السيد محمد بن إبراهيم الوزير في ((إيثار الحق)) أنه
تتبعها من القرآن ، فبلغت مائة وثلاثة وسبعين اسماً ، وإن قال صاحب ((الإيثار)):
مائة وسبعة وخمسین ، فإنا عددناها فوجدناها كما قلنا أولاً ، وعرفت من كلام
المصنف أن مراده أن سرد الأسماء الحسنى المعروفة مدرج عند المحققين ، وأنه
لیس من کلامه
وذهب كثيرون إلى أن عدها مرفوع ، وقال المصنف بعد نقله كلام العلماء في
ذكر عدد الأسماء والاختلاف فيها ما لفظه : ورواية الوليد بن مسلم عن شعيب
هي أقرب الطرق الواضحة ، وعليها عوّل غالب من شرح الأسماء الحسنى ، ثم
سردها على رواية الترمذي ، وذكر اختلافاً في بعض ألفاظها ، وتبديلاً في
إحدى الروايات للفظ بلفظ ، ثم قال :
واعلم أن الأسماء الحسنى على أربعة أقسام :
القسم الأول : الاسم العلم ، وهو الله .
والثاني : ما يدل على الصفات الثابتة للذات ، كالعليم والقدير والسميع
والبصير .
٣٥٩

١٥ - كتاب الأيمان والنذور
١٢٨٦ - حديث أبي هريرة
والثالث : ما يدل على إضافة أمر إليه ، كالخالق والرازق .
والرابع : ما يدل على سلب شيء عنه ، كالعلي والقدوس .
واختلف العلماء أيضاً؛ هل هي توقيفية؟؛ يعني : أنه لا يجوز لأحد أن
يشتق من الأفعال الثابتة لله تعالى اسماً؛ بل لا يطلق عليه ، إلا ما ورد به نص
الكتاب والسنّة ، فقال الفخر الرازي : المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية ، وقالت
المعتزلة والكرامية : إذا دل العقل على أن معنى اللفظ ثابت في حق الله تعالى،
جاز إطلاقه على الله تعالى .
وقال القاضي أبو بكر والغزالي : الأسماء توقيفية دون الصفات؛ قال الغزالي :
كما أنه ليس لنا أن نسمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم باسم لم يسمه به
أبوه ، ولا أمه ، ولا سمى به نفسه ، كذلك في حق الله تعالى .
واتفقوا على أنه لا يجوز أن يطلق عليه تعالى اسم أو صفة توهم نقصاً؛ فلا
يقال : ماهد ، ولا زارع، ولا فالق، وإن جاء في القرآن: ﴿فنعم الماهدون﴾
[الذاريات: ٤٨]، ﴿أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٤]، ﴿فالق الحب والنوى﴾ [الأنعام:
٩٥]، ولا يقال: ماكر، ولا بناء، وإن ورد: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤]،
﴿والسماء بنيناها﴾ [الذاريات: ٤٧] .
وقال القشيري : الأسماء تؤخذ توقيفاً من الكتاب والسنّة والإجماع؛ فكل
اسم ورد فيها ، وجب إطلاقه في وصفه ، وما لم يرد ، لم يجز، ولو صح معناه ؛
وقد أوضحنا هذا البحث في كتابنا «إيقاظ الفكرة)).
٣٦٠