النص المفهرس

صفحات 321-340

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٦٧ - حديث جندب بن سفيان
الصحابة في هذا المعنى كثيرة دالة على أنها سنة .
١٢٦٧ - وَعَن جُنْدُب بنِ سُفيَانَ قَالَ : شهدت الأضحى مع رسول الله
*، فلما قضى صلاته بالناس، نظر إلى غنم قد ذبحت، فقال: ((من ذبح
قبل الصلاة ، فليذبح شاة مكانها ، ومن لم يكن ذبح، فليذبح على اسم الله)).
متفق عليه .
(وعن جندب بن سفيان): هو أبو عبد الله جندب بن سفيان البجلي
العلقمي الأحمسي ، كان بالكوفة ثم انتقل إلى البصرة ثم خرج منها ، ومات
في فتنة ابن الزبير بعد أربع سنين (قال : شهدت الأضحى مع رسول الله
فلما قضى صلاته بالناس ، نظر إلى غنم قد ذبحت ، فقال: ((من ذبح قبل .
الصلاة ، فليذبح شاة مكانها ، ومن لم يكن ذبح، فليذبح على اسم الله)).
متفق عليه): فيه دليل على أن وقت التضحية من بعد صلاة العيد ، فلا تجزئ
قبله ، والمراد صلاة المصلي نفسه ، ويحتمل أن يراد صلاة الإمام ، وأن اللام
للعهد في قوله : (الصلاة)) يراد به المذكورة قبلها؛ وهي صلاته ﴿ايه .
وإليه ذهب مالك ، فقال : لا يجوز قبل صلاة الإمام وخطبته وذبحه ، ودلیل
اعتبار ذبح الإمام ما رواه الطحاوي من حديث جابر: أن النبي ◌َّله صلى يوم
النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي ﴿ قد نحر؛ فأمرهم أن
يعيدوا . وأجيب بأن المراد زجرهم عن التعجيل الذي قد يؤدي إلى فعلها قبل
الوقت؛ ولذا لم يأت في الأحاديث، إلا تقييدها بصلاته عَ له ، وقال أحمد مثل
قول مالك ، ولم يشترط ذبحه ، ونحوه عن الحسن والأوزاعي وإسحاق بن
٣٢١

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٦٧ - حديث جندب بن سفيان
راهويه ، وقال الشافعي وداود : وقتها إذا طلعت الشمس ، ومضى قدر صلاة
العيد وخطبتين ، وإن لم يصل الإمام ولا صلى المضحي .
قال القرطبي : ظواهر الحديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة ، لكن لما رأى
الشافعي أن من لا صلاة عليه مخاطب بالتضحية ، حمل الصلاة على وقتها ،
وقال ابن دقيق العيد : هذا اللفظ أظهر في اعتبار قبل الصلاة ، وهو قوله في
رواية: ((من ذبح قبل أن يصلي ، فليذبح مكانها أخرى))، قال: لكن إن أجريناه
على ظاهره، اقتضى أنها لا تجزئ الأضحية في حق من لم يصل العيد ، فإن
ذهب إليه أحد ، فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث ، وإلا وجب الخروج عن هذا
الظاهر في هذه الصورة ، ويبقى ما عداها في محل البحث . وقد أخرج الطحاوي
من حديث جابر: أن رجلاً ذبح قبل أن يصلي رسول الله عَ ليه ؛ فنهى أن يذبح
أحد قبل الصلاة . صححه ابن حبان ، وقد عرفت الأقوى دليلاً من هذه الأقوال .
وهذا الكلام في ابتداء وقت الضحية ، وأما انتهاؤه ، فأقوال ؛ فعند الهادوية :
العاشر ويومان بعده ؛ وبه قال مالك وأحمد ، وعند الشافعي : أن أيام الأضحى
أربعة يوم النحر وثلاثة بعده ، وعند داود وجماعة من التابعين يوم النحر فقط إلا
في منىٍّ فيجوز في الثلاثة الأيام ، وعند جماعة : أنه إلى آخر يوم من شهر ذي
الحجة ، قال في ((نهاية المجتهد)): سبب اختلافهم شيئان:
أحدهما : الاختلاف في الأيام المعلومات ما هي؟ في قوله تعالى : ﴿ليشهدوا
منافع لهم﴾ [الحج: ٢٨] ، فقيل : يوم النحر ویومان بعده ، وهو المشهور ، وقيل :
العشر الأول من ذي الحجة ...
٣٢٢

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٦٧ - حديث جندب بن سفيان
والسبب الثاني : معارضة دليل الخطاب في هذه الآية بحديث جبير بن
مطعم مرفوعاً : أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: «كل فجاج مكة منحر ،
وكل أيام التشريق ذبح)) ، فمن قال في الأيام المعلومات : إنها يوم النحر ويومان
بعده في هذه الآية ، رجح دليل الخطاب فيها على الحديث المذكور ، وقال : لا
نحر إلا في هذه الأيام ، ومن رأى الجمع بين الحديث والآية ، قال : لا معارضة
بينهما؛ إذ الحديث اقتضى حكماً زائداً على ما في الآية ، مع أن الآية ليس
المقصود فيها تحديد أيام النحر ، والحديث المقصود منه ذلك ، قال : يجوز الذبح
في اليوم الرابع ، إذا كان من أيام التشريق باتفاق .
ولا خلاف بينهم أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، وأنها ثلاثة أيام
بعد يوم النحر ، إلا ما يروى عن سعيد بن جبير أنه قال : يوم النحر من أيام
التشريق ، وإنما اختلفوا في الأيام المعلومات على القولين ، وأمّا من قال يوم النحر
فقط ؛ فبناءً على أن المعلومات العشر الأول ، قالوا : وإذا كان الإجماع قد انعقد
على أنه لا يجوز الذبح هنا إلا في اليوم العاشر؛ وهو محل الذبح المنصوص
عليه ، فوجب أن لا يكون إلا يوم النحر فقط . انتهى .
فائدة: في ((النهاية)) أيضاً: ذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا يجوز
التضحية في ليالي أيام النحر؛ وذهب غيره إلى جواز ذلك .
وسبب الاختلاف هو أن اليوم يطلق على اليوم والليلة ، نحو قوله : ﴿تمتعوا في
داركم ثلاثة أيام﴾ [هود: ٦٥] ، ويطلق على النهار دون الليل ، نحو: ﴿سبع ليال
وثمانية أيام﴾ [الحاقة: ٧]، فعطف الأيَّام على الليالي ؛ والعطف يقتضي المغايرة .
٣٢٣

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٦٨ - حديث البراء بن عازب
ولكن بقي النظر في أيهما أظهر؟ والمحتج بالمغايرة في أنه لا يصح بالليل
عمل بمفهوم اللقب ، ولم يقل به إلا الدقاق ، إلا أن يقال : دل الدليل على أنه
يجوز في النهار، والأصل في الذبح الحظر ، فيبقى الليل على الحظر ، والدليل
على تجويزه في الليل . اهـ.
قلت : لا حظر في الذبح ؛ بل قد أباح الله ذبح الحيوان في أي وقت ، وإنما
كان الحظر عقلاً قبل إباحة الله تعالى لذلك .
١٢٦٨ - وعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه قالَ: قام فينا رسولُ الله
فقال: ((أَرْبعٌ لا تجوزُ في الضَّحايا: العوراءُ الْبَيِّنُ عَوَرُها ، والمريضةُ البَيِّنُ
مرضُها ، والعرجاءُ البَيِّنُ ضَلَعُها، والكبيرةُ التي لا تُنْقي)). رَوَاهُ أَحمد
والأربعةُ ، وصححه الترمذي وابن حِبّان .
(وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله مح له فقال:
((أربع لا تجوز في الضحايا: العوراء البيّن عورها، والمريضة البين مرضها،
والعرجاء البيِّن ضلعها، والكبيرة التي لا تنقي))): بضم المثناة الفوقية وإسكان
النون وكسر القاف ؛ أي : التي لا نقي لها ؛ بكسر النون وإسكان القاف ، وهو المخ
(رواه أحمد والأربعة ، وصححه الترمذي وابن حبّان) .
وصححه الحاكم وقال : على شرطهما ، وصوب كلامه المصنف ، وقال : لم
يخرجه البخاري ومسلم في ((صحيحيهما))، ولكنه صحيح أخرجه أصحاب
((السنن)) بأسانيد صحيحة ، وحسنه أحمد بن حنبل فقال: ما أحسنه من
حديث ، وقال الترمذي : صحيح حسن .
٣٢٤

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٦٩ - حديث جابر
والحديث دليل على أن هذه الأربعة العيوب مانعة من صحة التضحية ،
وسكت عن غيرها من العيوب ؛ فذهب أهل الظاهر إلى أنه لا عيب غير هذه
الأربعة ، وذهب الجمهور إلى أنه يقاس عليها غيرها مما كان أشد منها ، أو مساوياً
لها ، كالعمياء ومقطوعة الساق .
وقوله: ((البيّن عورها))، قال في ((البحر)): إنه يعفى عما إذا كان الذاهب
الثلث فما دونه ، وكذا في العرج؛ قال الشافعي : العرجاء إذا تأخرت عن الغنم
لأجله فهو بين ، وقوله : ((ضلعها))؛ أي : اعوجاجها .
﴿﴿: ((لا تذبحُوا إلا
١٢٦٩ - وعن جابر رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله
مُسنّةً ، إلا إن تَعَسَّر عليكم، فَتَذْبحوا جَذَعةً مِنَ الضَّأْنِ)). رواهُ مُسلمٌ .
(وعن جابر رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ عَ هُ: ((لا تذبحُوا إلا
مُسِنّةً، إلا إن تَعَسَّر عليكم، فَتَذْبحوا جَذَعةً منَ الضَّأْنِ)). رواهُ مُسلمٌ).
المسنة : الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم ، فما فوقها كما قدمنا .
والحديث دليل على أنه لا يجزئ الجذع من الضأن ، في حال من الأحوال،
إلا عند تعسر المسنة ، وقد نقل القاضي عياض الإجماع على ذلك ، ولكنه غير
صحيح ، لما يأتي ، وحكي عن ابن عمر والزهري أنه لا يجزئ ، ولو مع التعسر .
وذهب كثيرون إلى إجزاء الجذع من الضأن مطلقاً ، وحملوا الحديث على
الاستحباب؛ بقرينة حديث أم بلال: أنه قال رسول الله عَ ليه: ((ضحوا بالجذع
من الضأن)» . أخرجه أحمد وابن جرير والبيهقي ، وأشار الترمذي إلى حديث:
(«نعمت الأضحية الجذع من الضأن))، وروى ابن وهب عن عقبة بن عامر
٣٢٥

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٧٠ - حديث علي
بلفظ : ضحينا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالجذع من
الضأن . قلت : ويحتمل أن ذلك كله عند تعسر المسنة .
١٢٧٠ - وعن علي رضي الله عنه قالَ: أمرَنا رسولُ الله ◌َّ ◌ُهُ أَنْ نَستشرفَ
العينَ والأذنَ ، ولا نُضحِّيَ بعوراءَ ، ولا مُقابَلة ، ولا مدابرة، ولا خرْقاءَ ، ولا
ثرمى. أُخْرجَهُ أَحْمدُ والأربعَةُ وصححه الترمذيُّ وابن حبّان والحاكمُ .
(وعن علي رضي الله عنه قالَ: أمرنا رسولُ الله ◌َّةٍ أَنْ نَستْشرفَ العينَ
والأذنَ) : أي : نشرف عليهما ونتأملهما ؛ لئلا يقع نقص وعيب (ولا نضحي
بعوراء ، ولا مقابلة) : بفتح الموحدة : ما قطع من طرف أذنها شيء ، ثم بقي
معلقاً (ولا مدابرة): والمدابرة : - بالدال المهملة وفتح الموحدة -: ما قطع من
مؤخر أذنها شيء وترك معلقاً (ولا خرقاء): بالخاء المعجمة مفتوحة والراء
ساكنة : المشقوقة الأذنين (ولا ثرمى): بالمثلثة فراء وميم وألف مقصورة : هي
من الثرم ، وهو سقوط الثني من الأسنان ، وقيل : الثنية والرباعية ، وقيل : هو أن
تنقطع السن من أصلها مطلقاً ، وإنما نهى عنها؛ لنقصان أكلها؛ قاله في
((النهاية))؛ ووقع في نسخة ((الشرح)): شرقاء؛ بالشين المعجمة والراء والقاف،
وعليها شرح الشارح ، ولكن الذي في نسخ ((بلوغ المرام)) الصحيحة: الثرمى،
كما ذكرناه (أخرجه أحمد والأربعة ، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم) .
فيه دليل على أنها تجزئ الأضحية إلا ما ذكر، وهو مذهب الهادوية ، وقال
الإمام يحيى : تجزئ وتكره ، وقواه المهدي ، وظاهر الحديث مع الأول .
وورد النهي عن التضحية بالمصْفَرة؛ بضم الميم وإسكان الصاد المهملة ففاء
٣٢٦

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٧٠ - حديث علي
مفتوحة فراء . أخرجه أبو داود والحاكم، وهي المهزولة ، كما في ((النهاية))، وفي
رواية : المصفورة ، قيل : هي المستأصلة الأذن .
وأخرج أبو داود من حديث عقبة بن عامر السلمي أنه قال : نهى رسول الله
عن المصفرة والمستأصلة والنجقاء والمشيعة والكسراء؛ فالمصفرة : التي
تستأصل أذنها ، حتّى يبدو صماخها ، والمستأصلة : التي استؤصل قرنها من
أصله ، والنجقاء : التي تنجق عينها، والمشيعة: التي لا تتبع الغنم عجفاً، أو
ضعفاً ، والكسراء : الكسيرة ؛ هذا لفظ أبي داود .
وأما مقطوع الآلية والذنب ؛ فإنه يجزئ لما أخرجه أحمد وابن ماجه
والبيهقي من حديث أبي سعيد قال : اشتريت كبشاً؛ لأضحي به ، فعدا الذئب
فأخذ منه الآلية، فسألت النبي ﴿ فقال: ((ضح به))، وفيه جابر الجعفي،
وشيخه محمد بن قرظة مجهول ، إلا أن له شاهداً عند البيهقي ، واستدل به
ابن تيمية في ((المنتقى)) على أن العيب الحادث بعد تعيين الأضحية لا يضر،
وذهبت الهادوية إلى عدم إجزاء مسلوب الآلية .
وفي ((نهاية المجتهد)) : أنه ورد في هذا الباب من الأحاديث الحسان حديثان
متعارضان ، فذكر النسائي عن أبي بردة أنه قال: يا رسول الله ، أكره النقص
* : ((وما کرهته فدعه ، ولا تحرّمه على
يكون في القرن والأذن ، فقال النبي
غيرك))، ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه : أمرنا رسولُ الله
العين ، الحديث .
أن نستشرف
فمن رجح حديث أبي بردة قال : لا تتقى إلا العيوب الأربعة ، وما هو أشد
٣٢٧

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٧١ - حديث علي
منها ، ومن جمع بين الحديثين حمل حديث أبي بردة على العيب اليسير الذي
هو غير بيّن ، وحديث علي عليهِ السَّلام على الكثير البين .
فائدة : أجمع العلماء على جواز التضحية من جميع بهيمة الأنعام، وإنما
اختلفوا في الأفضل ، والظاهر أن الغنم في الضحية أفضل ؛ لفعله صلى الله
عليه وآله وسلم وأمره ، وإن كان يحتمل أن ذلك ؛ لأنها المتيسرة لهم .
ثم الإجماع على أنه لا يجوز التضحية بغير بهيمة الأنعام ، إلا ما حكي
عن الحسن بن صالح أنها تجوز التضحية ببقرة الوحش عن عشرة والظبي عن
واحد ، وما روي عن أسماء أنها قالت : ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم بالخيل ، وما روي عن أبي هريرة أنه ضحى بديك .
١٢٧١ - وعن عليٍّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قالَ: أَمرني رَسُولُ الله
أَنْ أَقومَ على بُدْنِهِ، وأَن أَقْسِمَ لحومَها وجُلُودَها وجلالهَا على المساكين ،
ولا أُعْطي في جزارتها شيئاً منْها . متفقٌ عليْهِ .
أَنْ
(وعن عليٍّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قالَ: أَمرني رَسُولُ الله عَ
أَقومَ على بُدْنِهِ ، وأَن أَقْسِمَ لحومَها وجُلُودَها وجلالهَا على المساكين ، ولا
أُعْطي في جزارتها شيئاً منْها . متفقٌ عليْهِ).
هذا في بدنه صلى الله عليه وآله وسلم التي ساقها في حجة الوداع ، وكانت
مع التي أتى بها علي رضي الله عنه من اليمن مائة بدنة، نحرها ﴿ يوم النحر
بمنَّى؛ نحر بيده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثلاثاً وستين ، ونحر بقيتها علي
رضي الله عنه ، وقد تقدم في كتاب الحج .
٣٢٨

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٧٢ - حديث جابر
والبدن : تطلق لغة على الإبل والبقر والغنم ، إلا أنها هنا للإبل ، وهكذا
استعمالها في الأحاديث ، وفي كتب الفقه في الإبل خاصة .
ودل على أنه يتصدق بالجلود والجلال ، كما يتصدق باللحم ، وأنه لا يعطي
الجزار منها شيئاً أجرة ؛ لأن ذلك في حكم البيع ؛ لاستحقاقه الأجرة ، وحكم
الأضحية حكم الهدي في أنه لا يباع لحمها ، ولا جلدها ، ولا يعطى الجزار منها
شيئاً .
قال في ((نهاية المجتهد)): العلماء متفقون - فيما علمت - أنه لا يجوز بيع لحمها ،
واختلفوا في جلدها وشعرها مما ينتفع به ؛ فقال الجمهور : لا يجوز، وقال أبو حنيفة :
يجوز بيعه بغير الدنانير والدراهم ؛ يعني : بالعروض ، وقال عطاء : يجوز بكل شيء
دراهم وغيرها ، وإنما فرّق أبو حنيفة بين الدراهم وغيرها ؛ لأنه رأى أن المعاوضة في
العروض هي من باب الانتفاع ؛ لإجماعهم على أنه يجوز الانتفاع به .
١٢٧٢ - وعن جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُمَا قالَ : نحرْنا معَ رسولِ الله
عامَ الحديبيةِ البَدَنَةَ عن سبعة ، والبقرَةَ عنْ سبْعةٍ . رواهُ مُسلمٌ .
(وعن جابر بن عبد الله رضيَ الله عنهُمَا قالَ : نحرْنا معَ رسولِ الله
عامَ الحديبيةِ البَدَنَةَ عن سبعة ، والبقرَةَ عنْ سبْعةٍ . رواهُ مُسلمٌ) .
دل الحديث على جواز الاشتراك في البدنة والبقرة ، وأنهما يجزيان عن
سبعة ، وهذا في الهدي ، ويقاس عليه الأضحية ؛ بل قد ورد فيها نص ، فأخرج
الترمذي والنسائي من حديث ابن عباس قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم في السفر ، فحضر الأضحى ، فاشتركنا في البقرة سبعة ، وفي البعير
٣٢٩

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٧٢ - حديث جابر
عشرة . وقد صح اشتراك أهل بيت واحد في ضحية واحدة كما في حديث
مخنف ؛ وإلى هذا ذهب زيد بن علي وحفيده أحمد بن عيسى والفريقان .
قال النووي : سواء كانوا مجتمعين ، أو متفرقين ؛ مفترضين ، أو متطوّعين ، أو
بعضهم متقرّباً وبعضهم طالب لحم ، وبه قال أحمد ، وذهب مالك إلى أنه لا يجوز
الاشتراك في الهدي إلا في هدي التطوّع . وهدي الإحصار عندي من هدي التطوّع .
واشترطت الهادوية في الاشتراك اتفاق الغرض ؛ قالوا : ولا يصح مع
الاختلاف ؛ لأن الهدي شيء واحد ؛ فلا يتبعض ، بأن يكون بعضه واجباً
وبعضه غير واجب ، وقالوا : إنها تجزئ البدنة عن عشرة ؛ لما سلف من حديث
ابن عباس ، وقاسوا الهدي على الأضحية ، وأجيب : بأنه لا قياس مع النص .
وادّعى ابن رشد الإجماع على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من
سبعة ؛ قال : وإن كان روي من حديث رافع بن خديج : أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم عدل البعير بعشر شياه. أخرجه في (الصحيحين)) ، ومن طريق ابن
عباس وغيره: ((البدنة عن عشر)). قال الطحاوي : وإجماعهم دليل على أن
الآثار في ذلك غير صحيحة . اهـ، ولا يخفى أنه لا إجماع مع خلاف من
ذكرنا ، وكأنه لم يطلع عليه .
واختلفوا في الشاة ، فقال الهادوية : تجزئ عن ثلاثة في الأضحية ؛ قالوا :
وذلك ؛ لما تقدم من تضحية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالكبش عن
محمد وآل محمد ؛ قالوا: وظاهر الحديث أنها تجزئ عن أكثر، لكن الإجماع
قصر الإجزاء على الثلاثة .
٣٣٠

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٧٢ - حديث جابر
قلت: وهذا الإجماع الذي ادعوه يباين ما قاله في ((نهاية المجتهد))؛ فإنه
قال : إنه وقع الإجماع على أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد .
والحق أنها تجزئ الشاة عن الرجل وعن أهل بيته ؛ لفعله صلى الله عليه وآله
وسلم، ولما أخرجه مالك في ((الموطأ)) من حديث أبي أيوب الأنصاري قال:
كنا نضحي بالشاة الواحدة ، يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته ، ثم تباهى
الناس بعد !
فائدة : من السنة لمن أراد أن يضحي أن لا يأخذ من شعره ، ولا من أظفاره ،
إذا دخل شهر ذي الحجة ؛ لما أخرجه مسلم من أربع طرق من حديث أم سلمة :
◌ٍ: ((إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي ، فلا يمس
قال رسول الله يـ
من شعره وبشره شيئاً)) .
وأخرج البيهقي من حديث عمرو بن العاص: أنه ﴿ قال لرجل سأله عن
الضحية وأنه قد لا يجدها ، فقال: ((قلم أظافرك ، وقص شاربك ، واحلق
عانتك ؛ فذلك تمام أضحيتك عند الله عزّ وجلّ))، وهذا فيه شرعية هذه الأفعال
في يوم التضحية ، وإن لم يترك من أول شهر الحجة .
وذهب أحمد وإسحق أنه يحرم للنهي ، وإليه ذهب ابن حزم ، وقال من لم
يحرمه : قد قامت القرينة على أن النهي ليس للتحريم ، وهو ما أخرجه الشيخان
وغيرهما من حديث عائشة قالت : أنا فتلت قلائد هدي رسول الله
بيدي ،
ثم قلدها رسول الله فيظـ
بيده، ثم بعث بها مع أبي ، فلم يحرم على رسول الله
شيء مما أحله الله ، حتّی نحر الهدي .
٣٣١

١٤ - كتاب الأطعمة
٢ - باب الأضاحي
١٢٧٢ - حديث جابر
قال الشافعي : فيه دلالة على أنه لا يحرم على المرء شيء ببعثه بهديه ،
والبعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية . قلت : هذا قياس منه ، والنص قد
خص من يريد التضحية بما ذكر .
فائدة أخری : يستحب للمضحی أن یتصدق وأن یأکل ، واستحب كثير من
العلماء أن يقسمها أثلاثاً؛ ثلثاً للادخار وثلثاً للصدقة وثلثاً للأكل؛ لقوله ﴿ * :
((كلوا وتصدّقوا وادّخروا))، أخرجه الترمذي بلفظ: ((كنت نهيتكم عن لحوم
الأضاحي فوق ثلاث ؛ ليتسع ذو الطول على من لا طول له ، فكلوا ما بدا
لكم وتصدّقوا وادخروا))، ولعل الظاهرية توجب التجزئة !
وقال عبد الوهاب : أوجب قوم الأكل ، وليس بواجب في المذهب .
٣٣٢

١٤ - كتاب الأطعمة
٣ - باب العقيقة
١٢٧٣ - حديث ابن عباس
٣ - باب العقيقة
العقيقة : هي الذبيحة التي تذبح للمولود ، وأصل العق : الشقُّ والقطع ، وقيل :
للذبيحة عقيقة ؛ لأنه يشق حلقها ، ويقال : عقيقة للشعر الذي يخرج على رأس
المولود من بطن أمه ، وجعله الزمخشري أصلاً ، والشاة المذبوحة مشتقة منه .
عَقَّ عن الحسن
١٢٧٣ - عن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النّبيِّ.
والحسين كبشاً كبشاً . رواهُ أَبو داود، وصحّحهُ ابنُ خُزيمة وابنُ الجارود وعبدُ
الحقِّ، لكن رجح أبو حاتم إرساله .
﴿ عَقَّ عن الحسن والحسين
(عن ابن عباس رضيَ الله عنهُمَا: أَنَّ النّبيَّ ◌َ
كبشاً كبشاً. رواهُ أَبو داود، وصحّحهُ ابنُ خُزيمة وابنُ الجارود وعبدُ الحقِّ،
لكن رجح أبو حاتم إرساله) .
وقد أخرج البيهقي والحاكم وابن حبان من حديث عائشة بزيادة : يوم السابع
وسماهما ، وأمر أن يماط عن رأسيهما الأذى ، وأخرج البيهقي من حديث عائشة
رضيَ الله عنهَا: أن النبي ◌َ﴿ عق عن الحسن والحسين رضيَ الله عنهُمَا يوم
السابع من ولادتهما ، وأخرج البيهقي أيضاً من حديث جابر رضي الله عنه : أن
النبي ﴿ عَقَّ عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام. قال الحسن البصري:
إماطة الأذى حلق الرأس .
وصححه ابن السكن بأتم من هذا ، وفيه : وكان أهل الجاهلية يجعلون قطنة
في دم العقيقة، ويجعلونها على رأس المولود؛ فأمرهم النبي ﴿ أن يجعلوا مكان
٣٣٣

١٤ - كتاب الأطعمة
٣ - باب العقيقة
١٢٧٤ حديث أنس
الدم خلوقاً . ورواه أحمد والنسائي من حديث بُرِيدَة ، وسنده صحيح ، ويؤيد
هذه الأحاديث الحديث الآتي ، وهو قوله :
١٢٧٤ - وأخرجَ ابنُ حِبّانَ مِنْ حديث أَنسٍ نحوه .
(وأخرجَ ابنُ حِبّانَ مِنْ حديث أنس نحوه) .
والأحاديث دلت على مشروعية العقيقة ، واختلفت فيها مذاهب العلماء ،
فعند الجمهور: أنها سنة ، وذهب داود ومن تبعه إلى أنها واجبة .
دليل على السنية ، وبحديث : ((من ولد له
واستدل الجمهور بأن فعله
ولد ، فأحب أن ينسك عن ولده ، فليفعل)) . أخرجه مالك .
واستدلت الظاهرية بما يأتي من قول عائشة رضي الله عنها: أنه مَّهِ أمرهم
بها ، والأمر دليل الإيجاب ، وأجاب الأولون بأنه صرفه عن الوجوب قوله :
((فأحب أن ينسك عن ولده ، فليفعل)) .
وقوله في حديث عائشة: ((يوم سابعه))، دليل أنه وقَّتها ، وسيأتي فيه
حديث سمرة ، وأنه لا يشرع قبله ، ولا بعده .
وقال النووي : إنه يعق قبل السابع ، وكذا عن الكبير؛ فقد أخرج البيهقي
من حديث أنس: أن النبي ﴿ عق عن نفسه بعد البعثة ؛ ولكنه قال : منكر ،
وقال النووي : حديث باطل ، وقيل : يجزئ في السابع والثاني والثالث ؛ لما
أخرجه البيهقي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي :﴿﴿ أنه قال: ((العقيقة
تذبح لسبع ولأربع عشرة ولإحدى وعشرين)) .
٣٣٤

١٤ - كتاب الأطعمة
٣ - باب العقيقة
١٢٧٥ - حديث عائشة
ودل الحديث على أنه يجزئ عن الغلام شاة ؛ لكن الحديث الآتي ، وهو
قوله :
١٢٧٥ - وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسولَ الله ◌َ ◌ّهُ أَمرِهمْ أَن يُعَقَّ
عن الغلام شاتان مكافئتان ، وعن الجارية شاةٌ . رواه الترمذيُّ ، وصحّحهُ .
أمرهم أن يعق عن الغلام
(وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله عَليه
شاتان) : وفي رواية (مكافئتان): قال النووي : بكسر الفاء وبعدها همزة ، ويأتي
تفسيره (وعن الجارية شاة . رواه الترمذي ، وصححه) .
وقال : حسن صحيح ، إلا أني لم أجد لفظة : أن يعق في نسخ الترمذي .
قال أحمد وأبو داود : معنى مكافئتان : متساويان ، أو متقاربتان ، وقال
الخطابي : المراد : التكافؤ في السن ؛ فلا تكون إحداهما مسنة والأخرى غير
مسنة ؛ بل يكونان مما يجزئ في الأضحية ، وقيل : معناه : أن يذبح إحداهما
مقابلة للأخرى .
دل الحديث على أنه يعق عن الغلام بضعف ما يعق عن الجارية ؛ وإليه
ذهب الشافعي وأبو ثور وأحمد وداود ؛ لهذا الحديث .
وذهبت الهادوية ومالك إلى أنه يجزئ عن الذكر والأنثى عن كل واحد
شاة ؛ للحديث الماضي ، وأجيب بأن ذلك فعل وهذا قول ، والقول أقوى ، وبأنه
يجوز أنه * ذبح عن الذكر كبشاً؛ لبيان أنه يجزئ وذبح الاثنين مستحب ،
على أنه أخرج أبو الشيخ حديث ابن عباس من طريق عكرمة بلفظ : كبشين
٣٣٥

١٤ - كتاب الأطعمة
٣ - باب العقيقة ١٢٧٦ و١٢٧٧ - حديثا أم كرز وسمرة
كبشين ، ومن حديث عمرو بن شعيب مثله ، وحينئذ فلا تعارض ، وفي إطلاق
لفظ: الشاة دليل على أنه لا يشترط فيها ما يشترط في الأضحية(١)، ومن
اشترطها فبالقياس .
١٢٧٦ - وأَخْرَجَ أَحمدُ والأربعةُ عنْ أمِّ كُرْزِ الكَعْبِيّة نحْوَهُ.
(وأخرج أحمد والأربعة عن أُم كُرْز) : بضم أوله وسكون الراء بعدها زاي
(الكعبية): المكية ، صحابية لها أحاديث؛ قاله المصنف في ((التقريب)) (نحوه):
أي : نحو حديث عائشة ، ولفظه في الترمذي عن سباع بن ثابت : أن محمد بن
** عن العقيقة ،
ثابت بن سباع أخبره أن أم كرز أخبرته أنها سألت رسول الله
قال: ((عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة ، ولا يضركم أُذُكْراناً كنّ أم إناثاً)).
قال أبو عيسى - يعني الترمذي -: حسن صحيح، وهو يفيد ما يفيد الحديث الثالث .
١٢٧٧ - وعن سمرة رضي الله عنه: أَنَّ رسول اللّه ◌َ﴿ه قال: «كُلُّ غلام
مُرْتهنٌ بعقيقته؛ تذبحُ عَنْهُ يومَ سابعهٍ ويحلَقُ ويُسمّى)). رواهُ أَحمدُ والأربعة ،
وصحّحه الترمذيُ .
(وعن سمرة رضي الله عنه: أَنَّ رسول اللهِ﴿ قال: «كُلُّ غلام مُرْتهنّ
بعقيقته؛ تذبحُ عَنْهُ يومَ سابعهِ ويحلَقُ ويُسمّى)). رواهُ أَحمدُ والأَربعة،
وصححه الترمذيُ) .
وهذا هو حديث العقيقة الذي اتفقوا على أنه سمعه الحسن من سمرة ،
واختلفوا في سماعه لغيره منه من الأحاديث .
(١) هامٌّ !
٣٣٦

١٤ - كتاب الأطعمة
٣ - باب العقيقة
١٢٧٧ - حديث سمرة
قال الخطابي : اختلف في قوله : «مرتهن بعقیقته))؛ فذهب أحمد بن حنبل
أنه إذا مات وهو طفل لم يعق عنه ، أنه لا يشفع لأبويه ، قلت : ونقله الحليمي
عن عطاء الخراساني ومحمد بن مطرف ؛ وهما إمامان عالمان متقدمان على أحمد .
وقيل : إن المعنى : العقيقة لازمة لا بدّ منها؛ فشبه لزومها للمولود بلزوم
الرهن للمرهون في يد المرتهن ، وهو يقوي قول الظاهرية بالوجوب .
وقيل : المراد أنه مرهون بأذى شعره؛ ولذلك جاء: ((فأميطوا عنه الأذى))،
ويقوّي قول أحمد ما أخرجه البيهقي عن عطاء الخراساني ، وأخرجه ابن حزم
عن بريدة الأسلمي قال : إن الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة ، كما
يعرضون على الصلوات الخمس ، وهذا دليل - لو ثبت - لمن قال بالوجوب .
وتقدم أنها مؤقتة باليوم السابع ، كما دل ما مضى ، ودل له هذا أيضاً .
وقال مالك : تفوت بعده ، وقال : من مات قبل السابع سقطت عنه العقيقة ،
وللعلماء خلاف في العق بعده، وفي قولها : أمرهم - أي : المسلمين - بأن يعق
كل مولود له عن ولده ، فعند الشافعي يتعين على كل من تلزمه النفقة للمولود ،
وعند الحنابلة يتعين على الأب ، إلا أن يموت ، أو يمتنع .
وأخذ من لفظ: (تذبح))؛ بالبناء للمجهول أنه يجزئ أن يعق عنه الأجنبي ،
وقد تأيد بأنه معَّه عق عن الحسن والحسين ، كما سلف ، إلا أنه يقال: قد ثبت
أنه عَ ليه أبوهما، كما ورد به الحديث بلفظ: ((كل بني أم ينتمون إلى عصبة ،
إلا ولد فاطمة رضي الله عنها فأنا وليهم، وأنا عصبتهم))، وفي لفظ: ((وأنا
٣٣٧

١٤ - كتاب الأطعمة
٣ - باب العقيقة
١٢٧٧ - حديث سمرة
أبوهم)) . أخرجه الخطيب من حديث فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها ، ومن
حديث عمر رضي الله تعالى عنه .
وأما ما أخرجه أحمد من حديث أبي رافع : أن فاطمة رضي الله تعالى عنها
لما ولدت حسناً، قالت: يا رسول الله! ألا أعق عن ولدي بدم؟ قال: ((لا،
ولكن احلقي رأسه ، وتصدقي بوزن شعره فضة))، فهو من الأدلة على أنه قد
أجزأ عنه ما ذبحه النبي ◌َالله عنه ، وأنها ذكرت هذا فمنعها ، ثم عق عنه
وأرشدها إلى تولي الحلق والتصدق ، وهذا أقرب ؛ لأنها لا تستأذنه ، إلا قبل
ذبحه ، وقبل مجيء وقت الذبح ، وهو السابع .
وفي قوله في حديث سمرة: ((ويحلق))، دليل على شرعية حلق رأس المولود
يوم سابعه ، وظاهره عام لحلق رأس الغلام والجارية ، وحكى المازري كراهة حلق
رأس الجارية ، وعن بعض الحنابلة : تحلق لإطلاق الحديث .
وأما تثقيب أذن الصبية ؛ لأجل تعليق الحلي فيها ، الذي يفعله الناس في
هذه الأعصار وقبلها، فقال الغزالي في ((الإحياء)): إنه لا يرى فيه رخصة ؛ فإن
ذلك جرح مؤلم ، ومثله موجب للقصاص ؛ فلا يجوز إلا لحاجة مهمة ، كالفصد
والحجامة والختان ، والتزين بالحلي غير مهم؛ فهذا وإن كان معتاداً ، فهو حرام،
والمنع منه واجب ، والاستئجار عليه غير صحيح ، والأجرة المأخوذة عليه حرام .
اهـ. وفي كتب الحنابلة أن تثقيب آذان الصبايا للحلي جائز ويكره للصبيان ،
وفي ((فتاوى قاضي خان)) من الحنفية: لا بأس بثقب أذن الطفل ؛ لأنهم كانوا
في الجاهلية يفعلونه ، ولم ينكره عليهم النبي
٣٣٨

١٤ - كتاب الأطعمة
٣ - باب العقيقة
١٢٧٧ - حديث سمرة
قوله: ((ويسمى))، هذا هو الصحيح في الرواية ، وأمّا روايته بلفظ: ويدمى؛
من الدم ؛ أي: يفعل في رأسه من دم العقيقة كما كانت تفعله الجاهلية ، فقد
وهم راويها ؛ بل المراد تسمية المولود .
وينبغي اختيار الاسم الحسن له؛ لما ثبت من أنه #* كان يغير الاسم
القبيح ، وصح عنه : ((إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى : شاهان شاه ؛
ملك الأملاك ؛ لا ملك إلا الله تعالى))، فتحرم التسمية بذلك ، وألحق به تحريم
التسمية بقاضي القضاة ، وأشنع منه حاكم الحكام ؛ نص عليه الأوزاعي .
ومن الألقاب القبيحة ما قاله الزمخشري : إنه توسع الناس في زماننا ، حتّى
لقبوا السفلة بألقاب العلية ! وهب أن العذر مبسوط ؛ فما أقول في تلقيب من
ليس من الدين في قبيل ولا دبير بفلان الدين ، هي - لعمري والله ، - الغصة
التي لا تساغ .
وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ونحوهما ، وأصدقها حارث
وهمام ، ولا تكره التسمية بأسماء الأنبياء ويس وطه خلافاً لمالك ، وفي ((مسند))
الحارث بن أبي أسامة: أن النبي ◌َ ل﴾ قال: ((من كان له ثلاثة من الولد ، ولم
يسم أحدهم بمحمد، فقد جهل))، فينبغي التسمي باسمه ﴿؛ فقد أخرج في
كتاب ((الخصائص)) لابن سبع عن ابن عباس: أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد :
ء
ألا لیقم من اسمه محمد فليدخل الجنة ؛ تكرمة لنبيه محمد ێلهم ، وقال مالك:
سمعت أهل المدينة يقولون : ما من أهل بیت فیھم اسم محمد إلا رزقوا رزق خير ،
وقال ابن رشد : يحتمل أن يكونوا عرفوا ذلك بالتجربة ، أو عندهم فيه أثر .
٣٣٩

١٤ - كتاب الأطعمة
٣ - باب العقيقة
١٢٧٧ - حديث سمرة
فائدة: روى أبو داود والترمذي: أن النبي ◌َ ﴿ أَذّن في أذن الحسن والحسين
حين ولدا . ورواه الحاكم ، والمراد الأذن اليمنى ، وفي بعض المسانيد : أن النبي
: قرأ في أذن مولود سورة الإخلاص ، وأخرج ابن السني عن الحسن بن علي
رضي الله عنه قال: قال رسول الله ثم هي: ((من ولد له مولود فأذن في أذنه
اليمنى ، وأقام الصلاة في أذنه اليسرى ، لم تضره أم الصبيان))؛ وهي التابعة
من الجنّ .
ويستحب تحنيكه بتمر ؛ لما في ((الصحيحين)) من حديث أبي موسى قال :
ولد لي غلام، فأتيت النبي ﴿ فسماه : إبراهيم، وحنكه بتمرة ، ودعا له
بالبركة ، والتحنيك : أن يضع التمر ونحوه في حنك المولود ، حتّی ینزل في
جوفه منه شيء ، وينبغي أن يكون المحنك من أهل الخير ممن ترجى بركته .
٣٤٠