النص المفهرس

صفحات 281-300

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤٠ - حديث جابر
الأول : أن العلة المنصوصة تقتضي الحصر ، فإباحة أكلها خلاف ظاهر
الآية . وأجيب عنه بأن كون العلة منصوصة لا يقتضي الحصر فيها ، فلا يفيد
الحصر في الركوب والزينة ، فإنه ينتفع بها في غيرهما اتفاقاً ، وإنما نص عليهما
لكونهما أغلب ما يطلب ، ولو سلم الحصر لامتنع حمل الأثقال على الخيل
والبغال والحمير ! ولا قائل به .
الثاني من وجوه دلالة الآية على تحريم الأكل : عطف البغال والحمير؛ فإنه
دال على اشتراكهما معها في حكم التحريم ، فمن أفرد حكمهما عن حكم ما
عطف عليه احتاج إلى دليل . وأجيب عنه بأنّ هذا من باب دلالة الاقتران ؛
وهي ضعيفة .
الثالث من وجوه دلالة الآية : أنها سيقت للامتنان ، فلو كانت تما يؤكل
لكان الامتنان به أكثر؛ لأنه يتعلق ببقاء البنية ؛ والحكيم لا يمتنّ بأدنى النعم
ويترك أعلاها ، سيما وقد امتنّ بالأكل فيما ذكر قبلها . وأجيب بأنه تعالى
خص الامتنان بالركوب ؛ لأنه غالب ما ينتفع بالخيل فيه عند العرب ، فخوطبوا
بما عرفوه وألفوه ، كما خوطبوا في الأنعام بالأكل وحمل الأثقال ؛ لأنه كان أكثر
انتفاعهم بها لذلك ، فاقتصر في كل من الصنفين بأغلب ما ينتفع به فيه .
الرابع من وجوه دلالة الآية : لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة التي امتن بها؛
وهي الركوب والزينة . وأجيب عنه بأنه لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى ، للزم
مثله في البقر ونحوها مما أبيح أكله ، ووقع الامتنان به ؛ لمنفعة أخرى .
وقد أجيب عن الاستدلال بالآية بجواب إجمالي ؛ وهو أن آية النحل مكية
٢٨١

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤١ - حديث ابن أبي أوفى
اتفاقاً ، والإذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين ،
وأيضاً فإن آية النحل ليست نصّاً في تحريم الأكل ، والحديث صريح في جوازه،
وأيضاً لو سلم ما ذكر كان غايته الدلالة على ترك الأكل ، وهو أعم من أن يكون
للتحريم أو للتنزيه أو خلاف الأولى ، وحيث لم يتعين هنا واحد منها ، لا يتم بها
التمسك ؛ فالتمسك بالأدلة المصرحة بالجواز أولى ، وأما زعم البعض أن حديث
جابر دال على التحريم ؛ لكونه ورد بلفظ الرخصة ، والرخصة استباحة المحظور مع
قيام المانع ، فدل أنه رخص لهم فيها بسبب المخمصة ، فلا يدل على الحل
المطلق ؛ فهو ضعيف ؛ لأنه ورد بلفظ : أذن لنا ، ولفظ : أطعمنا ؛ فعبر الراوي
بقوله : رخص لنا عن أذن ، لا أنه أراد الرخصة الاصطلاحية الحادثة بعد زمن
الصحابة ، فلا فرق بين العبارتين : أذن ، ورخص في لسان الصحابة .
١٢٤١ - وعَن ابنِ أَبِي أَوْفى رضي اللهُ عَنْهُما قال: غَزَوْنَا مَعَ رسولِ اللهِ
﴿ُ سَبْعَ غزواتٍ نأكُلُ الجرادَ . مُتفقٌ عَلَيْهِ .
(وعن ابن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: غزونا مع رسول الله مضخة سبع
غزوات نأكل الجراد): وهو اسم جنس، والواحدة جرادة؛ يقع على الذكر
والأنثى ، كحمامة (متفق عليه) .
وهو دليل على حل الجراد . قال النووي: وهو إجماع ، وأخرج ابن ماجه عن
أنس قال : كان أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتهادين الجراد في الأطباق .
وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)): إن جراد الأندلس لا يؤكل لأنه ضرر
محض . فإذا ثبت ما قاله فتحريمها لأجل الضرر؛ كما تحرم السموم ونحوها .
٢٨٢

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤١ - حديث ابن أبي أوفى
واختلفوا ؛ هل أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجراد أم لا؟
وحديث الكتاب يحتمل أنه كان يأكل معهم ، إلا أن في رواية البخاري زيادة
لفظ : نأكل الجراد معه . قيل : وهي محتملة أن المراد غزونا معه ؛ فيكون تأكيداً
لقوله : مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويحتمل أن المراد نأكل معه .
قلت : وهذا الأخير هو الذي يحسن حمل الحديث عليه ؛ إذ التأسيس أبلغ من
التأکید ، ويؤيده ما وقع في ((الطب)) عند أبي نعيم بزيادة : ويأكل معنا .
وأما ما أخرجه أبو داود من حديث سليمان ؛ أنه سئل رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم عن الجراد فقال: ((لا آكله ولا أحرمه))، فقد أعله المنذري
بالإرسال ، وكذلك ما أخرجه ابن عدي في ترجمة ثابت بن زهير عن نافع
عن ابن عمر: أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الضب؟ فقال: ((لا
آكله ولا أحرمه))، وسئل عن الجراد فقال مثل ذلك؛ فإنه قال النسائي : ثابت
ليس بثقة .
ويؤكل عند الجماهير على كل حال ، ولو مات بغير سبب؛ لحديث: ((أحلّ
لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال)). أخرجه أحمد
والدارقطني مرفوعاً من حديث ابن عمر ، وقال: إن الموقوف أصح، ورجح
البيهقي الموقوف ، وقال : له حكم الرفع .
واختلف فيه ؛ هل هو من صيد البحر أم من صيد البر؟ وورد حدیثان ضعيفان
أنه من صيد البحر. وورد عن بعض الصحابة أنه يلزم المحرم فيه الجزاء ؛ فدل أنه
عنده من صيد البر ، والأصل فيه أنه برّي حتى يقوم دليل على أنه بحري .
٢٨٣

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤٢ و١٢٤٣ - حديثا أنس وابن عباس
١٢٤٢ - وَعَنْ أَنس رضي اللهُ عنه - في قِصَّةِ الأرنَبِ - قال: فَذبحها فبعث
بِوَرَكِهَا إلى رسول الله لَ هُ فقبلَهُ. مُتّفقٌ عليهِ .
(وَعَنْ أَنس رضي اللهُ عنه - في قِصَّةِ الأرنَبِ - قال: فَذبحها فبعث بِوَرَكِهَا
إلى رسول الله
فقبِلَهُ. مُتّفقٌ عليهِ) : وفي القصة أنه قال أنس : أنفجنا أرنباً
ونحن بمّ الظهران فسعى القوم وتعبوا ، فأخذتها فجئت بها إلى أبي طلحة ، فبعث
بوركها - أو قال : بفخذها - إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقبلها ؛ وهو لا
يدل على أنه أكل منها ، لكن في رواية البخاري في كتاب الهبة قال الراوي - وهو
هشام بن يزيد -: قلت لأنس : وأكل منها؟ قال : وأكل منها ، ثم قال : فقبله .
والإجماع واقع على حل أكلها ؛ إلا أن الهادوية وعبد الله بن عمر وعكرمة
وابن أبي ليلى قالوا : يكره أكلها ، لما أخرجه أبو داود والبيهقي من حديث ابن
عمر: أنها جيء بها إلى النبي ﴿﴿ فلم يأكلها ولم ينه عنها ، وزعم - أي : ابن
عمر - أنها تحيض ، وأخرج البيهقي عن عمر وعمار مثل ذلك ، وأنه أمر بأكلها
ولم يأكل منها ؛ قلت : لكنه لا يخفى أن عدم أكله صلى الله عليه وآله وسلم لا
يدل على كراهيتها . وحكى الرافعي عن أبي حنيفة تحريمها .
فائدة: ذكر الدميري في («حياة الحيوان)» أن الذي يحيض من الحيوان : المرأة
والضبع والخفاش والأرنب . ويقال : إن الكلبة كذلك .
عَنْ
١٢٤٣ - وعن ابن عَبّاسٍ رضي اللهُ عَنْهُما قال: نهى رسولُ الله
قَتْلٍ أربع مِنَ الدَّوابُّ: النّمْلَّةِ والنّحْلة والهُدْهُدِ والصُّرَدِ . رواهُ أَحْمَدُ وَأَبُو
داودَ ، وصحّحُهُ ابنُ حِبّانَ .
٢٨٤

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤٤ - حديث جابر
عَنْ قَتْلِ أُربع
(وعنِ ابن عَبّاسٍ رضي اللهُ عَنْهُما قال: نهى رسولُ الله عَـ
مِنَ الدَّوابُّ: النّمْلَةِ والنّحْلة والهُدْهُد والصُّرَد . رواهُ أَحْمَدُ وأَبُو داودَ ،
وصحّحهُ ابنُ حِبّانَ) : قال البيهقي : رجاله رجال الصحيح؛ قال البيهقي : هو
أقوى ما ورد في هذا الباب . وفيه دليل على تحريم قتل ما ذكر ، ويؤخذ منه تحريم
أكلها ؛ لأنه لو حل لما نهى عن القتل . وتقدم لنا في هذا الاستدلال بحث . وتحريم
أكلها رأي الجماهير ، وفي كل واحدة خلاف ، إلا النملة فالظاهر أن تحريمها إجماع.
١٢٤٤ - وعن ابن أبي عَمّار قالَ: قُلْت لجابر: الضَّبُعُ صيدٌ هُوَ؟ قالَ:
نَعَمْ، قُلْتُ: قَالَهُ رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ؟ قال: نَعَمْ. رواهُ أَحْمَدُ والأربعَةُ، وصحّحُهُ
البخاري وابنُ حِبّانَ .
(وعن ابن أبي عمار) : هو عبد الرحمن بن أبي عمار المكي ، وثقه أبو زرعة
والنسائي ، ولم يتكلم فيه أحد ، ويسمى القس لعبادته ، ووهم ابن عبد البرّ في
إعلاله وقال البيهقي : إن الحديث صحيح (قال : قلت لجابر: الضبع صيد هو؟
قال: نعم، قلت: قاله رسول الله ◌َ ﴾؟ قال: نعم. رواه أحمد والأربعة،
وصححه البخاري وابن حبان) .
الحديث فيه دليل على حل أكل الضبع . وإليه ذهب الشافعي ؛ فهو مخصص
من حديث تحريم كل ذي ناب من السباع . وأخرج أبو داود من حديث جابر
مرفوعاً: ((الضبع صيد ؛ فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسنّ ويؤكل)). وأخرجه
الحاكم وقال : صحيح الإسناد . قال الشافعي : وما زال الناس يأكلونها ويبيعونها
بين الصفا والمروة من غير نكير .
٢٨٥

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤٥ - حديث ابن عمر
وحرّمه الهادوية والحنفية عملاً بالحديث العام ، كما أشرنا إليه ، ولكن
أحاديث التحليل تخصصه ؛ وأما استدلالهم على التحريم بحديث خزيمة بن
جزء؛ وفيه: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أوَيأكل الضبع أحد؟!)). أخرجه
الترمذي ، وفي إسناده عبد الكريم أبو أمية ، وهو متفق على ضعفه .
١٢٤٥ - وعن ابن عُمَر رضي اللهُ عنهُما: أَنّه سُئِل عن القنْفُذ فقال: ﴿قل
لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فقال شَيْخٌ عِنْدَهُ: سمعْتُ أبا
هُريرةَ يقُولُ: ذكر عنْدَ النّبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ فَقَال: ((إنَّها خبيثةٌ من
الخبائث))، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ كانَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قالَ
هذا فَهُوَ كما قال. أخْرجهُ أَحمدُ وأَبو داودَ ، وإسنادُهُ ضعيفٌ .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه سئل عن القنفذ) : بضم القاف وفتحها
وضم الفاء (فقال: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً﴾، فقال شيخ عنده :
سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إنها
خبيئةٌ من الخبائث))، فقال ابن عمر: إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم قال هذا ، فهو كما قال . أخرجه أحمد وأبو داود ، وإسناده ضعيف).
ضعّف بجهالة الشيخ المذكور؛ قال الخطابي : ليس إسناده بذاك ، وله طرق .
قال البيهقي: لم يرد إلا من وجه ضعيف . وقد ذهب إلى تحريمه أبو طالب والإمام
يحيى .
وقال الرافعي : في القنفذ وجهان : أحدهما أنه يحرم ، وبه قال أبو حنيفة
وأحمد؛ لما روي في الخبر أنه من الخبائث ، وذهب مالك وابن أبي ليلى إلى أنه
٢٨٦

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤٦ - حديث ابن عمر
حلال ، وهو أقوى من القول بتحريمه لعدم نهوض الدليل عليه ، مع القول بأن
الأصل الإباحة في الحيوانات ؛ وهي مسألة خلافية معروفة في الأصول ؛ فيها
خلاف بين العلماء .
عن
١٢٤٦ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قالَ: نهى رسولُ الله عَليه
الجلالة وألبانها . أخرجهُ الأربعةُ إلا النسائيَّ، وحسّنَهُ الترمِذيُّ .
(وعن ابنٍ عُمر رضي اللهُ عنهما قالَ: نهى رسولُ الله ◌َ﴿ عن الجلالة
وأَلبانها. أخرجهُ الأربعةُ إلّ النسائيَّ، وحسّنَهُ الترمِذيُّ): وأخرج الحاكم
والدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمرو بن العاص نحوه ، وقال : ((حتى
تعلف أربعين ليلة .
ورواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاکم من حدیث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده بلفظ : نهى عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة وعن ركوبها .
ولأبي داود : أن يركب عليها وأن يشرب ألبانها .
والجلالة : هي التي تأكل العذرة والنجاسات ؛ سواء كانت من الإبل أو البقر
أو الغنم أو الدجاج .
والحديث دليل على تحريم الجلالة وألبانها وتحريم الركوب عليها . وقد جزم ابن
حزم أن من وقف في عرفات راكباً على جلالة لا يصح حجه . وظاهر الحديث
أنه إذا ثبت أنها أكلت الجلة فقد صارت محرّمة .
وقال النووي : لا تكون جلالة إلا إذا غلب على علفها النجاسة ، وقيل : بل
٢٨٧

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤٧ - حديث أبي قتادة
الاعتبار بالرائحة والنتن ، وبه جزم النووي والإمام يحيى ، وقال : لا تطهر بالطبخ
ولا بإلقاء التوابل وإن زال الريح ؛ لأن ذلك تغطية لا استحالة .
وقال الخطابي : كرهه أحمد وأصحاب الرأي والشافعي ، وقالوا : لا تؤكل
حتى تحبس أياماً . قلت : قد عيّن في الحديث حبسها أربعين يوماً ، وكان ابن
عمر يحبس الدجاجة ثلاثة أيام . ولم يرَ مالك بأكلها بأساً من غير حبس .
وذهب الثوري ورواية عن أحمد إلى التحريم كما هو ظاهر الحديث . ومن قال :
یکره ولا یحرم قال : لأن النهي الوارد فیه إنما كان لتغیر اللحم ، وهو لا يوجب
التحريم بدليل المذكى إذا جف .
ولا يخفى أن هذا رأي في مقابلة النص ، ولقد خالف الناظرون هنا السنة ؛
فقال المهدي في ((البحر)): المذهب والفريقان .
ونُدب حبس الجلالة قبل الذبح: الدجاجة ثلاثة أيام ، والشاة سبعة ،
والبقرة والناقة أربعة عشر؛ وقال مالك: لا وجه له . قلنا : لتطييب أجوافها .
اهـ. والعمل بالأحاديث هو الواجب؛ وكأنهم حملوا النهي على التنزيه ؛ ولا
ينهض عليه دليل . وأما مخالفتهم للتوقيت فلم يعرف وجهه .
١٢٤٧ - وعَنْ أَبِي قَتَادة - في قِصَّةِ الحمار الوَحْشي -: فَأَكلَ منهُ النّبي
. مُتَّفَقٌ عَلَيه .
(وعَنْ أَبِي قَتَادة - في قِصَّةِ الحمار الوَحْشي -: فَأَكلَ منهُ النّبِيَِ﴾ ..
مُتَّفَقٌ عَلَيه): تقدّم ذكر قصة الحمار - هذا - الذي أهداه أبو قتادة في كتاب
٢٨٨

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤٨ - حديث أسماء بنت أبي بكر
الحج . وفي هذا دلالة على أنه يحل أكل لحمه ؛ وهو إجماع . وفيه خلاف شاذ ؛
أنه إذا عُلِف وأَنِسَ ، صار كالأهلي .
١٢٤٨ - وعَنْ أَسْماءَ بنت أَبِي بَكْر رضي اللهُ عنْهُما قالتْ: نحرنا على
فرساً فَأَكَلْنَاهُ . مُتّفقٌ عليه .
عهد رسول الله
(وعَنْ أَسْماءَ بنت أَبِي بِكْر رضي اللهُ عنْهُما قالتْ: نحرنا على عهد
فرساً فَأَكَلْنَاهُ. مُتّفقٌ عليه) : وفي رواية: ونحن بالمدينة . وفي
رسول الله
رواية الدارقطني هنا: فرساً ، فأكلناه نحن وأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله
وسلم .
والحديث دليل على حل أكل لحم الخيل - وتقدّم الكلام فيه -؛ لأن الظاهر
أنه ﴿ علم ذلك وقرره؛ كيف وقد قالت: إنه أكل منه صلى الله عليه وآله
وسلم؟ وقالت هنا : نحرنا ، وفي رواية الدارقطني : ذبحنا ؛ فقيل : فيه دليل على
أن النحر والذبح واحد ؛ قيل: ويجوز أن يكون أحد اللفظين مجازاً؛ إذ النحر للإبل
خاصة ؛ وهو الضرب بالحديد في لبة البدنة حتى تفرى أوداجها ، والذبح هو قطع
الأوداج في غير الإبل ؛ قال ابن التين : الأصل في الإبل النحر وفي غيرها الذبح ،
وجاء في القرآن في البقرة : ﴿فذ بحوها﴾ [البقرة: ٧١] ، وفي السنة : نحرها .
وقد اختلف العلماء في نحر ما يذبح وذبح ما ينحر ؛ فأجازه الجمهور؛
والخلاف فيه لبعض المالكية .
وقوله في الحديث : ونحن بالمدينة ، يردّ على من زعم أن حلها قبل فرض
الجهاد ؛ فإنه فرض أوّل دخولهم المدينة .
٢٨٩

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٤٩ - حديث ابن عباس
١٢٤٩ - وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: أَكل الضَّبُّ على مائدة
رسول الله عَ ليه . متفقٌ عليه.
(وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: أُكل الضَّبُّ على مائدة رسول الله
﴿﴿. متفقٌ عليه): فيه دليل على حل أكل الضب، وعليه الجماهير، وحكى
عياض عن قوم تحريمه ، وعن الحنفية كراهته ، وقال النووي : أظنه لا يصح عن
أحد ؛ فإن صح فهو محجوج بالنص ، وبإجماع من قبله .
وقد احتج القائلون بالتحريم بما أخرجه أبو داود : أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم نهى عن الضب . وفي إسناده إسماعيل بن عياش ، ورجاله شاميون ، وهو
قوي في الشاميين ؛ فلا يتم قول الخطابي : ليس إسناده بذلك ، ولا قول ابن
حزم : فيه ضعيف ومجهولون ؛ فإن رجاله ثقات كما قاله المصنف ، ولا قول
البيهقي : فيه إسماعيل بن عياش وليس بحجة ؛ لما عرفت من أنه رواه عن
الشاميين ، وهو حجة في روايته عنهم .
وبما أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن حسنة : أنهم طبخوا ضباباً ،
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أمة من بني إسرائيل مسخت في
دواب الأرض فأخشى أن تكون هذه)) . فألقوها . وأخرجه أحمد ، وصححه
ابن حبان والطحاوي ، وسنده على شرط الشيخين .
وأجيب عن الأول: بأن النهي وإن كان أصله التحريم ، لكن صرفه هنا إلى
الكراهة ما أخرجه مسلم : أنه صلی الله عليه وآله وسلم قال : «کلوه فإنه حلال ،
ولكنه ليس من طعامي))، وهذه الرواية تردّ ما رواه مسلم : أنه قال بعض القوم
٢٩٠

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٥٠ - حديث عبد الرحمن بن عثمان
عند ابن عباس: إن النبي ◌َ 18 قال في الضب: ((لا أكله ولا أنهى عنه ولا
أحرمه)). ولذا أعل ابن عباس هذه الرواية فقال: بئسما قلتم! ما بعث نبيُّ الله
إلا محرماً ، أو محللاً؛ كذا في مسلم .
ذلك - أعني : خشية أن
وأجيب عن الثاني بأنه يحتمل أنه وقع منه ﴿
تكون أمة ممسوخة - قبل أن يعلمه الله تعالى أن الممسوخ لا ينسل؛ وقد أخرج
الطحاوي من حديث ابن مسعود قال: سئل رسول الله ◌َ له عن القردة والخنازير؛
أهي مما مسخ؟ قال: ((إن الله لم يهلك قوماً أو يمسخ قوماً، فيجعل لهم نسلاً
ولا عاقبة))؛ أصل الحديث في مسلم ، ولم يعرفه ابن العربي فقال : قولهم : إن
الممسوخ لا ينسل دعوى ؛ فإنه لا يعرف بالعقل إنما طريقه النقل ، وليس فيه أمر
يعوّل عليه .
وأجيب أيضاً؛ بأنه لو سلم أنه ممسوخ لا يقتضي تحريم أكله ؛ فإنه كونه كان
آدمياً قد زال حكمه ، ولم يبق له أثر أصلاً. وإنما كره ﴿ الأكل منه لما وقع عليه
من سخط الله سبحانه ، کما کره الشرب من مياه ثمود .
قلت : ولا يخفى أنه لو لم يرَ تحريمه لما أمر بإلقائها ، أو بتقريرهم عليه ؛ لأنه
إضاعة مال ، ولا أذن لهم في أكله ؛ فالجواب الذي قبله هو الأحسن . ويستفاد
من المجموع جواز أكله ، وكراهته للنهي .
١٢٥٠ - وعَنْ عبد الرَّحمن بن عثمان القُرشي: أَنَّ طبيباً سأَل رسولَ الله
عن الضِّفدع، يجْعَلُها في دواء؟ فنهى عنْ قتلها. أُخْرِجَهُ أَحْمدُ ،
وصحّحهُ الحاكم ، وأخرجهُ أبو داود والنسائيُّ .
٢٩١

١٤ - كتاب الأطعمة
١٢٥٠ - حدیث عبد الرحمن بن عثمان
(وعن عبد الرحمن بن عثمان): هو ابن عبد الله التيمي (القرشي) : ابن
أخي طلحة بن عبيد الله الصحابي ، قيل : إنه أدرك النبي صلى الله عليه وآله
وسلم ، وليست له رؤية ، أسلم يوم الفتح وقيل : يوم الحديبية ، وقتل مع ابن
الزبير في يوم واحد ، روى عنه ابناه وابن المنكدر (أن طبيباً سأل رسول الله يجـ
عن الضفدع) : بزنة الخِنْصَر (يجعلها في دواء؟ فنهى عن قتلها . أخرجه
أحمد ، وصححه الحاكم ، وأخرجه أبو داود والنسائي) : والبيهقي بلفظ : ذكر
دواء ، وذکر الضفدع يجعلها فیه ، فنھی رسول الله صلی
طبیب عند النبي
الله عليه وآله وسلم عن قتل الضفادع .
قال البيهقي : هو أقوى ما ورد في النهي عن قتل الضفدع ، وأخرج من
حديث ابن عمر: ((لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ، ولا تقتلوا الخفاش
فإنه لما خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم)).
قال البيهقي : إسناده صحيح .
وعن أنس : ((لا تقتلوا الضفادع فإنها مرّت على نار إبراهيم ، فجعلت في
أفواهها الماء ، وكانت ترشه على النار)).
والحديث دليل على تحريم قتل الضفادع. قالوا : ويؤخذ منه تحريم أكلها ؛
ولأنها لو حلت لما نهى عن قتلها ، وتقدّم نظير هذا الاستدلال ، وليس بواضح .
٢٩٢

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥١ - حديث أبي هريرة
١ - بابُ الصَّيْد والذَّبائِحِ
الصيدُ : يطلق على المصدر؛ أي : التصيد ، وعلى المصيد .
واعلم أنه تعالى أباح الصيد في آيتين من القرآن : الأولى : قوله تعالى : ﴿يا
أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾
[المائدة: ٩٤] والثانية: ﴿وما علّمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤].
والآلة التي يصاد بها ثلاثة : الحيوان الجارح ، والمحدّد ، والمثقل ؛ ففي الحيوان :
١٢٥١ - عَنْ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َ ◌ُّ: ((من اتخذَ
كَلِباً إلا كَلْب ماشيةٍ، أو صَيْدٍ، أو زرع، انْتُقْصَ مِنْ أَجْرِهِ كلَّ يَوْم قيراطٌ)) .
مُتّفقٌ عَلَيهِ .
(عَنْ أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَ لَهُ: ((من اتخذَ كَلباً
إلا كلّب ماشيةٍ، أو صَيْدٍ، أو زرع، انْتُقصَ مِنْ أَجْرِهِ كلَّ يَوْم قيراطٌ)). مُتّفقٌ
عَلَيهِ) : الحديث دليل على المنع من اتخاذ الكلاب واقتنائها وإمساكها ، إلا ما
استثناه من الثلاثة؛ وقد وردت بهذه الألفاظ روايات في «الصحيحين» وغيرهما ،
واختلف العلماء هل المنع للتحريم ، أو للكراهة؟ .
فقيل بالأول ، ويكون نقصان القيراط عقوبة في اتخاذها ؛ بمعنى أن الإثم
الحاصل باتخاذها يوازن قدر قيراط من أجر المتخذ له، وفي رواية: ((قيراطان)).
وحكمة التحريم ما في بقائها في البيت من التسبب إلى ترويع الناس،
وامتناع دخول الملائكة ، الذين دخولهم يقرب إلى فعل الطاعات ، ويبعد عن
٢٩٣

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥١ - حديث أبي هريرة
فعل المعصية ، وبُعْدُهم سبب لضد ذلك ، ولتنجيسها الأواني .
وقيل بالثاني ، بدليل نقص بعض الثواب على التدريج ، فلو كان حراماً
لذهب الثواب مرة واحدة ، وفيه أن فعل المكروه تنزيهاً لا يقتضي نقص شيء
من الثواب ، وذهب إلى تحريم اقتناء الكلب الشافعية إلا المستثنى .
واختلف في الجمع بين رواية: ((قيراط))، ورواية: ((قيراطان))؛ فقيل: إنه
باعتبار كثرة الإضرار - كما في المدن - ينقص قيراطان ، وقلته - كما في البوادي -
ينقص قيراط ، أو أن الأول إذا كان في المدينة النبوية ، والثاني في غيرها ، أو
قيراط من عمل النهار، وقيراط من عمل الليل ، فالمقتصر في الرواية باعتبار كل
واحد من الليل والنهار، والمثني باعتبار مجموعهما ، واختلفوا أيضاً هل النقصان
من العمل الماضي ، أو من الأعمال المستقبلة ، قال ابن التين : المستقبلة ،
وحكى غيره الخلاف .
وفيه دليل على أن من اتخذ المأذون منها ، فلا نقص عليه ، وقيس عليه
اتخاذه لحفظ الدور إذا احتيج إلى ذلك ؛ أشار إليه ابن عبد البرّ، واتفقوا على أنه
لا يدخل الكلب العقور في الإذن لأنه مأمور بقتله .
وفي الحديث دليل على التحذير من الإتيان بما ينقص الأعمال الصالحة ، وفيه
الإخبار بلطف الله تعالى في إباحته لما يحتاج إليه في تحصيل المعاش وحفظه .
تنبيه : ورد في مسلم الأمر بقتل الكلاب ، فقال القاضي عياض : ذهب
كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتل الكلاب إلا ما استثني ؛ قال :
٢٩٤

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٢ ۔ حدیث عدي بن حاتم
وهذا مذهب مالك وأصحابه ، وذهب آخرون إلى جواز اقتنائها جميعاً ونسخ
قتلها إلا الأسود البهيم ؛ قال :
وعندي أن النهي أولاً كان نهياً عاماً عن اقتنائها جميعاً وأمر بقتلها جميعاً،
ثم نهى عن قتل ما عدا الأسود ، ومنع الاقتناء في جميعها إلا المستثنى . اهـ.
والمراد بالأسود البهيم : ذو النقطتين ؛ فإنه شيطان ، والبهيم : الخالص السواد ،
والنقطتان معروفتان فوق عينيه .
١٢٥٢ - وعن عَديِّ بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَز اله: ((إذا
أَرْسَلْت كَلْبك فاذكر اسمَ الله تعالى عليه؛ فإن أمْسَكَ عليكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيّاً
فاذْبحهُ ، وإن أَدْرَكْتَهُ قد قتلَ ولم يأكلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وإن وجدْتَ مَعَ كَلْبِك كَلْباً
غَيْرُهُ وقد قتلَ فلا تأكُّلْ ؛ فإنك لا تدري أَيهُما قَتَلَهُ ، وإن رَمَيْتَ بسهمك
فاذكر اسم الله تعالى ؛ فإن غاب عنك يوماً فَلمْ تجدْ فيه إلا أثَرَ سهمك فكل
إن شئت؛ وإن وَجَدتَهُ غريقاً في الماءِ فلا تأكلْ)). متفقٌ عليه، وهذا لفظ
مسلم .
(وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَز اله: ((إذا أرسلت
كلبك): المعلّم (فاذكر اسم الله تعالى عليه ؛ فإن أمسك عليك فأَدركته حيّاً
فاذبحه ، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكلّهُ ، وإن وجدت مع كلبك كلباً
غيره وقد قتل فلا تأكل ؛ فإنك لا تدري أيهما قتّلَهُ ، وإن رميت بسهمك
فاذكر اسم الله تعالى): هذا إشارة إلى آلة الصيد الثانية ؛ أعني : المحدد؛ وهو
قتله بالرماح والسيوف ؛ لقوله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: ٩٤]،
٢٩٥

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٢ - حديث عدي بن حاتم
ولكن الحديث في السهم (فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك
فكل إن شئت ؛ وإن وجدتهُ غريقاً في الماء فلا تأكل)) .. متفق عليه ، وهذا لفظ
مسلم) .
في الحديث مسائل :
الأولى : أنه لا يحل صيد الكلب ، إلا إذا أرسله صاحبه ؛ فلو استرسل بنفسه ،
لم يحل ما يصيده عند الجمهور ، والدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا
أرسلت))؛ فمفهوم الشرط أن غير المرسل ليس كذلك .
وعن طائفة أن المعتبر كونه معلماً ، فيحل صيده، وإن لم يرسله صاحبه ؛
بناءً على أنه خرج قوله: ((إذا أرسلت)) ، مخرج الغالب ؛ فلا مفهوم له ؛ وحقيقة
المعلّم هو أن يكون بحيث يغرى ، فيقصد ، ويزجر ، فيقعد ، وقيل : التعليم قبول
الإرسال والإغراء ، حتّى يمتثل الزجر في الابتداء ، لا بعد العدو ، ويترك أکل ما
أمسك ، فالمعتبر امتثاله للزجر قبل الإرسال ، وأمّا بعد إرساله على الصيد ،
فذلك متعذر .
والتكليب إلهام من الله تعالى ومكتسب بالعقل ، كما قال تعالى :
﴿تعلمونهن مما علّمكم الله﴾ [المائدة: ٤]؛ قال جار الله: مما عرفكم أن تعلموه من
اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره ، وانصرافه بدعائه وإمساك الصيد
علیه ، وأن لا يأكل منه .
المسألة الثانية : في قوله: ((فاذكر اسم الله عليه))، هذا مأخوذ من قوله
تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]؛ فإن ضمير ((عليه))، يعود إلى ما
٢٩٦

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٢ - حديث عدي بن حاتم
أمسكن؛ على معنى: وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته ، أو إلى ما علمتم من
الجوارح؛ أي: سمُّوا عليه عند إرساله ؛ كما أفاده ((الكشاف)).
وكذلك قوله : ((إن رميت فاذكر اسم الله))، دليل على اشتراط التسمية عند
الرمي ، وظاهر الكتاب والسنّة وجوب التسمية ؛ واختلف العلماء :
فذهبت الهادوية والحنفية إلى أن التسمية واجبة على الذاكر عند الإرسال ،
وتجب عليه أيضاً عند الذبح والنحر؛ فلا تحل ذبيحته ، ولا صيده إذا تركت
عمداً مستدلين بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام:
١٢١]، وبالحديث هذا. قالوا: وقد عفي عن الناسي بحديث: ((رفع عن أمتي
الخطأ والنسيان)) ، ولما يأتي من حديث ابن عباس بلفظ: ((فإن نسي أن يسمي
حين يذبح، فليسم ، ثم ليأكل)) ، وسيأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى .
وذهب آخرون : إلى أنها سنة ؛ منهم ابن عباس ومالك ورواية عن أحمد ،
مستدلين بقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]؛ قالوا: فأباح التذكية من
غير اشتراط التسمية ، ولقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾
[المائدة: ٥]؛ وهم لا يسمُّون، ولحديث عائشة الآتي: أنهم قالوا: يا رسول الله إن
قوماً يأتوننا بلحم لا ندري أذُكر اسم الله عليه أم لا ، أفنأكل منه؟ قال رسول الله
﴿﴿: ((سموا عليه أنتم وكلوا)).
وأجابوا عن أدلة الإيجاب بأن قوله : ﴿ولا تأكلوا﴾؛ المراد به: ما ذبح
للأصنام؛ كما قال تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به ... وما ذبح على النصب﴾
[المائدة: ٣] لأنه تعالى قال: ﴿وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقد أجمع المسلمون
٢٩٧

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٢ - حديث عدي بن حاتم
على أن من أكل متروك التسمية عليه ، فليس بفاسق ؛ فوجب حملها على ما
ذكر؛ جمعاً بينه وبين الآيات السابقة وحديث عائشة .
وذهبت الظاهرية : إلى أنه لا يجوز أكل ما لم يسم عليه ، ولو كان تاركها
ناسياً؛ لظاهر الآية الكريمة ، وحديث عدي رضي الله عنه ؛ فإنه لم يفصل ؛
قالوا : وأمّا حديث عائشة ؛ وفيه : أنهم قالوا: يا رسول الله! إن قوماً حديث
عهدهم بالجاهلية يأتون بلحمان ... الحديث ، فقد قال ابن حجر: إنه أعله
البعض بالإرسال ؛ قال الدارقطني : الصواب أنه مرسل .
على أنه لا حجة فيه ؛ لأنه أدار الشارع الحكم على المظنة ؛ وهي كون الذابح
مسلماً ، وإنما شكك على السائل حداثة إسلام القوم فألغاه ◌َخلقه ؛ بل فيه دليل على
أنه لا بدّ من التسمية ، وإلا لبين له عدم لزومها ؛ وهذا وقت الحاجة إلى البيان .
وأمّا حديث: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))، فهم متفقون على تقدير رفع الإثم،
أو نحوه ، ولا دليل فيه . وأمّا أهل الكتاب ، فهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم .
فيتحصل قوة كلام الظاهرية ، فيترك ما تيقن أنه لم يسم عليه ، وأمّا ما شك
فيه - والذابح مسلم -، فكما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اذكروا اسم الله
وكلوا)) .
المسألة الثالثة: في قوله: ((فإن أدركته حياً فاذبحه))، فيه دليل على أنه
يجب عليه تذكيته إذا وجده حياً ، ولا يحل إلا بها وذلك اتفاق ؛ فإن أدركه
وفيه بقية حياة ؛ فإن كان قد قطع حلقومه ، أو مريئه ، أو جرح أمعاءه ، أو أخرج
حشوه ، فيحل بلا ذكاة ؛ قال النووي : بالإجماع ، وقال المهدي للهادوية : إنه إذا
٢٩٨

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٢ - حديث عدي بن حاتم
بقي فيه رمق وجب تذكيته ؛ والرمق : إمكان التذكية لو حضرت آلة .
ودل قوله: ((وإن أدركته قد قتل، ولم يأكل منه فكله)»، أنه إذا أكل حرم
أكله ؛ وقد عرفت أن من شرط المعلم ألا يأكل ، فأكله دليل على أنه غير كامل
التعليم ، وقد ورد في الحديث الآخر تعليل ذلك بقوله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه))، وهو مستفاد من قوله
تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]؛ فإنه فسر الإمساك على صاحبه
بألا يأكل منه .
وقد أخرج أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((إذا أرسلت
الكلب فأكل الصيد ، فلا تأكل ؛ فإنَّما أمسك على نفسه ، وإذا أرسلته ، ولم
يأكل ، فكل ؛ فإنَّما أمسك على صاحبه))، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء .
وروي عن عليّ رضي الله عنه وجماعة من الصحابة حلَّه ، وهو مذهب
مالك لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي ثعلبة الذي
أخرجه أبو داود بإسناد حسن ؛ أنه قال : يا رسول الله! إن لى كلاباً مكلبة
فأفتني في صيدها؟ قال: ((كل مما أمسكن عليك))، قال: وإن أكل؟ قال: ((وإن
أكل))، وفي حديث سلمان: ((كله، وإن لم تدرك منه إلا نصفه)).
قيل : فيحمل حديث عدي على أن ذلك في كلب قد اعتاد الأكل ؛ فخرج
عن التعليم ، وقيل : إنه محمول على كراهة التنزيه ، وحديث أبي ثعلبة لبيان
أصل الحل ، وقد كان عدي موسراً فاختار صلى الله تعالى عليه وآله وسلم له
الأولى ، وكان أبو ثعلبة معسراً فأفتاه بأصل الحل .
٢٩٩

١٤ - كتاب الأطعمة
١ - باب الصيد والذبائح
١٢٥٢ - حديث عدي بن حاتم
وقال الأوّلون : الحديثان قد تعارضا . وهذه الأجوبة لا يخفى ضعفها ، فيرجع
إلى الترجيح ، وحديث عدي أرجح لأنه مخرج في ((الصحيحين)) ومتأيد بالآية ،
وقد صرح ﴿ بأنه يخاف أنه إنما أمسك على نفسه ، فيترك ترجيحاً لجنبة
الحظر؛ كما قال ** في الحديث: ((وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره ... إلى
قوله : فلا تأكل))؛ فإنه نهى عنه لاحتمال أن المؤثر فيه كلب آخر غير المرسل ،
فیترکه ترجيحاً لجنبة الحظر .
وقوله : ((فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك ، فكل إن شئت))،
اختلفت الأحاديث في هذا ، فروى مسلم وغيره من حديث أبي ثعلبة في الذي
يدرك صيده بعد ثلاث أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل ما لم ينتن))،
وروى مسلم أيضاً من حديثه : أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا رميت
بسهمك فغاب عنك مصرعه ، فكل ما لم يبت)) .
ولاختلافها اختلف العلماء ؛ فقال مالك : إذا غاب مصرعه ، ثم وجد به أثر
من الكلب ؛ فإنه يأكله ، ما لم يبت ؛ فإذا بات كره ، وفيه أقوال أخر ، والتعلیل
بما لم ينتن ، وما لم يبت هو النص ، ويحمل ذكر الأوقات على التقييد به ، وترك
الأكل للاحتياط وترجيح جنبة الحظر .
وقوله : ((وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل)) ، ظاهره ، وإن وجد به أثر
السهم لأنه يجوز أنه ما مات إلا بالغرق .
المسألة الرابعة : الحديث نص في صيد الكلب؛ واختلف فيما يعلم من
غيره کالفهد والنمر ، ومن الطيور كالبازي والشاهين وغيرهما .
٣٠٠