النص المفهرس
صفحات 281-300
١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٤٠ - حديث جابر الأول : أن العلة المنصوصة تقتضي الحصر ، فإباحة أكلها خلاف ظاهر الآية . وأجيب عنه بأن كون العلة منصوصة لا يقتضي الحصر فيها ، فلا يفيد الحصر في الركوب والزينة ، فإنه ينتفع بها في غيرهما اتفاقاً ، وإنما نص عليهما لكونهما أغلب ما يطلب ، ولو سلم الحصر لامتنع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ! ولا قائل به . الثاني من وجوه دلالة الآية على تحريم الأكل : عطف البغال والحمير؛ فإنه دال على اشتراكهما معها في حكم التحريم ، فمن أفرد حكمهما عن حكم ما عطف عليه احتاج إلى دليل . وأجيب عنه بأنّ هذا من باب دلالة الاقتران ؛ وهي ضعيفة . الثالث من وجوه دلالة الآية : أنها سيقت للامتنان ، فلو كانت تما يؤكل لكان الامتنان به أكثر؛ لأنه يتعلق ببقاء البنية ؛ والحكيم لا يمتنّ بأدنى النعم ويترك أعلاها ، سيما وقد امتنّ بالأكل فيما ذكر قبلها . وأجيب بأنه تعالى خص الامتنان بالركوب ؛ لأنه غالب ما ينتفع بالخيل فيه عند العرب ، فخوطبوا بما عرفوه وألفوه ، كما خوطبوا في الأنعام بالأكل وحمل الأثقال ؛ لأنه كان أكثر انتفاعهم بها لذلك ، فاقتصر في كل من الصنفين بأغلب ما ينتفع به فيه . الرابع من وجوه دلالة الآية : لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة التي امتن بها؛ وهي الركوب والزينة . وأجيب عنه بأنه لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى ، للزم مثله في البقر ونحوها مما أبيح أكله ، ووقع الامتنان به ؛ لمنفعة أخرى . وقد أجيب عن الاستدلال بالآية بجواب إجمالي ؛ وهو أن آية النحل مكية ٢٨١ ١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٤١ - حديث ابن أبي أوفى اتفاقاً ، والإذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين ، وأيضاً فإن آية النحل ليست نصّاً في تحريم الأكل ، والحديث صريح في جوازه، وأيضاً لو سلم ما ذكر كان غايته الدلالة على ترك الأكل ، وهو أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه أو خلاف الأولى ، وحيث لم يتعين هنا واحد منها ، لا يتم بها التمسك ؛ فالتمسك بالأدلة المصرحة بالجواز أولى ، وأما زعم البعض أن حديث جابر دال على التحريم ؛ لكونه ورد بلفظ الرخصة ، والرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع ، فدل أنه رخص لهم فيها بسبب المخمصة ، فلا يدل على الحل المطلق ؛ فهو ضعيف ؛ لأنه ورد بلفظ : أذن لنا ، ولفظ : أطعمنا ؛ فعبر الراوي بقوله : رخص لنا عن أذن ، لا أنه أراد الرخصة الاصطلاحية الحادثة بعد زمن الصحابة ، فلا فرق بين العبارتين : أذن ، ورخص في لسان الصحابة . ١٢٤١ - وعَن ابنِ أَبِي أَوْفى رضي اللهُ عَنْهُما قال: غَزَوْنَا مَعَ رسولِ اللهِ ﴿ُ سَبْعَ غزواتٍ نأكُلُ الجرادَ . مُتفقٌ عَلَيْهِ . (وعن ابن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: غزونا مع رسول الله مضخة سبع غزوات نأكل الجراد): وهو اسم جنس، والواحدة جرادة؛ يقع على الذكر والأنثى ، كحمامة (متفق عليه) . وهو دليل على حل الجراد . قال النووي: وهو إجماع ، وأخرج ابن ماجه عن أنس قال : كان أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتهادين الجراد في الأطباق . وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)): إن جراد الأندلس لا يؤكل لأنه ضرر محض . فإذا ثبت ما قاله فتحريمها لأجل الضرر؛ كما تحرم السموم ونحوها . ٢٨٢ ١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٤١ - حديث ابن أبي أوفى واختلفوا ؛ هل أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجراد أم لا؟ وحديث الكتاب يحتمل أنه كان يأكل معهم ، إلا أن في رواية البخاري زيادة لفظ : نأكل الجراد معه . قيل : وهي محتملة أن المراد غزونا معه ؛ فيكون تأكيداً لقوله : مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويحتمل أن المراد نأكل معه . قلت : وهذا الأخير هو الذي يحسن حمل الحديث عليه ؛ إذ التأسيس أبلغ من التأکید ، ويؤيده ما وقع في ((الطب)) عند أبي نعيم بزيادة : ويأكل معنا . وأما ما أخرجه أبو داود من حديث سليمان ؛ أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الجراد فقال: ((لا آكله ولا أحرمه))، فقد أعله المنذري بالإرسال ، وكذلك ما أخرجه ابن عدي في ترجمة ثابت بن زهير عن نافع عن ابن عمر: أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الضب؟ فقال: ((لا آكله ولا أحرمه))، وسئل عن الجراد فقال مثل ذلك؛ فإنه قال النسائي : ثابت ليس بثقة . ويؤكل عند الجماهير على كل حال ، ولو مات بغير سبب؛ لحديث: ((أحلّ لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال)). أخرجه أحمد والدارقطني مرفوعاً من حديث ابن عمر ، وقال: إن الموقوف أصح، ورجح البيهقي الموقوف ، وقال : له حكم الرفع . واختلف فيه ؛ هل هو من صيد البحر أم من صيد البر؟ وورد حدیثان ضعيفان أنه من صيد البحر. وورد عن بعض الصحابة أنه يلزم المحرم فيه الجزاء ؛ فدل أنه عنده من صيد البر ، والأصل فيه أنه برّي حتى يقوم دليل على أنه بحري . ٢٨٣ ١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٤٢ و١٢٤٣ - حديثا أنس وابن عباس ١٢٤٢ - وَعَنْ أَنس رضي اللهُ عنه - في قِصَّةِ الأرنَبِ - قال: فَذبحها فبعث بِوَرَكِهَا إلى رسول الله لَ هُ فقبلَهُ. مُتّفقٌ عليهِ . (وَعَنْ أَنس رضي اللهُ عنه - في قِصَّةِ الأرنَبِ - قال: فَذبحها فبعث بِوَرَكِهَا إلى رسول الله فقبِلَهُ. مُتّفقٌ عليهِ) : وفي القصة أنه قال أنس : أنفجنا أرنباً ونحن بمّ الظهران فسعى القوم وتعبوا ، فأخذتها فجئت بها إلى أبي طلحة ، فبعث بوركها - أو قال : بفخذها - إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقبلها ؛ وهو لا يدل على أنه أكل منها ، لكن في رواية البخاري في كتاب الهبة قال الراوي - وهو هشام بن يزيد -: قلت لأنس : وأكل منها؟ قال : وأكل منها ، ثم قال : فقبله . والإجماع واقع على حل أكلها ؛ إلا أن الهادوية وعبد الله بن عمر وعكرمة وابن أبي ليلى قالوا : يكره أكلها ، لما أخرجه أبو داود والبيهقي من حديث ابن عمر: أنها جيء بها إلى النبي ﴿﴿ فلم يأكلها ولم ينه عنها ، وزعم - أي : ابن عمر - أنها تحيض ، وأخرج البيهقي عن عمر وعمار مثل ذلك ، وأنه أمر بأكلها ولم يأكل منها ؛ قلت : لكنه لا يخفى أن عدم أكله صلى الله عليه وآله وسلم لا يدل على كراهيتها . وحكى الرافعي عن أبي حنيفة تحريمها . فائدة: ذكر الدميري في («حياة الحيوان)» أن الذي يحيض من الحيوان : المرأة والضبع والخفاش والأرنب . ويقال : إن الكلبة كذلك . عَنْ ١٢٤٣ - وعن ابن عَبّاسٍ رضي اللهُ عَنْهُما قال: نهى رسولُ الله قَتْلٍ أربع مِنَ الدَّوابُّ: النّمْلَّةِ والنّحْلة والهُدْهُدِ والصُّرَدِ . رواهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داودَ ، وصحّحُهُ ابنُ حِبّانَ . ٢٨٤ ١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٤٤ - حديث جابر عَنْ قَتْلِ أُربع (وعنِ ابن عَبّاسٍ رضي اللهُ عَنْهُما قال: نهى رسولُ الله عَـ مِنَ الدَّوابُّ: النّمْلَةِ والنّحْلة والهُدْهُد والصُّرَد . رواهُ أَحْمَدُ وأَبُو داودَ ، وصحّحهُ ابنُ حِبّانَ) : قال البيهقي : رجاله رجال الصحيح؛ قال البيهقي : هو أقوى ما ورد في هذا الباب . وفيه دليل على تحريم قتل ما ذكر ، ويؤخذ منه تحريم أكلها ؛ لأنه لو حل لما نهى عن القتل . وتقدم لنا في هذا الاستدلال بحث . وتحريم أكلها رأي الجماهير ، وفي كل واحدة خلاف ، إلا النملة فالظاهر أن تحريمها إجماع. ١٢٤٤ - وعن ابن أبي عَمّار قالَ: قُلْت لجابر: الضَّبُعُ صيدٌ هُوَ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: قَالَهُ رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ؟ قال: نَعَمْ. رواهُ أَحْمَدُ والأربعَةُ، وصحّحُهُ البخاري وابنُ حِبّانَ . (وعن ابن أبي عمار) : هو عبد الرحمن بن أبي عمار المكي ، وثقه أبو زرعة والنسائي ، ولم يتكلم فيه أحد ، ويسمى القس لعبادته ، ووهم ابن عبد البرّ في إعلاله وقال البيهقي : إن الحديث صحيح (قال : قلت لجابر: الضبع صيد هو؟ قال: نعم، قلت: قاله رسول الله ◌َ ﴾؟ قال: نعم. رواه أحمد والأربعة، وصححه البخاري وابن حبان) . الحديث فيه دليل على حل أكل الضبع . وإليه ذهب الشافعي ؛ فهو مخصص من حديث تحريم كل ذي ناب من السباع . وأخرج أبو داود من حديث جابر مرفوعاً: ((الضبع صيد ؛ فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسنّ ويؤكل)). وأخرجه الحاكم وقال : صحيح الإسناد . قال الشافعي : وما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير . ٢٨٥ ١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٤٥ - حديث ابن عمر وحرّمه الهادوية والحنفية عملاً بالحديث العام ، كما أشرنا إليه ، ولكن أحاديث التحليل تخصصه ؛ وأما استدلالهم على التحريم بحديث خزيمة بن جزء؛ وفيه: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أوَيأكل الضبع أحد؟!)). أخرجه الترمذي ، وفي إسناده عبد الكريم أبو أمية ، وهو متفق على ضعفه . ١٢٤٥ - وعن ابن عُمَر رضي اللهُ عنهُما: أَنّه سُئِل عن القنْفُذ فقال: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فقال شَيْخٌ عِنْدَهُ: سمعْتُ أبا هُريرةَ يقُولُ: ذكر عنْدَ النّبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ فَقَال: ((إنَّها خبيثةٌ من الخبائث))، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ كانَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ قالَ هذا فَهُوَ كما قال. أخْرجهُ أَحمدُ وأَبو داودَ ، وإسنادُهُ ضعيفٌ . (وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه سئل عن القنفذ) : بضم القاف وفتحها وضم الفاء (فقال: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً﴾، فقال شيخ عنده : سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إنها خبيئةٌ من الخبائث))، فقال ابن عمر: إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال هذا ، فهو كما قال . أخرجه أحمد وأبو داود ، وإسناده ضعيف). ضعّف بجهالة الشيخ المذكور؛ قال الخطابي : ليس إسناده بذاك ، وله طرق . قال البيهقي: لم يرد إلا من وجه ضعيف . وقد ذهب إلى تحريمه أبو طالب والإمام يحيى . وقال الرافعي : في القنفذ وجهان : أحدهما أنه يحرم ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لما روي في الخبر أنه من الخبائث ، وذهب مالك وابن أبي ليلى إلى أنه ٢٨٦ ١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٤٦ - حديث ابن عمر حلال ، وهو أقوى من القول بتحريمه لعدم نهوض الدليل عليه ، مع القول بأن الأصل الإباحة في الحيوانات ؛ وهي مسألة خلافية معروفة في الأصول ؛ فيها خلاف بين العلماء . عن ١٢٤٦ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قالَ: نهى رسولُ الله عَليه الجلالة وألبانها . أخرجهُ الأربعةُ إلا النسائيَّ، وحسّنَهُ الترمِذيُّ . (وعن ابنٍ عُمر رضي اللهُ عنهما قالَ: نهى رسولُ الله ◌َ﴿ عن الجلالة وأَلبانها. أخرجهُ الأربعةُ إلّ النسائيَّ، وحسّنَهُ الترمِذيُّ): وأخرج الحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمرو بن العاص نحوه ، وقال : ((حتى تعلف أربعين ليلة . ورواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاکم من حدیث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ : نهى عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة وعن ركوبها . ولأبي داود : أن يركب عليها وأن يشرب ألبانها . والجلالة : هي التي تأكل العذرة والنجاسات ؛ سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم أو الدجاج . والحديث دليل على تحريم الجلالة وألبانها وتحريم الركوب عليها . وقد جزم ابن حزم أن من وقف في عرفات راكباً على جلالة لا يصح حجه . وظاهر الحديث أنه إذا ثبت أنها أكلت الجلة فقد صارت محرّمة . وقال النووي : لا تكون جلالة إلا إذا غلب على علفها النجاسة ، وقيل : بل ٢٨٧ ١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٤٧ - حديث أبي قتادة الاعتبار بالرائحة والنتن ، وبه جزم النووي والإمام يحيى ، وقال : لا تطهر بالطبخ ولا بإلقاء التوابل وإن زال الريح ؛ لأن ذلك تغطية لا استحالة . وقال الخطابي : كرهه أحمد وأصحاب الرأي والشافعي ، وقالوا : لا تؤكل حتى تحبس أياماً . قلت : قد عيّن في الحديث حبسها أربعين يوماً ، وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثة أيام . ولم يرَ مالك بأكلها بأساً من غير حبس . وذهب الثوري ورواية عن أحمد إلى التحريم كما هو ظاهر الحديث . ومن قال : یکره ولا یحرم قال : لأن النهي الوارد فیه إنما كان لتغیر اللحم ، وهو لا يوجب التحريم بدليل المذكى إذا جف . ولا يخفى أن هذا رأي في مقابلة النص ، ولقد خالف الناظرون هنا السنة ؛ فقال المهدي في ((البحر)): المذهب والفريقان . ونُدب حبس الجلالة قبل الذبح: الدجاجة ثلاثة أيام ، والشاة سبعة ، والبقرة والناقة أربعة عشر؛ وقال مالك: لا وجه له . قلنا : لتطييب أجوافها . اهـ. والعمل بالأحاديث هو الواجب؛ وكأنهم حملوا النهي على التنزيه ؛ ولا ينهض عليه دليل . وأما مخالفتهم للتوقيت فلم يعرف وجهه . ١٢٤٧ - وعَنْ أَبِي قَتَادة - في قِصَّةِ الحمار الوَحْشي -: فَأَكلَ منهُ النّبي . مُتَّفَقٌ عَلَيه . (وعَنْ أَبِي قَتَادة - في قِصَّةِ الحمار الوَحْشي -: فَأَكلَ منهُ النّبِيَِ﴾ .. مُتَّفَقٌ عَلَيه): تقدّم ذكر قصة الحمار - هذا - الذي أهداه أبو قتادة في كتاب ٢٨٨ ١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٤٨ - حديث أسماء بنت أبي بكر الحج . وفي هذا دلالة على أنه يحل أكل لحمه ؛ وهو إجماع . وفيه خلاف شاذ ؛ أنه إذا عُلِف وأَنِسَ ، صار كالأهلي . ١٢٤٨ - وعَنْ أَسْماءَ بنت أَبِي بَكْر رضي اللهُ عنْهُما قالتْ: نحرنا على فرساً فَأَكَلْنَاهُ . مُتّفقٌ عليه . عهد رسول الله (وعَنْ أَسْماءَ بنت أَبِي بِكْر رضي اللهُ عنْهُما قالتْ: نحرنا على عهد فرساً فَأَكَلْنَاهُ. مُتّفقٌ عليه) : وفي رواية: ونحن بالمدينة . وفي رسول الله رواية الدارقطني هنا: فرساً ، فأكلناه نحن وأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم . والحديث دليل على حل أكل لحم الخيل - وتقدّم الكلام فيه -؛ لأن الظاهر أنه ﴿ علم ذلك وقرره؛ كيف وقد قالت: إنه أكل منه صلى الله عليه وآله وسلم؟ وقالت هنا : نحرنا ، وفي رواية الدارقطني : ذبحنا ؛ فقيل : فيه دليل على أن النحر والذبح واحد ؛ قيل: ويجوز أن يكون أحد اللفظين مجازاً؛ إذ النحر للإبل خاصة ؛ وهو الضرب بالحديد في لبة البدنة حتى تفرى أوداجها ، والذبح هو قطع الأوداج في غير الإبل ؛ قال ابن التين : الأصل في الإبل النحر وفي غيرها الذبح ، وجاء في القرآن في البقرة : ﴿فذ بحوها﴾ [البقرة: ٧١] ، وفي السنة : نحرها . وقد اختلف العلماء في نحر ما يذبح وذبح ما ينحر ؛ فأجازه الجمهور؛ والخلاف فيه لبعض المالكية . وقوله في الحديث : ونحن بالمدينة ، يردّ على من زعم أن حلها قبل فرض الجهاد ؛ فإنه فرض أوّل دخولهم المدينة . ٢٨٩ ١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٤٩ - حديث ابن عباس ١٢٤٩ - وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: أَكل الضَّبُّ على مائدة رسول الله عَ ليه . متفقٌ عليه. (وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: أُكل الضَّبُّ على مائدة رسول الله ﴿﴿. متفقٌ عليه): فيه دليل على حل أكل الضب، وعليه الجماهير، وحكى عياض عن قوم تحريمه ، وعن الحنفية كراهته ، وقال النووي : أظنه لا يصح عن أحد ؛ فإن صح فهو محجوج بالنص ، وبإجماع من قبله . وقد احتج القائلون بالتحريم بما أخرجه أبو داود : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الضب . وفي إسناده إسماعيل بن عياش ، ورجاله شاميون ، وهو قوي في الشاميين ؛ فلا يتم قول الخطابي : ليس إسناده بذلك ، ولا قول ابن حزم : فيه ضعيف ومجهولون ؛ فإن رجاله ثقات كما قاله المصنف ، ولا قول البيهقي : فيه إسماعيل بن عياش وليس بحجة ؛ لما عرفت من أنه رواه عن الشاميين ، وهو حجة في روايته عنهم . وبما أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن حسنة : أنهم طبخوا ضباباً ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أمة من بني إسرائيل مسخت في دواب الأرض فأخشى أن تكون هذه)) . فألقوها . وأخرجه أحمد ، وصححه ابن حبان والطحاوي ، وسنده على شرط الشيخين . وأجيب عن الأول: بأن النهي وإن كان أصله التحريم ، لكن صرفه هنا إلى الكراهة ما أخرجه مسلم : أنه صلی الله عليه وآله وسلم قال : «کلوه فإنه حلال ، ولكنه ليس من طعامي))، وهذه الرواية تردّ ما رواه مسلم : أنه قال بعض القوم ٢٩٠ ١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٥٠ - حديث عبد الرحمن بن عثمان عند ابن عباس: إن النبي ◌َ 18 قال في الضب: ((لا أكله ولا أنهى عنه ولا أحرمه)). ولذا أعل ابن عباس هذه الرواية فقال: بئسما قلتم! ما بعث نبيُّ الله إلا محرماً ، أو محللاً؛ كذا في مسلم . ذلك - أعني : خشية أن وأجيب عن الثاني بأنه يحتمل أنه وقع منه ﴿ تكون أمة ممسوخة - قبل أن يعلمه الله تعالى أن الممسوخ لا ينسل؛ وقد أخرج الطحاوي من حديث ابن مسعود قال: سئل رسول الله ◌َ له عن القردة والخنازير؛ أهي مما مسخ؟ قال: ((إن الله لم يهلك قوماً أو يمسخ قوماً، فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة))؛ أصل الحديث في مسلم ، ولم يعرفه ابن العربي فقال : قولهم : إن الممسوخ لا ينسل دعوى ؛ فإنه لا يعرف بالعقل إنما طريقه النقل ، وليس فيه أمر يعوّل عليه . وأجيب أيضاً؛ بأنه لو سلم أنه ممسوخ لا يقتضي تحريم أكله ؛ فإنه كونه كان آدمياً قد زال حكمه ، ولم يبق له أثر أصلاً. وإنما كره ﴿ الأكل منه لما وقع عليه من سخط الله سبحانه ، کما کره الشرب من مياه ثمود . قلت : ولا يخفى أنه لو لم يرَ تحريمه لما أمر بإلقائها ، أو بتقريرهم عليه ؛ لأنه إضاعة مال ، ولا أذن لهم في أكله ؛ فالجواب الذي قبله هو الأحسن . ويستفاد من المجموع جواز أكله ، وكراهته للنهي . ١٢٥٠ - وعَنْ عبد الرَّحمن بن عثمان القُرشي: أَنَّ طبيباً سأَل رسولَ الله عن الضِّفدع، يجْعَلُها في دواء؟ فنهى عنْ قتلها. أُخْرِجَهُ أَحْمدُ ، وصحّحهُ الحاكم ، وأخرجهُ أبو داود والنسائيُّ . ٢٩١ ١٤ - كتاب الأطعمة ١٢٥٠ - حدیث عبد الرحمن بن عثمان (وعن عبد الرحمن بن عثمان): هو ابن عبد الله التيمي (القرشي) : ابن أخي طلحة بن عبيد الله الصحابي ، قيل : إنه أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وليست له رؤية ، أسلم يوم الفتح وقيل : يوم الحديبية ، وقتل مع ابن الزبير في يوم واحد ، روى عنه ابناه وابن المنكدر (أن طبيباً سأل رسول الله يجـ عن الضفدع) : بزنة الخِنْصَر (يجعلها في دواء؟ فنهى عن قتلها . أخرجه أحمد ، وصححه الحاكم ، وأخرجه أبو داود والنسائي) : والبيهقي بلفظ : ذكر دواء ، وذکر الضفدع يجعلها فیه ، فنھی رسول الله صلی طبیب عند النبي الله عليه وآله وسلم عن قتل الضفادع . قال البيهقي : هو أقوى ما ورد في النهي عن قتل الضفدع ، وأخرج من حديث ابن عمر: ((لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ، ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم)). قال البيهقي : إسناده صحيح . وعن أنس : ((لا تقتلوا الضفادع فإنها مرّت على نار إبراهيم ، فجعلت في أفواهها الماء ، وكانت ترشه على النار)). والحديث دليل على تحريم قتل الضفادع. قالوا : ويؤخذ منه تحريم أكلها ؛ ولأنها لو حلت لما نهى عن قتلها ، وتقدّم نظير هذا الاستدلال ، وليس بواضح . ٢٩٢ ١٤ - كتاب الأطعمة ١ - باب الصيد والذبائح ١٢٥١ - حديث أبي هريرة ١ - بابُ الصَّيْد والذَّبائِحِ الصيدُ : يطلق على المصدر؛ أي : التصيد ، وعلى المصيد . واعلم أنه تعالى أباح الصيد في آيتين من القرآن : الأولى : قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: ٩٤] والثانية: ﴿وما علّمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤]. والآلة التي يصاد بها ثلاثة : الحيوان الجارح ، والمحدّد ، والمثقل ؛ ففي الحيوان : ١٢٥١ - عَنْ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َ ◌ُّ: ((من اتخذَ كَلِباً إلا كَلْب ماشيةٍ، أو صَيْدٍ، أو زرع، انْتُقْصَ مِنْ أَجْرِهِ كلَّ يَوْم قيراطٌ)) . مُتّفقٌ عَلَيهِ . (عَنْ أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَ لَهُ: ((من اتخذَ كَلباً إلا كلّب ماشيةٍ، أو صَيْدٍ، أو زرع، انْتُقصَ مِنْ أَجْرِهِ كلَّ يَوْم قيراطٌ)). مُتّفقٌ عَلَيهِ) : الحديث دليل على المنع من اتخاذ الكلاب واقتنائها وإمساكها ، إلا ما استثناه من الثلاثة؛ وقد وردت بهذه الألفاظ روايات في «الصحيحين» وغيرهما ، واختلف العلماء هل المنع للتحريم ، أو للكراهة؟ . فقيل بالأول ، ويكون نقصان القيراط عقوبة في اتخاذها ؛ بمعنى أن الإثم الحاصل باتخاذها يوازن قدر قيراط من أجر المتخذ له، وفي رواية: ((قيراطان)). وحكمة التحريم ما في بقائها في البيت من التسبب إلى ترويع الناس، وامتناع دخول الملائكة ، الذين دخولهم يقرب إلى فعل الطاعات ، ويبعد عن ٢٩٣ ١٤ - كتاب الأطعمة ١ - باب الصيد والذبائح ١٢٥١ - حديث أبي هريرة فعل المعصية ، وبُعْدُهم سبب لضد ذلك ، ولتنجيسها الأواني . وقيل بالثاني ، بدليل نقص بعض الثواب على التدريج ، فلو كان حراماً لذهب الثواب مرة واحدة ، وفيه أن فعل المكروه تنزيهاً لا يقتضي نقص شيء من الثواب ، وذهب إلى تحريم اقتناء الكلب الشافعية إلا المستثنى . واختلف في الجمع بين رواية: ((قيراط))، ورواية: ((قيراطان))؛ فقيل: إنه باعتبار كثرة الإضرار - كما في المدن - ينقص قيراطان ، وقلته - كما في البوادي - ينقص قيراط ، أو أن الأول إذا كان في المدينة النبوية ، والثاني في غيرها ، أو قيراط من عمل النهار، وقيراط من عمل الليل ، فالمقتصر في الرواية باعتبار كل واحد من الليل والنهار، والمثني باعتبار مجموعهما ، واختلفوا أيضاً هل النقصان من العمل الماضي ، أو من الأعمال المستقبلة ، قال ابن التين : المستقبلة ، وحكى غيره الخلاف . وفيه دليل على أن من اتخذ المأذون منها ، فلا نقص عليه ، وقيس عليه اتخاذه لحفظ الدور إذا احتيج إلى ذلك ؛ أشار إليه ابن عبد البرّ، واتفقوا على أنه لا يدخل الكلب العقور في الإذن لأنه مأمور بقتله . وفي الحديث دليل على التحذير من الإتيان بما ينقص الأعمال الصالحة ، وفيه الإخبار بلطف الله تعالى في إباحته لما يحتاج إليه في تحصيل المعاش وحفظه . تنبيه : ورد في مسلم الأمر بقتل الكلاب ، فقال القاضي عياض : ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتل الكلاب إلا ما استثني ؛ قال : ٢٩٤ ١٤ - كتاب الأطعمة ١ - باب الصيد والذبائح ١٢٥٢ ۔ حدیث عدي بن حاتم وهذا مذهب مالك وأصحابه ، وذهب آخرون إلى جواز اقتنائها جميعاً ونسخ قتلها إلا الأسود البهيم ؛ قال : وعندي أن النهي أولاً كان نهياً عاماً عن اقتنائها جميعاً وأمر بقتلها جميعاً، ثم نهى عن قتل ما عدا الأسود ، ومنع الاقتناء في جميعها إلا المستثنى . اهـ. والمراد بالأسود البهيم : ذو النقطتين ؛ فإنه شيطان ، والبهيم : الخالص السواد ، والنقطتان معروفتان فوق عينيه . ١٢٥٢ - وعن عَديِّ بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله عَز اله: ((إذا أَرْسَلْت كَلْبك فاذكر اسمَ الله تعالى عليه؛ فإن أمْسَكَ عليكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيّاً فاذْبحهُ ، وإن أَدْرَكْتَهُ قد قتلَ ولم يأكلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وإن وجدْتَ مَعَ كَلْبِك كَلْباً غَيْرُهُ وقد قتلَ فلا تأكُّلْ ؛ فإنك لا تدري أَيهُما قَتَلَهُ ، وإن رَمَيْتَ بسهمك فاذكر اسم الله تعالى ؛ فإن غاب عنك يوماً فَلمْ تجدْ فيه إلا أثَرَ سهمك فكل إن شئت؛ وإن وَجَدتَهُ غريقاً في الماءِ فلا تأكلْ)). متفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلم . (وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَز اله: ((إذا أرسلت كلبك): المعلّم (فاذكر اسم الله تعالى عليه ؛ فإن أمسك عليك فأَدركته حيّاً فاذبحه ، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكلّهُ ، وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل فلا تأكل ؛ فإنك لا تدري أيهما قتّلَهُ ، وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله تعالى): هذا إشارة إلى آلة الصيد الثانية ؛ أعني : المحدد؛ وهو قتله بالرماح والسيوف ؛ لقوله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: ٩٤]، ٢٩٥ ١٤ - كتاب الأطعمة ١ - باب الصيد والذبائح ١٢٥٢ - حديث عدي بن حاتم ولكن الحديث في السهم (فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت ؛ وإن وجدتهُ غريقاً في الماء فلا تأكل)) .. متفق عليه ، وهذا لفظ مسلم) . في الحديث مسائل : الأولى : أنه لا يحل صيد الكلب ، إلا إذا أرسله صاحبه ؛ فلو استرسل بنفسه ، لم يحل ما يصيده عند الجمهور ، والدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا أرسلت))؛ فمفهوم الشرط أن غير المرسل ليس كذلك . وعن طائفة أن المعتبر كونه معلماً ، فيحل صيده، وإن لم يرسله صاحبه ؛ بناءً على أنه خرج قوله: ((إذا أرسلت)) ، مخرج الغالب ؛ فلا مفهوم له ؛ وحقيقة المعلّم هو أن يكون بحيث يغرى ، فيقصد ، ويزجر ، فيقعد ، وقيل : التعليم قبول الإرسال والإغراء ، حتّى يمتثل الزجر في الابتداء ، لا بعد العدو ، ويترك أکل ما أمسك ، فالمعتبر امتثاله للزجر قبل الإرسال ، وأمّا بعد إرساله على الصيد ، فذلك متعذر . والتكليب إلهام من الله تعالى ومكتسب بالعقل ، كما قال تعالى : ﴿تعلمونهن مما علّمكم الله﴾ [المائدة: ٤]؛ قال جار الله: مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره ، وانصرافه بدعائه وإمساك الصيد علیه ، وأن لا يأكل منه . المسألة الثانية : في قوله: ((فاذكر اسم الله عليه))، هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]؛ فإن ضمير ((عليه))، يعود إلى ما ٢٩٦ ١٤ - كتاب الأطعمة ١ - باب الصيد والذبائح ١٢٥٢ - حديث عدي بن حاتم أمسكن؛ على معنى: وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته ، أو إلى ما علمتم من الجوارح؛ أي: سمُّوا عليه عند إرساله ؛ كما أفاده ((الكشاف)). وكذلك قوله : ((إن رميت فاذكر اسم الله))، دليل على اشتراط التسمية عند الرمي ، وظاهر الكتاب والسنّة وجوب التسمية ؛ واختلف العلماء : فذهبت الهادوية والحنفية إلى أن التسمية واجبة على الذاكر عند الإرسال ، وتجب عليه أيضاً عند الذبح والنحر؛ فلا تحل ذبيحته ، ولا صيده إذا تركت عمداً مستدلين بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]، وبالحديث هذا. قالوا: وقد عفي عن الناسي بحديث: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) ، ولما يأتي من حديث ابن عباس بلفظ: ((فإن نسي أن يسمي حين يذبح، فليسم ، ثم ليأكل)) ، وسيأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى . وذهب آخرون : إلى أنها سنة ؛ منهم ابن عباس ومالك ورواية عن أحمد ، مستدلين بقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]؛ قالوا: فأباح التذكية من غير اشتراط التسمية ، ولقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]؛ وهم لا يسمُّون، ولحديث عائشة الآتي: أنهم قالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتوننا بلحم لا ندري أذُكر اسم الله عليه أم لا ، أفنأكل منه؟ قال رسول الله ﴿﴿: ((سموا عليه أنتم وكلوا)). وأجابوا عن أدلة الإيجاب بأن قوله : ﴿ولا تأكلوا﴾؛ المراد به: ما ذبح للأصنام؛ كما قال تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به ... وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣] لأنه تعالى قال: ﴿وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقد أجمع المسلمون ٢٩٧ ١٤ - كتاب الأطعمة ١ - باب الصيد والذبائح ١٢٥٢ - حديث عدي بن حاتم على أن من أكل متروك التسمية عليه ، فليس بفاسق ؛ فوجب حملها على ما ذكر؛ جمعاً بينه وبين الآيات السابقة وحديث عائشة . وذهبت الظاهرية : إلى أنه لا يجوز أكل ما لم يسم عليه ، ولو كان تاركها ناسياً؛ لظاهر الآية الكريمة ، وحديث عدي رضي الله عنه ؛ فإنه لم يفصل ؛ قالوا : وأمّا حديث عائشة ؛ وفيه : أنهم قالوا: يا رسول الله! إن قوماً حديث عهدهم بالجاهلية يأتون بلحمان ... الحديث ، فقد قال ابن حجر: إنه أعله البعض بالإرسال ؛ قال الدارقطني : الصواب أنه مرسل . على أنه لا حجة فيه ؛ لأنه أدار الشارع الحكم على المظنة ؛ وهي كون الذابح مسلماً ، وإنما شكك على السائل حداثة إسلام القوم فألغاه ◌َخلقه ؛ بل فيه دليل على أنه لا بدّ من التسمية ، وإلا لبين له عدم لزومها ؛ وهذا وقت الحاجة إلى البيان . وأمّا حديث: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))، فهم متفقون على تقدير رفع الإثم، أو نحوه ، ولا دليل فيه . وأمّا أهل الكتاب ، فهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم . فيتحصل قوة كلام الظاهرية ، فيترك ما تيقن أنه لم يسم عليه ، وأمّا ما شك فيه - والذابح مسلم -، فكما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اذكروا اسم الله وكلوا)) . المسألة الثالثة: في قوله: ((فإن أدركته حياً فاذبحه))، فيه دليل على أنه يجب عليه تذكيته إذا وجده حياً ، ولا يحل إلا بها وذلك اتفاق ؛ فإن أدركه وفيه بقية حياة ؛ فإن كان قد قطع حلقومه ، أو مريئه ، أو جرح أمعاءه ، أو أخرج حشوه ، فيحل بلا ذكاة ؛ قال النووي : بالإجماع ، وقال المهدي للهادوية : إنه إذا ٢٩٨ ١٤ - كتاب الأطعمة ١ - باب الصيد والذبائح ١٢٥٢ - حديث عدي بن حاتم بقي فيه رمق وجب تذكيته ؛ والرمق : إمكان التذكية لو حضرت آلة . ودل قوله: ((وإن أدركته قد قتل، ولم يأكل منه فكله)»، أنه إذا أكل حرم أكله ؛ وقد عرفت أن من شرط المعلم ألا يأكل ، فأكله دليل على أنه غير كامل التعليم ، وقد ورد في الحديث الآخر تعليل ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه))، وهو مستفاد من قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]؛ فإنه فسر الإمساك على صاحبه بألا يأكل منه . وقد أخرج أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((إذا أرسلت الكلب فأكل الصيد ، فلا تأكل ؛ فإنَّما أمسك على نفسه ، وإذا أرسلته ، ولم يأكل ، فكل ؛ فإنَّما أمسك على صاحبه))، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء . وروي عن عليّ رضي الله عنه وجماعة من الصحابة حلَّه ، وهو مذهب مالك لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي ثعلبة الذي أخرجه أبو داود بإسناد حسن ؛ أنه قال : يا رسول الله! إن لى كلاباً مكلبة فأفتني في صيدها؟ قال: ((كل مما أمسكن عليك))، قال: وإن أكل؟ قال: ((وإن أكل))، وفي حديث سلمان: ((كله، وإن لم تدرك منه إلا نصفه)). قيل : فيحمل حديث عدي على أن ذلك في كلب قد اعتاد الأكل ؛ فخرج عن التعليم ، وقيل : إنه محمول على كراهة التنزيه ، وحديث أبي ثعلبة لبيان أصل الحل ، وقد كان عدي موسراً فاختار صلى الله تعالى عليه وآله وسلم له الأولى ، وكان أبو ثعلبة معسراً فأفتاه بأصل الحل . ٢٩٩ ١٤ - كتاب الأطعمة ١ - باب الصيد والذبائح ١٢٥٢ - حديث عدي بن حاتم وقال الأوّلون : الحديثان قد تعارضا . وهذه الأجوبة لا يخفى ضعفها ، فيرجع إلى الترجيح ، وحديث عدي أرجح لأنه مخرج في ((الصحيحين)) ومتأيد بالآية ، وقد صرح ﴿ بأنه يخاف أنه إنما أمسك على نفسه ، فيترك ترجيحاً لجنبة الحظر؛ كما قال ** في الحديث: ((وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره ... إلى قوله : فلا تأكل))؛ فإنه نهى عنه لاحتمال أن المؤثر فيه كلب آخر غير المرسل ، فیترکه ترجيحاً لجنبة الحظر . وقوله : ((فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك ، فكل إن شئت))، اختلفت الأحاديث في هذا ، فروى مسلم وغيره من حديث أبي ثعلبة في الذي يدرك صيده بعد ثلاث أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل ما لم ينتن))، وروى مسلم أيضاً من حديثه : أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا رميت بسهمك فغاب عنك مصرعه ، فكل ما لم يبت)) . ولاختلافها اختلف العلماء ؛ فقال مالك : إذا غاب مصرعه ، ثم وجد به أثر من الكلب ؛ فإنه يأكله ، ما لم يبت ؛ فإذا بات كره ، وفيه أقوال أخر ، والتعلیل بما لم ينتن ، وما لم يبت هو النص ، ويحمل ذكر الأوقات على التقييد به ، وترك الأكل للاحتياط وترجيح جنبة الحظر . وقوله : ((وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل)) ، ظاهره ، وإن وجد به أثر السهم لأنه يجوز أنه ما مات إلا بالغرق . المسألة الرابعة : الحديث نص في صيد الكلب؛ واختلف فيما يعلم من غيره کالفهد والنمر ، ومن الطيور كالبازي والشاهين وغيرهما . ٣٠٠