النص المفهرس
صفحات 201-220
١٣ - کتاب الجهاد
١١٨٢ و١١٨٣ - حديثا أبي سعيد وجرير البجلي
وفيه دلالة على عظم برّ الوالدين ؛ فإنه أفضل من الجهاد ، وأن المستشار
يشير بالنصيحة المحضة ، وأنه ينبغي له أن يستفصل من مستشيره ؛ ليدله على
ما هو الأفضل .
١١٨٢ - ولأحمدَ وأبي داودَ من حديث أبي سعيد نحوُهُ، وزاد: «ارْجعْ
فاستأذنهما؛ فإِن أَذنا لك، وإلا فبرَّهُما)» .
(ولأحمد وأبي داود من حديث أبي سعيد نحوه): في الدلالة على أنه
لا يجب عليه الجهاد ووالداه في الحياة ، إلا بإذنهما؛ كما دل له قوله (وزاد):
أي : أبو سعيد في رواية (((ارجع فاستأذنهما ، فإن أذنا لك): بالخروج للجهاد
(وإلا فبرهما)) .): بعدم الخروج للجهاد وطاعتهما .
١١٨٣ - وعنْ جرير الْبَحَليِّ رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َُّولُ: ((أَنا
بريءٌ منْ كلِّ مُسلم يُقيمُ بينَ المشركين)). رَوَاهُ الثلاثةُ، وإسنادهُ صحيحٌ،
ورجّحَ البخاري إرسالهُ .
(وعنْ جرير الْبَجَليِّ رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله عَ لُهِ: ((أَنا بريءٌ
منْ كلِّ مُسلمٍ يُقيمُ بينَ المشركين)). رَوَاهُ الثلاثةُ، وإسنادهُ صحيحٌ ، ورجّحَ
البخاري إرسالهُ) : وكذا رجح أيضاً أبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني
إرساله إلى قيس بن أبي حازم ، ورواه الطبراني موصولاً .
والحديث دليل على وجوب الهجرة من ديار المشركين من غير مكة ، وهو
مذهب الجمهور؛ لحديث جرير ، ولما أخرجه النسائي من طريق بهز بن حكيم
٢٠١
١٣ - کتاب الجهاد
١١٨٤ - حديث ابن عباس
عن أبيه عن جده مرفوعاً: ((لا يقبل الله من مشرك عملاً بعد ما أسلم ، أو
يفارق المشركين))، ولعموم قوله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي
أنفسهم﴾ [النساء : ٩٧].
وذهب الأقل إلى أنها لا تجب الهجرة ، وأن الأحاديث منسوخة ؛ للحديث
الآتي ، وهو قوله :
١١٨٤ - وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: قالَ رسول اللّه ◌ِ النٍ: ((لا
هِجْرَةَ بَعْدَ الْفتح؛ ولكنْ جهادٌ ونِيَّةٌ)). مُتّفقٌ عليه .
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه مَ له: ((لا هجرة
بعد الفتح؛ ولكن جهاد ونية)) . متفق عليه .) : قالوا : فإنه عام ، ناسخ لوجوب
الهجرة ، الدال عليه ما سبق ، وبأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر من أسلم
من العرب بالمهاجرة إليه ، ولم ينكر عليهم مقامهم ببلدهم ، ولأنه صلى الله
عليه وآله وسلم كان إذا بعث سرية ، قال لأميرهم: ((إذا لقيت عدوّك من
المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال ، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم ، وكُفّ
عنهم ، ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين ، وأعلمهم أنهم
إن فعلوا ذلك، أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين ، فإن أبوا
واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم
الله تعالى الذي يجري على المؤمنين)) . الحديث سيأتي بطوله ، فلم يوجب
عليهم الهجرة ، والأحاديث - غير حديث ابن عباس - محمولة على من لا يأمن
على دينه ؛ قالوا : وفي هذا جمع بين الأحاديث .
٢٠٢
١٣ - کتاب الجهاد
١١٨٥ - حديث أبي موسى الأشعري
وأجاب من أوجب الهجرة بأن حديث: ((لا هجرة)) يراد به نفيها عن مكة ،
كما يدل له قوله: ((بعد الفتح))؛ فإن الهجرة كانت واجبة من مكة قبله .
وقال ابن العربي : الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام،
وكانت فرضاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واستمرت بعده
لمن خاف على نفسه ، والتي انقطعت بالأصالة هي القصد إلى النبي صلى الله
عليه وآله وسلم حيث كان .
وقوله : ((ولكن جهاد ونية))، قال الطيبي وغيره : هذا الاستدراك يقتضي
مخالفة حكم ما بعده لما قبله ؛ والمعنى : أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن - التي
كانت مطلوبة على الأعيان - إلى المدينة قد انقطعت ، إلا أن المفارقة بسبب
الجهاد باقية ، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة ، كالفرار من دار الكفر، والخروج
في طلب العلم ، والفرار من الفتن ، والنية في جميع ذلك معتبرة .
وقال النووي : المعنى : أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة ، يمكن تحصيله
بالجهاد والنية الصالحة ؛ وجهادٌ معطوف بالرفع على محل اسم لا .
١١٨٥ - وعَنْ أبي مُوسى الأشْعريِّ قال: قالَ رسول الله ◌ِ﴿ه: «مَنْ قَاتل
لتكون كلمة الله هي العُليَا فَهُو في سبيل الله)). متّفقٌ عليه .
(وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله مح له: ((من قاتل لتكون
كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)). متفق عليه.) : وفي الحديث هنا
اختصار، ولفظه : عن أبي موسى : أنه قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وآله
وسلم: الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه ؛
٢٠٣
١٣ - کتاب الجهاد
١١٨٥ - حديث أبي موسى الأشعري
فمن في سبيل الله؟ قال: ((من قاتل ... )). الحديث.
والحديث دليلٌ على أن القتال في سبيل الله يكتب أجره لمن قاتل لتكون
كلمة الله هي العليا ، ومفهومه أن من خلا عن هذه الخصلة فليس في سبيل
الله ، وهو من مفهوم الشرط .
ويبقى الكلام فيما إذا انضم إليها قصد غيرها ، وهو المغنم مثلاً ؛ هل هو في
سبيل الله أَوْ لا؟ قال الطبري : إنه إذا كان أصل المقصد إعلاء كلمة الله تعالى
لم يضر ما حصل من غيره ضمناً؛ وبذلك قال الجمهور .
والحديث يحتمل أنه لا يخرج عن كونه في سبيل الله مع قصد التشريك ؛
لأنه قد قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، ويتأيد بقوله تعالى : ﴿ليس عليكم
جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ فإن ذلك لا ينافي فضيلة
الحج ، فكذلك في غيره؛ فعلى هذا: العمدة الباعث على الفعل ، فإن كان هو
إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه ضمناً .
وبقي الكلام فيما إذا استوى القصدان ؛ فظاهر الحديث والآية أنه لا يضر ،
إلا أنه أخرج أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه ، ۔ بإسناد
جيد - قال : جاء رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر
والذكر؛ ما له؟ قال: ((لا شيء له))، فأعاده ثلاثة؛ كل ذلك يقول: ((لا شيء
له))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله تعالى لا يقبل من
العمل ، إلا ما كان خالصاً ، وابتغي به وجهه)) .
٢٠٤
١٣ - كتاب الجهاد
١١٨٥ - حديث أبي موسى الأشعري
قلت: فيكون هذا دليلاً على أنه إذا استوى الباعثان : الأجر والذكر - مثلاً -،
بطل الأجر، ولعل بطلانه هنا لخصوصية طلب الذكر ؛ لأنه انقلب عمله للرياء ،
والرياء مبطل لما يشاركه ، بخلاف طلب المغنم ؛ فإنه لا ينافي الجهاد ، بل إذا قصد
بأخذ المغنم إغاظة المشركين والانتفاع به على الطاعة ، كان له أجر ؛ فإنه تعالى
يقول: ﴿ولا ينالون من عدونيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح﴾ [التوبة: ١٢٠]،
والمراد : النيل المأذون فيه شرعاً .
وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من قتل قتيلاً فله سلبه))، قبل القتال ،
دليل على أنه لا ينافي قصد المغنم القتال ، بل ما قاله ، إلا ليجتهد السامع في
قتال المشركين .
وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه ، إلا إيمان بي وتصديق
برسولي ، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة ، أو أدخله الجنة)).
ولا يخفى أن الأخبار - هذه - دليل على جواز تشريك النية؛ إذ الإخبار به
يقتضي ذلك غالباً .
ثم إنه قد يقصد المشرکون لجّد نهب أموالهم؛ کما خرج رسول الله صلی الله
عليه وآله وسلم بمن معه في غزاة بدر؛ لأخذ عير المشركين ، ولا ينافي ذلك أن
تكون كلمة الله هي العليا ، بل ذلك من إعلاء كلمة الله تعالى ، وأقرهم الله
تعالى على ذلك ، بل قال تعالى: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾
[الأنفال: ٧] ، ولم يذمّهم بذلك، مع أن في هذا الإخبار إخباراً لهم بمحبتهم للمال
٢٠٥
١٣ - کتاب الجهاد
١١٨٦ - حديث عبد الله بن السعدي
دون القتال ؛ فإعلاء كلمة الله يدخل فيه إخافة المشركين ، وأخذ أموالهم ، وقطع
أشجارهم ، ونحوه .
وأمّا حديث أبي هريرة عند أبي داود: أن رجلاً قال: يا رسول الله! رجل
يريد الجهاد في سبيل الله ، وهو يبتغي عرضاً من الدنيا؟ فقال: ((لا أجر له))
فأعاد عليه ثلاثاً؛ كل ذلك يقول : ((لا أجر له)) .
فكأنه فهم ﴿ أن الحامل هو العرض من الدنيا فأجابه بما أجاب ، وإلا فإنه
قد كان تشريك الجهاد بطلب الغنيمة أمراً معروفاً في الصحابة ؛ فإنه أخرج
الحاكم والبيهقي - بإسناد صحيح -: أن عبد الله بن جحش يوم أحد قال : اللهم
ارزقني رجلاً شديداً أقاتله ويقاتلني ، ثم ارزقني عليه الصبر حتى أقتله وآخذ
سلبه . فهذا يدل على أن طلب العرض من الدنيا مع الجهاد كان أمراً معلوماً
جوازه للصحابة ؛ فيدعون الله بنیله .
١١٨٦ - وعن عبد الله بن السّعْديِّ رضي اللهُ عَنْهُ قال: قالَ رسُولُ الله
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((لا تنقطعُ الهجرَةُ ما قوتلَ العَدوُّ». رواهُ النسائيُّ،
.وصححه ابن حِبّان .
(وعن عبد الله بن السعديِّ رضي الله عنه) : هو أبو محمد عبد الله بن
السعدي ، رفي اسم السعدي أقوال ، وإنما قيل له : السعدي ؛ لأنه كان مسترضعاً
في بني سعد ، سكن عبد الله الأردن ، ومات بالشام سنة خمسين على قول ، له
صحبة ورواية ؛ قاله ابن الأثير ، ويقال فيه : ابن السعدي نسبة إلى جده ، ويقال
فيه : ابن الساعدي ، كما في أبي داود (قال : قال رسول الله صلى الله عليه
٢٠٦
١٣ - كتاب الجهاد
١١٨٧ - حديث ابن عمر
وآله وسلم: ((لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو)) . رواه النسائي ، وصححه ابن
حبان .) :
دل الحديث على ثبوت حكم الهجرة ، وأنه باقٍ إلى يوم القيامة ؛ فإن قتال
ءُ
العدو مستمر إلى يوم القيامة ، ولكنه لا يدل على وجوبها ، ولا كلام في ثوابها
مع حصول مقتضيها ، وأما وجوبها ففيه ما عرفت .
١١٨٧ - وعن نافع قالَ: أَغار رسُول اللهِ يَ﴾ على بني الْمُصْطَلق وهُمْ
غارّون، فَقَتلَ مقاتلتهمْ وسَبى ذراريهم؛ حَدِّثْني بذلك عبدالله بنُ عُمَرَ.
مُتَّفقٌ عليه ، وفيه : وأصاب يومئذ جويْرية .
(وعن نافع) : هو مولى ابن عمر ، يقال له : أبو عبد الله نافع بن سرجس؛
بفتح السين وسكون الراء وكسر الجيم ، كان من كبار التابعين من أهل المدينة ،
سمع ابن عمر وأبا سعيد ، وهو من الثقات المشهورين بالحديث المأخوذ عنهم،
على
مات سنة سبع عشرة ومائة ، وقيل : عشرين (قال : أغار رسول الله
بني المصْطَلِقِ) : بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف؛
بطن شهير من خزاعة (وهم غارّون) : بالغين المعجمة وتشديد الراء ؛ جمع غارّ؛
أي: غافلون؛ فأخذهم على غرّة (فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم؛ حدثني
بذلك عبد الله بن عمر . متفق عليه ، وفيه : وأصاب يومئذٍ جويرية .).
فيه مسألتان :
الأولى : الحديث دليل على جواز المقاتلة قبل الدعاء إلى الإسلام، في حق
الكفار الذين قد بلغتهم الدعوة من غير إنذار ، وهذا أصح الأقوال الثلاثة في
٢٠٧
١٣ - كتاب الجهاد
١١٨٧ - حديث ابن عمر
المسألة ؛ وهي : عدم وجوب الإنذار مطلقاً ؛ ويرد عليه حديث بريدة الآتي .
والثاني : وجوبه مطلقاً ، ويرد عليه هذا الحديث .
والثالث : يجب إن لم تبلغهم الدعوة ، ولا يجب إن بلغتهم ، ولكن يستحب .
قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم ؛ وعلى معناه تظاهرت الأحاديث
الصحيحة ؛ وهذا أحدها ، وحديث كعب بن الأشرف ، وقتل ابن أبي الحقيق،
وغير ذلك. وادعى في ((البحر)) الإجماع على وجوب دعوة من لم تبلغه دعوة
الإسلام .
والثانية : في قوله : فسبى ذراريهم ، دليل على جواز استرقاق العرب ؛ لأن
بني المصطلق عرب من خزاعة ؛ وإليه ذهب جمهور العلماء ، وقال به مالك
وأصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي .
وذهب آخرون إلى عدم جواز استرقاقهم ، ولیس لهم دلیل ناهض ، ومن
طالع كتب السير والمغازي علم - يقيناً - استرقاقه صلى الله عليه وآله وسلم
للعرب غير الكتابيين كهوازن وبني المصطلق؛ وقال لأهل مكة: ((اذهبوا فأنتم
الطلقاء»، وفادى أهل بدر؛ والظاهر أنه لا فرق بين الفداء والقتل والاسترقاق؛
لثبوتها في غير العرب مطلقاً؛ وقد ثبتت فيهم؛ ولم يصح تخصيص ولا نسخ .
قال أحمد بن حنبل : لا أذهب إلى قول عمر : ليس على عربي ملك . وقد
سبى النبي 18َ من العرب كما ورد في غير حديث ، وأبو بكر وعليّ رضي الله
عنهما سبيا بني ناجية ؛ ويدل له الحديث الآتي :
٢٠٨
١٣ - کتاب الجهاد
١١٨٨ - حديث عائشة
١١٨٨ - وعنْ سُليمانَ بن بريدةَ عَنْ أَبيه عن عائشة قالت : كانَ رسول الله
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ إذا أَمَّرَ أَميراً على جيش أوْ سرية ، أَوْضَاه في
خاصَّته بتقوى الله ، وبمن مَعَهُ من المسلمين خيراً، ثمَّ قالَ: ((اغْزوا على اسم
الله تعالى في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله، اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدُرُوا ولا
تُمَثِّلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوّكَ من المشركين فادْعُهُمْ إلى ثلاث
خصال ؛ فأَيَتُهُنَّ أجابوكَ إليْها فَاقْبِلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُم؛ ادْعُهُمْ إلى الإسلام؛
فإِن أَجابوك فاقبلْ منهم ، ثمَّ ادْعُهُمْ إلى التّحَوُّل مِنْ دَارِهِمْ إلى دار الُهاجرينَ؛
فإنْ أَبوا فَأَخبرهُمْ أَنَّهُم يكونون كأَعرابِ المسلمينَ، ولا يكُونُ لهُمْ في الغنيمة
والفيءِ شيءٌ، إلا أنْ يجاهدوا معَ المسلمين؛ فإن هُمْ أَبوا فاسْأَلِهُمُ الجزيةَ؛
فإن هُمْ أَجابوك فاقبل منهم ؛ فإِن هُمْ أَبوْا فاستعن بالله وقاتلْهم ، وإذا حاصرْت
أَهْلَ حصن فأَرادوكَ أَنْ تْعَلَ لَهُمْ ذمّةَ الله وذمّةَ نبيَّه فلا تفْعَلْ ، ولكن اجْعالْ
لُهُمْ ذمّتك؛ فإنكمْ إن تُخْفِروا ذمكمْ، أَهْوَنُ منْ أنْ تُخْفِروا ذمّة الله ، وإذا
أَرادوكَ أَنْ تنزلهمْ على حُكْم الله فلا تفْعَلْ، بل على حُكمِكَ؛ فإنّك لا
تَدري أَتصيبُ فيهم حُكْمَ الله تعالى، أَمْ لا؟)). أَخرجهُ مُسلمٌ .
(وعن سلیمان بن بريدة عن أبيه عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم إذا أمّر أميراً على جيش): هم الجند أو السائرون إلى
الحرب أو غيره - في نسخة لا غيرها - (أو سرية) : هي القطعة من الجيش تخرج
منه تغير على العدوّ وترجع إليه (أوصاه في خاصته بتقوى الله . وبمن معه من
المسلمين خيراً. ثم قال: ((اغزوا على اسم الله تعالى في سبيل الله ، قاتلوا من
٢٠٩
١٣ - کتاب الجهاد
١١٨٨ - حديث عائشة
كفر بالله ، اغزوا ولا تغلَّوا): بالغين المعجمة؛ والغلول : الخيانة في المغنم مطلقاً
(ولا تغْدروا) : الغدر ضد الوفاء (ولا تمثلوا) : من المثلة ، يقال: مثل بالقتيل إذا
قطع أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئاً من أطرافه (ولا تقتلوا وليداً) : المراد : غير
البالغ سن التكليف (وإذا لقيت عدوَّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث
خصال) : أي إلى إحدى ثلاث خصال ، وبينها بقوله : (فأيتهنَّ أجابوك إليها
فاقبل منهم ؛ وكُفَّ عنهم): أي القتال ، وبينها بقوله : (ادعُهُم إلى الإسلام؛
فإن أجابوك فاقبل منهم ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ؛
فإِن أَبوا فأخبرهُم أَنّهُمْ يكونون كأعراب المسلمين) : وبيان حكم أعراب المسلمين
تضَّمنه قوله (ولا يكون لهم في الغنيمة) : الغنيمة : ما أصيب من مال أهل
الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب (والفيءٍ): هو ما حصل للمسلمين
من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد (شيء ، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ؛
فإن هم أبَوْا) : أي الإسلام (فاسألهم الجزية) : وهي الخصلة الثانية من الثلاث
(فإن هُمْ أجابوكَ فأقْبل منهم؛ فإن همْ أَبَوا فاستعن بالله وقاتلهم): وهذه هي
الخصلة الثالثة (وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمّة الله وذمة
نبيه فلا تفعل ، ولكن اجعل لهم ذمّتك): علل النهي بقوله (فإنكمْ إِنْ
تخفروا): بالخاء المعجمة والفاء والراء ، من أخفرت الرجل ؛ إذا نقضت عهده
وذمامه (ذممكم أَهْوَنُ من أَن تخفروا ذمّة الله ، وإذا أرادوكَ أَن تُنزلهمْ على
حكم الله فلا تفعل ، بل على حكمك): علل النهي بقوله : (فإنك لا تدري
أَتُصيب فيهم حكم الله تعالى أم لا؟)) . أخرجه مسلم) .
٢١٠
١٣ - کتاب الجهاد
١١٨٨ - حديث عائشة
في الحديث مسائل :
الأولى : دل على أنه إذا بعث الأمير من يغزو ، أوصاه بتقوى الله ، وبمن
يصحبه من المجاهدين خيراً ، ثم يخبره بتحريم الغلول من الغنيمة ، وتحريم الغدر،
وتحريم المثلة ، وتحريم قتل صبيان المشركين ؛ وهذه محرّمات بالإجماع ، ودل على
أنه يدعو أمير المشركين إلى الإسلام قبل قتالهم، وظاهره وإن كان قد بلغتهم
الدعوة ؛ لكنه مع بلوغها يحمل على الاستحباب، كما دل له إغارته مَ ﴿ٍ على
بني المصطلق ، وهم غارّون ، وإلا وجب دعاؤهم .
وفيه دليل على دعائهم إلى الهجرة بعد إسلامهم ، وهو مشروع ندبًا بدليل
ما في الحديث من الإذن لهم في البقاء .
وفيه دليل على أن الغنيمة والفيء لا يستحقهما إلا المهاجرون ، وأن الأعراب
لا حق لهم فيهما ، إلا أن يحضروا الجهاد ؛ وإليه ذهب الشافعي ، وذهب غيره
إلى خلافه وادّعوا نسخ الحديث ، ولم يأتوا ببرهان على نسخه .
المسألة الثانية : في الحديث دليل على أن الجزية تؤخذ من كل كافر كتابي
أو غير كتابي ، عربي أو غير عربي؛ لقوله: ((عدوك))؛ وهو عام؛ وإلى هذا ذهب
مالك والأوزاعي وغيرهما .
وذهب الشافعي : إلى أنها لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس ، عرباً كانوا
أو عجماً؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: ٢٩]، بعد ذكر أهل
الكتاب ، ولقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)).
٢١١
١٣ - کتاب الجهاد
١١٨٨ - حديث عائشة
وما عداهم داخلون في عموم قوله تعالى : ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾
[البقرة: ١٩٣]، وقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجد تموهم﴾ [التوبة: ٥].
واعتذروا عن الحديث بأنه وارد قبل فتح مكة ؛ بدليل الأمر بالتحول والهجرة ،
والآيات بعد الهجرة ، فحديثُ بريدة منسوخ أو متأول ؛ بأن المراد بعدوّك من كان
من أهل الكتاب .
قلت : والذي يظهر عموم أخذ الجزية من كل كافر ؛ لعموم حديث بريدة .
وأما الآية ، فأفادت أخذ الجزية من أهل الكتاب ، ولم تتعرض لأخذها من غيرهم
ولا لعدم أخذها ، والحديث بيَّن أخذها من غيرهم .
وحمل ((عدوك)) على أهل الكتاب في غاية البعد ، وإن قال ابن كثير في
((الإرشاد)): إن آية الجزية إنما نزلت بعد انقضاء حرب المشركين وعبدة الأوثان ،
ولم يبق بعد نزولها إلا أهل الكتاب؛ قاله تقوية لمذهب إمامه الشافعي ! ولا
يخفى بطلان دعواه : بأنه لم يبق بعد نزول آية الجزية إلا أهل الكتاب ، بل بقي
عباد النيران من أهل فارس وغيرهم ، وعباد الأصنام من أهل الهند ، وأما عدم
أخذها من العرب ؛ فلأنها لم تشرع إلا بعد الفتح ، وقد دخل العرب في
الإسلام ، ولم يبق منهم محارب ، فلم يبق فيهم بعد الفتح من يسبى ، ولا من
تضرب عليه الجزية ، بل من خرج بعد ذلك عن الإسلام منهم فليس إلا السيف
أو الإسلام، كما أن ذلك الحكم في أهل الردّة ، وقد سبى صلى الله عليه وآله
وسلم قبل ذلك من العرب بني المصطلق وهوازن ؛ وهل حديث الاستبراء إلا في
سبايا أوطاس؟!
٢١٢
١٣ - کتاب الجهاد
١١٨٨ - حديث عائشة
واستمر هذا الحكم بعد عصره صلى الله عليه وآله وسلم ففتحت الصحابة
رضي الله عنهم بلاد فارس والروم ، وفي رعاياهم العرب ؛ خصوصاً الشام والعراق
ولم يبحثوا عن عربي من عجمي ؛ بل عمموا حكم السبي والجزية على جميع
من استولوا عليه ؛ وبهذا يعرف أن حديث بريدة كان بعد نزول فرض الجزية ،
وفرضها كان بعد الفتح ؛ فكان فرضها في السنة الثانية(*) عند نزول سورة براءة ،
ولذا نهى فيه عن المثلة ، ولم ينزل النهي عنها إلا بعد أحد .
وإلى هذا المعنى جنح ابن القيم في ((الهدي)) ، ولا يخفى قوّته .
المسألة الثالثة : تضمن الحديث النهي عن إجابة العدوّ إلى أن يجعل لهم
الأمير ذمة الله وذمة رسوله ، بل يجعل لهم ذمته ، وقد علله بأن الأمير ومن
معه ، إذا أخفروا ذمّتهم - أي : نقضوا عهدهم -، فهو أهون عند الله من أن يخفروا
ذمته تعالى ، وإن كان نقض الذمة محرماً مطلقاً .
قيل : وهذا النهي للتنزيه لا للتحريم ، ولكن الأصل فيه التحريم ، ودعوى
الإجماع على أنه للتنزيه لا تتم .
وكذلك تضمن النهي عن إنزالهم على حكم الله ، وعلله بأنه لا يدري ؛
أيصيب فيهم حكم الله أم لا؟ ، فلا ينزلهم على شيء لا يدري أيقع أم لا؟ بل
ینزلهم علی حکمه .
وهو دليل على أن الحق في مسائل الاجتهاد مع واحد ، وليس كل مجتهد
مصيباً للحق ؛ وقد أقمنا أدلة حقَّيّة هذا القول في محل آخر .
(*) كذا الأصل ، ولعل الصواب : الثامنة أو التاسعة . (الناشر) .
٢١٣
١٣ - کتاب الجهاد
١١٨٩ و١١٩٠ - حديثا كعب بن مالك والنعمان بن مقرن
١١٨٩ - وعَنْ كعب بن مالك رضي الله عَنْهُ: أنَّ النّبي صلَّى اللهُ عليه
وآله وسلَّمَ كانَ إذا أُرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بغَيْرِها . متفقٌ عليه .
(وعن كعب بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
كان إذا أراد غزوة ورَّى) : بفتح الواو وتشديد الراء ؛ أي: سترها (بغيرها . متفق
عليه) .
وقد جاء الاستثناء في ذلك بلفظ : ((إلا في غزوة تبوك ؛ فإنه أظهر لهم
مراده))، وأخرجه أبو داود، وزاد فيه: ويقول: ((الحرب خدعة)).
وكانت توريته : أنه إذا قصد جهة سأل عن طريق جهة أخرى ؛ إيهاماً أنه
يريدها ، وإنما يفعل ذلك لأنه أتم فيما يريده من إصابة العدو ، وإتيانهم على
غفلة من غير تأهبهم له ، وفيه دليل على جواز مثل هذا، وقد قال ◌َظري :
((الحرب خدعة)) .
١١٩٠ - وعَنْ مَعْقِل بن النُّعْمان بن مُقَرِّن قالَ: شهدتُ رسولَ الله عَ﴿ إذا
لمْ يُقاتِلْ أَوّلَ النّهار، أَخّر القتال حتى تزولَ الشّمْسُ ، وتهبَّ الرِّياحُ ، وینْزِلَ
النّصْر. رواهُ أَحْمَدُ والثّلاثةُ ، وصحّحهُ الحاكم ، وأَصْلُهُ في البخاري .
(وعن معقل بن النعمان بن مقرن) : بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء
فنون؛ ولم يذكر ابن الأثير معقل بن مقرّن في الصحابة ؛ إنما ذكر النعمان بن
مقرّن ، وعزا هذا الحديث إليه ، وكذلك البخاري وأبو داود والترمذي ؛ أخرجوه
عن النعمان بن مقرّن فينظر ؛ فما أظن لفظ : معقل ، إلا سبق قلم ، والشارح وقع
٢١٤
١٣ - کتاب الجهاد
١١٩٠ - حديث النعمان بن مقرن
له أنه قال : هو معقل بن النعمان بن مقرّن المزني ، ولا يخفى أن النعمان هو ابن
مقرِّن ، فإذا كان له أخ ، فهو معقل بن مقرّن لا ابن النعمان .
قال ابن الأثير: إن النعمان هاجر ومعه سبعة إخوة له ، يريد أنهم هاجروا
كلهم معه ، فراجعت ((التقريب)) للمصنف ، فلم أجد فيه صحابياً يقال له معقل
ابن النعمان ، ولا ابن مقرّن، بل فيه: النعمان بن مقرّن؛ فتعين أن لفظ : معقل
في نسخ ((بلوغ المرام)) سبق قلم، وهو ثابت فيما رأيناه من نسخه (قال : شهدت
رسول الله عليه إذا لم يقاتل أول النهار، أخر القتال حتى تزول الشمس،
وتهب الرياح ، وينزل النصر . رواه أحمد والثلاثة ، وصححه الحاكم، وأصله
في البخاري) .
فإنه أخرجه عن النعمان بن مقرّن بلفظ : إذا لم يقاتل في أول النهار ، انتظر
حتى تهب الأرواح ، وتحضر الصلاة .
قالوا: والحكمة في التأخير إلى وقت الصلاة مظنة إجابة الدعاء ، وأما
هبوب الرياح ، فقد وقع به النصر في الأحزاب ، كما قال تعالى : ﴿فأرسلنا
عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾ [الأحزاب: ٩]، فكان توخي هبوبها مظنة للنصر،
وقد علل بأن الرياح تهب غالباً بعد الزوال ؛ فيحصل بها تبريد حدّ السلاح
للحرب والزيادة للنشاط .
ولا يعارض هذا ما ورد من أنه {* كان يغير صباحاً؛ لأن هذا في الإغارة،
وذلك عند المصافة للقتال .
٢١٥
١٣ - كتاب الجهاد
١١٩١ - حديث الصعب بن جثامة
١١٩١ - وعن الصَّعْب بن جَثَّمةَ رضي الله عَنْهُ قال: سُئِلَ رسول اللّه ◌َ
عن الدار من المشركين؛ يُبَيِّتُون، فيُصيبُون منْ نسائهمْ وذراريهمْ؟ فقالَ: ((هُمْ
منهُمْ)) . مُتّفقٌ عليه .
(وعن الصعب بن جَئّامة رضي الله عنه): تقدّم ضبطها في الحج (قال :
أ): ووقع في ((صحيح ابن حبان)): السائل هو الصعب ،
سئل رسول الله عَ
ولفظه: سألت رسول الله ◌َ ﴿، وساقه بمعناه (عن الدار من المشركين ؛ يبيّتون) :
بصيغة المضارع ؛ من بيّته ؛ مبني للمجهول (فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟
فقال: ((هُمْ منهم)) . متفق عليه) .
وفي لفظ البخاري : عن أهل الدار؛ وهو تصريح بالمضاف المحذوف ، والتبييتُ:
الإغارة عليهم في الليل على غفلة ، مع اختلاطهم بصبيانهم ونسائهم ؛ فيصاب
النساء والصبيان من غير قصد ، لقتلهم ابتداء .
وهذا الحديث أخرجه ابن حبان من حديث الصعب ، وزاد فيه : ثم نهى
عنهم يوم حنين؛ وهي مدرجة في حديث الصعب ، وفي ((سنن أبي داود)) زيادة
في آخره ؛ قال سفيان : قال الزهري : ثم نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان .
ويؤيد أن النهي في حنين ، ما في البخاري قال النبي صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم لأحدهم: ((الحق خالداً فقل له: لا تقتل ذرّية ولا عسيفاً))،
وأول مشاهد خالد معه ﴿ غزوة حنين ؛ كذا قيل ، ولا يخفى أنه قد شهد معه
فتح مكة قبل ذلك .
٢١٦
١٣ - كتاب الجهاد
١١٩٢ - حديث عائشة
وأخرج الطبراني في «الأوسط)) من حديث عمر قال: لما دخل النبي صلى
الله عليه وآله وسلم مكة ، أتي بامرأة مقتولة ، فقال: ((ما كانت هذه تقاتل!))،
ونھی عن قتل النساء .
وقد اختلف العلماء في هذا؛ فذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور: إلى
جواز قتل النساء والصبيان في البيات ؛ عملاً برواية ((الصحيحين)).
وقوله : ((هم منهم))؛ أي: في إباحة القتل تبعاً لا قصداً، إذا لم يمكن
انفصالهم عمن يستحق القتل .
وذهب مالك والأوزاعي : إلى أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال ، حتى
إذا تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان ، أو تحصنوا بحصن أو سفينة ؛ هما فيهما ،
لم يجز قتالهم ولا تحريقهم .
وإليه ذهب الهادوية إلا أنهم قالوا في التترس : يجوز قتل النساء والصبيان
حيث جعلوا ترساً ، ولا يجوز إذا تترسوا بمسلم إلا مع خشية استئصال المسلمين .
ونقل ابن بطال وغيره اتفاق الجميع على عدم جواز القصد إلى قتل النساء
والصبيان ؛ للنھي عن ذلك .
وفي قوله : ((هم منهم))، دليل بإطلاقه لمن قال: هم من أهل النار، وهو ثالث
الأقوال في المسألة ، والثاني : أنهم من أهل الجنة ، وهو الراجح في الصبيان ،
والأولى : الوقف .
قالَ لِرَجُلِ تَبِعَهُ يَوْمَ
١١٩٢ - وعَنْ عائشة رضي الله عنها: أَنَّ النبي
بَدْر: ((ارجع؛ فَلَنْ أَسْتعينَ بُمُشْرِك)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٢١٧
١٣ - کتاب الجهاد
١١٩٢ - حديث عائشة
(وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌َّ هٍ قال الرجل): أي مشرك (تبعه
يوم بدر: ((ارجع ؛ فلن أستعين بمشرك)) . رواه مسلم) .
ولفظه عن عائشة قالت : خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم قبل بدر، فلما كان بحرّة الوبرة ، أدركه رجل قد كان تُذكر فيه جرأة
حین رأوه ، فلما أدرکه قال لرسول الله
ونجدة ، ففرح أصحاب رسول الله
﴿: جئت؛ لأتبعك وأصيب معك! قال: ((أتؤمن بالله؟)) قال: لا، قال:
((فارجع؛ فلن أستعين بمشرك)) ، فلما أسلم ، أذن له .
والحديث من أدلة من قال : لا يجوز الاستعانة بالمشركين في القتال ؛ وهو
قول طائفة من أهل العلم ، وذهب الهادوية وأبو حنيفة وأصحابه إلى جواز
ذلك، قالوا: لأنه ◌َ﴿ استعان بصفوان بن أمية يوم حنين، واستعان بيهود بني
قينقاع ورضخ لهم. أخرجه أبو داود في ((المراسيل)).
وأخرجه الترمذي عن الزهري مرسلاً ؛ ومراسيل الزهري ضعيفة . قال
الذهبي : لأنه كان خطاء ، ففي إرساله شبهة تدليس ، وصحح البيهقي من
حديث أبي حميد الساعدي : أنه ردّهم .
قال المصنف : ويجمع بين الروايات ؛ بأن الذي ردّه يوم بدر تفرس فيه الرغبة
في الإسلام ، فردّه ؛ رجاء أن يسلم ، فصدق ظنه ، أو أن الاستعانة كانت ممنوعة
فرخص فيها ، وهذا أقرب . وقد استعان يوم حنين بجماعة من المشركين تألفهم
بالغنائم . وقد اشترط الهادوية أن يكون معه مسلمون يستقل بهم في إمضاء
الأحكام .
٢١٨
١٣ - کتاب الجهاد
١١٩٣ و١١٩٤ - حديثا ابن عمر وسمرة
وفي ((شرح مسلم)): أن الشافعي قال : إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ،
ودعت الحاجة إلى الاستعانة ، استعين به ، وإلا فيكره . ويجوز الاستعانة بالمنافق
إجماعاً ؛ لاستعانته صلى الله عليه وآله وسلم بعبد الله بن أبيّ وأصحابه .
١١٩٣ - وعَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهُما: أَنَّ النبيَّ:﴿ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولةً
في بَعْض مغازيهِ ، فَأَنكَرَ قَتْلَ النِّساءِ والصِّبْيان . متفقٌ عليه .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي ﴿ رأى امرأة مقتولة في
بعض مغازيه ، فأنكر قتل النساء والصبيان . متفق عليه) : وقد أخرج الطبراني :
أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل مكة أتي بامرأة مقتولة ، فقال: ((ما كانت
هذه تقاتل)) . أخرجه عن ابن عمر ، فيحتمل أنها هذه .
وأخرج أبو داود في ((المراسيل)) عن عكرمة : أنه صلى الله عليه وآله وسلم
رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال: ((ألم أنْه عن قتل النساء؟! من صاحبها؟))،
فقال رجل : يا رسول الله! أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني فقتلتها ، فأمر
بها أن تواری .
ومفهوم قوله: ((تقاتل))، وتقريره لهذا القاتل يدل على أنها إذا قاتلت ، قتلت ،
وإليه ذهب الشافعي ، واستدل أيضاً بما أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من
حديث رباح بن ربيع التميمي قال: كنا مع رسول الله { في غزوة ، فرأى
الناس مجتمعين ، فرأى امرأة مقتولة ، فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل!)).
١١٩٤ - وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى اللهُ تعالى
عليه وعلى آله وسلَّمَ: ((اقْتُلُوا شيوخ المشركِينَ، واسْتَبْقُوا شرْخَهُم)). رواهُ
٢١٩
١٣ - كتاب الجهاد
١١٩٥ - حديث علي
أبو داودَ ، وصحّحهُ الترمذيُّ .
(وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم: ((اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شرخهم)).): بالشين
المعجمة وسكون الراء والخاء المعجمة ؛ هم الصغار الذين لم يدركوا ؛ ذكره في
((النهاية)) (رواه أبو داود، وصححه الترمذي): وقال : حسن غريب ، وفي
نسخة : صحيح ، وهو من رواية الحسن عن سمرة ، وفيها ما قدمناه .
والشيخ من استبانت فيه السن ، أو من بلغ خمسين سنة ، أو إحدى وخمسين ؛
كما في ((القاموس))، والمراد هنا الرجال المسان أهل الجلد والقوة على القتال ، ولم
يرد الهرمى ، ويحتمل أنه أريد بالشيوخ من كانوا بالغين مطلقاً فيقتل ، ومن كان
صغيراً لا يقتل ، فيوافق ما تقدم من النهي عن قتل الصبيان ، ويحتمل أنه أريد
بالشرخ من كان في أول الشباب ؛ فإنه يطلق عليه ، كما قال حسان :
إن شرخ الشباب والشعر الأسـ ـود ما لم يعاص كان جنوناً
فإنه يستبقى رجاء إسلامه ، كما قال أحمد بن حنبل : الشيخ لا يكاد
یسلم ، والشباب أقرب إلى الإسلام ، فیکون الحدیث مخصوصاً بمن يجوز تقريره
على الكفر بالجزية .
١١٩٥ - وعنْ عليّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: أنّهُمْ تبارزوا يَوْمَ بدْر. رَواهُ البخاريُّ،
وأخرجه أبو داودَ مُطوَّلاً .
(وعن علي كرم الله وجهه : أنهم تبارزوا يوم بدر . رواه البخاري ، وأخرجه
أبو داود مطولاً): وفي المغازي من البخاري : عن علي كرم الله وجهه أنه قال : أنا
٢٢٠