النص المفهرس

صفحات 181-200

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر
١١٦٩ - حديث جابر
١١٦٩ - وعن جابر رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله عَض ◌ُه قال: ((مَا أَسْكَرَ
كثيرهُ فقليله حرامٌ». أَخْرجهُ أَحمدُ والأربعةُ ، وصححه ابنُ حبان .
(وعن جابر رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله عَ لَهُ قال: ((مَا أَسْكَرَ كثيرهُ
فقليله حرامٌ)). أَخْرجهُ أَحمدُ والأربعةُ، وصححه ابنُ حبان.) : وأخرجه
الترمذي وحسنه ، ورجاله ثقات .
وأخرج النسائي والدارقطني وابن حبان من طريق عامر بن سعد بن أبي
وقاص عن أبيه بلفظ : نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قليل ما
أسكر كثيره .
وفي الباب عن عليّ عليهِ السَّلام وعن عائشة رضي الله عنها وعن خوّات
وعن سعيد وعن ابن عمر وزيد بن ثابت ؛ كلها مخرجة في كتب الحديث ،
والكل تقوم به الحجة ، وتقدم تحقيقه .
فائدة : ويحرم ما أسكر من أي شيء ، وإن لم يكن مشروباً ، كالحشيشة .
قال المصنف : من قال : إنها لا تسكر وإنما تخدّر ، فهي مكابرة؛ فإنها تحدث
ما تحدث الخمر من الطرب والنشوة ، قال: وإذا سُلَّم عدم الإسكار، فهي مفترة ،
وقد أخرج أبو داود : أنه نهى رسول الله عن كل مسكر ومفتر .
قال الخطابي : المفتر: كل شراب يورث الفتور والخور في الأعضاء .
وحكى العراقي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة ، وأن من استحلها
کفر .
١٨١

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر
١١٧٠ - حديث ابن عباس
قال ابن تيمية : إن الحشيشة أول ما ظهرت في آخر المائة السادسة من
الهجرة حين ظهرت دولة التتار، وهي من أعظم المنكرات ، وهي شر من الخمر
من بعض الوجوه ؛ لأنها تورث نشوة ولذة وطرباً كالخمر ، ويصعب الفطام عنها
أعظم من الخمر ، وقد أخطأ القائل :
وحرام تحريم غير الحرام
حرموها من غیر عقل ونقل
وأما البنج فهو حرام .
قال ابن تيمية : إن الحدَّ في الحشيشة واجب ، قال ابن البيطار: إن الحشيشة
- وتسمّى : القنب؛ توجد في مصر -، مسكرة جداً ، إذا تناول الإنسان منها قدر
درهم ، أو درهمين ؛ وقبائح خصالها كثيرة ، وعد منها بعض العلماء مائة وعشرين
مضرة دينية ودنيوية ! وقبائح خصالها موجودة في الأفيون ، وفيه زيادة مضار .
قال ابن دقيق العيد في الجوزة : إنها مسكرة ، ونقله عنه متأخرو علماء
الفريقين ، واعتمدوه .
١١٧٠ - وعن ابن عبّاس رضيَ الله عنهُمَا قال: كانَ رسولُ الله صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلّمَ يُنْبذ لَهُ الزَّبيبُ في السِّقاء ، فيشربهُ يومه والغدَ وبعْدَ الغد ؛
فإذا كانَ مساءُ الثالثةِ، شربهُ وسقاه ؛ فإن فَضَلَ شيءٌ، أَهرَاقهُ. أَخرجَهُ مُسْلِمٌ .
(وعن ابن عباس رضي الله عنهُمَا قال: كان رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ينبذ له الزبيب في السقاء ، فيشربه يومه والغد وبعد الغد ؛ فإذا
كان مساء الثالثة ، شربه وسقاء ؛ فإن فضل) : بفتح الضاد وكسرها (شيء،
أهراقه . أخرجه مسلم) .
١٨٢

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر
١١٧١ - حديث أم سلمة
هذه الرواية إحدى روايات مسلم ، وله ألفاظ أخر قريبة من هذه في المعنى ،
وفيه دليل على جواز الانتباذ ، ولا كلام في جوازه .
وقد احتج من يقول بجواز شرب النبيذ إذا اشتد ، بقوله - في رواية أخرى -:
سقاه الخادم ، أو أمر بصبه ؛ فإن سقيه الخادم دليل على جواز شربه ، وإنما تركه
صلى الله عليه وآله وسلم تنزهاً عنه .
وأجيب بأنه لا دليل على أنه بلغ حدّ الإسكار، وإنما بدا فيه بعض تغيّر في
طعمه من حموضة ، أو نحوها ، فسقاه الخادم مبادرة ؛ لخشية الفساد .
ويحتمل أن تكون : أو ؛ للتنويع ؛ كأنه قال : سقاه الخادم ، أو أمر به فأهريق ؛
أي : إن كان بدا في طعمه بعض تغير ، ولم يشتد سقاه الخادم ، وإن اشتد أمر
بإهراقه ؛ وبهذا جزم النووي في معنى الحديث .
١١٧١ - وعن أَمِّ سَلَمةَ رضي الله عنهَا عن النّبيِ :﴿ قال: ((إن الله لم
يجعلْ شفاءَكُمْ فيما حرَّم عليكم)). أَخْرَجَهُ البيهقيُّ ، وصحّحه ابنُ حِبّانَ .
(وعن أُمَّ سَلَمةَ رضيَ الله عنهَا عنِ النّبِي ◌َ ﴿ قال: ((إن الله لم يجعلْ
شفاءَكُمْ فيما حرَّم عليكم)). أَخْرَجَهُ البَيْهِقيُّ، وصحّحه ابنُ حِبّانَ.):
وأخرجه أحمد ، وذكره البخاري تعليقاً عن ابن مسعود ، ويأتي ما أخرجه مسلم
عن وائل ابن حجر .
. والحديث دليل على أنه يحرم التداوي بالخمر؛ لأنه إذا لم يكن فيه شفاء ،
فتحريم شربها باق لا يرفعه تجويز أنه يدفع بها الضرر عن النفس ، وإلى هذا ذهب
الشافعي .
١٨٣

٠. ١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر ١١٧٢ - حديث وائل الحضرمي
وقالت الهادوية : إلا إذا غص بلقمة ، ولم يجد ما يسوغها به إلا الخمر جاز،
وادّعى في ((البحر)) الإجماع على هذا ، وفيه خلاف !
وقال أبو حنيفة : يجوز التداوي بها ؛ کما یجوز شرب البول والدم وسائر
النجاسات ؛ للتداوي . قلنا : القياس باطل ؛ فإن المقيس عليه محرّم بالنص
المذكور ؛ لعمومه لكل محرم .
فائدة: في ((النجم الوهاج)): قال الشيخ : كل ما يقول الأطباء من المنافع في
الخمر وشربها ، كان عند شهادة القرآن : أن فيها منافع للناس ، قيل : وأمّا بعد
نزول آية المائدة ، فإن الله تعالى الخالق لكل شيء سلبها المنافع جملة ؛ فلیس
فيها شيء من المنافع ، وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر .
والذي قاله منقول عن الربيع والضحاك ، وفيه حديث أسنده الثعلبي وغيره :
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله تعالى لما حرم الخمر سلبها
المنافع)) .
١١٧٢ - وعن وائل الحضرمي : أن طارق بن سويد رضي الله عنهما سأَلَ
النّبِيِ بَ ◌ّهِ عن الخمر يصنعُها للدواءِ؟ فقال: ((إنها ليست بدواء ولكنها داءً)).
أَخرجهُ مسلمٌ وأَبو داودَ وغیرُهما .
(وعن وائل) : هو ابن حُجْر بضم الحاء وسكون الجيم (الحضرمي : أن طارق
ابن سويد رضي الله عنهما سأل النبي ◌َ﴿ عن الخمر يصنعها للدواء؟ فقال :
((إنها ليست بدواء ولكنها داء)). أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما.).
١٨٤

١٢ - كتاب الحدود
٤ - باب حد الشارب ، وبيان المسكر ١١٧٢ - حديث وائل الحضرمي
أفاد الحكم الذي دل عليه الحديث الأول - وهو تحريم التداوي بالخمر -، وزيادة
الإخبار بأنها داء ، وقد علم من حال من يستعملها أنه يتولد عن شربها أدواء
كثيرة ، وكيف لا يكون ذلك بعد إخبار الشارع أنها داء؟! فقبح الله وصافها من
الشعراء الخلعاء ، ووصاف شربها ، وتشويق الناس إلى شربها ، والعكوف عليها ؛
کأنهم يضادّون الله تعالى ورسوله فیما حرمه ، ولا شك أنهم يقولون تلك
الأشعار بلسان شيطاني ؛ يدعون إلى ما حرمه الله تعالى ورسوله .
١٨٥

١٢ - كتاب الحدود
٥ - باب التعزير ، وحكم الصائل
١١٧٣ - حديث أبي بردة
٥ - باب التعزير ، وحكم الصائل
التعزير : مصدر عزر؛ من العزر - بفتح العين وسكون الزاي المعجمة -؛ وهو
الرد والمنع ، وهو في الشرع تأديب على ذنب لا حدّ فيه .
وهو مخالف للحدود من ثلاثة أوجه :
الأول : أنه يختلف باختلاف الناس ؛ فتعزير ذوي الهيئات أخف ، ويستوون
في الحدود مع الناس .
والثاني : أنها تجوز فيه الشفاعة دون الحدود .
والثالث : التالف به مضمون ؛ خلافاً لأبي حنيفة ومالك .
وقد فرق قوم بين التعزير والتأديب ، ولا يتم لهم الفرق ، ويسمى : تعزيراً؛ لدفعه
ورده عن فعل القبائح ، ويكون بالقول والفعل ؛ على حسب ما يقتضيه حال الفاعل .
وقوله : وحكم الصائل ؛ الصائل : اسم فاعل ؛ من صال على قرنه ، إذا سطا
عليه واستطال :
١١٧٣ - عنْ أَبِي بُردةَ الأنصاري رضي الله عنه: أنَّهُ سمع رسول الله
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ يقُولُ: ((لا يُجْلدُ فوقَ عشرة أسْواطٍ ، إلا في حد
من حدود الله تعالى)) . مُتّفَقٌ عليه .
(عن أبي بردة الأنصاري رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم يقول: ((لا يجلد): روي مبنياً للمعلوم ومبنياً للمجهول ومجزوماً
على النهي ومرفوعاً على النفي (فوق عشرة أسواط ، إلا في حد من حدود الله
تعالى)) . متفق عليه .) .
١٨٦

١٢ - كتاب الحدود
٥ - باب التعزير ، وحكم الصائل
١١٧٣ - حديث أبي بردة
وفي رواية: ((عشر جلدات))، وفي رواية: ((لا عقوبة فوق عشر ضربات)).
والمراد بحدود الله: ما عين الشارع فيه عدداً من الضرب ، أو عقوبة مخصوصة ،
كالقطع والرجم ؛ وهذان داخلان في عموم حدود الله ، خارجان عما فيه السياق ؛
إذ السياق في الضرب .
وقد اتفق العلماء على : حد الزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وحد المحارب،
وحد القذف بالزنا ، والقتل في الردّة ، والقصاص في النفس ، واختلفوا في
القصاص في الأطراف ؛ هل يسمى حداً أم لا؟ كما اختلفوا في عقوبة جحد
العارية ، واللواط ، وإتيان البهيمة ، وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها ،
والسحاق ، وأكل الدم والميتة ولحم الخنزير لغير ضرورة ، والسحر ، والقذف بشرب
الخمر، وترك الصلاة تكاسلاً ، والأكل في رمضان ؛ هل يسمى حداً، أو لا؟
فمن قال: يسمى حداً ، أجاز الزيادة في التعزير عليها على العشرة الأسواط ،
ومن قال: لا يسمى ، لم يجزه .
إلا أنه قد اختلف في العمل بحديث الباب؛ فذهب إلى الأخذ به الليث
وأحمد وإسحق وجماعة من الشافعية .
وذهب مالك والشافعي وزيد بن علي وآخرون إلى جواز الزيادة في التعزير
على العشرة ، ولكن لا يبلغ أدنى الحدود .
وذهب القاسم والهادي : إلی أنه یکون التعزیر فی کل حدّ دون حدّ جنسه ؛
لما يأتي من فعل عليّ عليه السلام.
١٨٧

١٢ - كتاب الحدود
٥ - باب التعزير ، وحكم الصائل
١١٧٤ - حديث عائشة
قلت : لا دليل لهم إلا فعل بعض الصحابة ، كما روي أن علياً عليه السَّلام
جلد من وجد مع امرأة من غير زناً مائة سوط إلا سوطين ، وأن عمر رضي الله
عنه ضرب من نقش على خاتمه مائة سوط ، وكذا روي عن ابن مسعود .
ولا يخفى أن فعل بعض الصحابة ليس بدليل ، ولا يقاوم النص الصحيح ،
وأن ما نقل عن عمر لا يتم لهم دليلاً ، ولعله لم يبلغ الحديث من فعل ذلك من
الصحابة ! كما أنه قال صاحب ((التقريب)) معتذراً: لو بلغ الخبر الشافعي لقال
به ؛ لأنه قال : إذا صح الحديث ، فهو مذهبي ، ومثله قال الداودي معتذراً لمالك :
لم يبلغ مالكاً هذا الحديث ؛ فرأى العقوبة بقدر الذنب ، ولو بلغه ، ما عدل عنه ؛
فيجب على من بلغه أن يأخذ به .
قالَ : «أَقیلوا ذوي
١١٧٤ - وعن عائشةَ رضي الله عنهَا: أنَّ النّبيَّ ◌َل
الهيئاتٍ عَثراتهمْ إلا الحُدودَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داودَ والنّسَائِي والبيْهَقيُّ .
(وعن عائشةَ رضيَ الله عنها: أنَّ النّبيَّ:﴿: قالَ: «أقيلوا ذوي الهيئاتِ
عَثراتهمْ إلا الحُدودَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داودَ والنّسَائِي والبيْهَقِيُّ): وللحديث
طرق كثيرة لا تخلو عن مقال .
والإقالة : هي موافقة البائع على نقض البيع ، وأقيلوا - هنا - مأخوذ منها،
والمراد - هنا - موافقة ذي الهيئة على ترك المؤاخذة له ، أو تخفيفها .
وفسر الشافعي ((ذوي الهيئات)) بالذين لا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة .
والعثرات جمع عثرة ، والمراد - هنا - الزلة .
١٨٨

١٢ - كتاب الحدود
٥ - باب التعزير ، وحكم الصائل
١١٧٥ - حديث علي
وحكى الماوردي في ذلك وجهين : أحدهما أنهم أصحاب الصغائر دون
الكبائر؛ والثاني من إذا أذنب تاب .
وفي عثراتهم وجهان : أحدهما الصغائر ، والثاني أول معصية يزل فيها مطيع .
واعلم أن الخطاب في (أقيلوا) للأئمة ، لأنهم الذين إليهم التعزير لعموم
ولايتهم؛ فيجب عليهم الاجتهاد في اختيار الأصلح لاختلاف ذلك ، باختلاف
مراتب الناس ، وباختلاف المعاصي ، وليس له أن يفوّضه إلى مستحقه ، ولا إلى
غيره .
وليس التعزير لغير الإمام إلا لثلاثة : الأب ؛ فإن له تعزير ولده الصغير
للتعليم والزجر عن سيئ الأخلاق والظاهر أن الأم في مسألة زمن الصبا في
كفالته لها ذلك ، وللأمر بالصلاة والضرب عليها ، وليس للأب تعزير البالغ ، وإن
كان سفيهاً ، والثاني : السيد يعزّر رقيقه في حق نفسه ، وفي حق الله تعالى
على الأصح، والثالث : الزوج له تعزير زوجته في أمر النشوز كما صرح به
القرآن ، وهل له ضربها على ترك الصلاة ونحوها؟ الظاهر أن له ذلك إن لم يكف
فيها الزجر؛ لأنه من باب إنكار المنكر ، والزوج من جملة من يكلف بالإنكار
باليد ، أو اللسان ، أو الجنان والمراد هنا الأولان .
١١٧٥ - وعن علي رضي الله عنه قالَ: ((ما كُنْتُ لأُقِيمَ على أَحَدٍ حَدّاً
فيموتَ فأجد في نفسي إلا شارب الخَمْر ؛ فإنه لَوْ مَاتَ وديتُهُ . أخرجهُ البُخاري .
(وعن عليّ رضي الله عنه قال: ما كنت لأقيم على أحد حدّاً فيموت ،
١٨٩

١٢ - كتاب الحدود
٥ -باب التعزير ، وحكم الصائل
١١٧٥ - حديث علي
فأجد في نفسي إلا شارب الخمر؛ فإنه لو مات وديته): بتخفيف الدال
المهملة وسكون المثناة التحتية ؛ أي : غرمت ديته (أخرجه البخاري) .
فیه دلیل علی أن الخمر لم یکن فیه حدّ محدود من رسول الله تعالی صلی
الله عليه وآله وسلم ، فهو من باب التعزيرات ؛ فإن مات ، ضمنه الإمام ، وكذا
كل معزر يموت بالتعزير يضمنه الإمام ؛ وإلى هذا ذهب الجمهور .
وذهبت الهادوية : إلى أنه لا شيء فيمن مات بحدّ ، أو تعزير؛ قياساً منهم
للتعزير على الحد ؛ بجامع أن الشارع قد أذن فيهما ؛ قالوا : وقول عليّ عليهِ
السَّلام إنما هو للاحتياط .
وتقدّم الجواب : بأنه إذا أعنت في التعزير دل على أنه غير مأذون فيه من
أصله؛ بخلاف الإعنات في الحدّ؛ فإنه لا يضمن ؛ لأنه مأذون في أصله ؛ فإن
أعنت ، فإنه للخطأ في صفته ، وكأنهم يريدون أنه لم يكن مأذوناً في غير ما أذن
به بخصوصه ، كالضرب مثلاً ، وإلا فهو مأذون في مطلق التعزير .
وتأويلهم لقول عليّ عليهِ السَّلام ساقط؛ فإنه صريح في أن ذلك واجب لا
من باب الاحتياط ؛ ولأن في تمام حديثه : لأن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم لم يسنه .
وأما قوله : جلد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعين ... إلى قوله :
وكل سُنّة ؛ وقد تقدم ، فلعله يريد أنه جلد جلداً غير مقدر ، ولا تقررت صفته
بالجريد والنعال والأيدي ! ولذا قال أنس : نحو أربعين.
١٩٠

١٢ - كتاب الحدود
٥ - باب التعزير ، وحكم الصائل
١١٧٦ - حديث خباب
قال النووي في ((شرح مسلم)) ما معناه: وأمّا من مات في حدّ من الحدود
غير الشرب ، فقد أجمع العلماء على أنه إذا جلده الإمام ، أو جلاده فمات،
فإنه لا دية ، ولا كفارة على الإمام ، ولا على جلاده، ولا بيت المال ، وأمّا من
مات بالتعزير فمذهبنا وجوب الضمان للدية والكفارة . وذكر تفاصيل في ذلك
مذهبية .
١١٧٦ - وعن عبد الله بن خَبّاب رضي الله عنه قال: سمعتُ أبي يقولُ:
سمعت رسولَ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وعلى آله وسلَّمَ يقولُ: ((تكونُ فتنٌ؛
فَكُنْ فيها عبدَ الله المقتولَ ، ولا تكن القاتل)). أخرجهُ ابنُ أبي خيثمةً
والدارقُطْنيُّ ، وأَخرَجِ أَحمد نحْوه عنْ خالد بن عُرْفُطةً .
في قتال الصائل الذي ذكره في الترجمة (وعن عبد الله بن خَبّاب رضي
الله عنه) : بفتح الخاء المعجمة فموحدة مشدّدة فألف فموحدة ؛ وهو خباب بن
الأرتّ ، صحابي تقدّمت ترجمته (قال : سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول : ((تكون فتن ، فكن فيها عبد الله
المقتول ، ولا تكن القاتل)). أخرجه ابن أبي خيثمة): بالخاء المعجمة مفتوحة
فمثناة تحتية ساكنة فمثلثة (والدارقطني ، وأخرج أحمد نحوه عن خالد بن
عُرْفُطة) : بضم العين المهملة وسكون الراء وضم الفاء ، وبالطاء المهملة .
وخالد صحابي ، عداده في أهل الكوفة ، روى عنه أبو عثمان النهدي وعبد الله
ابن يسار ومسلم مولاه ، ولاه سعد بن أبي وقاص القتال يوم القادسية ، ومات
بالكوفة سنة ستين .
١٩١

١٢ - كتاب الحدود
٥ - باب التعزير ، وحكم الصائل
١١٧٦ - حدیث خباب
والحديث قد أخرج من طرق كثيرة ، وفيها كلها راو لم يسم؛ وهو رجل من
عبد القيس ، كان مع الخوارج ، ثم فارقهم .
وسبب الحديث : أنه قال ذلك الرجل : إن الخوارج دخلوا قرية فخرج عبد الله
ابن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذعراً يجرّ رداءه ، فقال :
والله أرعبتموني ؛ مرتين ، قالوا : أنت عبد الله بن خباب؟ قال : نعم ، قالوا : هل
سمعت من أبيك شيئاً تحدثنا به؟ قال: سمعته يحدّث عن رسول الله مح﴿ٍ : أنه
ذكر فتنة ؛ القاعد فيها خير من القائم والقائم ، فيها خير من الماشي ، والماشي
فيها خير من الساعي ؛ فإن أدركك ذلك ، فكن عبد الله المقتول . قالوا : أنت
سمعت هذا من أبيك ، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال :
نعم ، فقدّموه على ضفة النهر ، فضربوا عنقه ، وبقروا أم ولده عما في بطنها .
والحديث قد أخرجه أحمد والطبراني وابن قانع من غير طريق المجهول ، إلا
أن فيه عليّ بن زيد بن جدعان؛ وفيه مقال؛ ولفظه: عن خالد بن عرفطة :
«ستكون فتنة بعدي وأحداث واختلاف ؛ فإن استطعت أن تكون عبد الله
المقتول لا القاتل فافعل)).
وأخرج أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
قال: فإن دخل على بيتي وبسط يده ليقتلني؟ قال: ((كن كابن آدم)).
وأخرج أحمد من حديث ابن عمر بلفظ: ((ما يمنع أحدكم إذا جاء أحد
يريد قتله أن يكون مثل آدم؛ القاتل في النار، والمقتول في الجنة)).
وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان من حديث أبي موسى : أن رسول الله
١٩٢

١٢ - كتاب الحدود
٥ - باب التعزير ، وحكم الصائل
١١٧٦ - حدیث خباب
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال في الفتنة : ((كَسِّروا فيها قسيّكم
وأوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة ؛ فإن دخل على أحدكم بيته ؛ فليكن
كخير ابني آدم)). وصححه القشيري في الاقتراح على شرط الشيخين .
والحديث دليل على ترك القتال عند ظهور الفتن ، والتحذير من الدخول
فيها ، قال القرطبي :
اختلف السلف في ذلك ؛ فذهب سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر
ومحمد بن مسلمة وغيرهم إلى أنه يجب الكف عن المقاتلة ، فمنهم من قال :
إنه يجب عليه أن يلزم بيته ، وقالت طائفة : يجب عليه التحول من بلد الفتنة
أصلاً ، ومنهم من قال : يترك المقاتلة ؛ وهو قول الجمهور ، وشذ من أوجبه ، حتّی
لو أراد أحدهم قتله لم يدفعه عن نفسه ، ومنهم من قال : يدافع عن نفسه وعن
أهله وعن ماله ، وهو معذور ، إن قُتِلَ ، أو قَتَل .
وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين ،
وحملوا هذه الأحاديث على من ضعف عن القتال ، أو قصر نظره عن معرفة
الحق ، وقال بعضهم بالتفصيل ؛ وهو أنه إذا كان القتال بين طائفتين لا إمام لهم
فالقتال حينئذٍ ممنوع ، وتنزل الأحاديث على هذا؛ وهو قول الأوزاعي .
وقال الطبري : إنكار المنكر واجب على من يقدر عليه ؛ فمن أعان المحق
؛
أصاب ، ومن أعان المبطل أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي
عن القتال فيها ، وقيل : إن النهي إنما هو في آخر الزمان حيث تكون المقاتلة
لطلب الملك .
١٩٣

١٢ - كتاب الحدود
٥ - باب التعزير ، وحکم الصائل ١١٧٧ - حديث سعید بن زيد
وفيه دليل على أنه لا يجب الدفاع عن النفس، وقوله: ((إن استطعت))،
يدل على أنها لا تحرم المدافعة ، وأن النهي للتنزيه لا للتحريم .
١١٧٧ - وعَنْ سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ◌َهُ: ((من
قُتِلَ دونَ مالِه فَهُوَ شهيدٌ)). رواهُ الأرْبَعَةُ، وصحّحه الترمذيُّ .
: ((من قُتلَ
(وعَنْ سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله
دونَ ماله فَهُوَ شهيدٌ)). رواهُ الأرْبَعَةُ ، وصحّحه الترمذيُ .) : في الحديث دليل
على جواز الدفاع عن المال ؛ وهو قول الجمهور ، وشذ من أوجبه ؛ فإذا قتل فهو
شهيد كما صرح به هذا الحديث ، وحديث مسلم عن أبي هريرة : أنه جاء رجل
إلى النبي ◌َ﴿﴿ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال:
((فلا تعطه))، قال : فإن قاتلني؟ قال : فاقتله ، قال : أرأيت إن قتلني؟ قال :
((فأنت شهيد))، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: ((فهو في النار)). قالوا: فإن قتله ،
فلا ضمان عليه لعدم التعدّي منه ، والحديث عام لقليل المال وكثيره .
وقد أخرج أبو داود ، وصححه الترمذي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((من
قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون ماله
فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد))، وفي ((الصحيحين)) ذكر المال فقط.
ووجه الدلالة أنه لما جعله صلى الله عليه وآله وسلم شهيداً دل على أن له
القتل والقتال .
قال في ((النجم الوهاج» : ومحل ذلك ، إذا لم يجد ملجأ کحصن ونحوه ، أو
لم يستطع الهرب ، وإلا وجب عليه .
١٩٤

١٢ - كتاب الحدود
٥ - باب التعزير ، وحکم الصائل ١١٧٧ - حدیث سعید بن زيد
قلت : لا أدري ما وجه وجوب الهرب عليه ؛ قالوا : ولا يجب الدفع عن
المال ؛ بل يجوز له أن يتظلم ، إلا أنه قد تقدم أن علماء الحديث كالمجمعين على
استثناء السلطان ؛ للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره ؛ فلا يجوز دفاعه عن
أخذ المال ، ويجب الدفع عن البضع ؛ لأنه لا سبيل إلى إباحته .
قالوا : وكذلك يجب على النفس ، إن قصدها كافر ، لا ، إذا قصدها مسلم ؛
فلا يجب ؛ لما تقدم - قريباً - في شرح الحديث الأول ، وصح أن عثمان رضي الله
عنه منع عبيده أن يدفعوا عنه وكانوا أربعمائة وقال : من ألقى سلاحه فهو حرّ !
قالوا : وخالف المضطر؛ فإن في القتل شهادة ، بخلاف ترك الأكل ، وهل ترك
الدفاع عن قتل النفس مباح ، أو مندوب؟ فيه خلاف .
١٩٥

١٣ - كتاب الجهاد
الجهاد : مصدر جاهدت جهاداً ؛ أي : بلغت المشقة ، هذا معناه لغة .
وفي الشرع : بذل الجهد في قتال الكفار أو البغاة .
١١٧٨ - عَنْ أَبي هُريرة رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسول الله عَّهِ: ((مَنْ ماتَ
ولمْ يَغْز ، ولمْ يُحدِّثْ نَفْسهُ بهِ ، ماتَ على شُعْبةٍ مِنْ نفاق)). رواهُ مسلمٌ .
(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من مات ولم
يغز، ولم يحدث نفسه به ، مات على شعبة من نفاق)). رواه مسلم): فيه
دليل على وجوب العزم على الجهاد ، وألحقوا به فعل كل واجب ؛ قالوا : فإن
كان من الواجبات المطلقة كالجهاد ، وجب العزم على فعله عند إمكانه ، وإن كان
من الواجبات المؤقتة ، وجب العزم على فعله عند دخول وقته .
وإلى هذا ذهب جماعة من أئمة الأصول ، وفي المسألة خلاف معروف . ولا
يخفى أن المراد من الحديث هنا : أن من لم يغز بالفعل ، ولم يحدّث نفسه بالغزو ،
مات على خصلة من خصال النفاق ، فقوله : ((ولم يحدث نفسه)) لا يدل على
العزم الذي معناه : عقد النية على الفعل ؛ بل معناه هنا : لم يخطر بباله أن
يغزو ، ولا حدّث به نفسه ولو ساعة من عمره ، ولو حدّثها به أو خطر الخروج
للغزو بباله حيناً من الأحيان ، خرج من الاتصاف بخصلة من خصال النفاق .
وهو نظير قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((ثم صلى ركعتين لا
يحدث فيهما نفسه))؛ أي : لم يخطر بباله شيء من الأمور؛ وحديث النفس
غير العزم وعقد النية .
١٩٧

١٣ - کتاب الجهاد
١١٧٩ و١١٨٠ - حديثا أنس وعائشة
ودل على أن من حدث نفسه بفعل طاعة ، ثم مات قبل فعلها : أنه لا
يتوجه عليه عقوبة من لم يحدث نفسه بها أصلاً .
١١٧٩ - وعن أنس رضي الله عنهُ: أَنَّ النبي ◌َ ﴿ قالَ: ((جاهدوا المشركين
بأموالكُمْ وأنفسكم وألسنتكمْ)). رواه أحمد والنسائيُّ، وصحّحهُ الحاكمُ.
(وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي {98. قال: ((جاهدوا المشركين بأموالكم
وأنفسكم وألسنتكم)) . رواه أحمد والنسائي، وصححه الحاكم) : الحديث
دليل على وجوب الجهاد بالنفس ؛ وهو بالخروج والمباشرة للكفار ، وبالمال ؛ وهو
بذله لما يقوم به من النفقة في الجهاد والسلاح ونحوه . وهذا هو المفاد من عدة
آيات في القرآن : ﴿جاهدوا بأموالكم وأنفسكم﴾ [التوبة: ٤١].
والجهاد باللسان بإقامة الحجة عليهم ودعائهم إلى الله تعالى ، وبالأصوات
عند اللقاء والزجر ونحوه من كل ما فيه نكاية للعدوّ ﴿ولا ينالون من عدو نيلاً
إلا كتب لهم به عمل صالح﴾ [التوبة: ١٢٠] وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم لحسان: ((إن هجو الكفار أشد عليهم من وقع النبل)» .
١١٨٠ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسولَ الله ! على
النِّساءِ جهادٌ؟ قالَ : «نَعَمْ، جهادٌ لا قتال فيه: الحجُّ والعُمْرة)). رواه ابنُ
ماجه ، وأصْلهُ في البخاريِّ .
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت : يا رسول الله! على النساء
جهاد؟): هو خبر في معنى الاستفهام، وفي رواية: أعلى النساء؟ (قال: ((نعم ،
جهادٌ لا قتال فيه: الحجّ والعمرة)). رواه ابن ماجه، وأصله في البخاري) :
١٩٨

١٣ - كتاب الجهاد
١١٨١ - حديث عبدالله بن عمر
بلفظ قالت عائشة : استأذنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجهاد ، فقال :
((جهادكنّ الحج))، وفي لفظ له آخر: فسأله نساؤه عن الجهاد؟ فقال: ((نعم،
الجهاد الحج))، وأخرج النسائي عن أبي هريرة: ((جهاد الكبير - أي : العاجز -
والمرأة والضعيف الحج)) .
دلّ ما ذكر على أنه لا يجب الجهاد على المرأة ، وعلى أن الثواب الذي يقوم
مقام ثواب جهاد الرجال حج المرأة وعمرتها ؛ ذلك لأن النساء مأمورات بالستر
والسكون ، والجهاد ينافي ذلك ؛ إذ فيه مخالطة الأقران والمبارزة ورفع الأصوات .
وأما جواز الجهاد لهن فلا دليل في الحديث على عدم الجواز، وقد أردف
البخاري هذا الباب بباب خروج النساء للغزو وقتالهن وغير ذلك .
وأخرج مسلم من حديث أنس : أن أم سليم اتخذت خنجراً يوم حنين ،
وقالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : اتخذته ؛ إن دنا مني أحد من المشركين
بقرت بطنه . فهو يدل على جواز القتال ، وإن كان فيه ما يدل على أنها لا تقاتل
إلا مدافعة ، وليس فيه أنها تقصد العدوّ إلى صفه وطلب مبارزته .
وفي البخاري ما يدل على أن جهادهن ، إذا حضرن مواقف الجهاد ، سقي
الماء ، ومداواة المرضى ، ومناولة السهام .
١١٨١ - وعَنْ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: جاءَ رجلٌ إلى
النّبِيِ﴿ يستأذنُ في الجهاد، فَقَال: ((أَحي والداكَ؟)) قالَ: نَعَمْ، قال:
((فَفيهما فَجَاهد» . مُتّفقٌ عليه .
(وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي
١٩٩

١٣ - کتاب الجهاد
١١٨١ - حديث عبد الله بن عمر
يستأذن في الجهاد، فقال: ((أحي والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد)).
متفق عليه .) : سمي إتعاب النفس في القيام بمصالح الأبوين ، وإزعاجها في طلب
ما يرضيهما ، وبذل المال في قضاء حوائجهما جهاداً ؛ من باب المشاكلة لما استأذنه
في الجهاد، من باب قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠] .
ويحتمل أن يكون استعارة بعلاقة الضدّية ؛ لأن الجهاد فيه إنزال الضرر
بالأعداء ، واستعمل في إنزال النفع بالوالدين .
وفي الحديث دليل على أنه يسقط فرض الجهاد مع وجود الأبوين أو أحدهما؛
لما أخرجه أحمد والنسائي من طريق معاوية بن جاهمة : أن أباه جاهمة جاء إلى
النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله! أردت الغزو وجئت؛
لأستشيرك، فقال: ((هل لك من أم؟)) قال: نعم، قال: ((الزمها)). وظاهره سواء
كان الجهاد فرض عين أو فرض كفاية ، وسواء تضرر الأبوان بخروجه أَوْ لا .
وذهب الجماهير من العلماء إلى أنه يحرم الجهاد على الولد إذا منعه الأبوان
أو أحدهما ؛ بشرط أن يكونا مسلمین ؛ لأن برّهما فرض عين ، والجهاد فرض
كفاية ؛ فإذا تعين الجهاد فلا .
فإن قيل : برّ الوالدين فرض عين أيضاً ، والجهاد عند تعينه فرض عين ؛
فهما مستويان ؛ فما وجه تقديم الجهاد؟ قلت : لأن مصلحته أعمّ؛ إذ هي لحفظ
الدين والدفاع عن المسلمين ، فمصلحته عامة مقدمة على غيرها ، وهو يقدّم على
مصلحة حفظ البدن .
٢٠٠