النص المفهرس
صفحات 81-100
١١ - کتاب الجنايات ٣ - باب قتال أهل البغي ١١٢٠ - حديث ابن عمر وفي الحديث مسائل : الأولى : جواز قتال البغاة ؛ وهو إجماع ؛ لقوله تعالى : ﴿فقاتلوا التي تبغي﴾ [الحجرات: ٩] . قلت : والآية دالة على الوجوب ، وبه قالت الهادوية ، ولكن شرطوا ظن الغلبة . وعند جماعة من العلماء : أن قتالهم أفضل من قتال الكفار . قالوا : لما يلحق المسلمين من الضرر منهم . واعلم أنه يتعين - أوّلاً - قبل قتالهم دعاؤهم إلى الرجوع عن البغي ، وتكرير الدعاء كما فعل علي رضي الله عنه في الخوارج ؛ فإنهم لما فارقوه ، أرسل إليهم ابن عباس فناظرهم، فرجع منهم أربعة آلاف ، وكانوا ثمانية آلاف ، وبقي أربعة أبوا أن يرجعوا، وأصروا على فراقه فأرسل إليهم : كونوا حيث شئتم ، وبيننا وبينكم: أن لا تسفكوا دماً حراماً ، ولا تقطعوا سبيلاً، ولا تظلموا أحداً . فقتلوا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم بقروا بطن سريته وهي حبلى ، وأخرجوا ما في بطنها ! فبلغ علياً كرم الله وجهه فكتب إليهم : أقيدونا بقاتل عبد الله بن خباب ، فقالوا : كلنا قتله ، فأذن حينئذ في قتالهم؛ وهي روايات ثابتة ، ساقها المصنف في ((فتح الباري)). المسألة الثانية: أنه ((لا يجهز على جريحها))؛ وهو من أجهز على الجريح، وجهز؛ أي: بت قتله وأسرعه وتمم عليه ؛ ودليله قوله: ((ولا يجهز على جريحها)). ١١ - كتاب الجنايات ٣ - باب قتال أهل البغي ١١٢٠ - حديث ابن عمر وأخرج البيهقي أن علياً عليه السَّلام قال لأصحابه يوم الجمل : إذا ظهرتم على القوم ، فلا تطلبوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريح ، وانظروا ما حضرت به الحرب من آلته فاقبضوه ، وما سوى ذلك ، فهو لورثته ؛ قال البيهقي : هذا منقطع، والصحيح أنه لم يأخذ شيئاً ، ولم يسلب قتيلاً. ودلَّ الحديث أيضاً على أنه لا يقتل أسير البغاة ؛ قالوا : وهذا خاص بالبغاة ؛ لأن قتالهم إنما هو لدفعهم عن المحاربة ، ودل الحديث أيضاً على أنه لا يطلب هاربها ، وظاهره ، ولو كان متحيزاً إلى فئة ، وإلى هذا ذهب الشافعي . قال : لأن القصد دفعهم في تلك الحال ، وقد وقع . وذهبت الهادوية والحنفية إلى أن الهارب إلى فئة يقتل ؛ إذْ لا يؤمن عوده ؛ والحديث يرد هذا القول ، وكذا ما تقدّم من كلام عليّ عليه السلام . المسألة الثالثة : قوله : (ولا يقسم فيؤها)) - أي: لا يغنم فيقسم -، دال على أن أموال البغاة لا تغنم، وإن أجلبوا بها إلى دار الحرب ، وإلى هذا ذهبت الشافعية والحنفية ، وأيد هذا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» . وقد صحح البيهقي : أن علياً عليهِ السَّلام لم يأخذ سلباً؛ فأخرجه عن الدراوردي عن جعفر بن محمد عن أبيه : أنَّ علياً عليه السلام : كان لا يأخذ سلباً . وأخرج أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة عن جعفر بن محمد عن أبيه : أن علياً عليهِ السَّلام ، - يوم البصرة - لم يأخذ من متاعهم شيئاً . ٨٢ ١١ - كتاب الجنايات ٣ - باب قتال أهل البغي ١١٢٠ - حديث ابن عمر وأخرج عن أبي أمامة قال : شهدت يوم صفين ، وكانوا لا يجهزون على جريح ، ولا يقتلون مولياً ، ولا يسلبون قتيلاً . وذهبت الهادوية إلى أنه يغنم ما أجلبوا به من مال وآلة حرب ، ويخمس؛ لقول عليّ علیه السلام : لكم المعسكر ، وما حوى . وأجيب بأن الحديث مصرح بأنها لا تغنم ، وبأن ما ذكرناه عن علي عليه السَّلام ، ـ مما يوافق الحديث - أكثر وأقوى طريقاً . المسألة الرابعة : يؤخذ من إطلاق قوله: ((ولا يجهز على جريحها)) أنه لا يضمن البغاة ما أتلفوا في القتال من الدماء والأموال ؛ وإليه ذهب الإمام يحيى والحنفية ، واستدل أيضاً بقوله تعالى: ﴿حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩]، ولم يذكر ضماناً ، وبما أخرجه البيهقي عن ابن شهاب قال : هاجت الفتنة الأولی ، فأدرکت الفتنة رجالاً ذوي عدد ؛ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممن شهد معه بدراً ، وبلغنا أنهم كانوا يرون أن يهدر أمر الفتنة ، ولا يقام فيها على رجل قاتل في تأويل القرآن قصاص فيمن قتل ، ولا حدّ في سباء امرأة سبيت ، ولا يرى عليها حدّ، ولا بينها وبين زوجها ملاعنة ، ولا يرى أن يقذفها أحد إلا جلد الحد ، ويرى أن تردّ إلى زوجها الأوّل بعد أن تعتد ؛ فتنقضي عدتها من زوجها الآخر، ويرى أن يرثها زوجها الأوّل . قلت : وهذا، وإن لم يكن إجماعاً؛ فإنه مقوّ للبراءة الأصلية إذ الأصل أن أموال المسلمين ودماءهم معصومة . ٨٣ ١١ - كتاب الجنايات ٣ - باب قتال أهل البغي ١١٢١ - حديث عرفجة بن شريح وذهب الشافعي - وحكي عن الهادوية - إلى أنه يقتص من قتل من البغاة ، واستدلوا بعموم الآيات والأحاديث ؛ نحو: ﴿ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً﴾ [الإسراء: ٣٣]، وحديث: ((من اعتبط مسلماً بقتل عن بينة، فهو قود))، وأجيب بأنها عمومات خصت بما ذكر من أدلة أهل القول الأوّل . ١١٢١ - وعن عُرْفُجَةَ بنِ شُريح قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ يَقُولُ : ((مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمَرْكُمْ جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ)) . أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ . (وعن عرفجة): بضم العين وسكون الراء وضم الفاء وجيم (ابن شريح): بالشين المعجمة مصغر : شرح، وقيل : بالمهملة (قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَميعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فاقْتُلُوهُ)) . أخرجه مسلم) . ورواه مسلم بلفظ: سمعت رسول الله : ﴿ يقول: ((ستكون هنات وهنات؛ فمن أراد أن يفرّق أمر هذه الأمّة وهي جميع فاضربوه بالسيف ؛ كائناً من كان» . وفي لفظ: («فاقتلوه))، وفي لفظ: ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد ؛ يريد أن يشق عصاكم، أو يفرّق جماعتكم ، فاقتلوه)) . وأخرج الشيخان - واللفظ للبخاري - من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: ((من رأى من أميره شيئاً يكرهه ، فليصبر عليه ؛ فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات ، مات ميتة جاهلية)). ٨٤ ١١ - کتاب الجنايات ٣ - باب قتال أهل البغي ١١٢١ - حديث عرفجة بن شريح وفي لفظ: ((من خرج عن السلطان شبراً ، مات ميتة جاهلية)). دلت هذه الألفاظ على أن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين - والمراد أهل قطر، كما قلناه -، فإنه قد استحق القتل ؛ لإدخاله الضرر على العباد . وظاهره ، سواء کان جائراً ، أو عادلاً ؛ وقد جاء في أحاديث تقیید ذلك بما أقاموا الصلاة . وفي لفظ: ((ما لم تروا كفراً بواحاً)). وقد حققنا هذه المباحث في ((منحة الغفار حاشية ضوء النهار)) تحقيقاً تضرب إليه آباط الإبل ، والحمد لله المنعم المتفضل . ٨٥ ١١ - کتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني ... ١١٢٢ - حديث ابن عمر ٤ - باب قتال الجاني ، وقتل المُرْتَدِّ ١١٢٢ - عَنْ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما قال: قالَ رَسُولُ الله چاه. (مَنْ قُتْلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاودَ والنّسَائِي والتّرْمِذِي وَصَحّحَهُ . (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَ ◌ّهِ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ والنّسَائِي والتّرْمِذِي وَصَحّحَهُ) . وأخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأخرجه أصحاب ((السنن)) وابن حبان والحاكم من حدیث سعید بن زيد . وفي الحديث دليل على جواز المقاتلة لمن قصد أخذ مال غيره بغير حق ؛ قليلاً كان المال أو كثيراً؛ وهذا قول الجماهير . وقال بعض المالكية : لا يجوز القتال على أخذ القليل من المال . قال القرطبي : سبب الخلاف في ذلك ؛ هل القتال لدفع المنكر ؛ فلا يفترق الحال بين القليل والكثير ، أو من باب دفع الضرر فيختلف الحال في ذلك؟ وحكى ابن المنذر عن الشافعي رضي الله عنه : أن من أريد ماله ، أو نفسه ، أو حريمه ، ولم يمكنه الدفع إلا بالقتل ، فله ذلك ، وليس عليه قود ، ولا دية ، ولا كفارة ؛ لكن ليس له أن يقصد القتل من غير تفصيل . · قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر ، إذا أريد ظلماً بغير تفصيل ، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان ؛ للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه . ٨٦ ١١ - کتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني ١١٢٣ - حدیث عمران بن حصين وفرق الأوزاعي بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام ؛ فحمل الحديث عليها . وأما في حال الخلاف والفرقة ، فليستسلم ، ولا يقاتل أحداً . قلت : ويؤيد ما قاله ابن المنذر عن أهل العلم ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: ((فلا تعطه))، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: ((قاتله))، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: ((فأنت شهيد))، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: ((فهو في النار)). وظاهر الحديث إطلاق الأحوال ؛ قلت : هذا في جواز قتال من يأخذ المال ؛ فهل يجوز له - أي : لمن يراد أخذ ماله ظلماً - الاستسلام وترك المنع بالقتال؟ الظاهر جوازه . ويدل له حديث: ((فكن عبد الله المقتول))؛ فإنه دال على جواز الاستسلام في النفس ، والمال بالأولى ، فيحمل قوله هنا: ولا تعطه ؛ على أنه نهي لغير التحريم . ١١٢٣ - وعن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنِ قَالَ: قَاتَلَ يَعْلى بنُ أُمَيّةَ رَجُلاً ؛ فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِّهِ فَتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ! فَاخْتَصَمَا إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ فَقَالَ: «أَيَعَض أَحَدُكُمْ أخَاهُ كما يَعَض الْفَحْلُ؟! لا دِيَةَ لَهُ)). مُتّفَقٌ عَلَيْه، وَاللفْظُ لِمُسْلِم (وعن عمران بن حصين قال: قَاتَلَ يعلى بنُ أُمية رجلاً فعضَّ أَحَدُهُمَا صاحبَهُ ، فانتزع يده من فمه فنزع ثنيته ! فاختصما إلى رسول الله صلى الله ٨٧ ١١ - کتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني ... ١١٢٣ - حديث عمران بن حصين عليه وآله وسلم فقال: ((أيَعَضُّ أَحَدُكُمْ): بفتح حرف المضارعة والعين المهملة ، ماضيه : عضض ؛ بكسر الضاد الأولى ، يعضض ؛ بفتحها في المضارع؛ فأدغمت ونقلت حركتها إلى ما قبلها (أخاه كمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ) : أي : الذكر من الإبل (لا ديَةَ لَهُ)). متفق عليه، واللفظ لمسلم). اختلف في العاض والمعضوض منهما ؛ فقال الحافظ : الصحيح المعروف أن المعضوض أجير يعلى ، لا يعلى ؛ قيل : فيتعين أن يكون يعلى هو العاض . وفي الحديث دليل على أن هذه الجناية التي وقعت ؛ لأجل الدفع عن الضرر ، تهدر ، ولا دية على الجاني ؛ وإلى هذا ذهب الجمهور . وقالوا : لا يلزمه شيء ؛ لأنه في حكم الصائل . واحتجوا أيضاً بالإجماع على أن من شهر على آخر سلاحاً ؛ ليقتله ، فدفع عن نفسه فقتل الشاهر ، أنه لا شيء عليه . قالوا : ولو جرحه المعضوض في محل آخر من بدنه ، لم يلزمه شيء . وشرط الإهدار أن يتألم المعضوض ، وأن لا يمكنه تخلیص یده بغير ذلك من ضرب شدقه ، أو فك لحييه ؛ ليرسلهما ، ومهما أمكن التخلص بدون ذلك ؛ فعدل عنه إلى الأثقل ،»لم يهدر . والشافعية وجه أنه يهدر على الإطلاق ، ودليل شرط الإهدار بما ذكر مأخوذ من القواعد الكلية في الشرع ؛ وإلا فلا يفيده الحديث . فإن كان العض في موضع آخر من البدن ، جرى فيه هذا الحكم قياساً . ٨٨ ١١ - کتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني ... ١١٢٤ - حديث أبي هريرة ١١٢٤ - وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ أَبُو القاسم صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : ((لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحِصَّةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ)). مُتّفَقٌّ عَلَيْهِ، وفي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَالَنسَائِيِّ وَصَحّحَهُ ابنَ حِبّانَ: ((فَلا ديَة لَهُ، ولا قِصَاص)) . (وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ أَبُو القاسم صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بحصَّاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ)). مُتّفَقٌ عَلَيْهِ) : دلَّ الحديث على تحريم الاطلاع على الغير بغير إذنه ، وعلى أن من اطلع قاصداً للنظر إلى محل غيره - مما لا يجوز الدخول إليه إلا بإذن مالكه -، فإنه يجوز للمطلع عليه دفعه بما ذكر؛ وإن فقأ عينه ، فإنه لا ضمان عليه (وفي لفظ لأحمد والنسائي وصححه ابن حبان: «فلا دية له ، ولا قصاص))): وأما إذا كان مأذوناً بالنظر ، فالجناح غير مرفوع على من جنى على الناظر . وكذا لو كان المنظور إليه في محل لا يحتاج إلى الإذن - ولو نظر منه ما لا يحل له النظر إليه ؛ لأن التقصير من المنظور إليه -؛ وإلى هذا ذهب الشافعي وغيره . والخلاف فيه للمالكية ؛ قال يحيى بن يعمر من المالكية : لعل مالكاً لم يبلغه الخبر ! وقال ابن دقيق العيد : تصرف الفقهاء في الحكم بأنواع من التصرفات ؛ منها : أنه يفرق بين أن يكون هذا الناظر واقفاً في الشارع ، أو في خالص ملك المنظور إليه ، أو في سكّة منسدَّة الأسفل ؛ اختلفوا فيه ؛ والأشهر أنه لا فرق . ٨٩ ١١ - کتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني ... ١١٢٤ - حديث أبي هريرة ولا يجوز مدّ العين إلى حرم الناس بحال ، وفي وجه للشافعية : أنه لا تفقأ ء إلا عين من وقف في ملك المنظور إليه ، والحديث مطلق . ومنها : أنه هل يجوز رمي الناظر قبل الإنذار والنهي؟ فيه وجهان للشافعية ؛ أحدهما : لا ، والثاني : نعم . قلت : وهو الذي يدل له الحديث ، ويؤيده الحديث الآخر : أنه صلى الله عليه وآله وسلم جعل يختل المطلع عليه ؛ ليطعنه . والختل؛ فسره في ((النهاية)) بقوله : يراوده ويطلبه من حيث لا يشعر. وفي الحديث دليل أنه إنما يباح له قصد العين بشيء خفيف؛ كالمدرى والبندقة والحصاة ؛ لقوله: ((فحذفته)). قال الفقهاء : فأما لو رماه بالنشاب ، أو بحجر يقتله فقتله ؛ فهذا قتيل يتعلق به القصاص ، أو الدية . ومما تصرف فيه الفقهاء : أن هذا الناظر إذا كان له محرم في الدار ، أو زوجة ، أو متاع ، لم يجز قصد عينه ؛ لأن له في النظر شبهة . وقيل : لا يكفي إذا كان له في الدار محرم؛ بل إنما يمتنع قصد عينه ، إذا لم يكن في الدار إلا محارمه . ومنها : إذا لم يكن في الدار إلا صاحبها ، فله الرمي إن كان مكشوف العورة ، ولا ضمان، وإلا فوجهان : أظهرهما : لا يجوز رمیه . ومنها : أن الحريم إذا كن في الدار مستترات ، أو في بيت ؛ ففي وجه لا يجوز قصد عينه ؛ لأنه لا يطلع على شيء ؛ قال بعض الفقهاء : ٩٠ ١١ - كتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني ١١٢٤ - حديث أبي هريرة والأظهر الجواز؛ لإطلاق الأخبار ، وأنه لا تنضبط أوقات الستر والتكشف ، والاحتياط حسم الباب . ومنها : أن ذلك إنما يكون إذا لم يقصر صاحب الدار ؛ فإن كان بابه مفتوحاً ، أو ثم كوة واسعة ، أو ثلمة مفتوحة ؛ فينظر ؛ فإن كان مجتازاً ، لم يجز قصده ، وإن كان وقف وتعمد ، فقيل : لا يجوز قصده ؛ لتفريط صاحب الدار بفتح الباب ، وتوسيع الكوّة ، وقيل : يجوز؛ لتعديه بالنظر . وأجري هذا الخلاف فيما إذا نظر من سطح بيته ، أو نظر المؤذّن من المئذنة ، لكن الأظهر ههنا عندهم جواز الرمي ؛ لأنه لا تقصير من صاحب الدار ، ثم قال : واعلم أن ما كان من هذه التصرفات الفقهية داخلاً تحت إطلاق الحديث ، فهو مأخوذ منها ، وما لا ، فبعضه مأخوذ من فهم المعنى المقصود بالحديث ، وبعضه مأخوذ من القیاس ؛ وهو قليل فیما ذکر . انتهى كلامه . واعلم أنه يؤخذ من هذا الحديث صحة قول الفقهاء : إنها تهدم الصوامع المحدثة المعورة . وكذا تعلية الملك إذا كانت معورة ، وهو محکي عن القاسم الرسي ، وهو رأي عمر؛ فإنه أخرج عنه ابن عبد الحكم في ((فتوح مصر))، عن يزيد بن أبي حبيب قال : أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة ؛ فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب إلى عمرو بن العاص : سلام عليك ، أما بعد ؛ فإنه بلغني أن خارجة بن حذافة بنى غرفة ، ولقد أراد أن يطلع على عورات جيرانه ؛ فإذا أتاك كتابي هذا ، فاهدمها - إن شاء الله تعالى - والسلام . ٩١ ١١ - كتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني . ١١٢٥ - حديث البراء بن عازب ١١٢٥ - وعن الْبَرَاءِ بن عَازبٍ رضي الله عنه قالَ: قَضی رَسُولُ الله صلَّی اللهُ عليه وآله وسلَّمَ أنَّ حفظَ الحوائطِ بالنّهَارِ عَلى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ المَاشِيَة باللّيْلِ عَلى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ)) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا التِّرْمِذِي، وَصَحّحَهُ ابن حِبّانَ ؛ وفي إسنَادِهِ اخْتِلافٌ . (وعن الْبَرَاءِ بنِ عَازبٍ رضي الله عنه قالَ: قَضى رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ أنَّ حفظَ الحوائطِ بالنّهَارِ عَلى أَهْلِهَا ، وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلى أهْلِهَا ، وَأَنَّ عَلى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابِتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا التِّرْمِذِي، وَصَحّحَهُ ابن حِبّانَ؛ وفي إسنَادِهِ اخْتِلافٌ). مداره على الزهري ، وقد اختلف عليه ؛ فإنه روي من طرق كلها عن الزهري عن حزام عن البراء ، وحزام لم يسمع من البراء ؛ قاله عبد الحق تبعاً لابن حزم . H وأخرجه البيهقي من طرق ، وفيها الاختلاف . إلا أنه قال الشافعي رحمه الله : أخذنا به ؛ لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله . قال البيهقي : ورويناه عن الشعبي عن شريح : أنه كان يضمن ما أفسدته الغنم بالليل ، ولا يضمن ما أفسدته بالنهار ، ويتأول هذه الآية ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم﴾ [الأنبياء: ٧٨]. وكان يقول : النفش بالليل ؛ وروي مرة عن مسروق: ﴿إِذ نفشت فيه غنم القوم﴾ قال: كان كرماً فدخلت فيه ليلاً فما تركت فيه خضراً . فدلَّ الحديث أنه لا يضمن مالك البهيمة ما جنته في النهار؛ لأنه يعتاد ٩٢ ١١ - كتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني . ١١٢٦ - حديث معاذ بن جبل إرسالها في النهار، ويضمن ما جنته بالليل ؛ لأنه يعتاد حفظها بالليل ، وإلى هذا ذهبت الهادوية ومالك والشافعي ودليلهم الحديث والآية . وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ضمان على أهل الماشية مطلقاً ، وحجته حديث : ((العجماء جرحها جُبار)» ، أخرجه أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة ، وأحمد والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن عوف ؛ وفيه زيادة . ولكنه قال الطحاوي : مذهب أبي حنيفة أنه لا ضمان إذا أرسلها مع حافظ . وأما إذا أرسلها من دون حافظ ؛ فإنه يضمن ، وكذا المالكية یقیّدون ذلك بما إذا سرحت الدواب في مسارحها المعتادة للرعي ، وأمّا إذا كانت في أرض مزروعة لا مسرح فيها ، فإنهم يضمنون ليلاً ، أو نهاراً . وفي المسألة أقوال أخر لا تناسب النص هذا ، ولا دليل لها يقاومه . ١١٢٦ - وعن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه في رَجُلٍ أَسْلَمَ ، ثم تَهَوَّدَ : لا أَجْلِسُ، حتّى يُقْتَلَ؛ قَضَّاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ ، فَأُمرَ بِهِ فَقُتِلٌّ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ ، وفي روَايَةٍ لأبي دَاوُدَ : وَكَانَ قَدِ اسْتُتِبَ قَبْلَ ذلكَ . (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه في رجل أسلم ، ثم تهوّد : لا أجلس ، حتّى يقتل ، قضاء الله ورسوله) : جوز في : قضاء ، رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، ونصبه على أنه مصدر حذف فعله ؛ وهو يشير إلى حديث : ((من بدل دينه فاقتلوه))، وسيأتي من خرجه (فأمر به فقتل . متفق عليه ، وفي رواية لأبي داود : وكان قد استتيب قبل ذلك) . ٩٣ ١١ - کتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني ... ١١٢٧ - حديث ابن عباس الحديث دليل على أنه يجب قتل المرتدّ، وهو إجماع؛ وإنما وقع الخلاف ؛ هل تجب استتابته قبل قتله ، أو لا؟ ذهب الجمهور إلى وجوب الاستتابة ؛ لما في رواية أبي داود هذه؛ وله في رواية أخرى : فدعاه أبو موسى عشرين ليلة ، أو قريباً منها ، وجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه . وذهب الحسن وطاوس وأهل الظاهر وآخرون إلى عدم وجوب استتابة المرتد ، وأنه يقتل في الحال ، مستدلين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من بدّل دينه فاقتلوه))؛ يعني : والفاء تفيد التعقيب كما لا يخفى ؛ ولأن حكم المرتد حكم الحربي الذي بلغته الدعوة ؛ فإنه يقاتل من دون أن يدعى . قالوا : وإنما شرعت الدعوة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة ، وأمّا من خرج عن بصيرة ، فلا . وعن ابن عباس وعطاء : إن كان أصله مسلماً ، لم يستتب ، وإلا استتيب ؛ نقله عنهما الطحاوي . ثم للقائلین بالاستتابة خلاف آخر ؛ وهو أنه هل يكفي مرة ، أو لا بد من ثلاث في مجلس ، أو في يوم ، أو في ثلاثة أيام؟ ، ويروى عن علي عليه السلام : يستتاب شهراً . ١١٢٧ - وعن ابْنِ عَبّاسٍ رَضي اللهُ عَنْهُمَا قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينِهُ فَاقْتُلُوهُ)) . رَوَاهُ الْبُخَارِي . (وَعَنِ ابْنِ عَبّاس رضيَ الله عنهُمَا قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ عَِّ: ((مَنْ بَدَّلَ دينهُ فَاقْتُلُوهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِي) . ٩٤ ١١ - كتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني ١١٢٧ - حديث ابن عباس الحديث دليل على قتل من بدل دينه - كما تقدم - وهو عام للرجل والمرأة ، والأول إجماع ، وفي الثاني خلاف . ذهب الجمهور إلى أنها تقتل المرأة المرتدة؛ لأن كلمة ((مَنْ)) هنا، تعم الذكر والأنثى ، ولأنه أخرج ابن المنذر عن ابن عباس راوي الحديث أنه قال : تقتل المرأة المرتدة . ولما أخرجه هو والدارقطني : أن أبا بكر رضي الله عنه قتل امرأة مرتدة في خلافته ، والصحابة متوافرون ، ولم ينكر عليه أحد ؛ وهو حديث حسن . وأخرج أيضاً حديثاً مرفوعاً في قتل المرأة ، ولكنه حديث ضعيف . وقد وقع في حديث معاذ حين بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن: أنه قال له: ((أيما رجل ارتدّ عن الإسلام، فادعه ؛ فإن عاد ، وإلا فاضرب عنقه ، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام، فادعها ؛ فإن عادت ، وإلا فاضرب عنقها))، وإسناده حسن ، وهو نص في محل النزاع . وذهب الحنفية إلى أنها لا تقتل المرأة ، إذا ارتدت ، قالوا : لأنه قد ورد عنه النهي عن قتل النساء ، لما رأى امرأة مقتولة ، وقال: ((ما كانت هذه لتقاتل)) . رواه أحمد . وأجاب الجمهور بأن النهي إنما هو عن قتل الكافرة الأصلية ، كما وقع في سياق قصة النهي ؛ فيكون النهي مخصوصاً بما فهم من العلة ؛ وهو لما كانت لا تقاتل ؛ فالنهي عن قتلها إنما هو لتركها المقاتلة ؛ فكان ذلك في دين الكفار الأصليين المتحزبين للقتال ، وبقي عموم قوله: ((من بدل دينه)) سالماً عن المعارض . ٩٥ ١١ - كتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني ... ١١٢٨ - حديث ابن عباس وأيدته الأدلة التي سلفت . واعلم أن ظاهر الحديث إطلاق التبديل ، فيشمل من تنصر بعد أن كان يهودياً وغير ذلك من الأديان الكفرية ، وإلى هذا ذهبت الشافعية . وسواء كان من الأديان التي تقرّ بالجزية أم لا ؛ لإطلاق هذا اللفظ . وخالفت الحنفية في ذلك وقالوا : ليس المراد إلا تبديل الكفر بعد الإسلام؛ قالوا : وإطلاق الحديث متروك اتفاقاً في حق الكافر إذا أسلم ، مع تناول الإطلاق له ، وبأن الكفر ملة واحدة ، فالمراد من بدل دين الإسلام بدين آخر ؛ فإنه قد أخرج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((من خالف دينه دين الإسلام، فاضربوا بعنقه))؛ فصرح بدين الإسلام. ١١٢٨ - وعن ابن عبَّاس رضي الله عَنْهُما: أَنَّ أَعَمَى كَانَتْ لَهُ أُم وَلَد تَشْتُمُ النّبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ وَتَقَعُ فِيهِ ، فَيَنْهَاهَا ، فلا تَنْتَهي ، فلما كانَ ذات لَيْلَةِ أَخَذَ الِعْوَلَ فَجَعَلَهُ فِي بَطْنِهَا، واتّكأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا ، فَبَلَغَ ذلك النّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ فَقَالَ: ((ألا اشْهَدُوا؛ فإن دمَهَا هَدَرٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَرُوَاتُهُ ثِقاتٌ . (وعن ابن عبَّاس رضي الله عَنْهُما: أَنَّ أَعَمَى كَانَتْ لَهُ أُم وَلَدٍ تَشْتُمُ النّبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ وَتَقَعُ فِيهِ ، فَيَنْهَاهَا ، فلا تَنْتَهي ، فلما كانَ ذات لَيْلَة أَخَذَ المِعْوَلَ): بكسر الميم وعين مهملة وفتح الواو (فَجَعَلَهُ في بَطْنِهَا ، واتّكاً عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذلك النّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ فَقَالَ: ((ألا اشْهَدُوا؛ فإِن دمَهَا هَدَرٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَرُوَاتُهُ ثقاتٌ) . ٩٦ ١١ - كتاب الجنايات ٤ - باب قتال الجاني ... ١١٢٨ ۔ حدیث ابن عباس الحديث دليل على أنه يقتل من سبَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويهدر دمه؛ فإن كان مسلماً، كان سبه له عَ لهُ ردّة فيقتل. قال ابن بطال : من غير استتابة . ونقل ابن المنذر عن الأوزاعي والليث : أنه يستتاب ؛ وإن كان من أهل العهد ، فإنه يقتل إلا أن يسلم . ونقل ابن المنذر عن الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق أنه يقتل أيضاً من غير استتابة . وعن الحنفية أنه يعزَّر المعاهد ، ولا يقتل ؛ واحتج الطحاوي بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتل اليهود الذين قالوا : السام عليك ، ولو كان هذا من مسلم ؛ لكان ردّة ، ولأن ما هم عليه من الكفر أشدّ من السب . قلت : يؤيده أن کفرهم به صلى الله عليه وآله وسلم معناه أنه كذاب ، وأي سبّ أفحش من هذا؟! وقد أقرّوا عليه ، إلا أن يقال : إن هذا النص في حديث الأمة يقاس عليه أهل الذمة . وأما القول بأن دماءهم إنما حقنت بالعهد؛ وليس في العهد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فمن سبه منهم ، انتقض عهده ؛ فيصير كافراً بلا عهد فيهدر دمه ، فقد يجاب عنه أن عهدهم تضمن إقرارهم على تكذيبهم له صلى الله عليه وآله وسلم؛ وهو أعظم سب ، إلا أن يقال : يخص من بین غيره من السب ، والله أعلم . ٩٧ ٠٠٠ - .. ١٢ . كتاب الحدود الحدود : جمع حد ، والحد أصله ما يحجز به بين شيئين فيمنع اختلاطهما ؛ سميت هذه العقوبات حدوداً ؛ لكونها تمنع عن المعاودة ، ويطلق الحد على التقدير؛ وهذه الحدود مقدرة من الشارع ، ويطلق الحد على نفس المعاصي ؛ نحو قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [البقرة: ١٨٧]، وعلى فعل فيه شيء مقدر نحو قوله : ﴿ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ [الطلاق: ١]. ١ - باب حد الزاني ١١٢٩ - عَنْ أَبي هُريرة وزيد بن خالدٍ الجُهَني رضيَ الله عنهُمَا: أنَّ رَجُلاً من الأعْراب أَتَى رسول الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وعلى آله وسلَّمَ فقال : يا رسول الله! أَنْشُدكَ الله إلا قضيتَ لي بكتاب الله، فقال الآخرُ ـ وهو أَفْقِهُ منهُ -: نعمْ ، فَاقْض بيْنَنَا بكتاب الله ، وائذنْ لي ، فقال: ((قُلْ))، قال : إن ابني كان عسيفاً على هذا، فَزَنى بامرأَته ، وإني أُخْبرت أنَّ على ابني الرَّجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة ، فَسَأَلْتُ أهْل العلم فأخبروني : أنَّما على ابني : * جَلْدُ مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم ، فقال رسول الله ((والذي نفسي بيده، لأقضِينَّ بينكُما بكتاب الله؛ الوليدةُ والغنمُ ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريبُ عام، واغدُ يا أَنيسُ إلى امْرأة هذا؛ فإن اعترفتْ. فارْجُمْها)). مُتّفقٌ عليه ، وهذا اللفظ لمسلم . ء (عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضيَ الله عنهُمَا: أن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال : يا رسول ٩٩ ١٢ - كتاب الحدود ١ - باب حد الزاني ١١٢٩ - حديث أبي هريرة وزید بن خالد الله! أَنْشدك): قال في ((الفتح)): ضمّن أنشدك معنى أذكرك؛ فحذف الباء ؛ أي : أذكرك الله رافعاً نشيدتي - ؛ أي : صوتي -، وهو بفتح أوله فنون ساكنة وضم الشين المعجمة ؛ أي : أسألك (الله إلا قضيت لي بكتاب الله) : استثناء مفرغ؛ إذْ المعنى : لا أنشدك إلا القضاء بكتاب الله (فقال الآخر - وهو أفقه منه -: ) : كأن الراوي يعرف أنه أفقه منه ، أو من كونه سأل أهل الفقه (نعم ، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال: ((قل))، قال: إن ابني كان عسيفاً): بالعين المهملة والسين المهملة فمثناة تحتية ففاء ، كأجير وزناً ومعنىً (على هذا ، فزنى بامرأته ، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة ، فسألت أهل العلم فأخبروني : أنَّما على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله عَ ﴿ه: ((والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله ؛ الوليدة والغنم ردّ عليك ، وعلى ابنك جلّد مائة وتغريب عام): كأنه قد علم ◌َّه أنه غير محصن؛ وقد كان اعترف بالزنا (واغْد يا أُنَيْس) : تصغير أنس ؛ رجل من الصحابة لا ذكر له إلا في هذا الحديث (إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت ، فارجمها)). متفق عليه ، وهذا اللفظ لمسلم) . الحديث دليل على وجوب الحد على الزاني غير المحصن مائة جلدة ، وعليه دل القرآن ، وأنه يجب عليه تغريب عام ، وهو زيادة على ما دل عليه القرآن . ودليل على أنه يجب الرجم على الزاني المحصن ، وعلى أنه يكفي في الاعتراف بالزنا مرة واحدة كغيره من سائر الأحكام؛ وإلى هذا ذهب الحسن ومالك والشافعي وداود وآخرون . ١٠٠