النص المفهرس

صفحات 61-80

١١ - كتاب الجنايات
١ - باب الدیات
١١١٣ - حديث ابن عباس
من غير قصد إليه ، ولم يكن بسلاح؛ بل بحجر، أو عصاً، أو نحوهما ، فإنه لا
قود فيه ، وأنه شبه العمد ؛ فيلزم فيه الدية مغلظة ، كما تقدم في دية العمد .
وقد تقدم أن الدية في العمد وشبه العمد تكون أثلاثاً عند الشافعي ومالك،
وأنها أرباع عند الهادوية ؛ وتقدم ذلك . .
وأما أنها تكون أخماساً؛ كما أفاده حديث ابن مسعود الماضي في الخطأ،
فتقدم أنه قال به أصحاب الرأي وغيرهم . وفيه دليل على إثبات شبه العمد ؛
وقدمنا أنه الحق .
١١١٣ - وعن ابنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عنهُ قَالَ: قَتَلَ رجُلٌ رَجُلاً عَلى عَهْد
دِيَتَهُ اثني عَشَرَ أَلْفاً. رَوَاهُ الأرْبَعَةُ ، وَرَجْحَ
رَسُولِ الله عَ﴾
، فَجَعَلَ النّبي
النّسَائِي وَأَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ.
(وعن ابن عباس رضيَ الله عنهُ قال: قتل رجل رجلاً على عهد رسول
ديته اثني عشر ألفاً): بيّن البيهقي أن المراد :
الله عليه، فجعل النبي ﴾
درهماً (رواه الأربعة، ورجح النسائي وأبو حاتم إرساله) .
وقد أخرج البيهقي عن علي رضي الله عنه وعائشة وأبي هريرة وعمر بن
الخطاب رضي الله عنهم مثل هذا؛ وإنَّما رجح النسائي وأبو حاتم إرساله ؛ لما قاله
البيهقي : إن محمد بن ميمون رواه عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن
عكرمة عن ابن عباس ؛ إنما قال لنا فيه : عن ابن عباس مرة واحدة ، وأكثر ما
كان يقول : عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . انتهى .
٦١

١١ - کتاب الجنايات
١ - باب الدیات
١١١٤ - حديث أبي رمثة
قلت : وزيادة العدل مقبولة ، وكونه قالها مرة واحدة كاف في الرفع ؛ فإنه لو
اقتصر عليها لحكم برفع الحديث ؛ فإرساله مراراً لا يقدح في رفعه مرة واحدة ،
وإلى هذا ذهب أكثر العلماء .
وذهب الهادوية وأهل العراق أنها عشرة آلاف درهم ، واستدل له في ((البحر))
بقوله : لقول علي به ، وهو توقيف . انتهى ، إلا أنه لم يطرد هذا فيما ينقله عن
علي رضي الله عنه ؛ بل تارة يقول مثل هذا ، وتارة يقول : إن قول عليّ اجتهاد ،
ولا يلزمنا ! ودعوى التوقيف غير صحيحة ؛ إذْ مثل هذا فيه للاجتهاد مسرح .
١١١٤ - وعن أبي رِمْثَةَ قالَ: أَتَيْتُ النّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ وَمَعِي
ابْنِي، فَقَالَ: ((مَنْ هذَا؟))، فَقُلْتُ: ابْني وَأَشْهَدُ بِه ، قَالَ: ((أَمَا إنّهُ لا يَجْنِي
عَلَيْكَ ، ولا تَجْنِي عَلَيْهِ)). رَوَاهُ النّسَائِي وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ وابْن
الْجَارود .
(وعن أبي رمثة) : بكسر الراء وسكون الميم وبالمثلثة ؛ اسمه : رفاعة بن
يثربي ؛ بفتح المثناة التحتية وسكون المثلثة فراء فموحدة فياء النسبة ، قدم على
النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعداده في أهل الكوفة (قال : أتيت النبي صلى
الله عليه وآله وسلم ومعي ابني ، فقال: ((مَنْ هذَا؟))، فقلت : ابني وأشهد به ،
قال: ((أَمَا إِنّهُ لا يَجْنِي عَلَيْكَ، ولا تَجْنِي عَلَيْهِ)). رواه النسائي وأبو داود ،
وضححه ابن خزيمة وابن الجارود) : وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من
حديث عمرو بن الأحوص : أنه شهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وآله
وسلم فقال: ((لا يجني جان إلا على نفسه ، ولا يجني جان على ولده)).
٦٢

١١ - كتاب الجنايات
١ - باب الديات
١١١٤ - حديث أبي رمثة
وفي الباب روايات أخر تعضده .
والجناية الذنب ، أو ما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب ، أو القصاص .
وفيه دلالة على أنه لا يطالب أحد بجناية غيره ، سواء كان قريباً ، كالأب
والولد وغيرهما ، أو أجنبياً؛ فالجاني يطلب وحده بجنايته ، ولا يطالب بجنايته
غيره .
قال الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ فإن قلت : قد
أمر الشارع بتحمل العاقلة الدية في جناية الخطأ والقسامة؟ قلت : هذا مخصص
من الحكم العام ، وقيل : إن ذلك ليس من تحمل الجناية ؛ بل من باب التعاضد
والتناصر فيما بين المسلمين .
٦٣

١١ - کتاب الجنايات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة ١١١٥ - حديث سهل بن أبي حثمة
٢ - باب دعوى الدم والقسامة
القسامة ؛ بفتح القاف وتخفيف المهملة ، مصدر أقسم قسماً وقسامة ؛ وهي :
الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادّعوا الدم ، أو على المدعى عليهم الدم ؛
وخص القسم على الدم بالقسامة .
قال إمام الحرمين : القسامة عند أهل اللغة : اسم للقوم الذين يقسمون ،
وعند الفقهاء : اسم للأیمان .
وفي ((القاموس)): القسامة : الجماعة يقسمون على الشيء ويأخذونه ، أو
یشهدون .
وفي «الضياء)): القسامة : الأيمان تقسم على خمسين رجلاً من أهل البلد ،
أو القرية التي يوجد فيها القتيل ، لا يعلم قاتله ، ولا يدعي أولياؤه قتله على
أحد بعينه .
١١١٥ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ رجالٍ مِنْ كُبراءِ قَوْمِهِ: أَنَّ عَبْدَ الله
ابنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بنَ مَسْعُودٍ خَرَجا إلى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصابهمْ ، فَأُنِيَ
مُحَيِّصَةٌ فَأُخْبِرِ أَنّ عَبْدَ اللّهِ بِنَّ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرحَ فِي عَيَّنِ ، فَأَتَى بِهُودَ
فَقَالَ: أَنْتُم والله قَتَلْتُمُوهُ، قالوا: وَاللّهِ مَا قَتَلْنَهُ، فَأَقْبَلَ هُوَ وأَخُوهُ حُوَيِصةُ
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ، فَذَهَبَ مُحِيِّصَةُ لِيَتَكَلّم، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّمَ: ((كَبِّرْ كَبِّرْ)) - يُريدُ السِّنَّ-، فَتَكَلّمَ خُوَيصةٌ، ثم تَكلّمَ
مُحَيِّصَةُ، فقال رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((إمّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكم، وَإِمّا أَنْ يَأَذَنُوا
٦٤

١١ - کتاب الجنايات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة ١١١٥ - حديث سهل بن أبي حثمة
بحَرب))، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ في ذلكَ ، فَكَتَبُوا: إِنّا والله مَا قَتَلْنَاهُ، فقال لحوَيِّصَةَ
وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ: ((أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟))،
قَالُوا: لا، قَالَ : ((فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُوَّدُ؟))، قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُول
اللهِ﴿ مِنْ عِنْدَهِ، فَبَعَثَ إليْهِمْ مائة نَاقَةٍ. قَالَ سَهْلٌ : فَلَقَدْ رَكَضتنِي مِنْهَا
ناقَّةٌ حَمْرَاءُ . مُتَفَقٌ عَلَيْهِ .
(عن سهل بن أبي حثمة) : بفتح المهملة وسكون المثلثة ، واسم أبي حثمة :
عبد الله بن ساعدة بن عامر ، أوسي أنصاري (عن رجال من كبراء قومه : أن
عبد الله بنَ سَهْلِ ومُحَيِّصَةَ) : بضم الميم فحاء مهملة فمثناة تحتية مشددة فصاد
مهملة (بن مسعود خرجا إلى خيبر من جَهْد) : بضم الجيم وفتحها ؛ المشقة
هنا (أصابهم، فأتي محيصة) : مغير الصيغة (فأخبر أن عبد الله بن سهل قد
قُتل وطُرح): مغيران أيضاً (في عين ، فأتى): أي : محيصة (يهود) : اسم
جنس يجمع على يهدان (فقال: أنتم والله قتلتموه ، قالوا : والله ما قتلناه ،
فأقبل هو وأخوه حُوَيصةٌ) : بضم المهملة وفتح الواو فمثناة تحتية فصاد مهملة
مشدّدة (وعبد الرحمن بن سهل فذهب محيصة ليتكلم) : وكان أصغر من
حويصة ، وفي رواية : فبدأ عبد الرحمن يتكلم ، وكان أصغر القوم (فقال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كَبّرْ كَبّرْ))): بلفظ الأمر فيهما ، والثاني تأكيد
للأول (- يريد السن -): مدرج؛ تفسير لقوله: ((كبر)» ؛ أي : يتكلم من كان أكبر
سناً (فتكلّم خُوَيصةُ، ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله عَزاله: ((إمّا أَنْ يَدُوا):
أي : اليهود (صاحبكُمْ): أي: عبد الله بن سهل (وإمّا أَنْ يأْذَنُوا بِحَرْبٍ))،
٦٥

١١ - كتاب الجنايات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة ١١١٥ - حديث سهل بن أبي حثمة
فَكَتَبَ): أي: رسول الله عَّهِ (إليهم في ذلك) : أي: فيما ذكر من أنهم قتلوا
عبد الله (فكتبوا) : أي: اليهود (إنا والله ما قتلناه، فقال) : أي : النبي صلى
الله تعالى عليه وآله وسلم (لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل :
((أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟)) ، قالوا: لا) : وفي رواية عند مسلم:
قالوا : لم نحضر ، ولم نشهد . وفي بعض ألفاظ البخاري أنه قال لهم: ((تأتون
بالبيّنة؟)) قالوا: ما لنا بيّنة، فقال: ((أتحلفون؟)) (قال: ((فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟))،
قالوا : ليسوا مسلمين) : وفي لفظ : قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود ، وفي لفظ :
كيف نأخذ بأيمان كفار؟ (فوداه رسول الله ◌َ﴿ من عنده، فبعث إليهم مائة
ناقة . قال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء . متفق عليه) .
اعلم أن هذا الحديث أصل كبير في ثبوت القسامة عند القائلين بها؛ وهم
الجماهير ؛ فإنهم أثبتوها وبينوا أحكامها . ونتكلم على مسائل :
الأولى : أنها لا تثبت القسامة بمجرد دعوى القتل على المدعى عليهم، من
دون شبهة إجماعاً؛ وقد روي عن الأوزاعي وداود ثبوتها من غير شبهة ، ولا
دلیل لهما .
واختلف العلماء في الشبهة التي تثبت بها القسامة ؛ فمنهم من جعل
الشبهة اللوث ؛ وهو كما في ((النهاية)): أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول
قبل أن يموت : أن فلاناً قتلني ، أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما ، أو تهديد
له منه، أو نحو ذلك .
ومن اللوث التلطخ ، ومنهم من لم يشترطه ، كالهادوية والحنفية ؛ فإنهم قالوا :
٦٦

١١ - کتاب الجنايات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة ١١١٥ - حديث سهل بن أبي حثمة
وجود الميت وبه أثر القتل في محل يختص بمحصورين ، تثبت به القسامة
عندهم ، إذا لم يدع المدعي على غيرهم .
قالوا : لأن الأحاديث وردت في مثل هذه الحالة ؛ وَرُدَّ بأن حديث الباب
أصح ما ورد ، وفيه دليل على اللوث ؛ وحقيقته : شبهة يغلب الظن بالحكم بها ،
كما فصله في ((النهاية))؛ وهو هنا العداوة .
فلهذا ذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يثبت بهذا قسامة ، إلا إذا كان بین
المقتول والمدعى عليهم عداوة ، كما كان في قصة خيبر ؛ قالوا : فإنه يقتل الرجل
الرجل ويلقيه في محل طائفة ؛ لينسب إليهم .
وقد عدّوا من صور اللوث ، قول المقتول قبل وفاته : قتلني فلان .
وقال مالك : إنه يقبل قوله ، وإن لم يكن به أثر ؛ أو يقول : جرحني ، ويذكر
العمد .
وادعى مالك أنه مما أجمع عليه الأئمة قديماً وحديثاً! ورده ابن العربي بأنه
لم يقله من فقهاء الأمصار غيره ، وتبعه عليه الليث .
واحتج مالك بقصة بقرة بني إسرائيل ؛ فإنه أُحْيِيَ الرجل وأخبر بقاتله .
وأجيب : بأن ذلك معجزة لنبي ، وتصديقها قطعي .
قلت : ولأنه أحياه الله بعد موته فعيّن قاتله ؛ فإذا أحيا الله مقتولاً بعد موته ،
وعين قاتله ، قلنا به ؛ ولا يكون ذلك أبداً .
واحتج أصحابه بأن القاتل يطلب غفلة الناس ، فلو لم يقبل خبر المجروح،
٦٧

١١ - كتاب الجنايات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة ١١١٥ - حديث سهل بن أبي حثمة
أدّى ذلك إلى إبطال الدماء غالباً، وأنها حالة يتحرى فيها المجروح الصدق ،
ويتجنب الكذب والمعاصي ، ويتحرّى التقوى والبر ؛ فوجب قبول قوله ؛ ولا
يخفى ضعف هذه الاستدلالات .
وقد عدّوا صور اللوث مبسوطة في كتبهم .
المسألة الثانية : أنه بعد ثبوت ما ذكر من القتل - وكل على أصله -، تثبت
دعوى أولياء القتيل القسامة ؛ فتثبت أحكامها ؛ فمنها القصاص عند كمال
شروطها ؛ لقوله في الحديث : (تستحقون قتيلكم - أو صاحبكم - بأيمان
خمسين منكم على رجل منهم فيدفع بِذمّتِهِ))، وقوله: ((دم صاحبكم))، في
لفظ مسلم : «یقسم خمسون منكم على رجل منهم فیدفع بذمته)) ، وإن كان
قوله: ((إما أن يدوا صاحبكم))، الحديث ، يشعر بعدم القصاص ؛ إلا أن هذا
التصريح في رواية مسلم أقوى في القول بالقصاص ؛ وهذا مذهب أهل المدينة ؛
فإن كانت الدعوى على واحد معين ، ثبت القود عليه ، وإن كانت على جماعة ،
حلفوا ، وثبتت عليهم الدية عند الشافعية .
وفي قول : يجب عليهم القصاص ؛ والأول الصحيح عنه .
فإن كان الوارث واحداً ، حلف خمسين يميناً؛ فإن الأيمان لازمة للورثة ذكوراً
٠
كانوا أو إناثاً ، عمداً كان ، أو خطأ ، هذا مذهب الشافعي .
ومنها : أن يبدأ بأيمان المدّعين في القسامة ؛ بخلاف غيرها من الدعاوى ،
كما في هذه الرواية؛ ويدل له حديث أبي هريرة: ((البينة على المدعي ،
٦٨

١١ - کتاب الجنايات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة ١١١٥ - حديث سهل بن أبي حثمة
واليمين على المدعى عليه ، إلا في القسامة)) ، وفي إسناده لين ، إلا أنه قد
أخرجه البيهقي من حديث عمرو بن شعيب ، ولم يتكلم فيه .
قالوا : ولأن جنبة المدعي إذا قويت بشهادة ، أو شبهة ، صارت الیمین له ؛
وهنا الشبهة قوية ؛ فصار المدعي في القسامة مشابهاً للمدعى عليه ، المتأيد
بالبراءة الأصلية .
وذهبت الهادوية والحنفية وآخرون إلى أنه يحلف المدعى عليه ، ولا يمين على
المدعين ؛ فيحلف خمسون رجلاً من أهل القرية : ما قتلناه ، ولا علمنا قاتله ؛
وإلى هذا جنح البخاري ؛ وذلك لأن الروايات اختلفت في ذلك في قصة الأنصار
ويهود خيبر ؛ فيردّ المختلف فيه إلى المتفق عليه من أن اليمين على المدعى عليه .
فإن حلفوا ، فهل تلزمهم الدية أم لا؟ ذهبت الهادوية إلى أنها تلزمهم الدية
بعد الأيمان .
وذهب آخرون إلى أنهم إذا حلفوا خمسين يميناً برئوا ، ولا دية عليهم ؛ وعليه
تدل قصة أبي طالب الآتية .
واستدل الجماعة المذكورة ، ومن معهم في إيجاب الدية بأحاديث لا تقوم
بها حجة ؛ لعدم صحة رفعها عند أئمة هذا الشأن .
وقوله : فوداه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عنده - وفي لفظ : إنه
وداه من إبل الصدقة -، فقيل : المراد به أنه اقترضها منها ، وأنه لما تحملها صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للإصلاح بين الطائفتين كان حكمها حكم
٦٩

١١ - كتاب الجنايات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة ١١١٥ - حديث سهل بن أبي حثمة
القضاء عن الغارم ، لما غرمه ؛ لإصلاح ذات البين ، فلم يأخذها صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم لنفسه ؛ فإن الصدقة لا تحل له ، ولكن جرى إعطاء الدية
منها مجرى إعطائها في الغرم ؛ لإصلاح ذات البين .
وأمّا من قال : إنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعطى ذلك من
سهم الغارمين ، فلا يصح ؛ فإن غارم أهل الذمّة لا يعطى من الزكاة ؛ كذا قيل .
قلت : وفيه نظر ؛ فإن اليهود لم تلزمهم الدية ؛ لأنه لم يحلف المدعون كما
عرفت ، فما وداه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا تبرعاً منه لئلا يهدر
دمه ، وأمّا رواية النسائي : أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قسمها على
اليهود وأعانهم ببعضها ، فقال ابن القيم: إنّ هذا ليس بمحفوظ ؛ فإن الدية لا
تلزم المدعى عليهم بمجرد دعوى القتيل ؛ بل لا بد من إقرار، أو بينة ، أو أيمان
المدعين ، ولم يوجد هنا شيء من ذلك .
وقد عرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على المدعين أن
يحلفوا فأبوا ، فكيف يلزم اليهود بالدية بمجرد الدعوى؟! انتهى .
قلت : ويظهر لي أنه ليس في هذا الحديث حكم منه صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم بالقسامة أصلاً، كما أفاده الحديث ، وإنما دل الحديث على
حكاية للواقع لا غير، وذكر لهم ◌َ﴿﴿ قصة الحكم على التقديرين، ومن ثمة
کتب إلى يهود بعد أن دار بينهم الكلام المذكور ، وسيأتي تحقيقه .
وقوله : فكتبوا : إنا والله ما قتلناه ، فيه دليل على الاكتفاء بالمكاتبة ، وبخبر
الواحد مع إمكان المشافهة .
٧٠

١١ - کتاب الجنايات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة ١١١٦ - حديث رجل من الأنصار
فائدة : اختار مالك إجراء هذه الدعوى في الأموال ؛ فأجاز شهادة المسلوبين
على السالبين ، وإن كانوا مدعين ، قال : لأن قاطع الطريق إنما يفعل ذلك مع
الغفلة والانفراد عن الناس . انتهى .
ولا يخفى أنه لا يتم هذا إلا بعد ثبوت أنه ◌َ ﴿ حكم بالقسامة ، وعرّفناك
هنا عدم نهوض ذلك ، وسنزيده بياناً عن قريب .
وإذا ثبت ، فهذا قياس من مالك مصادم لنص: ((البينة على المدعي ، واليمين
على المنكر)) ، إلا أن يكون مذهبه جواز تخصيص عموم النص بالقياس ، وللعلماء
كلام في حجية العام بعد تخصيصه .
١١١٦ - وعن رَجُل مِنَ الأنْصَارِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَ ◌ّهِ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلى مَا
كَانَتْ عَلَيْهِ في الجَاهِلِيّةِ ، وَقَضى بها رَسُولُ اللهِعَ﴿ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَار في
قَتِيلِ ادَّعَوْهُ عَلى الْيَهُودِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلى مَا كَانَتْ
(وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَّ رَسُولَ الله
عَلَيْهِ في الجاهِلِيّةِ ، وَقَضى بها رَسُولُ الله
بَيْنَ نَاس مِنَ الأنْصَار في قتیل
ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قوله : على ما كانت عليه في الجاهلية ، كأنه أشار إلى ما أخرجه البخاري
في قصة الهاشمي في الجاهلية ، وفيها : أن أبا طالب قال للقاتل : اختر منّا
إحدى ثلاث : إن شئت أن تؤدّي مائة من الإبل ؛ فإنك قتلت صاحبنا خطأ ،
وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله ، وإن أبيت قتلناك به .
٧١

١١ - كتاب الجنايات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة ١١١٦ - حديث رجل من الأنصار
وفيه دليل على ثبوت القتل بالقسامة ، واعلم أنا قد أشرنا إلى أنه لم يثبت
القسامة إلا الجماهير، کما قررناه عنهم .
وذهب سالم بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وأبو قلابة وابن عُلية والناصر
إلى عدم شرعيتها ؛ لمخالفتها الأصول المقررة شرعاً .
فإن الأصل أن البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه .
وبأن الأيمان لا تأثير لها في إثبات الدماء ، وبأن الشرع ورد بأنه لا يجوز
الحلف إلا على ما علم قطعاً، أو شوهد حساً.
وبأنه محمره لم يحكم بها ، وإنّما كانت حكماً جاهلياً، فتلطف بهم رسول الله
لیریھم كيف لا يجري الحكم بها على أصول الإسلام ، وبيان أنه لم يحكم
بها أنهم لما قالوا له : وكيف نحلف ، ولم نحضر ، ولم نشاهد؟ لم يبين لهم أن هذا
الحلف في القسامة من شأنه ذلك ، وأنه حكم الله فيها وشرعه ؛ بل عدل إلى قوله :
((فتحلف لكم يهود؟)) فقالوا : ليسوا بمسلمين ؛ فلم يوجب صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم عليهم ويبين لهم أن ليس لكم إلا اليمين من المدعى عليهم
مطلقاً ، مسلمين كانوا ، أو غيرهم؛ بل عدل إلى إعطاء الدية من عنده صلى الله
عليه وآله وسلم .
ولو كان الحكم ثابتاً بها ، لبيّن وجهه لهم؛ بل تقريره صلى الله عليه وآله
وسلم لهم على أنه لا حلف إلا على شيء مشاهد مرئي ، دليل على أنه لا
حلف في القسامة .
ولأنه لم يطلب صلى الله عليه وآله وسلم اليهود للإجابة عن خصومهم في
٧٢

١١ - کتاب الجنايات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة ١١١٦ - حديث رجل من الأنصار
دعواهم ، فالقصة منادية بأنها لم تخرج مخرج الحكم الشرعي ؛ إذ لا يجوز تأخير
البيان عن وقت الحاجة ؛ فهذا أقوى دليل بأنها ليست حكماً شرعياً .
وإنما تلطف صلى الله عليه وآله وسلم في بيان أنها ليست بحكم شرعي،
بهذا التدريج المنادي بعدم ثبوتها شرعاً ، وأقرهم صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم
لا يحلفون علی ما لا يعلمونه ، ولا شاهدوه ، ولا حضروه .
ولم يبيّن لهم بحرف واحد : أن أيمان القسامة من شأنها أن تكون على ما لا
يعلم .
وبذا تعرف بطلان القول بأن في القصة دليلاً على الحكم على الغائب ؛ إذْ
لا حکم فیھا أصلاً!
وبطلان الجواب عن كونها مخالفة للأصول ؛ بأنها مخصصة من الأصول ؛
لأن القسامة سنة مستقلة بنفسها ، منفردة مخصصة للأصول كسائر المخصصات ؛
للحاجة إلى شرعيتها ؛ حياطة لحفظ الدماء وردع المعتدين .
ووجه بطلانه ، أنه فرع ثبوت الحكم بها عن الشارع ، فلو ثبت الحكم بها ،
لكان هذا جواباً حسناً .
وأما ما في حديث مسلم: أنه صلى الله عليه وآله وسلم أقرّ القسامة على ما
كانت عليه في الجاهلية ، وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادّعوه على
اليهود ، فهو إخبار عن القصة التي في حديث سهل بن أبي حثمة ، وقد عرفت
أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقض بها فيه ، كما قررناه .
.وقد عرفت من حديث أبي طالب : أنها كانت في الجاهلية على أن يؤدي
٧٣

١١ - كتاب الجنايات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة ١١١٦ - حديث رجل من الأنصار
الدية القاتل لا العاقلة ، كما قال أبو طالب : إما أن تؤدي مائة من الإبل ؛ فإنه
ظاهر أنها من ماله لا من عاقلته ، أو يحلف خمسون من قومك ، أو تقتل .
وهنا في قصة خيبر لم يقع شيء من ذلك ؛ فإن المدعى عليهم لم يحلفوا ، ولم
يسلموا الدية ، ولم يطلب منهم الحلف ، وليس هذا قدحاً في رواية الراوي من
الصحابة ؛ بل في استنباطه ؛ لأنه قد أفاد حديثه أنه استنبط قضاء رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم بالقسامة من قصة أهل خيبر ، وليس في تلك القصة قضاء .
وعدم صحة الاستنباط جائز على الصحابي وغيره اتفاقاً ، وإنما روايته
للحديث بلفظه ، أو بمعناه ، هي التي يتعين قبولها .
وأما قول أبي الزناد : قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون؛ إني لأرى أنهم
ألف رجل فما اختلف منهم اثنان ، فإنه قال في ((فتح الباري)) : إنما نقله أبو الزناد
عن خارجة بن زيد بن ثابت ؛ كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في رواية
عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى عشرة
من الصحابة فضلاً عن ألف . اهـ.
قلت : لا يخفى أنه تقرير لما رواه أبو الزناد ؛ لثبوت ما رواه عن خارجة بن
زيد الفقيه ، وإنما دلس أبو الزناد بقوله : قتلنا؛ وكأنه يريد قتل معشر المسلمين ،
وإن لم يحضرهم ، ثم لا يخفى أن غايته بعد ثبوته عن خارجة فعل جماعة من
الصحابة ؛ ولیس بإجماع ، حتّی یکون حجة !
ولا شك في ثبوت فعل عمر بالقسامة ، وإن اختلف عنه في القتل بها ، وإنما
نزاعنا في ثبوت حكمه صلى الله عليه وآله وسلم بها ؛ فإنه لم يثبت .
٧٤

١١ - کتاب الجنايات
٣ - باب قتال أهل البغي
١١١٧ - حديث ابن عمر
٣ - باب قتال أهل البغي
البغي: مصدر بغى عليه ؛ بفتح المعجمة ، بغياً؛ بفتح الموحدة وسكون
المعجمة : علا وظلم وعدل عن الحق ، وله معان كثيرة ، وذكر الشارح رحمهُ الله
معناه الاصطلاحي هنا ، وساقه على اصطلاح الهادوية ، وقد أبنّا ما فيه في
((حواشي ضوء النهار))، ولم نذكره هنا؛ لعدم انطباق الأحاديث عليه .
١١١٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قال: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: ((مَنْ
حَمَلَ عَلَيْنَا السَّلاحَ، فليس مِنّا)). مُتّفقٌ عَلَيْهِ .
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قال: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((مَنْ حَمَلَ
عَلَيْنَا السِّلاحَ، فليس مِنّا)). مُتّفقٌ عَلَيْهِ) .
أي : من حمله ؛ لقتال المسلمين بغير حق؛ كُنِّيَ بحمله عن المقاتلة ؛ إذ
القتل لازم لحمل السيف في الأغلب ، ويحتمل أنه لا كناية فيه ، وأن المراد
حمله حقيقة؛ لإرادة القتال ، ويدل له قوله: ((علينا))، وقوله: ((فليس منا))؛
تقدم بيانه بأن المراد ليس على طريقتنا وهدينا .
فإن طريقته صلى الله عليه وآله وسلم نصر المسلم والقتال دونه ، لا ترويعه
وإخافته وقتاله .
وهذا في غير المستحل ؛ فإن استحل القتال للمسلم بغير حق ، فإنه يكفر
باستحلاله المحرم القطعي .
والحديث دليل على تحريم قتال المسلم والتشديد فيه ، وأمّا قتال البغاة من
٧٥

١١ - کتاب الجنايات
٣ - باب قتال أهل البغي
١١١٨ - حديث أبي هريرة
أهل الإسلام ، فإنه خارج من عموم هذا الحديث بدليل خاص .
١١١٨ - وعن أبي هُرَيْرَة رضيَ اللهُ عنهُ عَنِ النّبي صلَّى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلَّمَ قَالَ: ((مَنْ خَرَجَ عن الطّاعَةِ وَفَّارَقَ الْجَمَاعَةَ وَمَاتَ ، فَمِيْتَتُهُ
مِيتَةٌ جاهِلِيّةٌ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم قال: ((مَنْ خَرَجَ عَنِ الطّاعَةِ وفارَقَ الْجَمَاعَةَ ومَاتَ، فَمِيْتَتُهُ مِيثَةٌ):
بكسر الميم، مصدر نوعي (جَاهِلِيَةٌ))، أخرجه مسلم).
قوله : ((عن الطاعة))؛ أي: طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه .
وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار؛ إذْ لم يجمع الناس على خليفة في
جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية ؛ بل استقل أهل كل إقليم
بقائم بأمورهم .
إذ لو حمل الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام ، لقلت فائدته .
وقوله : ((وفارق الجماعة))؛ أي : خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة
إمام؛ انتظم به شملهم ، واجتمعت به كلمتهم ، وحاطهم عن عدوّهم .
قوله : ((فميتته ميتة جاهلية))؛ أي : منسوبة إلى أهل الجهل ؛ والمراد به من
مات على الكفر قبل الإسلام ، وهو تشبيه لميتة من فارق الجماعة بمن مات على
الكفر؛ بجامع أن الكل لم يكن تحت حكم إمام ؛ فإن الخارج عن الطاعة كأهل
الجاهلية لا إمام له .
٧٦

١١ - كتاب الجنايات
٣ - باب قتال أهل البغي
١١١٩ - حديث أم سلمة
وفي الحديث دليل على أنه إذا فارق أحد الجماعة ، ولم يخرج عليهم ، ولا
قاتلهم ، أنَّا لا نقاتله ؛ لنرده إلى الجماعة ويذعن للإمام بالطاعة .
بل نخليه وشأنه؛ لأنه لم يأمر ﴿ بقتاله ؛ بل أخبر عن حال موته ، وأنه
كأهل الجاهلية ، ولا يخرج بذلك عن الإسلام.
ویدل له ما ثبت من قول علي رضي الله عنه للخوارج : کونوا حیث شئتم ،
وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دماً حراماً ، ولا تقطعوا سبيلاً، ولا تظلموا أحداً؛
فإن فعلتم نفذت إليكم بالحرب .
وهذا ثابت عنه بألفاظ مختلفة ، أخرجه أحمد والطبراني والحاكم من طريق
عبد الله بن شدّاد ، قال عبد الله بن شداد : فوالله ما قتلهم ، حتّى قطعوا السبيل ،
وسفكوا الدم الحرام .
فدل على أن مجرّد الخلاف على الإمام لا يوجب قتال من خالفه .
: ((تَقْتُلُ
١١١٩ - وعن أَمَّ سَلَمَةَ رضيَ الله عنهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله
عَمّاراً الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ)) . رَوَاهُ مُسلمٌ .
(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضيَ الله عنهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ يَّهِ: ((تَقْتُلُ عَمّاراً
الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ)) . رَوَاهُ مُسلمٌ) .
تمامه في مسلم: ((يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار!)).
قال ابن عبد البر: تواترت الأخبار بهذا ، وهو من أصح الحديث ، وقال ابن
دحية : لا مطعن في صحته ، ولو كان غير صحيح ، لردّه معاوية .
٧٧

١١ - كتاب الجنايات
٣ - باب قتال أهل البغي
١١١٩ - حديث أم سلمة
وإنّما قال معاوية: قتله من جاء به ؛ ولو كان فيه شك ، لردّه وأنكره ، حتّی
أجاب عمرو بن العاص على معاوية فقال : فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
قتل حمزة؟!
وأما ما نقله المصنف في ((التلخيص)) - وتبعه الشارح في نقله - من أنه نقل
ابن الجوزي عن الخلال في ((العلل)» أنه حكى عن أحمد أنه قال : قد رُوي هذا
الحديث من ثمانية وعشرين طريقاً ؛ ليس فيها طريق صحيح !
وحكى أيضاً عن أحمد وابن معين وابن أبي خيثمة أنهم قالوا : لم يصح .
فقد أجاب السيد محمد بن إبراهيم الوزير عن هذا بقوله : الاسترواح إلى
ذكر هذا الخلاف الساقط من غير بيان لبطلانه من مثل ابن حجر عصبية شنيعة !
فأما ابن الجوزي ، فلم يعرف هذا الشأن ؛ وقد ذكر الذهبي في ترجمته في
((التذكرة)) كثرة خطئه في مصنفاته ، فهو أجهل وأحقر من أن ينتهض لمعارضة
أئمة الحديث وفرسانه وحفاظه ؛ كابن عبد البر والبخاري ومسلم والحميدي !
وقد رواه كاملاً أبو داود والترمذي والذهبي والحاكم وابن خزيمة والقرطبي
والإسماعيلي والبرقاني وأمثالهم ، وقد ذكر جملة منهم تواتره وصحته ، وجماعة
منهم إجماع أهل السنة وأهل الفقه وأهل العلم على ذلك .
وذكره القرطبي في آخر ((تذكرته)) والحاكم في ((علوم الحديث)) له ، وحكاه
عن ابن خزيمة - المعروف بإمام الأئمة -، ولم يحك أحد عنهم خلافاً في ذلك .
وأما الذهبي ، فإنه حقق صحة دعواه بما أورده من الطرق الصحيحة الجمّة .
٧٨

١١ - كتاب الجنايات
٣ - باب قتال أهل البغي
١١١٩ - حديث أم سلمة
والمنع من الصحة بمجرد العصبية من غير حجة ، صنيع من لا علم له ؛ بل
من لا عقل له ، ولا حياء . انتهى .
قلت : ولا يخفى أن ابن الجوزي نقل عن أحمد عدم صحته ، وليس له هو
قدح في صحته ، حتّى يقال : إنه أحقر من أن ينتهض لمعارضة أئمة الحديث
وفرسانه وحفاظه .
فالأولى في الجواب عن نقل ابن الجوزي ما قاله السيد محمد أيضاً: أنه قد
روى يعقوب بن شيبة - الإمام الثقة الحافظ - عن أحمد بن حنبل أنه قال فيه :
إنه حديث صحيح سمعه عنه يعقوب ، وقد سئل عنه ؛ ذكره الذهبي في
ترجمة عمار في ((النبلاء)).
ويؤيده أنه رواه أحمد عن جماعة كثيرة من الصحابة ، وكان يرى الضرب
على روايات الضعاف والمنكرات ، وهذا يدل على بطلان ما حكاه ابن الجوزي ،
وإلا فغايته أنه قد تعارض عن أحمد القولان فيطرح، وفي تصحيح غيره ما
يغني عنه كما لا يخفى .
وأما الحكاية عن ابن معين وابن أبي خيثمة ؛ فإنه رواها المصنف بصيغة
التمريض ، ولم ينسبها إلى راو فيتكلم عليها .
والحديث دليل على أن الفئة الباغية معاوية ومن في حزبه .
والفئة المحقة عليّ رضي الله عنه ومن في صحبته ؛ وقد نقل الإجماع من
أهل السنة بهذا القول جماعة من أئمتهم ؛ كالعامري وغيره ، وأوضحناه في
((الروضة الندية)).
٧٩

١١ - كتاب الجنايات
٣ - باب قتال أهل البغي
١١٢٠ - حديث ابن عمر
١١٢٠ - وعن ابن عُمَرَ رضيَ الله عنهُمَا قال: قَالَ رَسُولُ الله عَزٍُ: «هَلْ
تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيْفَ حُكْمُ اللّه فِيمَنْ بَغَى مِنْ هذِهِ الأمّةِ؟))، قَالَ: اللهُ
ورسُولُهُ أَعْلَمُ ، قالَ: ((لا يُجْهَزُ عَلى جريحِهَا، ولا يُقْتَلُ أَسيرُهَا، ولا يُطْلبُ
هَاربُها، ولا يُقْسَمُ فَيْؤُهَا)). رَوَاهُ الْبَزَّارُ والحاكِمِ وَصَحّحَهُ فَوَهِمَ ؛ لأنَّ فِي إِسْنَادِهِ
كَوْثَرَ بنَ حَكيم ، وهو مَتْرُوكٌ ، وَصَحَّ عَنْ عَلِي مِنْ طُرُقِ نَحْوُهُ مَوْقُوفاً ، أَخْرَجَهُ
ابْنُ أبي شَيْبَةَ وَالحاكِمُ .
(وعن ابن عمر رضيَ الله عنهُمَا قال: قال رسول الله عَ هُ: ((هَلْ تَدْري یَا
ابنَ أَمِّ عَبْد) : هو ابن مسعود ؛ لأنه المعروف بذلك ، وكأنه رواه عنه ابن عمر
رضي الله عنهما ، أو سمع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يحدثه (کَيْفَ
حُكْمُ اللّه فِيمَنْ بَغَى مِنْ هذِهِ الأمّةِ؟)) قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((لا يُجْهَز
عَلى جَرِيحِهَا): أي : لا يتمم قتل من كان جريحاً من البغاة (ولا يُقْتَل
أَسيرهَا ، ولا يُطْلبُ هَارِبُها ، ولا يُقْسَمُ فَيْؤُهَا)) . رواه البزار والحاكم وصححه
فوهم ؛ لأن في إسناده كوثر) : بفتح الكاف وسكون الواو ومثلثة مفتوحة فراء
(ابن حكيم ، وهو متروك ، وصح عن علي من طرق نحوه موقوفاً ، أخرجه ابن
أبي شيبة والحاكم) .
في «الميزان)» : كوثر بن حكيم عن عطاء ومكحول ؛ وهو كوفي نزل حلب ؛
قال ابن معين: ليس بشيء ، وقال أحمد بن حنبل : أحاديثه بواطيل . انتهى .
قال ابن عدي : هذا حديث غير محفوظ ، وأمّا الرواية عن علي عليهِ
السَّلام ، فرواها البيهقي وغيره .
٨٠