النص المفهرس

صفحات 21-40

١١ - کتاب الجنايات
...
١٠٩٣ - حديث عمران بن حصين
وفي قوله: ((فأقر))؛ دليل على أنه يكفي الإقرار مرة واحدة ، إذ لا دليل على
أنه کرر الإقرار .
١٠٩٣ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن: أَنَّ غُلاماً لأنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلام
لأَنَاسِ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ فَلُّمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئً» .
رَوَاهُ أَخْمَدُ والثَّلاثة بإِسْنَادِ صَحيح .
(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن: أَنَّ غُلاماً لأنَاسِ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلام لأنَاسِ
أَغْنِيَاءَ ، فَأَتَوا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَّ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئاً) . رَوَاهُ
أَحْمَدُ والثَّلاثة بإسْنَادٍ صَحيح):
الحديث فيه دليل على أنه لا غرامة على الفقير ، إلا أنه قال البيهقي : إن
كان المراد بالغلام فيه المملوك ، فإجماع أهل العلم أن جناية العبد في رقبته .
فهو يدل والله أعلم أن جنايته كانت خطأ، وأن النبي ◌َ ﴿ إنما لم يجعل عليه
شيئاً ؛ لأنه التزم أرش جنايته ، فأعطاه من عنده متبرعاً بذلك .
وقد حمله الخطابي على أن الجاني كان حرّاً ، وكانت الجناية خطأ ، وكانت
عاقلته فقراء فلم يجعل عليهم شيئاً؛ إما لفقرهم ، وإما لأنهم لا يعقلون الجناية
الواقعة على العبد ، إن كان المجني عليه مملوكاً ؛ كما قال البيهقي :
وقد يكون الجاني غلاماً حراً غير بالغ ، وكانت جنايته عمداً ، فلم يجعل
عليه في الحال ، أو رآه على عاقلته فوجدهم فقراء ، فلم يجعله عليه ؛ لكون
جنايته في حكم الخطإ، ولا عليهم ، لكونهم فقراء ، والله أعلم . انتهى .
وقوله : ولم يجعل أرشها على عاقلته ؛ هذا مذهب الشافعي أن عمد الصغير
٢١

١١ - کتاب الجنايات
١٠٩٤ - حديث عبد الله بن عمرو
يكون في ماله ولا تحمله العاقلة ، وقوله : أو رآه على عاقلته ؛ يعني : مع احتمال
أنه خطأ ، وهذا اتفاق ، ومع احتمال أنه عمد ، كما ذهب إليه الهادوية وأبو
حنيفة ومالك
١٠٩٤ - وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعِيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّ رَضي الله عَنْهُمْ: أَنَّ
﴿ فَقَالَ: أَقِدْني ،
رَجُلاً طَعَنَ رَجُلاً بِقَرْنِ فِي رُكْبَتِهِ ، فَجَاءَ إلى النّبي
فَقَالَ: ((حَتى تَبْرَأَ))، ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ : أَقِدْني ؛ فَأَقاده، ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا
رَسُولَ الله! عَرَجْتُ ، فَقَالَ: ((قَدْ نَهَيْتِكَ فَعَصَيْتَنِي ، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ
أنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحِ حَتى يَبْرَأْ صَاحِبُهُ .
رَوَاهُ أَحْمَدُ والدَّارَقُطْنِي ، وَأُعِلَّ بالإرسالِ .
عَرَجُكَ)) ، ثمَّ نَهَى رَسُولُ الله.
(وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّ رَضي الله عَنْهُمْ: أَنَّ رَجُلاً طَعَنَ
فَقَالَ: أَقدْني، فَقَالَ: «حَتى
رَجُلاً بِقَرْنِ فِي رُكْبَتِهِ ، فَجَاءَ إلى النّبي
تَبْرَأَ))، ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَقِدْنِي؛ فَأَقاده، ثمَّ جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله !
عَرَجْتُ ، فَقَالَ : ((قَدْ نَهَيْتِكَ فَعَصَيْتَنِي ، فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ)) ، ثمَّ نَهَى
أنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحِ حَتى يَبْرَأْ صَاحِبُهُ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْني،
رَسُولُ الله
وَأُعِلَّ بالإِرْسالِ) .
بناء على أن شعيباً لم يدرك جده ، وقد دفع بأنه ثبت لقاء شعيب لجده ،
وفي معناه أحاديث تزيده قوة .
وهو دليل على أنه لا يقتص من الجراحات حتى يحصل البرء من ذلك ،
وتؤمن السِّرایة .
٢٢
.

١١ - کتاب الجنايات
١٠٩٥ - حديث أبي هريرة
قال الشافعي : إن الانتظار مندوب ؛ بدليل تمكينه صلى الله عليه وآله وسلم
من الاقتصاص قبل الاندمال .
وذهب الهادویة وغیرهم إلى أنه واجب ؛ لأن دفع المفاسد واجب ، وإذنه صلى
الله عليه وآله وسلم بالاقتصاص كان قبل علمه ◌َ ﴿ بما يؤول إليه من المفسدة .
١٠٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: اقْتَتَلتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْل،
فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأَخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا في بَطْنِهَا، فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ الله
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ ، فَقَّضى رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : أَنَّ
ديَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقضى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّتُهَا وَلَدَهَا
وَمَنْ مَعَهُ ، فَقَالَ حمل بْنُ النّابغةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رسولَ اللهِ! كَيفَ يُغْرَمُ مَنْ لا
شَرَبَ وَلا أَكَلَ ، وَلا نَطَقَ ولا اسْتَهَلَّ؟! فَمِثْلُ ذلك يُطَلُّ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى
اللهُ تعالى عليه وآله وسلَّمَ: ((إنّمَا هذا مِنْ إخْوَانِ الكُهَانِ))؛ مِنْ أَجْل سَجْعِهِ
الذي سَجَعَ . مُتّفَقُ عَلَيْهِ .
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: اقْتَتَلت امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ ، فَرَمَتْ
إِحْداهُمَا الأخْرَى بحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلى رَسُول الله
صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَّ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ : أنَّ
ديَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ) : بضم الغين المعجمة وتشديد الراء منون (عَبْدٌ أَوْ وليدَةٌ) :
هما بدل من غرة ، و أو للتقسيم لا للشك (وقضى بدية المرأة على عاقلتها ،
وورثها ولدها ومن معه) :
في ((سنن أبي داود)): أن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت ، فقضى
٢٣

١١ - کتاب الجنايات
١٠٩٥ - حديث أبي هريرة
رسول الله : ﴿ أن ميراثها لبنيها، والعقل على عصبتها، ومثله في ((مسلم))،
فضمير: ورثها ؛ يعود إلى القاتلة ، وقيل : يعود إلى المقتولة ، وذلك أن عاقلتها ؛
قالوا : إن ميراثها لنا ، فقال : لا ، فقضى بديتها لزوجها وولدها .
(فقال حمل) : بفتح الحاء المهملة وفتح الميم (ابن النابغة) : بالنون بعد
الألف موحدة فغين معجمة ؛ وهو زوج المرأة القاتلة (الهذلي : يا رسول الله ! كيف
يغرم من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهل؟!) : الاستهلال رفع الصوت ،
يريد أنه لم تعلم حياته بصوت أو نطق أو بكاء (فمثل ذلك يُطَلُّ): بالمثناة
التحتية مضمومة وتشديد اللام ، على أنه مضارع مجهول من طل ، ومعناه :
يهدر ويلغى ولا يضمن . ويروى بالموحدة وتخفيف اللام على أنه ماض من
البطلان (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((إنّمَا هذَا) : أي :
هذا القائل (مِنْ إخوَانِ الْكُهَانِ)) ؛ من أجل سجعه الذي سجع. متفق عليه).
وفي الحديث مسائل :
الأولى: فيه دليل على أن الجنين إذا مات بسبب الجناية ؛ وجبت فيه الغرّة
مطلقاً ؛ سواء انفصل عن أمه وخرج ميتاً ، أو مات في بطنها . فأما إذا خرج حياً
ثم مات ، ففيه الدية كاملة ؛ ولكنه لا بد أن يعلم أنه جنین ، بأن تخرج منه يد
أو رجل ، وإلا فالأصل براءة الذمة ، وعدم وجوب الغرة ، وقد فسر الغرة في
الحديث بعبد أو وليدة وهي الأمة .
قال الشعبيُّ : الغرة خمسمائة درهم ، وعند أبي داود والنسائي من حديث
بريدة : مائة شاة ، وقيل : خمس من الإبل ؛ إذ هي الأصل في الديات ، وهذا في
٢٤

١١ - كتاب الجنايات
١٠٩٥ - حديث أبي هريرة
جنين الحرة ، وأما جنين الأمة ، فقيل : يخصص بالقياس على ديتها ؛ فكما أن
الواجب قيمتها في ضمانها ، فيكون الواجب في جنينها الأرش منسوباً إلى القيمة .
وقياسه على جنين الحرة ؛ فإن اللازم فيه نصف عشر الدية ، فيكون اللازم
فيه نصف عشر قيمتها .
الثانية : قوله : وقضى بدية المرأة على عاقلتها ، يدل على أنه لا يجب
القصاص في مثل هذا ، وهو من أدلة من يثبت شبه العمد وهو الحق ؛ فإن ذلك
القتل كان بحجر صغير، أو عود صغير؛ لا يقصد به القتل بحسب الأغلب ؛
فتجب فيه الدية على العاقلة ، ولا قصاص فيه .
والحنفية تجعله من أدلة عدم وجوب القصاص بالمثقل .
الثالثة : في قوله : على عاقلتها ، دليل على أنها تجب الدية على العاقلة ،
والعاقلة هم العصبة ، وقد فسرت بمن عدا الولد وذوي الأرحام؛ كما أخرجه
البيهقي من حديث أسامة بن عمير: فقال أبوها : إنما يعقلها بنوها ، فاختصموا
إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((الدية على العصبة ، وفي
الجنين غرة))؛ ولهذا بوب البخاري: باب جنين المرأة ، وأن العقل على الوالد
وعصبة الوالد ، لا على الولد .
قال الشافعي: لا أعلم خلافاً في أن العاقلة العصبة ؛ وهم القرابة من قبل
الأب ، وفسر بالأقرب فالأقرب من عصبة الذكر الحر المكلف ، وفي ذلك خلاف
يأتي في القسامة .
٢٥

١١ - كتاب الجنايات
١٠٩٥ - حديث أبي هريرة
وظاهر الحديث وجوب الدية على العاقلة ؛ وبه قال الجمهور .
وخالف جماعة في وجوبها عليهم؛ فقالوا : لا يعقل أحد عن أحد ، مستدلين
بما عند أحمد وأبي داود والنسائي والحاكم: أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله
عليه وآله وسلم فقال له النبي ﴿ : ((من هذا؟» قال: ابني فقال له النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: ((إنه لا يجني عليك ، ولا تجني عليه))، وعند أحمد وأبي
داود والترمذي من حديث عمرو بن الأحوص : أنه صلى الله عليه وآله وسلم
قال: ((لا يجني جان إلا على نفسه ، ولا يجني جان على ولده)).
وجمع بينهما وبين وجوب الدية على العاقلة بأن المراد به الجزاء الأخروي ؛
أي : لا يجني عليه جناية يعاقب بها في الآخرة ، وعلى القول بأن الوالد والولد
ليسا من العاقلة ؛ كما قاله الخطابي ؛ فلا يتم به الاستدلال .
الرابعة : قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما هو من إخوان الكهان)»؛ من
أجل سجعه الذي سجع ، يظهر أن قوله : من أجل سجعه ، مدرج ؛ فهمه الراوي ؛
ففيه دليل على كراهة السجع؛ قال العلماء : إنما كرهه من هذا الشخص ؛
لوجهين :
4.
أحدهما : أنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله .
الثاني : أنه تكلفه في مخاطبته ، وهذان الوجهان من السجع مذمومان .
وأما السجع الذي ورد منه عليه الصلاة والسلام في بعض الأوقات - وهو
كثير في الحديث -، فليس من هذا؛ لأنه لا يعارض حكم الشرع ، ولا يتكلفه ؛
فلا نهي عنه .
٢٦
,٠

١١ - كتاب الجنايات
١٠٩٦ - حديث ابن عباس
١٠٩٦ - وَأَخْرَجَهُ أبو داودَ والنَّسَائِيُّ مِنْ حَديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُ
في الجَنِيْنِ؟ قالَ: فَقَامَ حَمَلُ بنُ
أَنَّ عُمَرَ سألَ: مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رسول الله عَُّ
النَّبِغَةِ فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ يَدَىِ امْرَأَتَيْنِ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرِى ... فَذَكَرَهُ
مُخْتَصَراً، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ والحاكِمُ .
(وَأَخْرَجَهُ أبو داودَ والنَّسَائِيُّ مِنْ حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ
: في الجَنِيْنِ؟ قالَ: فَقَامَ حَمَلُ بنُ
عُمَرَ سألَ : مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رسول الله
النَّابِغَةِ) : المذكور في الحديث الذي قبله (فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ يَدَيِ امْرَأَتَيْنِ
فَضَرَبَتْ إِحْداهُما الأُخْرِى ... فَذَكَرَهُ مُخْتَصَراً، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ والحاكِمُ)
وأخرجه أبو داود بلفظ : أن عمر سأل الناس عن إملاص المرأة؟ فقال المغيرة :
شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى فيها بغرة عبد أو أمة . فقال :
ائتني بمن يشهد معك . قال : فأتاه محمد بن مسلمة فشهد له .
ثم قال أبو داود: قال أبو عبيد: إملاص المرأة إنما سُمِّيَ إملاصاً؛ لأن المرأة
تزلقه قبل وقت الولادة ، وكذلك كل ما زلق من اليد وغيرها ، فقد ملص . انتهى .
ولا بد من أن يعلم أن الجنين قد تخلّق ، وجرى فيه الروح ؛ ليتصف بأنه
قتلته الجناية ، والشافعية فسروه بما ظهر فيه صورة الآدمي ؛ من يد وأصبع
وغيرهما . فإن لم تظهر فيه الصورة ، ويشهد أهل الخبرة بأن ذلك أصل الآدمي،
فحكمه كذلك إذا كانت الصورة خفية . وإن شك أهل الخبرة ، لم یجب فیه
شيء اتفاقاً .
وفيه دليل على أن في الجنين غرة ؛ ذكراً كان أو أنثى ؛ لإطلاق الحديث .
٢٧

١١ - كتاب الجنايات
١٠٩٧ - حديث أنس
١٠٩٧ - وَعَنْ أَنَس رضيَ اللهُ عنهُ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النّضر - عَمّتَهُ - كَسَرَتْ
ثَنِيّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ فَأَبَوْا، فَعَرَضوا الأَرْشَ فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ الله
صلَّى الله عليه وآله وسلَّمَ ، فَأَبَوْا إلا الْقِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله صلَّى الله
عليه وآله وسلَّمَ بالْقصاص ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النّضر: يَا رَسُولَ الله! أَتْكْسَرُ ثَنِيّةُ
الرُّبَيِّع؟! لا، والّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ، لا تُكْسَرُ ثَنِيِّتُهَا! فَقَالَ رَسُول اللّهِلّهِ: ((يَا
أَنَسُ أَ كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ)) فَرَضِي الْقَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليه وآله وسلَّمَ : ((إنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لِأَبَرَّهُ!)) . متْفَقٌ
عَلَيْهِ ، واللّفْظُ لْلْبُخَارِيِّ.
(وعن أنس رضي الله عنه: أن الرُّبَيِّعَ) : بضم الراء والباء الموحدة المفتوحة ،
فمثناة تحتية مشدّدة مكسورة ؛ أخت أنس (بِنْتَ النّضِر - عَمَّتَهُ -) : أي : عمة أنس
ابن مالك ، وهي غير الربيع بنت معوّذ، ووقع في ((سنن البيهقي)): بنت معوذ،
قال المصنف : إنه غلط (كسرت ثنية جارية): أي: شابة من الأنصار، كما في
رواية (فطلبوا): أي: قرابة الربيع (إليها) : أي : إلى الجارية (العفو فأبوا ، فعرضوا
الأرش فأبوا ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأبوا إلا القصاص ،
فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقصاص ، فقال أنس بن النضر : يا
رسول الله! أتكسرُ ثَنِيّةُ الربيع؟! لا ، والذي بعثك بالحق ، لا تكسر ثَنِيَّتُها ! فقال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا أَنَسُ! كِتَابُ الله الْقِصَاصُ)) فرضي
القوم فعفوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنَّ مِنْ عِبَادِ اللّهِ مَنْ لَوْ
أَقْسَمَ عَلى الله لأبَرَّهُ !)) . متفقٌ عليه ، واللفظ للبخاري) :
٢٨

١١ - کتاب الجنايات
١٠٩٧ حديث أنس
فيه مسائل :
الأولی : أن فیہ دليلاً على وجوب الاقتصاص في السن ۔ بأن کانت بكمالها -؛
فهو مأخوذ من قوله تعالى : ﴿والسنَّ بالسنّ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ وقد ثبت على قلع
السن بالسن في العمد ، وأما كسر السن، فقد دل هذا الحديث على القصاص
فيه أيضاً .
قال العلماء : وذلك ، إذا عرفت المماثلة ، وأمكن ذلك من دون سراية إلى
غير الواجب . قال أبو داود : قلت لأحمد - يريد أحمد بن حنبل -: كيف في
السن؟ قال : تبرد ؛ أي : يبرد من سن الجاني بقدر ما كسر من سن المجنيِّ عليه ،
وقال بعضهم : إن الحديث محمول على القلع ، وأنه أراد بقوله : كسرت،
قلعت ، وهو بعید .
وأما العظم غير السن ، فقد قام الإجماع على أنه لا قصاص في العظم الذي
يخاف منه ذهاب النفس ، إذا لم تتأت فيه المماثلة ؛ بأن لا يوقف على قدر الذاهب .
وقال الليث والشافعي والحنفية : لا قصاص في العظم غير السن ؛ لأن دون .
العظم حائلاً من جلد ولحم وعصب ، فيتعذر معه المماثلة ، فلو أمكنت لحكمنا
بالقصاص ، ولكن لا نصل إلى العظم حتى ننال ما دونه مما لا يعرف قدره .
الثانية : قوله : أتكسر ثنية الربيع؟! ظاهر الاستفهام الإنكار، وقد تُؤُوَّلَ بأنه
لم يرد به الحكم والمعارضة، وإنما أراد به أن يؤكد للنبي تم له طلب الشفاعة
منهم، وأكَّد طلبه من النبي ◌َّله بالقسم.
٢٩

١١ - کتاب الجنايات
١٠٩٧ - حديث أنس
وقيل : بل قاله قبل أن يعلم أن القصاص حتم ، وظن أنه يخير بينه وبين
الدية أو العفو .
ويرشد إليه قوله في جوابه: ((يا أنس! كتاب الله القصاص»! وقيل : إنه
لم يرد الإنكار، بل قاله؛ توقعاً ورجاءً من فضل الله ، أن يلهم الخصوم الرضا
حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش ، وقد وقع الأمر على ما أراد .
وفي إلهامهم العفو، وفي تقريره ﴿ على الحلف ، دليل على أنه يجوز الحلف
فیما یظن وقوعه .
الثالثة: قوله :َ له: ((كتاب الله القصاص))؛ المشهور الرفع على أنه مبتدأ
وخبر ، ويجوز النصب في الأول على المصدر، وفعله محذوف ؛ أي : كتب كتاب
الله ، وفي الثاني على أنه مفعول للكتاب أو للفعل المقدر، ويحتمل وجوهاً أخر .
قيل : أراد بالكتاب الحكم ؛ أي : حكم الله القصاص ، وقيل : أشار إلى قوله
تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]، أو إلى ﴿فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾
[النحل: ١٢٦]، أو إلى ﴿والسنَّ بالسنَّ﴾ [المائدة: ٤٥].
وفي قوله مَ ﴿ه: ((إن من عباد الله من لو أقسم)) إلى آخره ، تعجب منه
بوقوع مثل هذا، مِن حَلِف أنس على نفي فعل الغير ، وإصرار الغير على إيقاع
ذلك الفعل .
وكأن قضية العادة في ذلك أن يحنث في يمينه ، فألهم الله تعالى الغير العفو ،
فبرّ قسم أنس ، وأن هذا الاتفاق وقع إكراماً من الله تعالى الأنس ؛ ليبرّ في يمينه ،
وأنه من جملة عباد الله الذين يعطيهم الله تعالى أربهم ، ويجيب دعاءهم ، وفيه
٣٠

١١ - کتاب الجنايات
١٠٩٨ - حديث ابن عباس
جواز الثناء على من وقع له مثل ذلك ، عند أمن الفتنة عليه .
١٠٩٨ - وَعَن ابن عَبّاسٍ رضيَ الله عَنْهُما قالَ: قالَ رسولُ الله عَاهِهِ: («مَنْ
قُتِلَ في عِمِّاً أَوْ رِمِّيَّاً؛ بحجَرَ أَوْ سَوْطٍ أَوْ عَصاً، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطِأِ، وَمَنْ قُتِلَ
عَمْداً ، فَهُوَ قَوَدٌ ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنّسَائِي
وابْنُ مَاجَهْ بإسْنَادٍ قَوي .
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه تَّةٍ: ((مَنْ قُتِلَ في
عمِّيّاً) : بكسر العين المهملة وتشديد الميم والياء المثناة من تحت بالقصر؛ فعیلی
من العماء . قوله (أَوْ رمِّيّاً) : بزنته ، مصدر يراد به المبالغة (بحَجَر أَوْ سَوْط أَوْ
عَصاً، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَأ ، ومَنْ قُتِلَ عَمْداً ، فَهُوَ قَوَدٌ ، وَمَنْ حَالَ دُّونَهُ ، فَعَلَّيْهِ
لعْنَةُ الله)) . أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد قوي):
قال في ((النهاية)) في تفسير اللفظين : المعنى أن يوجد بينهم قتيل يعمى
أمره ، ولا يتبين قاتله ؛ فحكمه حكم قتيل الخطأ ؛ تجب فيه الدية .
الحديث فيه مسألتان: الأولى : أنه دليل على أن من لم يعرف قاتله فإنها تجب
فيه الدية ، وتكون على العاقلة ، وظاهره من غير أيمان قسامة ؛ وقد اختلف في ذلك :
فقالت الهادوية : إن كان الحاضرون الذين وقع بينهم القتل منحصرين ،
لزمت القسامة ، وجرى فيها حكمها من الأيمان والدية .
وإن كانوا غير منحصرين ، لزمت الدية في بيت المال .
وقال الخطابي : اختلف ؛ هل تجب الدية في بيت المال أو لا؟ قال إسحاق
بالوجوب ، وتوجيهه من حيث المعنى : أنه مسلم مات بفعل قوم من المسلمين ،
٣١

١١ - کتاب الجنايات
١٠٩٨ - حديث ابن عباس
فوجبت ديته في بيت مال المسلمين .
وذهب الحسن إلى أن ديته تجب على جميع من حضر ؛ وذلك لأنه مات
بفعلهم، فلا تتعدّاهم إلى غيرهم . وقال مالك : إنه يهدر؛ لأنه إذا لم يوجد
قاتله بعینه ، استحال أن يؤخذ به أحد .
وللشافعي قول : إنه يقال لوليه: ادَّع على من شئت ، واحلف ! فإن حلف ،
استحق الدية ، وإن نكل ، حلف المدّعى عليه على النفي ، وسقطت المطالبة ؛
وذلك لأن الدم لا يجب إلا بالطلب .
وإذا عرفت هذا الاختلاف ، وعدم المستند القوي في أي هذه الأقوال ، وقد
عرفت أن سند الحديث قوي - كما قاله المصنف -، علمت أن القول به أولى الأقوال .
المسألة الثانية : في قوله : ((ومن قتل عمداً، فهو قود))، دليل على أن الذي
يوجبه القتل عمداً ، هو القود عيناً.
وفي المسألة قولان :
الأوّل : أنه يجب القود عيناً ، وإليه ذهب زيد بن علي وأبو حنيفة وجماعة ،
ويدل له قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ [البقرة: ١٧٨]، وحدیث: «کتاب
الله القصاص)) .
قالوا : وأما الدية ، فلا تجب إلا إذا رضي الجاني، ولا يجبر الجاني على
تسليمها .
والثاني : للهادوية وأحمد ومالك وغيرهم ، وقول للشافعي ، أنه يجب بالقتل
عمداً أحد أمرين : القصاص أو الدية ؛ لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
٣٢

١١ - کتاب الجنايات
١٠٩٩ - حديث ابن عمر
وسلم: ((من قتل له قتيل ، فهو بخير النظرين ؛ إما أن يقيد ، وإما أن يدي)).
أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم .
وأجيب عنه بأن المراد من الحديث : أن ولي المقتول مخير ؛ بشرط أن يرضى
الجاني أن يغرم الدية ؛ قالوا : وفي هذا التأويل جمع بين الدليلين .
قلنا : الاقتصار في الآية ، وفي بعض الأحاديث على بعض ما يجب ، لا
يدل على أنه لا يجب غير ما قام الدليل على وجوبه .
وقد أخرج أحمد وأبو داود عن أبي شريح الخزاعي قال : سمعت رسول الله
صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: ((من أصيب بدم أو خبل - والخبل
الجراح -، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو
یعفو ؛ فإن أراد الرابعة ، فخذوا علی یدیه ، فإن قبل من ذلك شيئاً ، ثم عدا
بعد ذلك ، فإن له النار)) .
١٠٩٩ - وَعَنْ ابنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَن رسول الله عَ ﴿ِ قالَ: ((إذا
أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ، يُقْتَلُ الذي قَتَلَ ، وَيُحْبَسُ الّذِي أَمْسَكَ)) .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي مَوْصُولاً وَمُرْسَلاً، وَصَحّحَهُ ابنُ الْقَطّانِ ، وَرِجَالُهُ ثقَاتٌ ، إلا
أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَجّحَ الْمُرْسَلَ .
(وَعَن ابنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَن رسول الله عَ ◌ّهُ قالَ: ((إذا أَمْسَكَ
الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ، يُقْتَلُ الذِي قَتَلَ ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ)). رَوَاهُ
الدَّارَقُطْنِي مَوْصُولاً وَمُرْسَلاً، وَصَحّحَهُ ابنُ الْقَطّانِ، وَرَجَالُهُ ثقَاتٌ، إلا أَنَّ
الْبَيْهَقِيَّ رَجْحَ الْمُرْسَلَ).
٣٣

١١ - كتاب الجنايات
١١٠٠ - حديث عبد الرحمن بن البيلماني
قال الحافظ ابن كثير في ((الإرشاد)): وهذا الإسناد على شرط مسلم . قلت :
إشارة إلى إسناد الدارقطني ؛ فإنه رواه من حديث أبي داود الحفري عن الثوري
لـ ... الحديث ،
عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر : أن رسول الله
ثم قال :
قال الحافظ البيهقي : ما رواه غير أبي داود الحفري عن الثوري ، وغيره عن
إسماعيل بن أمية مرسلاً؛ وهذا هو الصحيح .
والحديث دليل على أنه ليس على الممسك سوى حبسه ، ولم يذكر قدر
مدته ؛ فهي راجعة إلى نظر الحاكم ، وأن القود أو الدية على القاتل ؛ وإلى هذا
ذهبت الهادوية والحنفية والشافعية للحديث؛ ولقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى
عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤].
وذهب مالك والنخعي وابن أبي ليلى إلى أنهما يقتلان جميعاً؛ إذ هما
مشتركان في قتله ؛ فإنه لولا الإمساك ما قتل .
وأجيب بأن النص منع الإلحاق ؛ فإن حكم ذلك حكم الحافر للبئر والمردي
إليها ؛ فإن الضمان على المردي دون الحافر اتفاقاً، ولكن الحديث الآتي دليل
للأولين .
١١٠٠ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ البَيْلِمَانيَّ رضيَ اللهُ عنهُ: أَنَّ النّبي
قَتَلَ مُسْلماً بُعَاهدِ، وَقَالَ: ((أَنَا أَوْلَى مَنْ وفِى بِذِمّتِهِ)). أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ
هكذا مُرْسَلاً، وَوَصَّلَهُ الدَّارَقُطني بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَإِسْنَادُ المَوْصُولِ وَاهٍ.
(وعن عبد الرحمن بن البيلماني رضي الله عنه) : بفتح الموحدة وسكون
٣٤

١١ - كتاب الجنايات
١١٠١ - حديث ابن عمر
المثناة التحتية وفتح اللام ؛ ضعفه جماعة فلا يحتج بما انفرد به إذا وصل ؛
فكيف إذا أرسل؟! فكيف إذا خالف؟! وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي ليلى
ضعيف (أن النبي ◌َ﴿ قتل مسلماً بمعاهد، وقال: ((أنا أَوْلَى مَنْ وفى بِذمّتِهِ)).
أخرجه عبد الرزاق هكذا مرسلاً ، ووصله الدارقطني بذكر ابن عمر فيه ،
وإسناد الموصول واه) : تقدم الكلام في الحديث قريباً .
١١٠١ - وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قُتلَ غُلامٌ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ
رضيَ اللهُ عنهُ: لَّو اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنعَاءَ ، لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي .
(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قتل غلام غيلة) : بكسر الغين
المعجمة وسكون المثناة التحتية ؛ أي : سراً (فقال عمر رضي الله عنه : لو
اشترك فيه أهل صنعاء ، لقتلتهم به . أخرجه البخاري) : وأخرجه ابن أبي
شيبة من وجه آخر عن نافع : أن عمر قتل سبعة من أهل صنعاء برجل ،
وأخرجه في ((الموطأ)) بسند آخر من حديث ابن المسيب : أن عمر قتل خمسة أو
ستة برجل ؛ قتلوه غيلة ، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء ، لقتلتهم به جميعاً .
وللحديث قصة أخرجها الطحاوي والبيهقي ، عن ابن وهب قال : حدثني
جرير بن حازم : أن المغيرة بن حكيم الصنعاني ، حدثه عن أبيه : أن امرأة
بصنعاء غاب عنها زوجها ، وترك في حجرها ابناً له من غيرها ؛ غلاماً يقال له :
أصيل ، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلاً ، فقالت له : إن هذا الغلام يفضحنا
فاقتله! فأبى ، فامتنعت منه ، فطاوعها ، فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل
آخر والمرأة وخادمها ! فقتلوه ، ثم قطعوا أعضاءه، وجعلوه في عَيْبَة وطرحوه في
٣٥

١١ - کتاب الجنايات
١١٠١ - حديث ابن عمر
ركية في ناحية القرية ، ليس فيها ماء ! وذكر القصة ، وفيها : فأخذ خليلها
فاعترف ، ثم اعترف الباقون ، فكتب يعلى - وهو يومئذ أمير شأنهم - إلى عمر
رضي الله عنه ، فكتب عمر بقتلهم جميعاً. وقال : والله ، لو أن أهل صنعاء
اشتركوا في قتله ، لقتلتهم أجمعين .
وفي هذا دليل أن رأي عمر رضي الله عنه أنه تقتل الجماعة بالواحد ، وظاهره ،
ولو لم يباشره كل واحد ، ولذا قلنا : إن فيه دليلاً لقول مالك والنخعي ، وقول
عمر: لو تمالأ - أي توافق -، دليل على ذلك ، وفي قتل الجماعة بالواحد مذاهب :
الأول : هذا ، وإليه ذهب جماهير فقهاء الأمصار ، وهو مروي عن علي رضي
الله عنه وغيره . وقد أخرج البخاري : عن علي رضي الله عنه في رجلين شهدا على
رجل بالسرقة ، فقطعه علي رضي الله عنه ، ثم أتياه بآخر ، فقالا : هذا الذي سرق ،
وأخطأنا على الأول! فلم يجز شهادتهما على الآخر ، وأغرمهما دية الأول ، وقال :
لو أعلم أنكما تعمدتما ، لقطعتكما . ولا فرق بين القصاص في الأطراف والنفس .
والثاني : للناصر والشافعي وجماعة ، ورواية عن مالك: أنه يختار الورثة.
واحداً من الجماعة ، وفي رواية عن مالك : يقرع بينهم؛ فمن خرجت عليه
القرعة ، قتل ، ويلزم الباقون الحصة من الدية ؛ وحجتهم أن الكفاءة معتبرة ، ولا
تقتل الجماعة بالواحد، كما لا يقتل الحر بالعبد ، وأجيب بأنهم لم يقتلوا لصفة
زائدة في المقتول ؛ بل لأن كل واحد منهم قاتل .
والثالث : لربيعة وداود : أنه لا قصاص على الجماعة ، بل الدية ؛ رعاية
للمماثلة . ولا وجه لتخصيص بعضهم . هذه أقوال العلماء في المسألة .
٣٦

١١ - كتاب الجنايات
١١٠٢ - حديث أبي شريح الخزاعي
والظاهر قول داود ؛ لأنه تعالى أوجب القصاص ؛ وهو المماثلة ، وقد انتفت
هنا ، ثم موجب القصاص هو الجناية التي تزهق الروح بها ، فإن زهقت بمجموع
فعلهم ، فكل فرد ليس بقاتل ، فكيف يقتل عند الجمهور؟! وإنما يصح على قول
النخعي . وإن کان کل واحد قاتلاً بانفراده ، لزم توارد المؤثرات على أثر واحد ؛
والجمهور يمنعونه ، على أنه لا سبيل إلى معرفة أنه مات بفعلهم جميعاً، أو
بفعل بعضهم؛ فإن فرض معرفتنا بأن كل جناية قاتلة بانفرادها ، لم يلزم أنه
مات بكل منها ؛ فلا عبرة بالأسبق ، كما قيل .
وأما حكم عمر رضي الله عنه ففعل صحابي لا تقوم به الحجة . ودعوى أنه
إجماع غير مقبولة ، وإذا لم يجب قتل الجماعة بالواحد ، فإنها تلزمهم دية
واحدة ؛ لأنها عوض عن دم المقتول .
وقيل : تلزم كل واحد؛ ونسب قائله إلى خلاف الإجماع. هذا ما قرّرناه
هنا ، ثم قوي لنا قتل الجماعة بالواحد، وحرّرنا دليله في ((حواشي ضوء النهار))،
وفي ((ذيلنا)) على ((الأبحاث المسدّدة)).
١١٠٢ - وَعَنْ أَبِي شُريح الْخُزَاعِيِّ رضيَ اللهُ تعالى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
الله ◌َ ﴿: (فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هذِهِ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إمّا أَن
يَأْخُذُوا الْعَقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاودَ والنّسائي، وَأَصْلُهُ في
(الصحيحَيْنِ) مِنْ حَديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِعْنَاهُ .
(وعن أبي شريح) : بضم الشين المعجمة وسكون المثناة التحتية ، فحاء
مهملة (الخزاعي رضي الله تعالى عنه): بضم الخاء المعجمة فزاي بعد الألف
٣٧

١١ - كتاب الجنايات
١١٠٢ - حديث أبي شريح الخزاعي
عين مهملة ، واسمه عمرو بن خويلد ، وقيل غيره (قال : قال رسول الله
((مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالتي هذِهِ ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خيرَتَيْنِ) : بالخاء المعجمة
فراء ؛ تثنية خيرة ، بينهما بقوله : (إمّا أَنْ يأخُذُوا العقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا)). أخرجه أبو
داود والنسائي، وأصله في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة بمعناه).
أصل الحديث أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم في أثناء كلامه : «ثم إنكم
معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل ، وإني عاقله ، فمن قتل له ...
الحديث))، وتقدم حديث أبي شريح فيه التخيير بين إحدى ثلاث ولا منافاة .
قال في ((الهدي النبوي)) : إن الواجب أحد الشيئين ؛ إما القصاص أو الدية ،
والخيرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء : العفو مجاناً ، أو العفو إلى الدية ، أو
القصاص ، ولا خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة ، والرابعة المصالحة إلى أكثر
من الدية ، وفيه وجهان :
أحدهما : أشهرهما مذهباً؛ أي : للحنابلة جوازه .
الثاني : ليس له العفو على مال إلا الدية ، أو دونها ، وهذا أرجح دليلاً.
فإن اختار الدية سقط القود ، ولم يملك طلبه بعد ، وهذا مذهب الشافعي
وإحدى الروايتين عن مالك . وتقدم القول الثاني : أن موجبه القود عيناً ، وليس
له العفو إلى الدية إلا برضا الجاني ، وتقدم المختار.
٣٨

١١ - كتاب الجنايات
١ - باب الدیات
١١٠٣ - حديث عمرو بن حزم
١ - باب الدیات
الديات؛ بتخفيف المثناة التحتية ، جمع دية ، كعِدَات جمع عِدَة ، أصل دية
ودية ؛ بكسر الواو مصدر ودى القتيل يديه ، إذا أعطى وليه ديته ؛ حذفت فاء
الكلمة وعوّضت عنها تاء التأنيث ، كما في عدة، وهي اسم لأعم مما فيه
القصاص ، وما لا قصاص فيه .
١١٠٣ - عَنْ أَبِي بَكْر بْنِ محمّد بْنِ عَمْرو بْنِ حَزْمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ؛
رَضِيَ اللهُ تعالى عنهُمْ: أَنَّ النّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ كَتَبَ إلى أَهْلٍ
الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ -؛ وَفِيهِ: ((أَنَّ مَن اعْتَبَطَ مُؤْمِناً قَتْلاً عَنْ بَيِّنَةٍ ، فإِنه
قَوَدٌ ، إلا أَنّ يَرْضِى أَولِياءُ المَفْتُولِ ، وإنَّ فِي النّفْسِ الدِّيَةَ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ ، وفي
الأنْفِ إذا أُوْعِبَ جَدْعُهُ الدَِّةُ، وفي العَيْنَيْنِ الدِّيَّةُ ، وفي اللِّسَان الدِّيَّةُ، وفي
الشّفَتَيْنِ الدِّيَّةُ ، وفي الذَّكَر الدِّيّةُ ، وفي البَيْضَتَيْنِ الدِّيّةُ ، وفي الصلْبِ
الدِّيَّةُ، وفي الرَّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وفي الْأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَّةِ ، وفي
الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَّةِ ، وفي المُنَقَِّةِ خَمْسَ عَشْرَةَ منَ الإِلِ ، وفي كُلِّ إصْبَعِ مِنْ
أَصَابِعِ الْيَدِ والرَّجْلِ عَشِرٌ مِنَ الإِبِلِ ، وفي السِّنَّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ ، وَفي
الموضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وإن الرَّجُلَ يُقْتَل بالمرْأَةِ ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ
دينار)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في ((الَرَاسيلٍ)) ، وَالنسائي وابْنُ خُزَيْمَةَ وابنُ الجارودِ
وابْن حِبّانَ وَأَحْمَدُ ، وَاخْتَلَفُوا في صِحّتِهِ .
(عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم): بالحاء المهملة مفتوحة
وسكون الزاي ، وهو تابعي ولِيَ القضاء في المدينة لعمر بن عبد العزيز ، اسمه
٣٩

١١ - كتاب الجنايات
١ - باب الديات
١١٠٣ - حديث عمرو بن حزم
كنيته (عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهم) : عمرو بن حزم (أن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى أهل اليمن - فذكر الحديث -) : أوله ((من
محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحارث بن
عبد كلال قَيْل ذي رعين. أما بعد))، إلى آخر ما هنا (وفيه: ((أَنَّ مَن اعْتَبَطَ) :
بالعين المهملة بعدها مثناة فوقية ، ثم موحدة آخرها طاء مهملة ؛ أي : من قتل
قتيلاً بلا جناية منه ، ولا جريرة توجب قتله (مُؤْمِناً قَتْلاً عَنْ بِينَة ، فإنه قَوَدٌ ،
إلا أَنْ يَرْضِى أَوْلِياءُ الْمَقْتُول) : فيه دليل على أنهم مخيرون كما قررناه .
(وإنَّ في النّفس الدِّيّة مِائةً مِنَ الإبِلِ) : بدل من الدية (وفي الأَنْفِ إِذَا
أوعِبَ) : بضم الهمزة وسكون والواو وكسر العين المهملة فموحدة (جَدْعُهُ) :
أي : قطع جميعه (الدِّيَّةُ، وفي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وفي اللسَانِ الدِّيَةُ) : إذا قطع
من أصله ، أو ما يمنع منه الكلام. (وفي الشّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وفي الذكَرِ الدِّيَةُ) :
إذا قطع من أصله .
(وفي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَّةُ، وفي الصَّلْبِ الدِّيَّةُ ، وفي الرَّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ
الدِّيَّةِ) : إذا قطعت من مفصل الساق .
(وفي الْمأمُومَةِ) : هي الجناية التي بلغت أم الرأس ؛ وهي الدماغ ، أو الجلدة
الرقيقة عليها (ثُلُثُ الدِّيَةِ، وفي الْجَائِفَةِ): قال في ((القاموس)): هي الطعنة
تبلغ الجوف ، ومثله في غيره : (ثُلُثُ الدِّيّةِ) .
(وفي المنَقِّلَةِ) : اسم فاعل من نقل مشدد القاف ، وهي التي تخرج منها
صغار العظام ، وتنتقل من أماكنها ، وقيل : التي تنقل العظم ؛ أي : تكسره
٤٠