النص المفهرس
صفحات 601-620
١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٠ - حديث أبي هريرة لأجل المواساة ؛ ولذا تجب مع غنى الزوجة ، ولإجماع الصحابة على عدم سقوطها . فإن تم الإجماع ؛ فلا التفات إلى خلاف من خالف بعده ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)) . فمهما كانت الزوجة مطيعة ؛ فهذا الحق الذي لها ثابت . وأخرج الشافعي بإسناد جيد عن عمر رضي الله عنه: أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم ، فأمرهم أن يأمروهم بأن ينفقوا ، أو يطلقوا ؛ فإن طلقوا ، بعثوا بنفقة ما حبسوا . وصححه الحافظ أبو حاتم الرازي ، ذكره ابن كثير في ((الإرشاد)» . ١٠٧٠ - وعن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ ، ولا يُكَلَفُ منَ الْعَمَلِ إلا مَا يُطِيقُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((للمملوك): والمملوكة ، على السيد (طعامه وكسوته ، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق)). رواه مسلم) . الحديث دليل على ما هو مجمع عليه من وجوب نفقة المملوك وكسوته ؛ وظاهره مطلق الطعام والكسوة ؛ فلا يجبان من عين ما يأكله السيد ويلبسه . وحديث مسلم بالأمر بإطعامهم مما يطعم ، وكسوتهم مما يلبس ، محمول على الندب ، ولولا ما قيل من الإجماع على هذا، لاحتمل أن هذا يقيد مطلق حديث الكتاب ، ودل على أنه لا يكلفه السيد من الأعمال إلا ما يطيقه ، وهذا مجمع عليه أيضاً . ٦٠١ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧١ و١٠٧٢ - حديثا معاوية بن حيدة وجابر ١٠٧١ - وعن حَكيم بن مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبيه قالَ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! مَا حَقُّ زَوْجَة أَحَدَنَّا عَلَيْه؟ قال: ((أَنْ تُطْعِمَهَا، إذا طَعمْتَ، وَتَكْسُوَهَا، إِذا اْتَسَيْتَ)). الْحَدِيثَ، وَتَقَدّمَ في عِشْرَةِ النِّسَاءِ. (وَعَنْ حَكِيمِ بنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ) : معاوية بن حيدة (قال : قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ! مَا حَقُّ زَوْجَةٍ أَحَدِنَا عَلَّيْهِ؟ قال: ((أَنْ تُطْعِمَهَا، إذا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَاَ، إذا اكْتَسَيْتَ)). الْحَديثَ، وَتَقَدّمَ في عِشْرَةِ النِّسَاءِ) : بتمامه ؛ ونسبه إلى أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه ، وأنه علق البخاري بعضه ، وصححه ابن حبان والحاكم ، وتقدم الكلام عليه . ١٠٧٢ - وعن جَابِرِ رَضي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النّبيِّ:﴿ِ - في حَديثٍ الْحَجِّ بطُولِهِ - قَالَ في ذكْر النِّسَاءِ: ((وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوتهُنَّ بالمعْروفِ)) . أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ . (وعن جَابِرٍ رَضِي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴿ِ - فِي حَديثِ الْحَجِّ بِطُولِهِ - قَالَ في ذكْرِ النِّسَاءِ: ((وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوتهُنَّ بالمعْروفِ)) . أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ) . وهو دليل على وجوب النفقة والكسوة للزوجة ، كما دلت له الآية ، وهو مجمع عليه ، وقد تقدم تحقيقه . وقوله: ((بالمعروف))، إعلام بأنه لا يجب إلا ما تعورف من إنفاق ؛ كلٌّ على قدر حاله ، كما قال تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧]. ٦٠٢ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٢ - حديث جابر ثم الواجب لها طعام مصنوع ؛ لأنه الذي يصدق عليه أنه نفقة ، ولا تجب القيمة إلا برضا من يجب عليه الإنفاق . وقد طول ذلك ابن القيم في ((الهدي النبوي)) واختاره ؛ وهو الحق ؛ فإنه قال ما لفظه : وأمّا فرض الدراهم ، فلا أصل له في كتاب الله تعالى ، ولا سنّة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ، ولا عن أحد من الصحابة ألبتة ، ولا التابعين ، ولا تابعيهم ، ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة ، ولا غيرهم من أئمة الإسلام . والله تعالى أوجب نفقة الأقارب والزوجات والرقيق بالمعروف ؛ وليس من المعروف فرض الدراهم ؛ بل المعروف الذي نص عليه الشرع ، أن يكسوهم مما يلبس ، ويطعمهم مما يأكل . وليست الدراهم من الواجب ، ولا عوضه ، ولا يصح الاعتياض عما لم يستقر، ولم يملك ؛ فإن نفقة الأقارب والزوجات إنما تجب يوماً فيوماً ، ولو كانت مستقرة ، لم تصح المعاوضة عنها بغير رضا الزوج والقريب ؛ فإن الدراهم تجعل عوضاً عن الواجب الأصلي ، وهو إما البرُّ عند الشافعي ، أو المقتات عند الجمهور . فكيف يجبر على المعاوضة على ذلك بدراهم من غير رضاً ، ولا إجبار الشرع له علی ذلك؟ فهذا مخالف لقواعد الشرع ، ونصوص الأئمة ، ومصالح العباد؛ ولكن إن اتفق المنفق والمنفق عليه ، جاز باتفاقهما ، على أن في اعتياض الزوجة عن النفقة الواجبة لها نزاعاً معروفاً في مذهب الشافعي وغيره . ٦٠٣ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٣ و١٠٧٤ - حديثا ابن عمر وجابر ١٠٧٣ - وعن عَبْد الله بن عُمَرَ رَضي الله عَنْهمَا قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َانِ: (كَفَى بالَرْء إثماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ)). رَوَاهُ النّسَائِيُّ، وهو عِنْدَ مُسْلم بِلَفْظ: ((أَنْ يَحْبِسَ عَمّنْ يْلِكُ قُوتَهُ)) . (وعن عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضي الله عَنْهِمَا قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَ ◌ّهِ: («كَفَى بالَرْء إثماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ)). رَوَاهُ النِّسَائِيُّ، وهو عِنْدَ مُسْلَمْ بِلَفْظ: ((أَنْ يَحْبِسَ عَمّنْ يُمْلِكُ قُوتَهُ))) . الحديث دليل على وجوب النفقة على الإنسان لمن يقوته ؛ فإنه لا يكون آثماً إلا على تركه لما يجب عليه ، وقد بولغ هنا في إثمه ؛ بأن جعل ذلك الإثم كافياً في هلاكه عن كل إثم سواه ، والذين يقوتهم ويملك قوتهم هم الذين يجب عليه الإنفاق عليهم ، وهم أهله وأولاده وعبيده ، على ما سلف تفصيله ؛ ولفظ مسلم خاص بقوت المماليك ، ولفظ النسائي عام . ١٠٧٤ - وعن جابر يَرْفَعُهُ - في الْحَامِلِ الْمُتَوَّنّى عَنْهَا زَوْجُهَا - قَالَ: ((لا نَفَقَةً لَهَا». أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، ورجالُهُ ثقَات، لكِنْ قَالَ: الْمَحْفُوظُ وَقْفُهُ، وَثَبَتَ نَفْيُ النّفَقَةِ فِي حَديثِ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيْس رضيَ الله عنها كما تَقَدَم . رَوَاهُ مُسْلمٌ . (وعن جابر يَرْفَعُهُ - في الْحَامِلِ الْمُتَوَفِّى عَنْهَا زَوْجُهَا - قَالَ: ((لا نَفَقَةَ لَهَا» .. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، ورجالُهُ ثقَاتٍ، لَكِنْ قَالَ: الْمَحْفُوظُ وَقْفُهُ ، وَثَبَتَ نَفْيُ النَّفَقَّةِ في حَديثِ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيْس رضيَ الله عنها كما تَقَدّم . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وتقدم أنه في حق المطلقة بائناً ، وأنه لا نفقة لها ، وتقدم الكلام فيه ، ٦٠٤ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٤ - حديث جابر والكلام هنا في نفقة المتوفى عنها زوجها ، وهذه المسألة فيها خلاف : ذهب جماعة من العلماء إلى أنها لا تجب النفقة للمتوفى عنها ، سواء كانت حاملاً ، أو حائلاً . أما الأولى ، فلهذا النص ، وأمّا الثانية ، فبطريق الأولى ، وإلى هذا ذهبت الشافعية والحنفية ؛ والمؤيد لهذا ، الحديث ، ولأن الأصل براءة الذمة . ووجوب التربص أربعة أشهر وعشراً، لا يوجب النفقة ، وذهب آخرون منهم الهادي إلى وجوب النفقة لها ، مستدلين بقوله: ﴿متاعاً إلى الحول﴾ [البقرة: ٢٤٠] . قالوا : ونسخ المدة من الآية لا يوجب نسخ النفقة ، ولأنها محبوسة بسببه ؛ فتجب نفقتها . وأجيب بأنها كانت تجب النفقة بالوصية ، كما دلَّ لها قوله تعالى : ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول﴾ [البقرة: ٢٤٠] فنسخت الوصية بالمتاع ، إما بقوله تعالى : ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وإما بآية المواريث، وإما بقوله عَلخليةٍ: ((لا وصية لوارث)). وأما قوله تعالى: ﴿فأنفقوا عليهن حتّى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٦]، فإنها واردة في المطلقات؛ فلا تتناول المتوفى عنها، وفي (سنن أبي داود)) من حديث ابن عباس : أنها نسخت آية : ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً ے وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول﴾ [البقرة: ٢٣٤] بآية الميراث؛ بما فرض الله لهن من الربع والثمن ؛ ونسخ أجل الحول ، بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشراً . ٦٠٥ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٥ - حديث أبي هريرة وأما ذكر المصنف حديث فاطمة بنت قيس ، فكأنه يريد أن البائن ، والمتوفى عنها ، حكمهما واحد ؛ بجامع البينونة والحل للغير . ١٠٧٥ - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلِى، وَبَبْدَأُ أَحَدُكُمْ بمِنْ يَعولُ؛ تَقُولُ الَرَّةُ: أَطْعِمْني ، أو طَلِّقْني)). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َاةٍ: «اليد الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السّفْلى) : تقدم تفسيرهما (ويبدأ): أي: في البر والإحسان (أَحَدُكُمْ مِنْ يُعُولُ؛ تقُولُ الْمَرْأَةُ: أَطْعِمْني ، أو طَلِّقْني)) . رواه الدارقطني، وإسناده حسن) . أخرجه من طريق عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة ، إلا أن في حفظ عاصم شيئاً . وأخرجه البخاري موقوفاً على أبي هريرة ، وفي رواية الإسماعيلي : قالوا : يا أبا هريرة! شيء تقوله عن رأيك ، أو عن قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم؟ قال : هذا من كيسي ؛ إشارة إلى أنه من استنباطه ؛ هكذا قاله الناظرون في الأحاديث . والذي يظهر - بل ويتعين - أن أبا هريرة لما قال لهم : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم قالوا : هذا شيء تقوله عن رأيك ، أو عن رسول الله صلى ٦٠٦ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٥ - حديث أبي هريرة الله عليه وآله وسلم؟ أجاب بقوله : من كيسي ؛ جواب المتهكم بهم ، لا مخبراً أنه لم یکن عن رسول الله وكيف يصح حمل قوله من كيس أبي هريرة على أنه أراد به الحقيقة . وقد قال: قال رسول الله عَ ل؛ فينسب استنباطه إلى قول رسول الله ح الية: وهل هذا إلا كذب منه على رسول الله ﴾؟ وحاشا أبا هريرة من ذلك؛ فهو من رواة حديث: ((من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار)). فالقرائن واضحة أنه لم يرد أبو هريرة إلا التهكم بالسائل ؛ ولذا قلنا : إنه يتعين أن هذا مراده . والذي أتى به المصنف من الرواية بعض حديثه ، على أنه قد فسر قوله : من كيس أبي هريرة ؛ أي : من حفظه ، وعبر عنه بالكيس إشارة إلى ما في ((صحيح البخاري)) وغيره من أنه بسط ثوبه، أو نمرة كانت عليه، فأملاه رسول الله عَ ليه حديثاً كثيراً، ثم لفه فلم ينس منه شيئاً، كأنه يقول : ذلك الثوب صار كيساً . وأشرنا لك إلى أنه لم يأت المصنف بحديث أبي هريرة تاماً ، وتمامه في البخاري: ((ويقول العبد: أطعمني واستعملني))، وفي رواية الإسماعيلي ((ويقول خادمك: أطعمني وإلا بعني، ويقول الابن: إلى من تدعني؟!)). والكل دليل على وجوب الإنفاق على من ذكر: من الزوجة والمملوك والولد ، وقد تقدم ذلك ، ودلَّ على أنه يجب نفقة العبد ، وإلا وجب بيعه ، وإيجاب نفقة الولد على أبيه ، وإن كان كبيراً . ٦٠٧ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٦ - حديث سعيد بن المسيب قال ابن المنذر: اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد ، ولا مال له ، ولا كسب ؛ فأوجب طائفة النفقة لجميع الأولاد ؛ أطفالاً كانوا ، أو بالغين ، إناثاً أو ذكراناً ، إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن الآباء . وذهب الجمهور إلى أن الواجب الإنفاق عليه إلى أن يبلغ الذكر ، وتتزوج الأنثى ، ثم لا نفقة على الأب إلا إذا كانوا زمنىًّ؛ فإن كانت لهم أموال ، فلا وجوب على الأب ؛ واستدل به على أن للزوجة إذا أعسر زوجها بنفقتها طلب الفراق ؛ ويدل له قوله : ١٠٧٦ - وعن سَعِيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ - في الرَّجُلِ لا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلى أَهْلِهِ . قَالَ: ((يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا)). أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزَّنَادِ عَنْهُ ، قالَ : قُلْتُ لسَعيد بن المسيب: سُنّةٌ؟ فَقَالَ: سُنّةٌ . وهذا مُرْسَلٌ قَويٌّ . (وعن سَعِيدٍ بِنِ الْمُسَيِّبِ - في الرَّجُلٍ لا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ - قَالَ : (يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا)). أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزَّنَادِ عَنْهُ، قالَ: قُلْتُ لِسَعيد بن المسيب: سُنّةٌ؟ فَقَالَ: سُنّةٌ. وهذا مُرْسَلٌ قَويٌّ) : ومراسيل سعيد معمول بها ، لما عرف من أنه لا يرسل إلا عن ثقة . قال الشافعي : والذي يشبه أن يكون قول سعيد : سنة ؛ سنة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم . وأما قول ابن حزم : لعله أراد سنّة عمر ، فإنه خلاف الظاهر ، وكيف يقول له السائل : سنة؟ ويريد سؤاله عن سنّة عمر؟! ٦٠٨ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٦ - حديث سعيد بن المسيب هذا مما لا ينبغي حمل الكلام عليه ، وهل سأل السائل إلا عن سنة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم؟! وإنما قال جماعة : إنه إذا قال الراوي : من السنة كذا ؛ فإنه يحتمل أن يريد سنة الخلفاء ، وأمّا بعد سؤال الراوي ، فلا يريد السائل ، إلا سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يجيب المجيب إلا عنها ، لا عن سنّة غيره ؛ لأنه إنما سأل عما هو حجة ؛ وهو سنته ﴾ . وقد أخرج الدارقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ : قال رسول الله :﴿ ﴿ - في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته -، قال: ((يفرّق بينهما)». وأما دعوى المصنف أنه وهم الدارقطني فيه ، وتبعه البيهقي على الوهم ، فهو غير صحيح ، وقد حققناه في ((حواشي ضوء النهار)). وسيأتي كتاب عمر إلى أمراء الأجناد في أنهم يأخذون على من عندهم من الأجناد أن ينفقوا ، أو يطلقوا . وقد اختلف العلماء في هذا الحكم ، وهو فسخ الزوجية عند إعسار الزوج ، على أقوال : الأول : ثبوت الفسخ ، وهو مذهب علي وعمر وأبي هريرة ، وجماعة من التابعين ، ومن الفقهاء مالك والشافعي وأحمد ، وبه قال أهل الظاهر ، مستدلين بما ذكر ، وبحديث : ((لا ضرر ولا ضرار)). تقدم تخريجه . وبأن النفقة في مقابل الاستمتاع ؛ بدليل أن الناشز لا نفقة لها عند الجمهور؛ فإذا لم تجب النفقة ؛ سقط الاستمتاع ، فوجب الخيار للزوجة ، وبأنهم قد أوجبوا ٦٠٩ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٦ - حديث سعيد بن المسيب على السيد بيع مملوكه ؛ إذا عجز عن إنفاقه ، فإيجاب فراق الزوجة أولى ؛ لأن كَسْبها ليس مستحقاً للزوج ، کاستحقاق السيد لكسب عبده . وبأنه قد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على الفسخ بالعِنّة ؛ والضرر الواقع من العجز عن النفقة ، أعظم من الضرر الواقع بكون الزوج عنيناً ، وبأنه تعالى قال : ﴿ولا تضاروهن﴾ [الطلاق: ٦]، وقال: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وأي إمساك بمعروف وأي ضرر أشد من تركها بغير نفقة . والثاني : ما ذهب إليه الهادوية والحنفية - وهو قول للشافعي -: أنه لا فسخ بالإعسار عن النفقة ، مستدلين بقوله تعالى : ﴿ومن قُدِرَ علیه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ [الطلاق : ٧]. قالوا : وإذا لم يكلفه الله النفقة في هذه الحال ، فقد ترك ما لا يجب عليه ، ولا يأثم بتركه ؛ فلا يكون سبباً للتفريق بينه وبين سكنه ، وبأنه قد ثبت في ((صحيح مسلم)) أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما طلب أزواجه منه النفقة ، قام أبو بكر وعمر إلى عائشة وحفصة فوجاً أعناقهما ، وكلاهما يقول : تسألن رسول الله ◌َةٍ ما ليس عنده؟ !... الحديث. قالوا : فهذا أبو بكر وعمر يضربان بنتيهما بحضرته صلى الله عليه وآله وسلم لما سألتاه النفقة التي لا يجدها . فلو كان الفخ لهما، وهما طالبتان للحق؛ لم يقرّ النبي ◌َ﴿ الشيخين على ما فعلا . ٦١٠ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٦ - حديث سعيد بن المسيب ولبين أن لهما أن تطالبا مع الإعسار ، حتّى تثبت على تقدير ذلك المطالبة بالفسخ . ولأنه كان في الصحابة المعسر - بلا ريب -، ولم يخبر النبي ◌َ ◌ّ﴾ أحداً منهم بأن للزوجة الفسخ ، ولا فسخ أحد . قالوا : ولأنها لو مرضت الزوجة وطال مرضها، حتّى تَعَذَّرَ على الزوج جماعها ؛ لوجبت نفقتها ، ولم يمكن من الفسخ ؛ وكذلك الزوج ؛ فدل أن الإنفاق ليس في مقابلة الاستمتاع كما قلتم . وأما حديث أبي هريرة ؛ فقد بين أنه من كيسه ، وحديثه الآخر ، لعله مثله ، وحديث سعيد مرسل . وأجيب بأن الآية : إنما دلت على سقوط الوجوب عن الزوج ، وبه نقول . وأما الفسخ فهو حق للمرأة تطالب به ، وبأن قصة أزواجه تَ ﴿﴿ وضرب أبي بكر وعمر إلى آخر ما ذكرتم، هي كالآية؛ دلت على عدم الوجوب عليه وَخلية ، وليس فيه أنهنَّ سألن الطلاق، أو الفسخ ، ومعلوم أنهنَّ لا يسمحن بفراقه ؛ فإن الله تعالى قد خيرهنَّ فاخترن رسول الله ◌َ الله والدار الآخرة؛ فلا دليل فى القصة . وأما إقراره لأبي بكر وعمر على ضربهما ، فلما علم من أن للآباء تأديب الأبناء إذا أتوا ما لا ينبغي ، ومعلوم أنه ◌َ﴿﴿ لا يفرط فيما يجب عليه من الإنفاق ، فلعلهنّ طلبن زيادة على ذلك ، فتخرج القصة عن محل النزاع بالكلية . وأما المعسرون من الصحابة ؛ فلم يعلم أن امرأة طلبت الفسخ ، أو الطلاق ٦١١ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٦ - حديث سعيد بن المسيب الإعسار الزوج بالنفقة ومنعها عن ذلك ، حتّى تكون حجة ؛ بل كان نساء الصحابة كرجالهن ؛ يصبرن على ضنك العيش وتعسره ، كما قال مالك : إن نساء الصحابة كن يردن الآخرة ، وما عند الله تعالى ، ولم يكن مرادهن الدنيا ، فلم يكن يبالين بعسر أزواجهنّ ، وأما نساء اليوم ؛ فإنَّما يتزوجن رجاء الدنيا من الأزواج ، والنفقة والكسوة . وأما حديث ابن المسيب ؛ فقد عرفت أنه من مراسيله ، وأئمة العلم يختارون العمل بها - كما سلف -؛ فهو موافق لحديث أبي هريرة المرفوع الذي عاضده مرسل سعید . ولو فرض سقوط حديث أبي هريرة ، ففيما ذكرناه غنية عنه . والقول الثالث : أنه يحبس الزوج إذا أعسر بالنفقة ، حتّى يجد ما ينفق - وهو قول العنبري -، وقالت الهادوية : يحبس للتكسب . والقولان مشكلان؛ لأن الواجب إنما هو الغداء في وقته ، والعشاء في وقته ؛ فهو واجب في وقته ؛ فالحبس إن كان في خلال وجوب الواجب ، فهو مانع عنه ؛ فيعود على الغرض المراد بالنقض ، وإن كان قبله ؛ فلا وجوب ، فکیف یحبس لغير واجب؟! وإن كان بعده ، صار كالدين ، ولا يحبس له مع ظهور الإعسار اتفاقاً . وفي هذه المسألة : قال محمد بن داود لامرأة سألته عن إعسار زوجها؟ فقال : ذهب ناس إلى أنه يكلف السعي والاكتساب ، وذهب قوم إلى أنها تؤمر المرأة بالصبر والاحتساب . فلم تفهم منه الجواب ، فأعادت السؤال - وهو يجيبها - ٦١٢ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٦ - حديث سعيد بن المسيب ثم قال : يا هذه! قد أجبتك ولست قاضياً فأقضى ، ولا سلطاناً فأمضي ، ولا زوجاً فأرضي . وظاهر كلامه الوقف في هذه المسألة ؛ فيكون قولاً رابعاً . القول الخامس : أن الزوجة إن كانت موسرة وزوجها معسر ، كلفت الإنفاق على زوجها ، ولا ترجع عليه إذا أيسر ؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ وهو قول أبي محمد بن حزم. ورد بأن الآية سياقها في نفقة المولود الصغير؛ ولعله لا يرى التخصيص بالسياق . القول السادس : لابن القيم ، وهو أن المرأة إذا تزوّجت عالمة بإعساره ، أو كان موسراً ، ثم أصابته جائحة ، فإنه لا فسخ لها ، وإلا كان لها الفسخ ؛ وكأنه جعل علمها رضاً بعسرته ، ولكن حيث كان موسراً عند تزوّجه ، ثم أعسر للجائحة ، لا يظهر وجه عدم ثبوت الفسخ لها . وإذا عرفت هذه الأقوال عرفت أن أقواها دليلاً، وأكثرها قائلاً هو القول الأوّل . وقد اختلف القائلون بالفسخ في تأجيله بالنفقة ، فقال مالك : يؤجل شهراً ، وقال الشافعي : ثلاثة أيام ، وقال حماد : سنة ، وقيل : شهراً ، أو شهرين . قلت : ولا دليل على التعيين ؛ بل ما يحصل به التضرر الذي يعلم ، ومن قال إنه يجب عليه التطليق ، قال : ترافعه الزوجة إلى الحاكم ؛ لينفق ، أو يطلق . ٦١٣ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٧ و١٠٧٨ - حديثا عمر وأبي هريرة وعلى القول بأنه فسخ : ترافعه إلى الحاكم ، ليثبت الإعسار، ثم تفسخ هي ، وقيل : ترافعه إلى الحاكم ؛ ليجبره على الطلاق ، أو يفسخ عليه ، أو يأذن لها في الفسخ . فإن فسخ ، أو أذن في الفسخ ، فهو فسخ لا طلاق ، ولا رجعة له - وإن أيسر في العدّة -؛ فإن طلق ، كان طلاقاً رجعياً له فيه الرجعة . ١٠٧٧ - وعن عُمَرَ رَضي اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَتَبَ إلى أُمَرَاءِ الأجْنَادِ في رِجَالِ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ: أَن يَأْخُذُوهُمْ بِأَن يُنْفِقُوا، أو يُطَلَّقُوا؛ فإن طَلَّقُوا ، بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا. أَخْرَجَه الشّافِعِيُّ ثم الْبَيْهَقِيُّ بإسْنَادٍ حَسَنٍ . (وعن عُمَرَ رَضي اللهُ عَنْهُ ، أَنّهُ كَتَبَ إلى أُمَرَاءِ الأجْنَادِ في رجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ: أَن يَأْخُذُوهُمْ بأَن يُنْفِقُوا، أو يُطَلَّقُوا؛ فإن طَلَقُوا، بَعَثُوا بِنَفَّقَةٍ مَا حَبَسُوا. أَخْرَجَه الشّافِعِيِّ ثم الْبَيْهَقِيُّ بإسْنَادٍ حَسَنِ) . تقدم تحقيق وجه هذا الرأي من عمر ، وأنه دليل على أن النفقة عنده لا تسقط بالمطل في حق الزوجة ، وعلى أنه يجب أحد الأمرين على الأزواج : الإنفاق ، أو الطلاق . ١٠٧٨ - وعن أَبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رجلٌ إلى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! عِنْدِي دينَارٌ؟ قَالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ)، قَالَ: عِنْدي آَخَرُ؟ قالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك)) ، قَالَ: عِنْدِي آَخَرُ؟ قَالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ»، قَالَ: عِنْدِي أَخَرُ؟ قالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلى خَادِمِكَ))، قَالَ: عِنْدِي أَخَرُ؟ قالَ: ((أَنْتَ أَعْلَمُ)). أَخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوَدَ - واللّفْظُ لَهُ .. ، وَأَخْرَجَه ٦١٤ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٨ - حديث أبي هريرة النّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَلَدِ . (وعن أَبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رجلٌ إلى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّه! عنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ))، قَالَ: عِنْدي آخَرُ؟ قالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك))، قَالَ: عِنْدِي آَخَرُ؟ قَالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ))، قَالَ : عنْدي آَخَرُ؟ قالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلى خَادِمكَ)) ، قَالَ: عِنْدي آخَرُ؟ قالَ: ((أَنْتَ أَعْلَمُ)). أَخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوَدَ - واللّفْظُ لَهُ -، وَأَخْرَجَه النّسَائِيُّ وَالَحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَلَدِ) . وفي ((صحيح مسلم)) من رواية جابر، تقديم الزوجة على الولد من غير تردد . وقال المصنف : قال ابن حزم : اختلف على يحيى القطان والثوري ؛ فقدم يحيى الزوجة على الولد ، وقدم سفيان الولد على الزوجة ؛ فينبغي أن لا يقدم أحدهما على الآخر؛ بل يكونان سواء ؛ لأنه قد صح أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا تكلم ، تكلم ثلاثاً؛ فيحتمل أن يكون في إعادته قدم الولد مرة ، ومرة قدم الزوجة ، فصارا سواء . قلت : هذا حمل بعيد ؛ فليس تكريره صلى الله عليه وآله وسلم لما يقوله ثلاثاً بمطرد ؛ بل عدم التكرير غالب ؛ وإنما يكرر، إذا لم يفهم عنه ، ومثل هذا الحديث جواب سؤال لا يجري فيه التكرير ؛ لعدم الحاجة إليه لفهم السائل للجواب . ثم رواية جابر التي لا تردّد فيها تقوّي رواية تقديم الأهل . والحديث قد تقدم ، وفيه حث على إنفاق الإنسان ما عنده ، وأنه لا يدخر؛ لأنه قال له في الآخر - بعد كفايته وكفاية من يجب عليه -: ((أنت أعلم))، ولم ٦١٥ ١٠ - كتاب الرجعة ٥ - باب النفقات ١٠٧٩ - حديث معاوية بن حيدة يقل : ادّخر لحاجتك ، وإن كانت هذه العبارة ، تحتمل ذلك . ١٠٧٩ - وعن بَهْز بنِ حَكِيم عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رسول الله ! مِنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: (أُمَّكَ))، قُلْتُ: ثَّ مَنْ؟ قَالَ: (أُمَّكَ))، قُلْتُ: ثم مَنْ؟ قَالَ: (أُمَّكَ))، قُلْتُ: ثم مَنْ؟ قَالَ: ((أَبَاك، ثم الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذيُ ، وَحَسَنَهُ . (وَعَنْ بَهْز) : بفتح الموحدة وسكون الهاء فزاي (ابنِ حَكيم عَنْ أَبِيهِ) : حكيم (عَنْ جَدٍِّ) : معاوية بن حيدة القشيري، صحابي تقدم ضبطه (قَالَ : قُلْتُ: يَا رسول الله! منْ أَبَرُ؟ قَالَ: ((أُمَّكَ))، قُلْتُ: ثم مَنْ؟ قالَ: ((أُمَّكَ))، قلْتُ: ثم مَنْ؟ قَالَ: ((أُمَّكَ))، قُلْتُ: ثم مَنْ؟ قَالَ: ((أَبَاك، ثم الأقْرَبَ فَالأْرَبَ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ ، وَحَسّنَهُ) . وأخرجه الحاكم ، وتقدم الكلام عليه ، وأنه يقتضي تقديم الأم بالبر وأحقيتها به علی الأب . ٠٠ ٠ ٠٠ ٠ ٠ے ٠ ٠٠ ٠ ٦١٦ ١٠ - كتاب الرجعة ٦ - باب الحضانة ١٠٨٠ - حديث عبد الله بن عمرو ٦ - بابُ الحِضَانة بكسر الحاء المهملة ، مصدر من حضن الصبي حضناً وحضانة ؛ جعله في حضنه ، أو رباه فاحتضنه ، والحضن؛ بكسر الحاء هو ما دون الإبط إلى الكشح والصدر، أو العضدان ، وما بينهما وجانب الشيء، أو ناحيته؛ كما في ((القاموس)). وفي الشرع : حفظ من لا يستقل بأمره ، وتربيته ووقايته عما يهلكه ، أو يضره . ١٠٨٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرو: أَنَّ امرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إنّ ابْني هذا كَانَ بَطْنِي لَهُ وعَاءٌ، وَثَّدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً ، وإن أَبَاهُ طَلّقَني ، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي؟ فقال لهَا رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((أنْتِ أَحَقُ بِهِ ، مَا لَمْ تَنْكِحِي)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاود، وَصَحّحَهُ الحاكِمُ . (عن عبد الله بن عمرو) : بفتح المهملة ، ووقع بضمها في نسخة ! وهو غلط (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاءَ): بكسر الواو والمدّـ وقد يضم -، ويقال: الإعاء؛ الظرف كما في ((القاموس)) (وثديي له سقاءً): هو ككساء؛ جلد السخلة إذا أجذع؛ يكون للماء واللبن ؛ كما فيه أيضاً (وحجْري): بحاء مهملة مثلثة فجيم فراء ، حضن الإنسان (له حِوَاءَ) : بحاءٍ مهملة ؛ بزنة كساء أيضاً؛ اسم المكان الذي يحوي الشيء ؛ أي : يضمه ويجمعه (وإنَّ أباهُ طَلَّقَني، وأراد أنْ يَنْزِعَهُ مني؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنْتِ أَحَقُّ بهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي)). رواه أحمد وأبو داود ، وصححه الحاكم) . ٦١٧ ١٠ - كتاب الرجعة ٦ - باب الحضانة ١٠٨٠ - حديث عبد الله بن عمرو ٠ الحديث دليل على أن الأم أحق بحضانة ولدها ، إذا أراد الأب انتزاعه منها . وقد ذكرت هذه المرأة صفات اختصت بها ، تقتضي استحقاقها وأولويتها بحضانة ولدها ، وأقرّها صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك وحكم لها . ففيه تنبيه على المعنى المقتضي للحكم ، وأن العلل والمعاني المعتبرة في إثبات الأحكام مستقرّة في الفطر السليمة . والحکم الذي دلَّ علیه الحدیث لا خلاف فيه ، وقضی به أبو بكر ، ثم عمر ، وقال ابن عباس : ريحها وفراشها وحرّها خير له منك ، حتّى يشب ويختار لنفسه . أخرجه عبد الرزاق في قصة . ودلّ الحديث على أن الأم إذا نكحت ، سقط حقها من الحضانة ؛ وإليه ذهب الجماهير ؛ قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم . وذهب الحسن وابن حزم إلى عدم سقوط الحضانة بالنكاح ، واستدل بأن أنس بن مالك كان عند والدته وهي مزوّجة ، وكذا أم سلمة تزوجت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبقي ولدها في كفالتها ، وكذا ابنة حمزة قضى بها النبي ◌َ لخالتها وهي مُزوجة . قال : وحديث ابن عمرو المذكور فيه مقال ؛ فإنه صحيفة ؛ يريد : لأنه قد قيل : إن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيفة . وأجيب عنه بأن حديث عمرو بن شعيب قبله الأئمة وعملوا به ؛ البخاري وأحمد وابن المديني والحميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم؛ فلا يلتفت إلى القدح فيه . ٦١٨ ١٠ - كتاب الرجعة ٦ - باب الحضانة ١٠٨١ - حديث أبي هريرة وأما ما احتج به ، فإنه لا يتم دليلاً إلا مع طلب من تنتقل إليه الحضانة ومنازعته . وأما مع عدم طلبه ، فلا نزاع في أن للأم المزوّجة أن تقوم بولدها ، ولم يذكر في القصص المذكورة أنه حصل نزاع في ذلك ؛ فلا دليل فيما ذكره على ما ادعاه . ١٠٨١ - وعن أبي هُرَيْرَة رضيَ اللهُ عنهُ: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه! إنَّ زَوجِي يُريدُ أَنْ يَذْهَبَ بابْني ، وقد نَفَعَنِي وَسَقَّانِي مِنْ بِثْرِ أبِي عِنَبَةِ؛ فَجَاءَ زَوْجُهَا، فقال النّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: ((يَا غُلامُ! هذا أَبُوكَ ، وَهذِهِ أُمُكَ؛ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئتَ))، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أَحمَدُ والأرْبَعَةُ ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ . (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني ، وقد نَفَعَني وَسَقَاني من بِئر أبي عِنَبَة) : بكسر العين المهملة ؛ واحدة حبات العنب (فجاء زوجها ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا غُلامُ! هَذا أَبُوكَ، وهذه أُمُكَ؛ فخُذْ بَيَد أَيِّهمَا شئْتَ)) ، فأخذ بيد أمه فانطلقت به . رواه أحمد والأربعة ، وصححه الترمذي) : وصححه ابن القطان . والحديث دليل على أن الصبي بعد استغنائه بنفسه يُخيّر بين الأم والأب . واختلف العلماء في ذلك؛ فذهب جماعة قليلة إلى أنه يخيّر الصبي؛ عملاً بهذا الحديث ؛ وهو قول إسحاق بن راهويه ؛ وحد التخيير من السبع السنين . وذهبت الهادوية والحنفية إلى عدم التخيير ، وقالوا : الأم أولى به إلى أن ٦١٩ .. ١٠ - كتاب الرجعة ٦ - باب الحضانة ١٠٨١ - حديث أبي هريرة يستغني بنفسه ؛ فإذا استغنى بنفسه ، فالأب أولى بالذكر ، والأم أولى بالأنثى؛ ووافقهم مالك في عدم التخيير ، لكنه قال : إن الأم أحق بالولد ذكراً كان ، أو أُنثی ، قيل : حتّى يبلغ . وفي المسألة تفاصيل بلا دليل . واستدل نفاة التخيير بعموم حديث: ((أنت أحق به ، ما لم تنكحي)). قالوا : ولو كان الاختيار إلى الصغير ما كانت أحق به . وأجيب : بأنه إن كان عاماً في الأزمنة ، أو مطلقاً فيها فحديث التخيير يخصصه ، أو يقيده ، وهذا جمع بین الدليلين . فإن لم يختر الصبي أحد أبويه ، فقيل : يكون للأم بلا قرعة ؛ لأن الحضانة حق لها وإنما ينقل عنها باختياره ؛ فإذا لم يخير ، بقي على الأصل . وقيل - وهو الأقوى دليلاً -: أنه يقرع بينهما ؛ إذْ قد جاء في القرعة حديث ﴿: ((اسْتَهِمَا))، فقال الرجل: من يحول بيني أبي هريرة بلفظ : فقال النبي وبين ولدي، فقال ◌َ له: (اختر أيهما شئت))؛ فاختار أَمه فذهبت به . أخرجه البيهقي . وظاهره تقديم القرعة على الاختيار؛ لكن قدّم الاختيار عليها ؛ لعمل الخلفاء الراشدين به ، إلا أنه قال في ((الهدي النبوي)): إن التخيير والقرعة لا يكونان إلا إذا حصلت به مصلحة الولد . فلو كانت الأم أصون من الأب وأغير منه ؛ قدمت عليه ، ولا التفات إلى ٦٢٠