النص المفهرس

صفحات 541-560

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٤٠ - حديث فاطمة بنت قيس
- في الْمُطَلّقَة
صَلى الله
١٠٤٠ - وعن الشّعْبي عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْس عَن النّبِي عَلـ
ثلاثاً - : (لَيْسَ لَهَا سُكْنى، ولا نَفَقَةٌ)). رَوَاهُ مُسلِمٌ .
(وعن الشعبي): هو أبو عمرو عامر بن شرحبيل بن عبد الله الشعبي
الهَمْداني الكوفي ، تابعي جليل القدر ، فقيه كبير، قال ابن عيينة : كان ابن
عباس في زمانه ، والشعبي في زمانه .
مرّ ابن عمر بالشعبي ، وهو يحدث بالمغازي ، فقال : شهدت القوم ، وهو
أعلم بها مني !
وقال الزهري : العلماء أربعة : ابن المسيب بالمدينة ، والشعبي بالكوفة ،
والحسن البصري بالبصرة ، ومكحول بالشام .
ولد الشعبي في خلافة عمر كما في ((الكاشف)» للذهبي ، وقيل : لست
خلت من خلافة عثمان ، ومات سنة أربع ومائة ، وله اثنتان وستون سنة (عن
فاطمة بنت قيس، عن النبي ﴿ - في المطلقة ثلاثاً -: ((ليْسَ لَهَا سُكْنى ،
ولا نَفَقَة» . رواه مسلم) .
الحديث دليل على أن المطلقة ثلاثاً ليس لها نفقة ، ولا سكنى ؛ وفي المسألة
خلاف .
ذهب إلى ما أفاده الحديث : ابن عباس والحسن وعطاء والشعبي ، وأحمد
- في إحدى الروايات - والقاسم والإمامية وإسحاق وأصحابه وداود وكافة أهل
الحديث مستدلين بهذا الحديث .
٥٤١

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٤٠ - حديث فاطمة بنت قيس
وذهب عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز والحنفية والثوري وغيرهم إلى
أنها تجب لها النفقة والسكنى ، مستدلين على الأوّل بقوله تعالى: ﴿فأنفقوا
عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٦]، وهذا في الحامل ، وبالإجماع في
الرجعية على أنها تجب لها النفقة .
وعلى الثاني بقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ [الطلاق: ٦].
وذهب الهادي وآخرون إلى وجوب النفقة دون السكنى ، مستدلين بقوله
تعالى: ﴿وللمطلقات متاع﴾ [البقرة: ٢٤١] ولأنها حبست بسببه كالرجعية .
ولا يجب لها السكنى ؛ لأن قوله : ﴿من حيث سكنتم﴾ يدل على أن ذلك
حيث يكون الزوج ، وهو يقتضي الاختلاط ، ولا يكون ذلك إلا في حق الرجعية .
قالوا : وحديث فاطمة بنت قيس قد طعن فيه بمطاعن يضعف معها
الاحتجاج به ، وحاصلها أربعة مطاعن :
الأول : كون الراوي امرأة ، ولم تقترن بشاهدين عدلين يتابعانها على حديثها .
الثاني : أن الرواية تخالف ظاهر القرآن .
الثالث : أن خروجها من المنزل لم يكن لأجل أنه لا حق لها في السكنى ؛
بل لإيذائها أهل زوجها بلسانها .
الرابع : معارضة روايتها برواية عمر .
وأجيب بأن كون الراوي امرأة غير قادح ، فكم من سنن ثبتت عن النساء؟
يعلم ذلك من عرف السير وأسانيد الصحابة .
٥٤٢

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٤٠ - حديث فاطمة بنت قيس
وأما قول عمر : لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة ؛ لا ندري أحفظت
أم نسيت؟ فهذا تردّد منه في حفظها ؛ وإلا فإنه قد قبل عن عائشة وحفصة عدة
أخبار، وتردّده في حفظها عذر له في عدم العمل بالحديث ، ولا يكون شكه
حجة على غيره .
وأما قوله : إنه مخالف للقرآن ، وهو قوله تعالى : ﴿لا تخرجوهن من
بيوتهن﴾ [الطلاق: ١]، فإن الجمع ممكن بحمل الحديث على التخصيص لبعض
أفراد العام .
وأما رواية عمر ، فأرادوا بها قوله : وسنة نبينا ، وقد عرف من علوم الحديث
أن قول الصحابي : من السنة كذا ، يكون مرفوعاً .
فالجواب أنه قد أنكر أحمد بن حنبل الزيادة من قول عمر ، وجعل يقسم ،
ويقول : وأين في كتاب الله إيجاب النفقة والسكنى للمطلقة ثلاثاً؟! وقال : هذا
لا يصح عن عمر؛ قال ذلك الدارقطني(١).
وأما حديث عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لها
السكنى والنفقة))، فإنه من رواية إبراهيم النخعي عن عمر. وإبراهيم لم يسمعه
من عمر ؛ فإنه لم يولد إلا بعد موت عمر بسنين .
وأما القول بأن خروج فاطمة من بيت زوجها كان لإيذائها لأهل بيته
بلسانها ، فكلام أجنبي عما يفيده الحديث الذي روت ، ولو كانت تستحق
(١) ومثله في ((مسائل أحمد)) لابنه عبدالله - فيما أذكر -!
٥٤٣

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤١ - حديث أم عطية
السكنى ، لما أسقطه صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لبذاءة لسانها ؛ ولوعظها وكفها
عن إذاية أهل زوجها .
ولا يخفى ضعف هذه المطاعن في رد الحديث ، فالحق ما أفاده الحديث،
وقد أطال ابن القيم في ذلك في ((الهدي النبوي)) ناصراً للعمل بحديث فاطمة .
١٠٤١ - وعن أَمِّ عَطيّةَ رضيَ الله عنها: أنَّ رَسُولَ الله صلَّى اللهُ عليه وآله
وسلَّمَ قالَ: ((لا تُحِدَّ امْرَأَةٌ عَلى مَيِّتِ فَوْقَ ثَلاث، إلا عَلى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر
وَعَشْراً ، ولا تَلْبَسْ ثَوْباً مَصْبُوغاً إلا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلْ، ولاَّ تَمَسَّ طِيْبًا
إِلا إِذَا طَهُرَتْ؛ نُبْذَةً مِنْ قُسْطِ، أو أَظْفَارِ))، مُتَّفَقٌ عَلَيْه، وهذا لَفْظُ مُسْلِم،
وَلَأْبِي دَاوُدَ والنّسَائِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ: ((وَلا تَخْتَصِبْ))، وللنّسائيِّ: ((ولا تمتَشِطْ)) .
(وعن أم عطية رضي الله عنها) : اسمها نسيبة ؛ بضم النون وفتح المهملة ،
صحابية لها أحاديث في كتب الحديث (أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم قال: ((لا تحِد) : بضم حرف المضارعة وکسر الحاء المهملة ويجوز ضم
الدال على أن لا ، نافية ، وجزمها على أنها نهي (امْرَأَةٌ عَلى مَيِّتِ فوْقَ ثلاثٍ ،
إلا عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْراً ، ولا تَلْبس ثوْباً مَصْبُوغاً إلا ثَوّْبَ عَصْبٍ):
بفتح العين المهملة وسكون الصاد المهملة فباء موحدة، في ((النهاية)): أنها برود
يمنية يعصب غزلها؛ أي: يجمع ويشد ، ثم يصبغ وينشر، فيبقى مُوَشَّىَّ ؛ لبقاء
ما عُصِبَ مِنْهُ أبيضَ لم يأخذُهُ الصبغ (ولا تكتحل ، ولا تمس طيباً إلا إذَا طَهُرَتْ
تُبْذَةً) : بضم النون وسكون الباء الموحدة فذال معجمة ؛ أي : قطعة (مِنْ قُسْطِ):
١١
بضم القاف وسكون السين المهملة ؛ في ((النهاية)) : أنه ضرب من الطيب ، وقيل :
٥٤٤

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤١ - حديث أم عطية
العود (أوْ أَظْفَار) : يأتي تفسيره (متفق عليه ، وهذا لفظ مسلم ، ولأبي داود
والنسائي من الزيادة: ((ولا تَخْتَضِب))، والنسائي: ((ولا تمتَشِط).
الحديث فيه مسائل .
الأولى : تحريم إحداد المرأة فوق ثلاثة أيام ، على أي ميت من أب أو غيره ،
وجوازه ثلاثاً عليه ، وعلى الزوج فقط أربعة أشهر وعشراً .
إلا أنه أخرج أبو داود في المراسيل من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه
عن جده : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص للمرأة أن تحد على أبيها
سبعة أيام ، وعلى من سواه ثلاثة أيام .
فلو صح كان مخصصاً للأب من عموم النهي في حديث أم عطية ، إلا أنه
مرسل لا يقوى على التخصيص .
الثانية: في قوله : ((امرأة))؛ إخراج للصغيرة بمفهومه ؛ فلا يجب عليها الإحداد
على الزوج ؛ فلا تنهى عن الإحداد على غيره أكثر من ثلاثة ، وإليه ذهب
الحنفية والهادي .
وذهب الجمهور إلى أنها داخلة في العموم وأن ذكر المرأة خرج مخرج
الغالب ، والتكليف على وليها في منعها من الطيب وغيره ؛ ولأن العدة واجبة
على الصغيرة كالكبيرة ، ولا تحل خطبتها .
. الثالثة: في قوله: ((على ميت))، دليل على أنه لا إحداد على المطلقة؛ فإن
کان رجعياً فإجماع .
وإن كان بائناً فذهب الجمهور إلى أنه لا إحداد عليها ، وهو قول الهادي
٥٤٥

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤١ - حديث أم عطية
والشافعي ومالك ورواية عن أحمد لظاهر قوله: ((على ميّت)).
وإن كان مفهوماً ؛ فإنه يؤيده أن الإحداد شرع ؛ لقطع ما يدعو إلى الجماع ،
وكان هذا في حق المتوفى عنها ؛ لتعذر رجوعها إلى الزوج .
وأما المطلقة بائناً ، فإنه يصح أن تعود مع زوجها بعقد إذا لم تكن مثلثة ؛
أي : مطلقة ثلاثاً .
وذهب آخرون ، منهم عليٌّ وزيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه إلى وجوب
الإحداد على المطلقة بائناً؛ قياساً على المتوفى عنها؛ لأنهما اشتركتا في العدة ،
واختلفتا في سببها .
ولأن العدة تحرم النكاح ؛ فحرمت دواعيه ، والقول الأول أظهر دليلاً .
الرابعة : أنه لا دلالة في الحديث على وجوب الإحداد ، وإنما دل على حله
على الزوج الميت .
وذهب إلى وجوبه أكثر العلماء ؛ لما أخرجه أبو داود من حديث أم سلمة :
أنها قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين
تُوُفِي أبو سلمةَ ، وقد جَعَلْتُ عَليَّ صَبْراً ... الحديث ، سيأتي ، ورواه النسائي.
قال ابن كثير : وفي سنده غرابة ، قال : ولكن رواه الشافعي عن مالك أنه
بلغه عن أم سلمة ... فذكره ، وهو مما يتقوى به الحديث ويدلّ على أن له أصلاً .
ولما أخرجه عنها أيضاً أحمد وأبو داود والنسائي : أن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم قال: ((المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ، ولا
٥٤٦

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤١ - حديث أم عطية
الممشقة ، ولا الحلي ، ولا تختضب، ولا تكتحل)).
قال الحافظ ابن كثير : إسناده جيد ، لكن رواه البيهقي موقوفاً عليها .
وذهب الحسن والشعبي : أن المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها زوجها ، تكتحلان
وتمتشطان وتتطيبان وتتقلدان وتنتعلان وتصبغان ما شاءتا .
واستدلا بما أخرجه أحمد - وصححه ابن حبان - من حديث أسماء بنت
عميس قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل
جعفر بن أبي طالب ، فقال: ((لا تحدّي بعد يومك))، هذا لفظ أحمد .
وله ألفاظ كلها دالة على أمره صلى الله عليه وآله وسلم لها بعدم الإحداد
بعد ثلاث؛ وهذا ناسخ لأحاديث أم سلمة في الإحداد ؛ لأنه بعدها ؛ فإن أم
سلمة أمرت بالإحداد بعد موت زوجها ، وموته متقدم على قتل جعفر .
وقد أجاب الجمهور عن حديث أسماء بأجوبة سبعة ، كلها تكلف ، لا
حاجة إلى سردها .
المسألة الخامسة: فى قوله: ((أربعة أشهر وعشراً))، قيل : الحكمة في التقدير
بهذه المدة أن الولد تتكامل خلقته ، وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين
يوماً ، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة ، فجبر الكسر إلى العقد على
طريق الاحتياط ، وذكر العشر مؤنثاً باعتبار الليالي .
والمراد مع أيامها عند الجمهور؛ فلا تحل ، حتّى تدخل الليلة الحادية
عشرة .
٥٤٧

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤١ - حديث أم عطية
المسألة السادسة: فى قوله: ((ثوباً مصبوغاً))، دليل على النهي عن كل
مصبوغ بأي لون إلا ما استثناه في الحديث ، وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء
على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة ، ولا المصبوغة إلا ما صبغ بسواد ،
فرخص فيه مالك والشافعي ؛ لكونه لا يتخذ للزينة ؛ بل هو من لباس الحزن .
واختلف في الحرير؛ فذهبت الشافعية في الأصح إلى المنع لها منه مطلقاً
مصبوغاً ، أو غير مصبوغ .
قالوا : لأنه أبيح للنساء التزين به والحادّة ممنوعة من التزين .
وقال ابن حزم : إنها تجتنب الثياب المصبوغة فقط ، ويحل لها أن تلبس ما
شاءت من حرير أبيض ، أو أصفر من لونه الذي لم يصبغ ، ويباح لها أن تلبس
المنسوج بالذهب والحلي كله من الذهب والفضة والجوهر والياقوت ، وهذا جمود
منه على لفظ النص الوارد في حديث أم عطية !
وأما حديث أم سلمة الذي فيه النهي عن لبسها الثياب المعصفرة ، ولا
الممشقة ، ولا الحلي ، فقال: إنه لم يصح ؛ لأنه من رواية إبراهيم بن طهمان .
ورد عليه بأنه من الحفاظ الأثبات الثقات ، وقد صحح حديثه جماعة من
الأئمة كابن المبارك وأحمد وأبي حاتم .
وابن حزم أدار التحريم على ما ثبت عنده بالنص .
وغيره من الأئمة أداره على التعليل بالزينة ، فبقي كلامهم أن ثوب العصب
إذا كان فيه زينة ، منعت منه ، ويخصصون الحديث بالمعنى المناسب للمنع ، وتقدم
تفسير ثوب العصب عن ((النهاية)) ، وللعلماء في تفسيره أقوال أُخر .
٥٤٨

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤١ - حديث أم عطية
المسألة السابعة : في قوله : ((ولا تكتحل))، دليل على منعها من الاكتحال؛
وهو قول الجمهور .
وقال ابن حزم: ((ولا تكتحل))؛ ولو ذهبت عيناها؛ لا ليلاً، ولا نهاراً ، ودليله
حديث الباب ، وحديث أم سلمة المتفق عليه : أن امرأة توفي عنها زوجها فخافوا
على عينها ، فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستأذنوه في الكحل فما أذن
فيه؛ بل قال: ((لا))؛ مرتين ، أو ثلاثاً .
وذهب الجمهور مالك وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه ؛ إلى أنه يجوز الاكتحال
بالإثمد للتداوي ، مستدلين بحديث أم سلمة الذي أخرجه أبو داود أنها قالت
في كحل الجلاء ، لما سألتها امرأة أن زوجها توفي ، وكانت تشتكي عينها؛
فأرسلت إلى أم سلمة فسألتها عن كحل الجلاء؟ فقالت أم سلمة : لا يكتحل
منه إلا من أمر لا بد منه ، يشتد عليك فتكتحلين بالليل ، وتمسحينه بالنهار .
ثم قالت أم سلمة : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين
توفي أبو سلمة ، وذَكَرَتْ حديث الصبر .
قال ابن عبد البر: وهذا عندي ، وإن كان مخالفاً لحديثها الآخر ، الناهي عن
الكحل مع الخوف على العين، إلا أنه يمكن الجمع بأنه عَلٍ عرف من الحالة
التي نهاها أن حاجتها إلى الكحل خفيفة غير ضرورية ، والإباحة في الليل ؛
لدفع الضرر بذلك .
قلت : ولا يخفى أن فتوى أم سلمة قياس منها للكحل على الصبر، والقياس
مع النص الثابت ، والنهي المتكرر، لا يعمل به عند من قال بوجوب الإحداد .
٥٤٩

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٤٢ و١٠٤٣ - حديثا أم سلمة
١٠٤٢ - وعن أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنهَا قَالَتْ: جَعَلْتُ عَلى عَيْنَيَّ صبراً بَعْدَ
أَنْ توفِّىَ أَبُو سَلَمَةَ، فقال رَسُولُ الله ◌َخُ: ((إنّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ؛ فلا تَجْعَليه إلا
بالليْلِ ، وَانْزِعِيهِ بالنّهَارِ ، ولا تمتَشِطِي بالطِّيبِ ، ولا بالحِنّاء ؛ فإنه خِضَابٌ» . قُلْتُ:
بأي شيءٍ أَمْتَشط؟ قالَ: ((بالسِّدْرِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنسَائِي، وإسْنَادُهُ حَسَنٌ .
(وعن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنهَا قَالَتْ: جَعَلْتُ عَلى عَيْنَيَّ صبراً بَعْدَ أَنْ
توفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فقال رَسُولُ الله ◌ِّهِ: ((إنّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ): بفتح حرف
المضارعة (فلا تَجْعَلِيهِ إلا بالليْلِ ، وَانْزِعِيهِ بالنّهَارِ ، ولا تمتَشِطِي بالطِّيبِ ، ولا
بالحنّاء ؛ فإنه خِضَابٌ)). قُلْتُ: بأي شيءٍ أَمْتَشط؟ قالَ: ((بالسِّدْرِ)). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ وَالنسَائِي ، وإسْنَادُهُ حَسَنٌ) .
فيه دليل على تحريم الطيب ، وهو عام لكل طيب، وقد ورد في لفظ: ((لا
تمس طيباً))، ولكنه قد استثنى فيما سلف حال طهرها من حيضها ، وأذن لها
في القُسط والأظفار، وقال البخاري : القُسط والكست ، مثل الكافور والقافور؛
يجوز في كل منهما القاف والكاف .
قال النووي : القُسط والأظفار : نوعان معروفان من البخور .
١٠٤٣ - وَعَنْهَا رضيَ الله عنهَا: أَنّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ ابْنَتي
مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وقد اشْتَكَتْ عَيْنِها أَفَتَكْحُلُها؟ قَالَ: ((لا))، مُتَفَقٌ عَلَيْهِ .
(وعنها) : أي : أم سلمة (رضي الله عنها: أن امرأة قالت: يا رسول الله !
إنّ ابنتي مات عنها زوجها ، وقد اشتكت عينها أفنكحلها) : بضم الحاء (قال :
((لا)) . متفق عليه) .
٥٥٠

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤٤ - حديث جابر
تقدم الكلام في الكحل ، وظاهر الحديث أنها لا تكحلها للتداوي ؛ فمن قال :
إنه تمنع الحادة من الكحل بالإثمد ؛ لأنه الذي تحصل به الزينة ، فأما الكحل
التوتيا والعنزروت ونحوهما ، فلا بأس به ، لأنه لا زينة فيه ؛ بل يصح العين ، يَردُ
عليه لفظ الحديث ؛ فإنها سألت عن كحل تداوي به العين ، لا عن كحل
الإثمد بخصوصه ، إلا أن يدعى أن الكحل إذا أطلق لا يتبادر إلا إليه .
١٠٤٤ - وعن جَابِر رضي الله عنه قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُذَّ
نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النّبِيَِّ ﴿ فَقَالَ: ((بلى، جُذِّي
نَخْلَكِ؛ فَإِنّكِ عَسى أَنْ تَصَّدَّقِي، أو تَفْعَلِي مَعْرُونَاً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وعن جابر رضي الله عنه قال: طُلِّقَتْ خَالَتي، فأرادت أن تَجُذَّ نخلها) :
بالجيم والذال المعجمة ؛ هو القطع المستأصل؛ كما في ((القاموس))؛ وفي ((النهاية))
بالدال المهملة : صرام النّخل ؛ وهو قطع ثمرها (فزجرها رجل أن تخرج ، فأتت
النبي ◌َ﴿ فقال: ((بَلَى جُذِّي نَخْلَكِ فإنّكِ عَسَى أَنْ تصدقي ، أو تَفْعَلي
مَعْرُوفا)) . رواه مسلم) : في باب جواز خروج المعتدّة البائن كما بوّبه النووي .
وأخرجه أبو داود والنسائي بزيادة : طلقت خالتي ثلاثاً .
والحديث دليل على جواز خروج المعتدّة ، من طلاق بائن ، من منزلها في
النهار للحاجة إلى ذلك ، ولا يجوز لغير حاجة ، وقد ذهب إلى ذلك طائفة من
العلماء ، وقالوا : يجوز الخروج للحاجة والعذر ليلاً ونهاراً، كالخوف وخشية
انهدام المنزل .
ويجوز إخراجها إذا تأذت بالجيران ، أو تأذوا بها أذى شديداً؛ لقوله تعالى :
٥٥١

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤٥ - حديث فُريعة
﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ألا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق: ١]،
وفسر الفاحشة بالبذاءة على الأحماء وغيرهم .
وذهبت طائفة منهم إلى جواز خروجها نهاراً مطلقاً ، دون الليل ؛ للحديث
المذكور ، وقياساً على عدة الوفاة .
ولا يخفى أن الحديث المذكور عّل فيه جواز الخروج برجاء أن تَصدّق ، أو
تفعل معروفاً ، وهذا عذر في الخروج ، وأمّا لغير عذر، فلا يدل عليه ، إلا أن يقال :
إنما هذا رجاء فعل ذلك ، وقد يرجى في كل خروج في الغالب .
وفيه دليل على استحباب الصدقة من التمر عند جذاذه ، واستحباب التعريض
لصاحبه بفعل الخير ، والتذكير بالمعروف والبر .
١٠٤٥ - وعن فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ: أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ في طَلَبٍ أَعْبُدٍ لَهُ،
فَقَتَلُوهُ ، قَالَتْ: فَسَأَلِتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ أَنْ أَرجِعَ إلى
أَهْلِي ؛ فإن زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لي مَسْكَناً يْلِكُهُ، ولا نَفَقَةً ، فَقَال: ((نَعَمْ)) ، فلما
كُنْتُ في الْحُجْرَةِ ، نَادانِي ، فَقَالَ: ((امْكُثي في بَيْتِكِ ، حتّى يَبْلُغَ الكِتَابُ
أَجَلَهُ» ، قالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْراً، قالَتْ: فَقَضى بِهِ بَعْدَ ذلكَ
عُثْمَانُ . أَخَرَجَهُ أَحْمَدُ والأَرْبَعَةُ، وصحَّحه التِّمِذِي وَالذُّهلِيُّ وابنُ حِبّانَ
وَالحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ .
(وعن فريعة) : بضم الفاء وفتح الراء وسكون المثناة التحتية وعين مهملة ؛
أخت أبي سعيد الخدري ، شهدت بيعة الرضوان ، ولها رواية (بنْت مالك: أن
زوجها خرج في طلب أعبد له ، فقتلوه ، قالت : فسألت رسول الله صلى الله
٥٥٢

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤٥ - حديث فُريعة
عليه وآله وسلم أن أرجع إلى أهلي ؛ فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملكه ،
ولا نفقة، فقال: (نَعَمْ))، فلما كنت في الحجرة ، ناداني، فقال: ((امْكثي في
بَيْتِك، حتّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ))، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً،
قالت : فقضى به بعد ذلك عثمان . أخرجه أحمد والأربعة ، وصححه
الترمذي والذهلي) : بضم الذال المعجمة (وابن حبان والحاكم وغيرهم) :
أخرجوه كلهم من حديث سعد بن إسحاق بن كعب ، عن عمته زينب بنت
كعب بن عجرة عن الفريعة .
قال ابن عبد البر: هذا حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق ،
وأعله عبد الحق ؛ تبعاً لابن حزم بجهالة حال زينب ، وبأن سعد بن إسحاق غير
مشهور العدالة ، وتعقب بأن زينب هذه من التابعيات ، وهي امرأة أبي سعيد ،
روى عنها سعد بن إسحاق ، وذكرها ابن حبان في كتاب ((الثقات))، وقد روى
عنها سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة ؛ فهي امرأة تابعية تحت صحابي ،
ثم روى عنها الثقات ، ولم يطعن فيها بحرف .
وسعد بن إسحاق وثّقه ابن معين والنسائي والدارقطني ، وروى عنه حماد
ابن زيد وسفيان الثوري وابن جريج ومالك وغيرهم .
والحديث دليل على أن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها الذي نوت فيه
العدّة ، ولا تخرج منه إلى غيره .
وإلى هذا ذهب جماعة من السلف والخلف ، وفي ذلك عدّة روايات وآثار
عن الصحابة ومن بعدهم ، وقال بهذا أحمد والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم .
٥٥٣

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤٥ - حديث فُریعة
وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام
ومصر والعراق ، وقضى به عمر بمحضر من المهاجرين والأنصار .
والدليل حديث الفريعة ، ولم يطعن فيه أحد ، ولا في رواته إلا ما عرفت ،
وقد دفع .
ويجب لها السكنى في مال زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤٠]
الآية ، وإن كان قد نسخ فيها استمرار النفقة والكسوة حولاً ، فالسكنی باق
حكمها مدة العدّة .
وقد قرّر الشافعي الاستدلال بالآية بما فيه تطويل .
وذهبت طائفة من السلف والخلف إلى أنه لا سكنى للمتوفى عنها ، روى
عبد الرزاق عن عروة عن عائشة : أنها كانت تفتي المتوفى عنها بالخروج في
عدتها .
وأخرج أيضاً عن ابن عباس أنه قال : إنما قال الله : تعتدّ أربعة أشهر وعشراً ،
ولم يقل : تعتد في بيتها ! فتعتد حيث شاءت .
ومثله أخرجه عن جابر بن عبد الله ، ومثله عن جماعة من الصحابة ، وإليه
ذهب الهادي فقال : لا تجب لها السكنى ، ويجب أن لا تبيت إلا في منزلها،
ودليلهم ما ذكره ابن عباس من أنه تعالى ذكر مدة العدة ، ولم يذكر السكنى .
والجواب أنه ثبت بالسنة ، وهو حديث الفريعة ، وبالكتاب أيضاً كما تقدم ،
إلا أن حديث الفريعة صرحت فيه أن البيت ليس لزوجها؛ فيؤخذ منه أنها لا
تخرج من البيت الذي مات وهي فيه ؛ سواء كان له ، أوْ لا .
٥٥٤

١٠ - كتاب الرجعة ٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٤٦ و١٠٤٧ - حديثا فاطمة بنت قيس وعمرو بن العاص
وقد أطال في ((الهدي النبوي)) الكلام على ما يتفرع من إثبات السكنى ،
وهل تجب على الورثة من رأس التركة ، أو لا؟
وهل تخرج من منزلها للضرورة ، أو لا؟
وذكر خلافاً كثيراً بين العلماء في ذلك ، ليس للتطويل بنقله كثير فائدة؛ إذْ
ليس على شيء من تلك الفروع دليل ناهض .
١٠٤٦ - وعن فاطمَةَ بنْتِ قَيْس ، قَالَتْ: قُلْتُ: يا رسولَ الله! إنَّ زَوْجي
طَلْقَنِى ثَلاثاً، وأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَليَّ؟ فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
(وعن فاطمة بنت قيس ، قالت : قلت: يا رسول الله! إن زوجي طلقني
ثلاثاً، وأخاف أن يُقتحَم) : مغير الصيغة (عليَّ) : أي : يهجم علي أحد بغير
شعور (فأمرها فتحولت . رواه مسلم) : تقدم الكلام على حديث فاطمة وحكم
ما أَفاده(١) ، ولا وجه لإعادة المصنف له !
١٠٤٧ - وعن عَمْرو بن الْعَاص رضي الله عنه قالَ: لا تُلْبسوا عَلَيْنَا سُنّةَ
نَبِينَا؛ عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إذا توُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرِ وَعَشْرٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو
دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحِهُ الْحَاكِمُ ، وَأَعَلَّهُ الدَّارِقُطنيُّ بالانْقِطَاعِ .
(وَعَنْ عَمْرو بن الْعَاص رضي الله عنه قالَ: لا تُلْبِسوا عَلَيْنَا سُنّةَ نَبِينَا؛
عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إذا توْفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَأَعَلَّهُ الدَّارِقُطْنِيُّ بالانْقِطَاعِ) : وذلك لأنه من
رواية قبيصة بن ذؤيب ، عن عمرو بن العاص ، ولم يسمع منه . قاله الدارقطني .
(١) (ص٥٤١) .
٥٥٥

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ... ١٠٤٧ - حديث عمرو بن العاص
وقال ابن المنذر : ضعفه أحمد وأبو عبيد .
وقال محمد بن موسى : سألت أبا عبد الله عنه فقال : لا يصح ، وقال
الميموني : رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا، ثم قال :
أي سنة للنبي {﴿ في هذا؟!
وقال: أربعة أشهر وعشراً! إنما هي عدة الحرة عن النكاح ، وإنَّما هذه أمة
خرجت عن الرق إلى الحرية .
وقال المنذري : في إسناد حديث عمرو ، مطر بن طهمان أبو رجاء الوراق ،
وقد ضعفه غير واحد .
وله علة ثالثة ؛ هي الاضطراب ؛ لأنه روي على ثلاثة وجوه .
وقال أحمد: حديث منكر، وقد روى خلاس عن علي مثل رواية قبيصة
عن عمرو ، ولكن خلاس بن عمرو قد تكلم في حديثه ؛ كان ابن معين لا يعبأ
بحديثه .
وقال أحمد في روايته عن علي ، يقال : إنها كتاب ، وقال البيهقي : رواية
خلاس عن علي ضعيفة عند أهل العلم .
والمسألة فيها خلاف ، ذهب إلى ما أفاده حديث عمرو ، الأوزاعي والناصر
والظاهرية وآخرون .
وذهب مالك والشافعي وأحمد وجماعة إلى أن عدتها حيضة ؛ لأنها ليست
زوجة ، ولا مطلقة ؛ فليس إلا استبراء رحمها؛ وذلك بحيضة ؛ تشبيهاً بالأمة
يموت عنها سيدها ، وذلك مما لا خلاف فيه .
٥٥٦

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤٨ - حديث عائشة
وقال مالك : فإن كانت ممن لا تحيض ، اعتدت بثلاثة أشهر ولها السكنى .
وقال أبو حنيفة : عدتها ثلاث حيض ، وهو قول علي وابن مسعود ؛ وذلك
لأن العدة إنما وجبت عليها وهي حرة ، وليست بزوجة ؛ فتعتد عدة الوفاة ، ولا
بأمة فتعتد عدة الأمة ، فوجب أن يستبرأ رحمها بعدة الحرائر .
قلنا : إذا كان المراد الاستبراء ، كفت حيضة ؛ إذْ بها يتحقق ، وقال قوم :
عدتها نصف عدة الحرة تشبيهاً لها بالأمة المزوجة ؛ عند من يرى ذلك ، وسيأتي .
وقالت الهادوية : عدتها حيضتان ؛ تشبيهاً بعدة البائع والمشتري ؛ فإنهم يوجبون
على البائع الاستبراء بحيضة ، وعلى المشتري كذلك ، والجامع زوال الملك .
قال في ((نهاية المجتهد)): سبب الخلاف أنها مسكوت عنها ؛ أي في الكتاب
والسنة ، وهي مترددة الشبه بين الأمة والحرة ، فأما من شبهها بالزوجة الأمة ،
فضعيف ، وأضعف منه من شبهها بعدة الحرة المطلقة . اهـ .
قلت : وقد عرفت ما في حديث عمرو من المقال ، فالأقرب قول أحمد و
الشافعي أنها تعتد بحيضة ، وهو قول ابن عمر وعروة بن الزبير ، والقاسم بن
محمد والشعبي والزهري ؛ لأن الأصل البراءة من الحكم ، وعدم حبسها عن
الأزواج ؛ واستبراء الرحم يحصل بحيضة .
١٠٤٨ - وعن عَائِشَةَ رضيَ الله عنها قالتْ: إنّمَا الأَقْرَاءُ الأطْهَارُ. أَخْرَجهُ
مَالِكٌ في قِصَّة بسندٍ صَحِيحِ .
(وَعَنْ عَائِشَةَ رضيَ الله عنها قالتْ: إِنّمَا الأَقْرَاءُ الأطْهَارُ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ
في قِصَّة بِسَنَدٍ صَحِيح) .
٥٥٧

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤٨ - حديث عائشة
والقصة هي ما أفاده سياق الحديث ؛ قال الشافعي : أخبرنا مالك عن ابن
شهاب عن عروة ، عن عائشة أنها قالت ، وقد جادلها في ذلك ناس ، وقالوا : إن
الله يقول: ﴿ثلاثة قروء﴾؟ [البقرة: ٢٢٨] فقالت عائشة : صدقتم ، وهل تدرون ما
الأقراء؟ الأقراء : الأطهار .
قال الشافعي : أخبرنا مالك عن ابن شهاب : ما أدركت أحداً من فقهائنا ،
إلا وهو يقول هذا؛ يريد الذي قالت عائشة . انتهى .
واعلم أن هذه مسألة اختلف فيها سلف الأمة وخلفها ، مع الاتفاق أن القَرء
- بفتح القاف وضمها - يطلق لغة على الحيض والطهر .
وأنه لا خلاف أن المراد في قوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ أحدهما لا مجموعهما .
إلا أنهم اختلفوا في الأحد المراد منهما فيها ؛ فذهب كثيرٌ من الصحابة
وفقهاء المدينة والشافعي وأحمد - في إحدى الروايتين -؛ وهو قول مالك؛
وقال : هو الأمر الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا ، أن المراد بالأقراء في الآية
الكريمة الأطهار، مستدلين بحديث عائشة هذا .
وقال الشافعي : إنه يدل لذلك الكتاب واللسان؛ أي : اللغة ، أمّا الكتاب ؛
فقوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، وقد قال صلى الله عليه وآله
وسلم في حديث ابن عمر : ((ثم تطهر ، ثم إنْ شاء أمسك ، وإن شاء طلق ؛
فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)).
وفي حديث ابن عمر : لما طلق امرأته حائضاً ، قال رسول الله صلى الله عليه
٥٥٨

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤٨ - حديث عائشة
وآله وسلم: ((إذا طهرت، فليطلق، أو يمسك))، وتلاَّةٍ: ﴿إذا طلقتم النساء
فطلقوهنّ﴾ [الطلاق: ١] لقبل عدتهن ، أو في قبل عدتهن .
قال الشافعي: أنا شككت؛ فأخبر ◌َالٍ أن العدة الطهر دون الحيض ، وقرأ :
﴿فطلقوهن﴾ لقبل عدتهن؛ وهو أن يطلقها طاهراً؛ وحينئذ تستقبل عدتها ، فلو
طلقت حائضاً ، لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض .
وأما ((اللسان)) فهو أن القرء اسم معناه الحبس، تقول العرب: هو يقرئ الماء
في حوضه ، وفي سقائه ، وتقول : يقرئ الطعام في شدقه ؛ يعني يحبس الطعام
فيه ، وتقول : إذا حبس الشيء ، أقرأه ؛ أي : خبأه ، وقال الأعشى :
تشد لأقصاها عزيم عزائكا
أفي كل يوم أنت جاشم غزوة
لمأ ضاع فيها من قروء نسائكا
مورثة عزَّاً وفي الحي رفعة
فالقرء في البيت بمعنى الطهر؛ لأنه ضيع أطهارهن في غزاته ، وآثرها عليهن ؛
أي : آثر الغزو على القعود ، فضاعت قروء نسائه بلا جماع ؛ فدل على أنها الأطهار .
وذهب جماعة من السلف كالخلفاء الأربعة وابن مسعود وطائفة كثيرة من
الصحابة والتابعين ، إلى أنها الحيض ، وبه قال أئمة الحديث ، وإليه رجع
أحمد ، ونقل عنه أنه قال : كنت أقول : إنها الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنها
الحيض ، وهو قول الحنفية وغيرهم .
واستدلوا بأنه لم يستعمل القرء في لسان الشارع إلا في الحيض ؛ كقوله تعالى :
﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهذا هو
٥٥٩

١٠ - كتاب الرجعة
٣ - باب العدة والإحداد ...
١٠٤٨ - حديث عائشة
الحيض والحمل ؛ لأن المخلوق في الرحم هو أحدهما ، وبهذا فسره السلف والخلف .
وقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) ، ولم
يقل أحد أن المراد به الطهر .
ولقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيما أخرجه أحمد وأبو داود في
سبايا أوطاس : ((لا توطأ حامل ، حتّى تضع ، ولا غير ذات حمل ، حتّى
تحيض حيضة)) ، وسيأتي .
وأجاب الأولون عن الآية ؛ بأن الآية أفادت تحريم كتمان ما خلق الله في
أرحامهن ، وهو الحيض ، أو الحبل ، أو كلاهما .
ولا ريب أن الحيض داخل في ذلك ، ولكن تحريم كتمانه لا يدل على أن القرء
المذكور في الآية هو الحيض ؛ فإنها إذا كانت الأطهار، فإنها تنقضي بالطعن في
الحيضة الرابعة ، أو الثالثة ؛ فكتمان الحيض يلزم منه عدم معرفة انقضاء الطهر
الذي تتم به العدة ؛ فتكون دلالة الآية على أن الأقراء الأطهار أظهر ؛ وعن
الحديث الأول ؛ بأن الأصح أن لفظه كما قال الشافعي : أخبرنا مالك عن نافع
ابن سليمان بن يسار، عن أم سلمة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم قال : ((لتنتظر عداد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر ، قبل
أن يصيبها الذي أصابها ، ثم لتدع الصلاة ، ثم لتغتسل ولتصل))، وهذه رواية
نافع ، ونافع أحفظ من سليمان بن يسار الراوي لذلك اللفظ .
هذا حاصل ما نقل عن الشافعي من رده للحديث الأول ؛ وعن الحديث
الثاني ؛ بأنه لا شك أن الاستبراء ورد بحيضة ، وهو النص عن رسول الله صلى
٥٦٠